في جنازة بنتي ٢

في جنازة بنتي ٢

ساد الصمت الشديد حين دخل هيئة المحكمة برئاسة القاضي. اعتلى المنصة، وتصفح الأوراق والملفات السميجة المكدسة أمامه لعدة دقائق مرت كأنها دهور، قبل أن يطلب من الجميع الوقوف لقراءة نطق الحكم.

تنحنح القاضي، وانساب صوته الرخيم في أرجاء القاعة الواسعة ليقرأ الحيثيات:

— “بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع شهادة الشهود، وتقرير الطب الشرعي، والأدلة الرقمية الموثقة من الهاتف الثاني للمجني عليها، وما ثبت يقينًا من تقرير الخبراء الفنيين بشأن التعمّد في قطع أنبوب فرامل سيارة المجني عليها زهراء الساعدي، وثبوت جرم التزوير والاختلاس والابتزاز والإيذاء النفسي والمادي… قررت المحكمة ما يلي:

أولاً: الحكم على المتهم حيدر الجبوري بالإعدام شنقاً حتى الموت، إدانةً بج/ريمة الق/تل العمد مع سبق الإصرار والترصد وفق المادة 406 من قانون العقوبات.

ثانياً: الحكم على المتهمة أمل الكرخي بالسجن المؤبد لمشاركتها في التستر على الج/ريمة، والشروع في التزوير واختلاس أموال التركة.

ثالثاً: تثبيت وصية المرحومة زهراء الساعدي بكامل بنودها، ونقل كافة ممتلكاتها وحساباتها وشركتها إلى صندوق ائتماني خاص بابنتها القاصر مريم، مع منح الجدة (أمينة) الحضانة المطلقة والوصاية القانونية الكاملة بدون منازع.”

ما إن ضرب القاضي بمطرقتيه الخشبية معلناً رفعة الجلسة، حتى ارتفعت الصيحات في القاعة. شهقت والدة حيدر وسقطت على الأرض، بينما انهار حيدر كاملاً على ركبتيه وهو يصرخ بحشرجة:

— أمينة… سامحيني! اطلبي لي الرحمة!

وقفتُ من مقعدي بثبات، وأمسكتُ بيد مريم، وتقدمتُ بخطوات واثقة حتى وقفتُ أمام قفص الاتهام مباشرة. نظر حيدر إليّ بعيون مليئة بالترجي والانهيار، يبتغي كلمة عفو أو مسامحة تريح ضميره الميت.

أخرجتُ من حقيبتي السوار الذهبي المنقوش عليه عبارة “أمك ترجع دائمًا”، ورفعتُه أمامه ليرى بريقه تحت أضواء القاعة، ثم قلتُ له بصوت هادئ، حاسم، ولا يخالطه أي غضب:

— المسامحة ليست لأمثالك يا حيدر. الباطل يستمتع بجولته ظاناً أنه امتلك الجولة والأرض، لكن الحق لا يحتاج إلا إلى صبرها وحكمتها كي يقطع رأس الظلم. ظننتَ أنك بسلبك لحياة زهراء وسرقتك لسوارها قد فزت، وما علمتَ أن الظلم يدمر صاحبه قبل أن يصل إلى غايته.

تراجعت أمل إلى الخلف وهي تنتحب وصوت سلاسل الحديد يمتد في قدميها، بينما أخذ الحراس يجرون حيدر نحو الخارج وهو يلتفت خلفه زاحفًا بنظراته الفاشلة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *