في جنازة بنتي ٢
في جنازة بنتي ٢
ارتفعت أصوات الهمس واللغط خارج القاعة الصغيرة، بينما ظلّ حيدر متصنمًا في مكانه، وعيناه تائهتان بين المحامي والباب المغلق. لم يُطق شقيقه الأكبر الصمت أكثر، فتقدم وضرب حيدر على كتفه بقوة وقال بصوت مجهد:
— لك شنو تسوي أنت؟ شركاء بتزوير وسرقة؟ وفوقها الشرطة تنتظرك برة بعزاء مرتك؟!
لم يرد حيدر، بل التفت بحركة مفاجئة ونظر إلى أمل بعينين مشتعلتين بالغضب، وقال بصوت حاد:
— أنتِ السبب! أنتِ اللي أصرّيتي تلبسين السوار وتجين للعزاء! قلت لكِ لا تظهرين بالواجهة حتى تخلص المعاملات!
شهقت أمل وانتفضت من مكانها، وصرخت بوجهه وهي تحاول بغضب فاشل حلّ مشبك السوار:
— أنا السبب؟! أنت اللي قمت تبصمها على أوراق ومستندات وهي شبه غائبة عن الوعي! أنت اللي قلت لي كل شيء تحت السيطرة وأن أمها ما تفهم بالقانون!
ساد الذهول القاعة بعد هذا الاعتراف العلني غير المقصود. والدة حيدر غطت وجهها بيديها وبدأت بالبكاء بصوت خافت، بينما تراجع شقيقاه خطوتين إضافيتين إلى الخلف ليبرئا أنفسهما مما يحدث.
ابتسم المحامي جاسم العاني ببرود، وأخرج هاتفه المحمول من جيبه الداخلي، ثم ضغط على زر الإيقاف وقال بنبرة واثقة:
— اعتراف صريح وموثق بالصوت والصورة ضمن تسجيل هذا الاجتماع الرسمي… شكرًا لكِ يا آنسة أمل، لقد وفرتِ على المدعي العام الكثير من الوقت.
امتقع وجه أمل، ووضعت يدها على فمها بصدمة، بينما انقض حيدر نحو المحامي كالمجنون يصرخ:
— امسح هذا التسجيل! أنت مالك حق تسجل داخل قاعة عزاء!
لكن شابة مكتب المحاماة وقفت أمامه بثبات وأخرجت من حقيبتها شارة رسمية وأمرًا قضائيًا معتمدًا بمنع المساس بالأدلة، وقالت بصرامة:
— أي اعتداء على الأستاذ جاسم أو الأوراق يعتبر جناية اعتراض طريق العدالة وتضاف فورًا إلى ملف الدعوى.
توقف حيدر في منتصف الخطوة، وأنفاسه تتصاعد وتتهدج.
في هذه اللحظة، رنّ هاتف المحامي، أجاب بكلمات مختصرة:
— نعم ضابط رائد… نحن في القاعة الداخلية… تفضلوا.
بعد ثوانٍ معدودة، فُتح باب القاعة الخشبية الثقيل، ودخل ضابط برتبة رائد برفقة اثنين من عناصر الشرطة بأزيائهم الرسمية. توجه الضابط مباشرة نحو حيدر وأمل وقال بلهجة جادة:
— السيد حيدر الجبوري؟ والآنسة أمل الكرخي؟ صدور أمر استدعاء وتوقيف بحقكما من النيابة العامة بخصوص الق/ضية رقم 402 تزوير واختلاس، بالإضافة إلى إعادة فتح التحقيق الفني في حادث السير بناءً على الأدلة الجديدة. تفضلا معنا بدون مشاكل.