خيوط العنكبوت ج الاخير
خيوط العنكبوت ج الاخير
الفصل التاسع
صفا سليم سيارته أمام الفيلا المهجورة، ثم ترجل منها وترجل سراج هو الآخر، ثم تتطلع حواله في دهشة ونظر لصديقه بتسأل؛
-أحنا هنا ليه؟
سار سليم أمامه وهو يقول:
-ادخل وانت هتعرف كل حاجه
لحق به سراج ليدلفوا سويا داخل حديقة الفيلا ومن ثم متوجهين لداخل ثم قاده سليم لغرفة المكتب الخاص بوالده، وجلس سليم خلف المكتب ثم فتح درجه الخاص ليخرج منه المذكرات التي تركها والده، طالع سراج بنظرة طويلة شاردة ثم حسم أمره وهو يتنفس بهدوء وبدء يسرد على مسامعه ما حدث معه منذ اليوم الذي عرف بها حقيقة عمل والده المشبوه…
بعدما انتهى من حديثه عن ما جَرت إليه الأمور في الخمس أعوام الماضية، كل ذلك تحت نظرات سراج الصادمة الذي لم يكن على درايه بأن سليم يحمل كل هذا العبئ وحده، فهو مثل الجبل الشامخ الصلب الذي لن يتزلزل ولن يهتز يومًا، كان واقفًا دائما كالصخر والأن لأول مرة يراه مُشتت ضائع، شارد، يخاف المستقبل، مُكبل بقيود الماضي لا يخشى الموت ولكن كل ما يخشاه ويخاف خسارته هو عائلته وهذا الكيان يُهدد حياة عائلته وذلك ما جعله شاعرًا بالتيه، لم يقدر على مواجهة شقيقه بحقيقة والده والأن باح بكل ما في صدره لسراج صديقهم..
عجز سراج عن المواساة لم يجد كلمة تناسب ما يقوله لصديقه، فقط ظل صامتًا ليخرج سليم كل ما في قلبه، دون أن يُقاطعه ولكن وعده بأن يظل جانبه ولن يتركه يواجه المافيا وحده، لكن سليم لم يُريد له الإذاء يكفي الاغلال المقيد بها.
وبعدما افصح عن ما كان يكنه، قلب صفحات المذكرات وقرأ داخلهما.
❈-❈-❈
في ألمانيا..
أثناء عودة ألبرت إلى “برلين” علم من عائلته بأن ابنة عمه أنجبت طفلا وبعد ولادته تركت العاصمة ولم يتوصل إليها أحدًا حتى وقتنا هذا.
كان يستمع لعمته بهدوء تام، لم يكترث بما فعلته “جيتا” ولا حتى بالطفل الذي وضعته، ترك القصر ببرود ليذهب إلى الوكر الخاص بالسلاح ومقابلة رفاقه من مُاسسي المافيا..
عندما اسدل الليل ستائره وصلا ألبرت وجهته، فقد اتخذ من بيتًا قديمًا للعائلة لم يسكنه أحد منذ عدة أعوام، منزلا مُتهالك الاثاث ولكن بنيانه شامخ ومُتماسك، اتخذ منه مخزنًا لموارية الأسلحة والذخائر بعيدًا عن اعين الشرطة الفيدراليه.
وجد التنظيم بأكمله ينتظره، ولج ألبرت لقاعة الاجتماعات الخاصة وعندما شعروا بقدومه استقام الشباب واقفًا في ترحاب بزعيمهم، سعيدون بعودته.
ولج ألبرت بطلته الجادة، تقدم منه إحدى مساعديه ينزع عنه السترة الشتوية وهو يرحب به :
-مرحبًا سيدي الزعيم
هز ألبرت راسه بأيماءة بسيطة ثم جلس في هيبة ووقار أعلى مقعده الذي يرتئس طاولة الاجتماعات، وأشار بيده لكي يجلسون وهم يرحبون بقدومة:
-عودة حميدة يا زعيمنًا
زفر أنفاسه بعمق وجال بانظاره على كل شخص منهم فقد كانت الطاولة تضم أثنا عشر شخصًا يُطالعينه بجدية، ينتظرون أوامره الجديدة.
أشعل الشاب مساعده السيجار البني ثم قدمها إليه، التقطها ألبرت بخفة ثم دسها بفمه يسحب دُخانها يُعبئ صدره ثم أخرجه ببط شديد لتفعل سحابة طفيفة من الدخان، رمقهم بنظرة فاحصة شاملة لكل ذرة بخلايا أجسادهم ليعلم ما واقع كلماته على كل فرد منهما.
قال بصوت جلي:
-سنوقف نشاط المافيا
تفاجئ الجميع بهذا القرار الاهوج الذي صدمهم، وهتف بعضهم مُعترضين والآخر صامتين لم يقدرون على التفوه بكلمة، وهتف مساعده ودراعه الأيمن بالعمل قائلا:
-ولكن ألمانيا تواجه مصيرًا مجهولا، نحن على مشارف الحرب العالمية الثانية كيف نتوقف وكل الذي يحدث في صالحنا تمامًا، نصدر الأسلحة إلى روسيا وأمريكا ولقد وقعنًا اتفاقًا على ذلك، يصعُب التوقف يا زعيم، هذا قرار غير صائب
قال آخر بضجر:
-لن نستطيع إيقاف ما نفعله وإلا دفعنًا أرواحنا الثمن ولن نُجاذف بارواحنا وأرواح عائلتنا
شعر ألبرت وخزة بصدره عند تذكر نقطة ضعفه وهو عائلته الصغيرة التي أسسها وبني بنيانه على الحب النقي الطاهر الذي يغسله ويُطهره من براثن الخطيئة والدم.
أنهى الاجتماع بغضب وطلب منهم المغادرة ولكن ظل مساعده بجواره، ربت على ظهره برفق، فهو صديقه الذي يعلم ما يعاني به صديقه بسبب مقتل عائلته، جلس جانبه يواسيه بصوت حاني دافئ بعث لروحه الضائعة الهدوء والسكينة ولم يخفي ألبرت على صديقه “ماينو” شيئًا
استمع له “ماينو” باهتمام وعندما انهى كلماته قال بجدية:
-عائلتك الجديدة بـ مصر ليست هُنا في ألمانيا لكي تخشى على معرفتهم او تخاف خسارتهم، هم حقًا بأامن مكان لن يستطيع أحد أذائهم لا تقلق زعيم
علم ألبرت بأن دخوله عالم المافيا ليس بهين على الإطلاق، صعب الخروج منه، طريق اللا عودة، لن يسمح له بالخروج عن دائرتهم، أوقع نفسه في دائرة الانتقام التي أخذت من روحه وأصبح جسدًا يتحرك مثل الروبوت، الانتقام جعل منها شخصًا أخر لا يعرف الرحمة ولا طريق للفرار فقد انتهى وقت التردد والاستسلام، عليه الاكمال وخوض التجربة بكل ما فيها من مساوء، يشعر كأنه واقفًا في دائرة مُحاطة بالنيران المُشتعلة وصعب الخروج عن إطارها، انقضي وقت التراجع…