لمن القرار 9

لمن القرار 9

الفصل الرابع والأربعون (1)
********
هل فرت هاربة للتو من مشاعرها، وهل خانتها دموعها العزيزة حزناً وقهراً، وهل أندفعت نحو غرفة صغيرتها تُبحث فيها عن شيئاً تفقده؟

والإجابة كانت واضحة، بل واضحة للغاية..
استيقظت الصغيرة بعدما شعرت بضمه قوية حنونه ..، ظنته والدها كما اعتادت ولكن عيناها الناعستين سقطت على ملامح والدتها غير مصدقه إنها تضمها إليها

– مامي أنا بحبك اوي

همست الصغيرة بصوت ناعس، وعادت لغفوتها بعدما شعرت بالأطمئنان في أحضان والدتها..،
أزالت “شهيرة” دموعها، حتى تظهر لها بمظهرها المعتاد..، فوجدتها قد غفت بعدما منحتها أجمل عبارة، صغيرتها رغم هجرها لها وإهمالها تحبها دون أن تُطالبها بشئ غير حبها وعاطفتها.
عادت دموعها تُخانها، تتأمل ملامح صغيرتها التي تشبه والدها لحد كبير

– ليه هو محبنيش زي ما حبك يا خديجة؟

والصغيرة كانت غارقة في أحلامها، تدفن نفسها اكثر في احضانها.
………..

ضمها إليه بعدما أنتهت عاصفة حبهم، ابتسم وهو يراها تدفن رأسها بصدره..، تهمس له بخفوت وخجل ..، بأنها أسعد النساء..
ضحك وهو يُطالبها أن تعيد عبارتها عليه، فهو يحتاج سماعها منها

– قوليها يا حببتي بصوت واضح

ارتفعت وتيرة أنفاسها وقد شعر بانفاسها فوق عنقه، بعدما تشبثت به أكثر

– سليم

تعالت ضحكاته، وهو يسمعها تهتف اسمه حتى يتوقف عن إرباكها

– سليم مش هيسكت النهارده، غير لما تقولي بصوت عالي كنتِ بتقولي إيه؟

أصر ورفضت، فقرصها فوق ذراعها.. فابتعدت عنه تصرخ من الألم..؛ فطالعها بعبث ينظر لهيئتها التي سرعان ما ادركتها عندما ابتعدت عنه، عادت إليه تدفن جسدها بين ذراعيه

– عبري ليا عن مشاعرك يا فتون، عايز أحس إني فعلا وصلت لقلبك وقدرت ارجع بطلك زي زمان

علقت عيناها بعينيه، وقد افاقها حديثه من نشوتها واحساس الكمال الذي يجعلها تشعر به كلما تعانقت أرواحهم

– مافيش بطل يا سليم، مافيش راجل بطل ولا ست بتكون بطلة الحكاية

احتلي الذهول ملامحه، ونهض معتدلاً ينظر لها وقد ضاقت عيناه، يُركز في امرأته الصغيره التي بدأت تكبر وتنضج مع الأيام

– كنت زمان بطلك يا فتون، إيه اللي اتغير فجأة
– ومازلت بطل حكايتي

عقد حاجبيه، لا يستوعب انها أصبحت تجيد المراوغة اللذيذة والتلاعب معه بالعبارات، لم يكن بالرجل ذو الافق الضيقه.. بل كان بارع في التقاط الثغائر وفهم الملامح.. ،وصغيرته مهما نضجت وتعلمت فسيظل اكثر من يفهمها

– زمان كنت بشوفك بطل مبيغلطش، بطل لو غلط مش هيبقى بطل تاني وصورته هتضيع..، لكن كلنا بنغلط، كلنا لينا لحظات ضعف
– حياة جنات أثرت فيكي يا فتون مش كده؟

ترك كل حديثها خلفه..،وأمسك بالطرف الذي لم تظنه سيبحث فيه عن سبب تغيرها ..
طالعته في صمت، فالتقط كفيها يضمهما بين كفيه، يمسد فوقهما برفق

– الحاجة الوحيده اللي بتعلم الإنسان هي التجارب يا فتون

وهي لم تكن أهلاً للصمود، عندما تتأثر بحياة الغير

– جواز جنات دمرها يا سليم، جنات انطفت.. انا افتكرت نفسي زمان مع حسن

شعرت بقوة قبضته فوق كفيها، عندما ذكرت زوجها الأول الذي انتقم منه الله.. ومات بجرعة مخدرات زائدة بعد أن خدعته إحدى النساء الماكرات

– صحيح كاظم مش زي حسن، ومحدش عاش اللي أنا عشته

تعالت شهقتها، وقد ازداد ضغطه فوق كفيها، فهو لا يحتمل سيرة هذا الرجل..
اغمض عيناه يُحاول بقدر استطاعته تمالك نفسه وإصراف غضبه
تألمت بخفوت وقد ازدادت الألم فوق يديها تهتف اسمه
– سليم، ايدي يا سليم

انتبه علي صوتها، ينظر نحو كفيها.. ،وقد اشتد احمرارهم,
شعر بالضيق من نفسه، فانسابت دموعها فوق خديها بعدما عانقت عيناه عينيها، ثم اسرع في ضمها إليه يُطمئنها أنه معها..،
ولكن الليلة كانت طويله بشدة وهي تُخبره عن ما عاشته مع “حسن” وهو يستمع في صمت وجمود

زفرت أنفاسها أخيراً، بعدما أنتهت من سرد بعض الذكريات.. تُطالع ملامحه التي أصبحت شديدة القتامة..، أرادت الابتعاد عنه خشية، فعاد وجذبها إليه يهتف بصلابه

– رايحه فين؟

وقبل أن تهتف بشئ، كان يُخرسها بقبلاته.. ،يخبره بأنه وحده زوجها، وأنه الأول في كل شئ.. كل جزءً بها يملكه..، أخرجت الوحش الكامن داخله.. ، و لم يكن لأول مرة نفس الرجل الذي عاهدته…الحنون في لمساته

ابتعد اخيراً عنها، يلهث أنفاسه بقوة..، وكأنه انتبه علي ما كان يفعله بها..

– فتون أنا آسف

ولم تكن تتطالعه إلا في صمت، اجتذبها لاحضانه، يعيد اعتذاره لها مجدداً، يُخبرها أنها السبب.. ،فقد ضغطت علي أكثر الأشياء التي يكره تذكرها والحديث فيها

– قولتلك يا فتون بلاش سيرته.. اتكلمي معايا في أي حاجة بعيداً عنه سيرته

– أنت كأنك كنت بتعاقبني يا سليم

ضمها إليه نادماً، يمدّ كفه نحو وجهها يمسح عليه برفق

– مكنتش حاسس بنفسي ، سيرته بتفكرني إزاي كنت غبي لما صدقته في يوم.. وكنت هأذيكي بسببه.. ،كان نفسي أخدلك حقك منه بأيدي

وهل تذكرها له كان شيئاً سهلاً عليها، ولكنه كان علامة في حياتها..، بصمه وضعت فوق جسدها وشوهت روحها.. في الوقت الذي كانت براعمها مازالت تتفتح

ابتعدت عنه، تنظر له بنظرة قد فهمها

– اطلبي يا فتون، اللي أنتِ عايزاه

طالعته في صمت ، حتى تجد البداية لتخبره عن طلبها

– جنات محتاجة ترجع الشغل تاني، أرجوك ساعدها يا سليم

انفرجت شفتيه في ضحكة قويه، مما جعلتها تعبس بملامحها، تقطب ما بين حاجبيها

– كل الدراما اللي كنا فيها ديه، عشان جنات عايزه ترجع الشغل..، وطبعا تجبيلي البدايه إزاي، فلازم نفتح الدفاتر القديمه ونقلبها حلقة نكد، وقد إيه هي طلعت مظلومه من جوازها من كاظم، رغم إني حذرتها، كاظم راجل معندهوش مشاعر، راجل بتاع شغل وبس

– واحمس يتدرب في المؤسسه

توقف عن الحديث، بعدما أستمع لطلبها الأخر، وقد طلبته بكل وضوح دون مماطله

– مش أنت لسا قايل اطلب، من غير ما اضطر ما الف وادور

ارتفع كلا حاجبيه متعجباً، من نظرتها العابثة له ..، فالقطه الصغيرة لم تعد دون مخالب

– ده أمر..، ولا طلب

وببراءة كانت تعود إليها، تهتف وهي تتسطح فوق الفراش مسترخية، تحت نظراته التي تلتهمها

– طلب و رجاء يا حبيبي
– جنات اه، أحمس لاء

اعترض، وهي كانت تفهم سبب اعتراضه..، طالعت ملامحه الجامدة، لا تستوعب كيف رجلاً مثله يشعر بالغيرة من شابً ك “أحمس”

– سليم، أحمس وجنات عيلتي التانيه، وقفوا معايا في اكتر وقت كنت محتاجه حد في ضهري وجانبي
امتقعت ملامحه وهو ينهض من جوارها، يرمقها من فوق كتفه، يهتف باقتضاب

– مش جنات برضوه، كنتِ زعلانه منها في بداية جوازنا..، لأنها اتعاونت معايا عشان اعرف اتجوزك

– ما أنا طلعت كسبانه اه، و لولا إنها اتعاونت معاك مكنتش عيشت السعاده اللي أنا عايشها

توقف مكانه، وعاد يلتف إليها بكامل جسده .. ،يرمقها بنظرات فاحصة طويلة وكأنه يدرس المخلوقة الجديده التي بدأت تُحادثه بحنكة

– شايف نسخة جديدة من مراتي..، بس يا تري التلميذ أول ما هيجي يتمرد.. هيتمرد علي أستاذه

– إطلاقا سيدي!

ضاقت عيناه ،وعاد إليها يلتقطها من فوق الفراش، فتمكنت من كتم ضحكتها بصعوبة

– هعترف وهقر بكل حاجة، أنا بدأت انضم لدورات تثقيفية في الجامعه مع احمس

– احمس تاني، بلاش تخليني احلف إنك تقطعي علاقتك بي

– سليم النجار، راجل عاقل..، بيعرف يفهم الناس كويس اوي ولا إيه يا سيدي

– موافق يا فتون، لحد ما اشوف آخرة عيلتك التانيه إيه

– وبمناسبة عيلتي الأولى، عايزه اسافر لأهالي بعد الامتحانات

رمقها بملامح مبهمة، وهو يميل نحوها، يسألها عن طلباتهم الأخرى
– وإيه كمان

وببراعة كانت تنتشله من مشاعره في تغيرها ، تُخبره بتلقائيتها

– هبقي طماعه يا سيدي لو طلبت أكتر من كده

وبعنفوان أكبر كان يُدمغها بعشقه، يخبرها مراراً إنه يُحبها بل يعشقها، يعشق ضعفها وتمردها الجديد،يعشقها بكل ما فيها..، وهو لم يكن يوماً هكذا.. ،لم يكن يعشق إلا المميز في النساء واليوم علم كيف يكون العشق الحقيقي.
…….

كان هذا الصباح مختلفاً علي جنات وهي تتلقى المكالمة من “فتون” التي اخبرتها بمرح عن قبول سليم لعودتها للعمل، بل منح فرصة أيضا لأحمس

– أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا فتون..، لأول مرة هعترف ليكي، إن وجود سليم في حياتنا غير حاجات كتير

ابتسمت “فتون” وهي تستمع لحديث “جنات” عن زوجها، وكيف هو رجلاً حقيقياً

– فعلا يا جنات، نفسي اعمله حاجة تفرحه
– هاتيله طفل، وهو هيفرح

القتها “جنات” مازحة لا تقصد شئ من وراء مزحتها ، فتلاشت السعادة من فوق ملامحها.. و وقفت أعلي الدرج تزفر أنفاسها متنهدة بأسي

– باخد العلاج ومافيش حاجة يا جنات، وسليم مبقاش يهتم خلاص..

عادت المخاوف تطرق حصونها الضعيفة، فشعرت “جنات” بالحزن على حالها

– الدكتور قال مافيش سبب قوي يمنع، أنتِ بس محتاجه شوية علاج وكله هيكون تمام

دمعت عيناها،تتمنى داخلها ألا تُحرم من هذه السعادة التي تعيشها

– أسفه يا فتون، شوفي أنتِ اتصلتي تفرحيني.. ،وأنا زعلتك من غير ما أقصد

أسرعت في مسح دموعها، وعادت تبتسم وهي تُكمل هبوط الدرج، غير منتبها علي نظرات “شهيرة” السعيدة لما سمعته..

الخادمة الصغيرة لديها مشاكل بالحمل، لن يكون لابنتها أشقاء من هذه الخادمة، ولن تستمر هذه الزيجة بالتأكيد
عادت لغرفتها، تلتقط هاتفها.. تُريد أن تشارك أحداً بسعادتها لما سمعته بالمصادفة

– عندها مشاكل في الخلفة يا دينا، مش محتاجين موضوع الحبوب في حاجة خلاص..

و”دينا” كانت أكثر من سعيدة بالخبر، لقد وضعت شهيرة في الصوره، واصبحت تنتظر فرصتها من بعيد..، فلا شهيرة ولا الخادمة سيظلوا بحياته..، بعدما يبدء سليم بالضجر منهن… وسيبحث عن أخرى تُريحه وتنجب له ولداً كما يرغب الكثير من الرجال .
……..

شهقت بفزع، وهي تراه يعقد ساعديه امام صدره..، ينظر إليها بنظرة لم تفهمها.. ،تجاهلته واتجهت نحو خزانة ملابسها تلتقط منها بعض الثياب..
انتقت الثوب الذي سترتديه واتجهت نحو المرحاض حتي تتمكن من ارتداءه وتذهب لعملها الذي عادت إليه
– لو أنا بقيت شفاف قدامك قوليلي يا مدام
قلبت شفتيها ممتعضة من حديثه..، وأكملت خطواتها، فاجتذبها بغضب

– رايحة فين يا مدام

وببساطة كانت تُجيبه عن الحديث الذي أستمع إليه منذ دقائق ، زوجته المصونة قد حصلت علي عمل دون أن تبلغه وتأخذ منه قرار موافقته

– رجعت لشغلي تاني..

وبملامح مسترخية ،اردفت ببرود وهي تتجاهل نظراته إليها

– الواحده مننا ملهاش غير شغلها

– مافيش شغل، فاهمه

دفعها من أمامه، صائحاً.. فتعالت ضحكاتها ،حتى آلمتها معدتها من شدة الضحك

– ضحكتني يا كاظم باشا، مش ده برضوة كان من اتفقانا زمان..، مافيش مشكلة اشتغل بس محدش يعرف إني مراتك..، ومتقلقش أنا مش لابسه دبلة ولا حاجة، الخاتم الالماظ اللي حسيت بالسعادة وانا بلبسه اتخلصت منه ورميته في حمام السباحة

التمعت عيناه بالجمود وهو يسمعها، فاسرعت بالابتعاد عنه، فلم يعد لديها متسع للحديث معه وإضاعة وقتها

– بلاش تلعبي معايا يا جنات، أنتِ جربتي اللعب معايا كان آخرته إيه

– أخرتها إنك رجعتني أقوى، خلتني أعرف إن قبل ما قلبك يذلك ومشاعرك تخونك إتجاه غريزتك..، تقتل نفسك قبل ما ترميها تحت رجلين راجل مبيعرفش يعني إيه حب

هتفت بها بمراره وهي تتحاشي النظر إليه، رحل من أمامها في صمت تعجبته منه، لا تُصدق إنه انسحب هكذا دون أن يسمعها حديثه القاسي

خرج من المنزل وكأن إعصار قد اقتحمه، وصعد سيارته يضغط برأسه فوق عجلة القيادة، لا يعرف ما الشئ الذي بدء يتغير داخله، والإجابة كانت مفقودة وهو يتذكر حديث زوجة والده معه
” هتعيش طول عمرك وحيد، أنت شبه جودة النعماني لكن بصورة أقسي..، ظالم زيه”

وهل هي كانت بعيدة عن ما تصفه به، إنه امرأة مستغله تعشق المال، المال الذي باتوا يلحسون أقدامه ، يصمتون علي قراراته حتى لا يخرجهم من النعيم،
قسوته هي التي صنعته ولن يضعف يوماً لامرأة، النساء لا يستحقون المال، لا يستحقون إلا الأحتقار

ومع افكارة، كانت تشتد قبضته فوق عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصل يديه..
اتجهت عيناه نحو المنزل الخالي الواسع الذي لا يوجد به إلا سواهم ..،

ترجل من سيارته عائداً إليها ؛ فتوقفت عيناه علي جسدها، وقد أسقطت المنشفة عنها حتى ترتدي ثيابها، خرجت شهقتها بفزع وهي تراه يقف أمامها مجدداً.. ، فاسرعت في التقاط ملابسها ترتديها بعجالة.. ، وقد تلاقت عيناها المتوتره بعينيه التي تحول الغضب فيهما..، إلي عاصفة قوية من الرغبة
اقترب منها يجذبها إليها، يخبرها بغضب

– وجودك مش هينتهي من حياتي غير بمزاجي، وزي ما اجبرتيني اتجوزك..، هجبرك علي العيشة معايا يا جنات
………

وقفت” بسمه” تتلقي الأوامر من السيدة سعاد مع بضعة من خادمات أخريات ، قد تم طلبهم من مكتب التوظيف..

اليوم هو حفلة نجاح الحملة الدعائية، والسيد “جسار” قرر الاحتفال مع موظفينه وشركاءه وبعضاً من معارفه، هتفت بهم السيدة “سعاد” بعدما القت اوامرها

– كل واحد يروح علي شغله

انصرف الجميع ووقفت هي تنتظر سيرها لتسير خلفها، فعملها سيكون بالمطبخ مع السيدة سعاد

– عايزين نكون جاهزين قبل ميعاد الحفلة، يا بسمه

حركت رأسها في صمت، وهي تتبعها وقبل أن تدلف خلفها للمطبخ.. ، التفت إليها

– أطلعي حطي البدلة اللي هيلبسها البيه علي السرير، واقفلي اوضته وهاتي مفتاحها..

صعدت لتنفذ ما أمرتها به، ضمت بذلته ومتعلقاتها إليها، تشم رائحتهم في حلماً بعيداً للغاية، فحتى هو لم يمنحها فرصة لتكون شخصاً أخر، شخصاً يحق له العيش ونيل الحياة التي يتمناها

أسرعت في وضع متعلقاته بعدما نفضت رأسها من أحلامها ، وفرت هاربه من مشاعرها.

تعثرت قدماها وسقطت أرضاً فوق ذراعها تصرخ من الألم،
لم ينتبه أحداً علي صراخها، فالجميع كان منشغل بمهامه
عادت للمطبخ متألمه، فرمقتها السيدة سعاد بضيق من تأخرها عليها

– كل ده بتعملي اللي قولتلك عليه، يلا بسرعة خلينا نشوف شغلنا

– أنا محتاجه..

وقبل أن تُخبرها إنها بحاجة لثلج تضعه فوق كدمة ذراعها، كانت تناولها إحدى صواني الطهي الكبيرة

– حطيها في الفرن، وكملي بدالي الباقي..، لحد ما اروح اشوف بيعملوا إيه في الجنينه

حملت عنها الصينية، واتجهت تضعها في الفرن كما أمرت، لم يكن لديها وقتً.. لتهتم بألم ذراعها، كل ما كان عليها أن تفعل كل ما تؤمر به،
فهذا هو عملها الذي تنال بسببه العيش في منزله والطعام الذي تحصل عليه، وايضاً المال الذي سيرفر لها حياة كريمه وتشتري منه ما تُريده

انتهى اخيراً كل شئ، وبدء الضيوف في الحضور، حتى هو أتى منذ ساعة وصعد غرفته واتبعته السيدة سعاد حتى تُخبره بأن كل شئ يسير علي أكمل وجه.

كانت تشعر بالقلق، بأن تخرج لضيوفه ويتعرف عليها البعض، ويعلمون بموضعها الحقيقي، فما هي إلا خادمة في منزله
ولكن السيدة سعاد، أعطت اوامرها للاخريات، بأن يقوموا بمهمه الضيافة

اقتربت من شرفة المطبخ بملامح مرهقة ، تنظر لبعض الوافدين للحفل بملامح حزينه، تراه يقف ويستقبل البعض بابتسامة واسعه، جعلت قلبها الخائن يتوق لها، اختفى عن عينيها، فاطرقت رأسها بحزن… ،
وعادت تنشغل في الأشراف علي الوجبات والحلوي..، حتي اقتربت منها السيدة سعاد، تهتف بها بملامح جامدة

– جاسر بيه بيقولك إجهزي عشان الحفلة

التفت نحو السيدة سعاد، تشعر بالصدمة مما تطلبه منها ، فوجدت ملامحها ممتقعة ، وكأنها تلقت توبيخاً للتو

– أنا، طيب ليه
– الحفلة معموله علي شرفك يا بسمة

قالتها وابتعدت عنها، تهتف بأمر

– تعالي يلا ورايا يا بسمة، مش ناقصه كلام من جسار بيه

والسيدة سعاد رغم كل قسوتها التي تتعامل بها معها..، إلا إنها وقفت خلفها تتأمل جمالها البسيط في زينتها وثوبها الأنيق

– طالعه جميلة يا بنتي..

تمتمت بها بحنان، جعلت دموعها تتساقط، وهي تتمنى أن تسألها لما أصبحت تُعاملها بهذا الجفاء؟

ابتعدت عنها السيدة سعاد، وانسحبت من الغرفة.. فوقفت تمسح دموعها قبل أن تلتقط أنفاسها وتمسدّ فوق ذراعها لعلا الألم يهدء قليلاً

وعلي بضعة خطوات وقفت, تنظر للجميع بتوتر ..، ف السيدة سعاد دفعتها نحوهم وانصرفت قبل أن يراها أحداً

ألتف نحوها بعدما شعر بنظرات البعض نحو فرداً ما ، فعلقت عيناه بها بنظرات طويلة.. ، اقترب منها دون أن تحيد عيناه عنها وكلما كان يقترب، كانت تشعر بأن قدميها تتراجع رهبة وخوفاً
وهناك شيئاً خفياً كان يتغير هذه الليلة.
……….

تلاقت عيناها الشاردتين بشقيقها الذي عاد من سفرته اليوم هذا الصباح، وقد اقترب منها يضمها إليه

– ميادة، حاولي تنسى يا حببتي.. أنتِ كده هتحتاجي لدكتوره نفسية

نفت برأسها، فحركت له ملك رأسها حتى يتوقف عن حديثه.. نهضت من مكان جلوسها ، وظنوا إنها ستعود لغرفتها، ولكنها فاجأتهم بذهابها نحو المطبخ..

– رسلان ارجوك بلاش تمشي ورا كلام طنط كاميليا، ميادة هترجع احسن من الأول

تنهد بأرهاق، وقد بدء جفنيه يثقلان من شدة حاجته للنوم

– مين فينا اللي المفروض يعاقب يا ملك

حركت رأسها في يأس، تنظر نحو ناهد التي اخدت تحمل احد الصغار وتتجه به نحو غرفتهم, لتضعه جوار شقيقه الأخر

– مافيش أكبر عقاب علي الإنسان، غير لومه لنفسه وإحساسه بالذنب يا رسلان

اقترب منها وقد تجاهل حديثها ، بعدما رمق خالته، وقد ابتعدت عنهم

– ملك هانم الفليسوفه، مش هندخل أوضتنا بقى

توردت وجنتاها، واتحاشت النظر إليه.. ،بعدما فهمت مغزى كلماته، فارتفع صوت ضحكاته

– لا متخافيش، النهارده أنا بقولك اطمني، ويمكن لأسبوع قدام..، شكلي هتجوزك فعليا في الأخرة يا ملك هانم

انتبهت علي عبارته، التي جعلتها تنظر إليه متسائله

– أنت هتسافر تاني؟

فدلكَّ عنقه بأرهاق وهو يجد شقيقته تقترب منهم مجدداً، تحمل أكواب العصير، وقد علقت عيناهم بها..
وضعت الأكواب أمامهم والتقطت كوبها، وجلست شاردة تتابع ما تشاهده في التلفاز بذهن شارد

– إحتمال كبير أسافر أسوان، بدل زميل ليا

تنهدت بضجر، فضحك علي تذمرها يهمس لها بعدما التقط كأس العصير لها و له

– اللي يشوفك، يقول متقدريش تستغني عني

– رسلان

طالعها بنظرات عابسه، وقد أرتشف من كأس العصير

– رسلان محتاج ينام، وهيشرب العصير وينسحب من السهرة الجميلة

وضع الكوب بعدما أرتشف منه نصفه ، واتجه نحو شقيقته يُقبل رأسها بحنان

– خليكي متأكده، إن مهما غضبت منك هكون في ضهرك

انسحب من الجلسة، فعلقت عينين “ملك” بصديقتها واقتربت منها تُجاورها.. ،تقص عليها تفاصيل الفيلم

طالعتها ميادة، وهي ترتشف كأس العصير ببطئ، حتى انتهت من شرب الكأس بأكمله

– ميادة هي الدنيا حار، ولا أنا بيتهيألي

ولكن ميادة كانت جالسة في صمت..، لا تمنحها أي جواب..

أصبحت الحرارة تحتل جسدها، وافكاراً تطرق عقلها لا تُصدق إنها تفكر بها،
أسرعت في إنتشال حالها من جوارها، واتجهت نحو غرفتها.. ،حتى تنعم بحمام بارد

اغلقت باب الغرفة تلهث أنفاسها وقد تسارعت دقات قلبها ، وهي تظن أن رسلان قد غفا..، ولكن عيناها وقعت عليه وهو يخرج من المرحاض، يُجفف عنقه

– هو عصير الفراوله ده في حاجة غريبة

والسؤال لم يكن له جوابً منها، فالجواب كان يأخذه من نظراتها، وقد وقع في نفس الشرك ثانية ولكن ليست هي من فعلت

– ملك

هتف بها معترضًا، فهو يريد أن يجعل ليلتهم الأولى مميزة

– ملك، خلينا نقضي اول ليلة لينا في شهر العسل..، حببتي أنا كنت عامل حسابي نروح أسوان سوا

وهي كانت في عالم أخر.. ،عالم يقودها نحو ما لم تجربه يوماً
أراد مقاومتها كما حاول من قبل وصرفها عن أمر أن تتم ليلتهم الأولى حتى يصبح لها طفلاً منه

– ملك، فوقي أنتِ بتعملي إيه؟

واتسعت عيناه في صدمه وهو يراها تدفعه فوق الفراش، تخبره بأخر كلمه ظن أن يسمعها منها في حياته

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *