لمن القرار 15
لمن القرار 15
مقتل حامد الأسيوطي وبعدها مقتل مسعد كل شئ صار مشاع علناً..
إفلاس عائلة الأسيوطي وأخيرًا ظهور تلك الفتاة صاحبة الرابعة والعشرين ربيعًا.
تعلقت نظرات احمس بجنات بعدما اجتمعوا سويًا يُطالعون فتون التي اندمجت مع السيدة صباح وانشغلت في تعلم المشغولات الصوفية تاركة كل شئ خلفها مقررة الابتعاد عن كل شئ يُرهق عقلها،
فاسبوع قضته متلهفة منه اتصالًا جعلها تتأكد من صحة ما رأته من صوره التقطت له مع شهيرة تمسك كفيه باكية في المشفى عندما توفى شقيقها
الكل أشاد بروعته وكيف هو رجل مراعي داعم لطليقته..
– جنات هنفضل سيبنها كده منعزله.. هي فاكره إنه مش مهتم بيها ولا بالطفل وواقف جانب طليقته في مصابها..أنا مش عارف إزاي منتبهتش إن شهيرة اتجوزت
زفرت جنات أنفاسها ببعض الثقل، فتون ترفض سماع أي شئ عن سليم وعما حدث في قضية حامد حتى خبر مقتل مسعد تلقته في صمت
– مش عارفه يا احمس اعمل إيه، سليم سايب ليها القرار.. مستنيها هي ترجع وتكرر هي عايزه إيه
امتقعت ملامح احمس يزفر أنفاسه بقوة
– من أمتى فتون بتعرف تاخد قرار لوحدها.. أنا وأنتِ عارفين فتون كويس.. الاستاذ كان من الاول سابها تكمل طريقها لوحدها مش بعد ما يتجوزها وخلاها ترجع تتعود على وجوده جاي يسبلها القرار
ارتفعت عينين جنات نحو احمس وقد نهض من جوارها يبحث في هاتفه عن صورة تلك الفتاة التي ظهرت لعائلة النجار مؤخرًا
– أنت بتعمل إيه يا احمس
لم يكن صوت جنات هذه المرة خافت بل جذب كلا من مسمع السيدة صباح وفتون
تعلقت عينين فتون بهم وقبل أن تتسأل عما كانوا يتهامسون به, اقترب منها احمس يضع الهاتف أمامها
– بنت عم جوزك، سليم باشا سافر معاها روسيا ..
الفصل الخامس والسبعون (2)
*****
تعلقت نظرات السيده صباح بها بملامح مشفقة بعدما غادرت جنات واتبعها احمس معللًا بوجود أمر هام ينتظره.
صوبت فتون أنظارها نحو القطعة الصوفية الصغيرة التي احاكتها، ولم تشعر بحالها إلا وهي تفك خيوط تلك القطعة وتلقي بها بعيدًا.
ارتعبت نظرات السيدة صباح وقد أصاب الذهول ملامحها؛ فاسرعت نحوها تلتقط ما أمامها من كرات الصوف وسحبتها داخل احضانها تسألها في لهفة
– فتون.. إيه اللي حصلك يا بنتي..
حاله من الصمت انتابتها، فاستمرت السيدة صباح في احتضانها وتراجعت عن أي حديث ارادت نصحها به.
اخترقت أذنيها الكثير من الأصوات تطبق فوق جفنيها بقوة.. قاومت السيدة صباح رغبتها بالحديث ولكن في النهاية أبى لسانها أن يظل صامتًا.
– ليه بتضيعي عمرك يا بنتي عشان تكوني شبههم ، ليه شايفه نفسك ناقصه عنهم.. ليه تعوضي نقصك من شفقتهم عليكي..
انسابت دموع فتون في صمت تنظر نحو كفيها تفركهما بقوة
– حبي نفسك يا فتون.. متستنيش الناس تحب الأول
تلاقت عيناها بعينين السيدة صباح، فهاهي نفس العبارة التي أخبرتها بها السيدة ألفت تخبرها بها
– الإنسان احيانا بيكون بأيده يختار قرار سعادته وتعاسته ..وانا يا بنتي شيفاكي بتختاري طريق تعاستك
” طريق تعاستها”! سيكون من نصيبها لأنها تركت عالم سليم النجار، الكل وسط حديثه يُخبرها عن ذلك النعيم الذي وضعها سليم النجار داخله.
– اوعي تفتكري إني اقصد حياتك مع جوزك عشان هو راجل غني يا بنتي.. لكن أنا شوفت لهفتك على جوزك كل ما كان التليفون بيرن حتى كلام احمس ليكي لقيته وجعك.. ليه بتعملي كده في نفسك ما دام عايزاه
بتعلثم تمتمت بعدما ازدردت لعابها تبتلع تلك المرارة التي علقت بحلقها
– حكايتنا كانت غلط من البداية
امتعضت ملامح السيدة صباح، فعن أي خطأ تتحدث هي وهناك طفلاً صار ينمو بأحشائها
– لو في غلط فهيكون عندك أنتِ يا بنت عبلة
تعلقت عيناها بملامح السيدة صباح وقد أصبحت على النقيض..
زفرت السيدة صباح أنفاسها بقوة، هي لا تريد أن تُسمعها ما يزيدها وجعًا وتخبطًا لكنها الحقيقة حتى لو هتخبرها بها وجهًا لوجه في أكثر لحظاتها إنكسارًا
– في مثل زمان كانوا بيقولوا.. يا بخت من بكاني وبكى عليا ولا ضحكني وضحك الناس عليا..
تهربت نظرات فتون عنها،فالحياة الرغدة كما تُخبرها دومًا والدتها لا تليق بها لأنها تبحث عن الفقر وكأنها تشتاق إليه
– متزعليش مني يا فتون يا بنتِ.. يمكن الكلام بيوجع لكن بيفوق ساعات.. الفرصه مش بتيجي في العمر غير مره.. وربنا عوضك عن كل الأسى اللي عيشتي براجل أي ست تتمناه.. راجل متقبل وضعك وراضي بيكي في حياته وبيحبك
التقطت السيدة صباح كفيها تمسح فوقهم واردفت
– الفقر مش عيب يا بنتِ ولا ظروفك الصعبة والبيئة اللي اتولدتي فيها عيب ولا أهلك وصمة عار في حياتك.. لأن محدش مننا ليه يد في اختيار حياته وأهله لكن لينا الاختيار نكون راضين ومتقبلين نفسنا مش كل شوية عايزين نهرب وشايفين نفسنا الضحية
…..
دلفت جنات الغرفة بأنفاس لاهثة تنظر للحقيبة الموضوعه فوق الفراش وبداخلها أغراضها وأغراضه.
دارت عيناها بالغرفة تبحث عنه حتى وجدته يخرج من المرحاض يُجفف خصلات شعره المبتله
– كاظم الشنطه ديه ليه.. فيها هدومي وهدومك.. إحنا مسافرين
تجاوزها وامضى بخطواته نحو الفراش يُلقي بالمنشفة الصغيرة جانبًا
– هي ديه نص ساعه واكون عندك يا جنات
وقبل أن ينطق بالمزيد من الكلمات المعاتبة التي صارت تحفظها منذ أن أصبح اهتمامها منصب على فتون فقط, أسرعت نحوه
– من أمتى بكون صادقة في مواعيدي يا كاظم
لاحت فوق شفتيه ابتسامة صغيرة سرعان ما اخفاها يشيح بنظراته بعيدًا عنها.
رمقها بنظرات ضائقة عندما وجدها تقف قبالته تنظر إليه بحاجبين معقودين
– نعم!
تمتم بها منتظرًا أن يفهم سبب نظراتها إليه، فاشارت برأسها نحو الحقيبة الموضوعه فوق الفراش.
التمعت عينين كاظم بمكر مقررًا مراوغتها
– بيتهيألي أنا حطيت كل حاجه ممكن نحتاجها في رحلتنا، لكن شوفي أنتِ هتحتاجي إيه معانا
ضاقت عيناها وقد زادها الأمر فضولًا
– كاظم إحنا بجد رايحين فين وليه فجأة قررت نسافر
تنهد بسأم يرفع كفه ليُدلك عنقه
– محتاج اجازه يا جنات، عايز أبعد عن كل حاجة.. لكن شايف الموضوع صدمك وطبعا هتقوليلي إزاي هسافر واسيب فتون
اطرقت رأسها في صمت؛ فما عساها أن تعفل..
ارتفعت عيناها نحوه بعدما استمعت لصوت زفراته؛ فابتسمت واقتربت منه ترفع ذراعيها تُحاوط بهما عنقه
– هنسافر الساعه كام وفين يا كاظم