خيوط العنكبوت ج الاخير
خيوط العنكبوت ج الاخير
الفصل الحادي عشر
“أحيانًا تتملكنا الرهبة والخوف الشديد من المجهول وما تخفيه الأيام لنا، ولذلك وجب علينا أن نقوي إيماننا بالله وبكل ما يأتي منه، حيث أنه لا يأتي من رب الخير إلا الخير”
تتخبط هُنا وهُناك مثل الريشة تقذفها الرياح يُمنًا ويُسرًا، يتمايل جـ سدها كالطير المذبوح، ترتجف، تنتفض،و تتسارع أنفاسها لاهثة، تقرع نبضات قلبها بصخب جنوني وهي تتلفت حول نفسها بتيه لعلها تجد مخرجًا من محبسها هذا؛ نظراتها شريدة، حزينة، مُعذبة وهي ترأ نفسها مكبلة بأغلال من حديد ملتفة حول جسدها بأكمله تعجز عن الحركة، لكنها لم تجد إلا الظلام الكاحل المحيط بها من كل جانب ولن يوجد شعاعًا واحدًا ينير
ظلمتها العتمة.
شعرت بثقل اهدابها لم تقدر على فتحهما رغم ارتجافت الجفنين ولكن تسأل نفسها لماذا تريد الاستيقاظ من هذا الكابوس الملاحق لها؟ لقد سأمت الحياة حياتها، هي الغضن المفعم بالحيوية والنشاط وصوت ضحكاتها كان ترن داخل منزلهم الصغير الدفء باحتواء والديها، الان يغمرها برودة الطقس القارص، يحتاجها صقيع لم تذقه من قبل تتجمد على حالها داخل غرفتها الحبيسة التي لم تغادرها منذ أن اتت لمنزل والدها، لن تترك محبسها إلا للوضوء والعوده إليها تظل ساجدة على سجادة صلاتها، جسد يتحرك بلا روح، حياة فارقتها الحياة، شعور الانكسار يجعلها تتوقع على نفسها وتتقاذف التساؤلات بعقلها الشارد ماذا فعلت ليكون قدرها تصارع وحدها داخل غرفتها العزلة..
فتحت خضرويتها بعد صراع قوي بين العودة واللاعودة، ترغم عقلها على الدخول في غيبوبة طويلة لتتناسى كل ما تمر به من لحظات قسى عليها الزمن بالوقوع في شباكه.
شهقت بقوة وكأنها خرجت للتو من أعماق البحار، جلست بمنتصف الفراش ومقلتيها تدور بفزع بارجاء الغرفة ثم وضعت كفها أعلى ذاك الخافق الذي تتسارع نبضاته يكاد يخرج من بين ضلوعها وصوت أنفاسها اللاهثة كأنها كانت داخل سباقًا للركض وحصلت به على المركز الأول.
هدأت نبضاتها رويدًا رويدًا وانتظمت أنفاسها ثم رفعت الغطاء عن جسدها وظل لسانها يردد مستغفرًا، غادرت غرفتها بخطواتها المتهادئة لتجد المنزل يعم به السكون، أين والديها؟ واين شقيقتيها”فريدة” و “أمل”؟
ارتجفت ساقيها وهي ترأ نفسها وحيدة داخل المنزل الخاوي من عائلتها، شعور بالخوف، فزع، رهبة، قلق، اصابها وصوت دقات عقارب الساعة يصدح خلفها في دقات متتالية جعلها تنظر لها بضيق بسبب دقاتها المزعجة لتدقق حدقتيها داخل قرص الساعة المثبتة أعلى الحائط لتجدها الثالثة ولكنها لا تعلم صباحًا أم مساءً
سارت بخطوات حذرة عند الشرفة وسحبت الستارة لتنظر من زجاج الشرفة لترا عكمة الليل والقمر يزين السماء بنوره الساطع والنجوم تدور في فلكه، عادت تغلق الشرفة بهدوء وسارت بخطوات مضطربة تتفقد غرفة شقيقتيها، فتحت مقبض الباب وطالعتهم بـ بؤبؤة عينيها من فتحت الباب الصغيرة لتجد بالداخل الفتيات كل منهما بفراشها في نوم ثابت، هدأ قلقها ثم اغلقت الباب برفق، وعادت إلى قفصها الذي تحبس نفسها داخله وكأنها حقا عصفور فقد قدرته على الطيران، مكسور الجناحين وقابعة بالزاوية تنتظر الموت الرحيم..
❈-❈-❈
أما عن سليم فمنذ مغادرة حياة لمنزله وهو لم يعد بالحياة، ولكن كلما تذكر الخطر المحيط بها يطمئن قلبه بأن هذا الوضع أفضل لكلاهما.
أمسك مذكرات والده وقلب صفحاتها عندما وصلا لوفاة جده “ألبرت” وترك والده في مقتبل العمر رئيسًا من خلفه يهتم بعمل المافيا وشقيقه مساعدًا له..
كان توفيق يكن مشاعر حانية إتجاه شقيقه من والده وعوضه فقد شقيقه الراحل “عبدالله” توامه الذي توفاه الله وهم صغار ولكن “جاكوب” تربى على الحقد والكره ولم يسلم توفيق من أذاه، تركه توفيق وقرر العودة إلى موطنه مصر يريد أن يلتقي بعائلة والدته التي انقطعت أخبارهم منذ سفره مع والده، وعلم بأن لم يتبقى منهم أحد، ولكن أحب أن يعيش بالقاهرة وأنشأ مشفى وتزوج من والدة سليم واصطحبها للعيش في ألمانيا بسبب اعماله الأخرى ولكنها لم تفضل المكوث طويلا وعادت القاهرة لتنجب طفلها سليم فرفضت ان يحمل جنسية أخرى واكمل والده في عمل وبعد خمسة أعوام انجبًا طفلا اخر أسر ولكن بعد مرور عام من والدته اكتشفوا انه مريض صرع وبدأت من هُنا رحلة علاج أسر ولكن لم يجدوا الأطباء علاجًا لحالته..
“كان الله سبحانه وتعالى يعاقبني على ما فعلته واقترفته من خطأ، كلما كُنت أنظر لطفلي أسر أشعر بالخزي والعار من نفسي فأنا المُذنب الحقيقي لما هو يُعاقبه على ذنب والده، ولكن لم يفعل الندم شيئًا فقد غرزت قدماي في الوحل وقُدر لي أواجه نفس مصير والدي، خشيت أن أصارح زوجتي خديجة بماضي لم يكن لي ذنبًا به، خوفًا على تركها لي هي واولادي وأنا لم أملك من الدنيا سواهم، أخشى ان تعرف حقيقتي المخادعة وتختفي من حياتي للأبد هي وصغاري وأنا لم أتحمل ذلك”
” أنا لم أمتلك حق أختيار أبوينا، لكني أخترت زوجتي بكامل إرادتي وأنجبت لي أطفالي اللذين سأحارب من أجلهم فقط، سأحارب على البقاء، البقاء دائما يظل للاقوى كما علمني والدي، لن أتراجع عن طريقي فكل ما أفعله الان من أجل ابنائي فقط والحافظ على حياتهم ومستقبل أفضل لهم”
” لم أخطئ عندما سلكت طريق والدي فهذا العالم قاسي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، عالم لن يسمح للضعاف العيش بسلام داخله، عالم الكلمة العلية الصاحب السلطة والنفوذ، وانا اتحكم في عالمي وأحركه باصابع يدي والجميع رهن أشارتي، هذه هي قوتي ولن أنحني وأخضع لاي سلطة كان ”
” انا الأمر الناهي، انا القوة التي لا تُهزم ابدًا مهما حاول شقيقي أن يهزمني فلن يستطيع ولن أسمح له بذلك، أنا زعيم المافيا واتحكم في قارة أوربا بأكملها”
نفخ بضجر وأغلق المذكرات فلم يستطع إكمال ما خطته والده بيده، وضع المذكرات داخل درج المكتب وأغلقه ثم نهض عن مقعده وسار إلى حيث الاريكة المقابلة للمكتب، مدد جسده عليها وحاول اغماض عينيه فهو من مغادرة حياة لمنزله وغرفته وهو لم ينم بغرفته، فقط يولج إليها لكي ينعش جسده ويبدل ثيابه فقط ثم يغادر ها سريعًا.
ويا ليت النوم يزور جفونه ويجعله يغمض عينيه الحزينتين، فقد غادرت لمعة حدقتيه التي كانت توهج بالسعادة عندما صارح كل منهما مشاعره للآخر، يتذكر كل ما مر عليهم وهم في نيويورك، كم عانوا سويا عند مواجهتهم النيران التي كانت تحطيهم وخطف وترهيب لحياة، مروا سويا بلحظات قاسية، لحظات نهاية والموت المحتم ولكن نجاهم الله سبحانه وتعالى من محنتهم تلك لكن الآن يتركها ويتخلى عنها من أجل أفعال والده، هو داخل دوامة من الشر كلما حاول الفرار منها تسحبه معها لقعرها، يريد حماية عائلته
عند تلك النقطة من التفكير نهض عن الاريكة وأخرج هاتفه يهاتف الرائد حمزة يريد منه حارسة مشددة على الفيلا وعلى شقيقه أسر وايضا عند منزل والد حياة وظلت المكالمة قرابة نصف ساعة يقص عليه قلقه بعد محاولة قتله وهذا هو الحل المناسب لكي يطمئن على عائلته ثم أغلق الهاتف و وعده الاخير بتنفيذ مطلبه وانه سوف يلتقي به في الصباح ومعه ضباط من الحراسة الخاصة..
“دائما تتعبنا وترهقنا المخاوف من الحياة”
“لا بد من وجود الخوف لتجنب الكثير من المخاطر، ولكن يجب الحرص على الاعتدال حتى لا يُصبح هذا الخوف ملازمًا لنا طوال الحياة”