لمن القرار 15
لمن القرار 15
الفصل الثالث والسبعون(1)
*******
انتفضت من فوق الفراش تنظر نحو ملك التي ابتعدت مذعورة من نفضتها ولهاثها، تجاوزت ملك صدمتها.. وعادت تقترب منها تفتح لها ذراعيها
– متخافيش يا بسمه أنتِ هنا معايا
تلاشى ذعرها بعدما اختفت تلك الأصوات تشعر بذراعين ملك حولها
– هنتجاوز كل حاجة وحشه مرت في حياتنا يا بسمه ..
هيجي يوم وهننسى لأن طعم السعادة هيكون أكبر من طعم المرارة
دمعت عينين بسمة وهى تسمعها ، فاغمضت عيناها تحلم بتلك السعادة التي انتظرتها طويلًا
– أول حاجه هنعملها إنك تقومي تصلي الفجر حاضر.. مش هنقعد نبكي على الصدمات والابتلاءات من غير ما ناخد خطوة صح في حياتنا يا بسمة
ابتعدت عنها بسمه تنظر لها بضياع صار يحتل عيناها، تنساب دموعها تتذكر تلك الأوقات التي كانت تُصلي فيها.., حينا يأتي رمضان فتذهب مع جيرانها للمسجد لصلاة التراويح ، صلاة العيد وفرحتها ببهجته.. وحينا يمرض والدها وحينا تُريد الدعاء على فتحي عندما ينهال عليها ضربًا, ورغمًا عنها انشقت شفتيها بابتسامة باهتة
ابتسمت ملك عندما لمحت ابتسامتها تجذبها من ذراعيها تدفعها نحو المرحاض
– لا أنا مش هستنى تفكري كتير..
…
عادت ملك للغرفة التي تقيم بها بسمه بعدما تركتها واتجهت نحو غرفة الصغير تطمئن عليه
انفطر قلبها وسكنت مكانها وهي تراها مازالت ساجده تبكي بقوة تُناجي ربها.. تطلب منه الرحمة في حياة تلفظها
اتخذت ملك ركنًا بعيدًا وتركتها في مناجتها حتى توقفت بسمة عن البكاء وانهت ركعتها الأخيرة
بعد وقت، استدارت بسمة بجسدها تمسح دموعها بأناملها تشق شفتيها ابتسامة خفيفه
ابتسمت ملك تمسح دموعها هي الأخرى واسرعت نحوها تضمها إليها
– كنت هموت بعد موت عزالدين.. كرهت الدنيا والناس.. كنت حاسه إن روحي بتنسحب مني..
توقف ملك عن الحديث تطبق فوق جفنيها تُحرر دموعها العالقة بأهدابها
– تعرفي طلبت من رسلان يطلقني.. رغم حزنه ووجعه على ابنه إلا إني مكنتش شايفه غير كل ذكرى سيئة وألم عيشته.. الأم اللي مطلعتش أمي..حبها لمها كان واضح اوي يا بسمة وكنت ديما بقول عشان هي الصغيرة وانا الكبيرة.. واول ما رسلان حبني واختارني أنا ظهرت الحقيقة.. أنتِ لقيطة من الشارع..أنا بنت راجل عاش عمره كله مش معترف بيا قدام مراته بنت الحسب والنسب عشان حبه ليها
فتحت ملك عيناها تنظر نحو كفيها المضمومين بين كفي بسمة، بمرارة ابتسمت فمن الذي سيواسي من اليوم
– لكن وجعي وحقدي على الدنيا اتحول فجأة… صليت لأول مرة بخشوع حقيقي.. اتحول الحقد اللي جوايا.. لرضي.. لقيت نفسي بشوف اللي كنت شيفاه بلاء وقسوة لطف ورحمه.. الاختبار احيانا بيكون صعب لكن إحنا لازم ننجح فيه يا بسمه والنجاح هو الرضى وإنك تقومي من التاني وتتعلمي حاجه من درسك وتختاري الطريق الصح والطريق الصح هو الصلاح
دمعت عينين بسمة تومئ لها برأسها ولكن أين هو الطريق، هم اغلقوا لها جميع الأبواب وكأنهم يرغبون في ذبح روحها
نظرت للمصحف الذي وضعته ملك بين يديها متمتمه
– متعالجتش غير كده.. ده كان علاجي.. تعرفي انا بقيت بسأل نفسي ليه كنت مقصرة اوي كده.. صحيح بصلي لكن مش ملتزمه في الصلاة في أوقاتها.. بقرء قرأن لكن في اوقات الضيق والحزن.. طيب وليه ده معملهوش يوميًا ليه الدنيا تسرقني في متعتها.. مع إني ممكن استمتع بكل حاجه ومعاها الراحه والسكينة
ابتسم رسلان وهو يتراجع بخطواته متجهًا نحو غرفتهم يهوى بجسده فوق الفراش يتسأل داخله هل هو محظوظ لهذه الدرجة لتكون من نصيبه رغم ما حدث.. ملك حظه الأجمل في الدنيا.. لم يخطأ يوم أن أحبها.. ملاكه الذي وضعه القدر في عائلة تُحاوطها مظاهر الحياة وحب النفس.. ما حدث لهم ليس عقابً لها هي.. هم من يستحقه هذا
دمعت عيناه يتذكر صغيرة، يغمض جفنيه في ألم متمتما
– سامحني يا عزالدين.. أتحرمت منك لاني كنت رافضكم لأنكم منها.. هعيش عمري كله الندم مالي قلبي
….
ضحكت ملك رغمًا عنها وهي تنظر لحالها، بسمه من تواسيها بدلا من أن تواسيها هي
– هو مين المفروض يواسي مين
تمتمت بها ملك وهي تبتعد عن ذراعي بسمه التي ابتسمت وقد عادت الحياة تنبض في مقلتيها وبصوت متحشرج هتفت
– مش عارفه..
ضحكوا سويا فاسرعت بسمه في احتضانها بقوة
– أنتِ عيلتي الوحيدة يا ملك.. أنتِ الوحيدة اللي حبتيني بعد بابا.. محدش غيركم حبني
ابتعدت عنها تضم وجهها بين راحتي كفيها
– اللي يعرف بسمه صح يحبها وأنتِ تستحقي الحب يا بسمه، بنت جدعه بميت راجل
التمعت عينين ملك وهي تتذكر بسمة في بداية لقائهم، فتاة مرحه رغم ما تعيشه بكنف شقيق قد خلى قلبه من الرحمه إلا إنها كانت صامدة تهون على نفسها بابساط الأشياء
– فاكره الفرح اللي اخدتيني فيه معاكي.. ووقف واحد يتعرضلنا معرفش طلع لينا منين
ابتسمت بسمة تتذكر ذلك اليوم وكيف انهالت عليه ضربًا بحذائها فاردفت ملك ضاحكة
– مش عارفه إزاي نشيلتي بجذمتك وبطحتي
سقطت هذه المرة دموعهم من شدة الضحك وملك تزيد من قص تلك المواقف السعيدة التي ضحكوا فيها من قلبهم
– نفسي ارجع الحارة تاني يا ملك، عايزه ارجع لبيت أبويا.. منه لله فتحي حرمني من حقي وسابني في بيوت الناس اشحت عطفهم
عادت الألم يستوطن قلب بسمه، فلو كان لديها جدران تحتمي بهم ما عاشت ما عشته
– بيوت الناس..
استنكرت ملك حديثها، فهي تعيش في بيته.. مهما كانت بداية زيجتها بجسار لكنها ليست عاله عليه ما تناله حقها
– أنتِ عايشه في بيت جوزك يا بسمة، كل اللي بتاخدي منه ده حقك
اطرقت رأسها تفرك كفيها بقوة، زواج كانت نهايته معروفه أن ينال من خلفه حقه.. فتكون نهايتها فيه كبائعة هوا
– بصيلي يا بسمة، ارفعي وشك وقوليلي ليه.. قدمتي نفسك ليه بسهوله
انسابت دموعها تعض فوق شفتيها بقوة فاضافت ملك راغبة في فهم تلك الحلقات المفقودة التي ضاعت منها بسبب بعدها عن بسمه وانشغالها بحياتها
– أنا قولتلك اوعي تحبي في يوم راجل مش شايفك.. لكن إظاهر نصيحتي قدمتها متأخر
لعقت بسمة شفتيها وقد انفلت صوت شهقاتها منها رغمًا عنها
– غصب عني يا ملك.. حاولت كتير اكرهه.. أنا حبيت الصورة اللي أنتِ رسمتيها عنه.. لكن طلعت غبيه.. حتى جيمي قدمته ليه عشان اخلص من لعنة حبي ليه.. انا بكرهه
لم تعرف ملك اتضحك على تلك الاكذوبه التي تمتمت بها أم تحزن على حالها
– كرهك ليه كذبه بتضحكي بيها على نفسك يا بسمه.. اسأليني أنا..
– لا خلاص أنا عايزه ابعد عن حياته.. عايزه اعيش بعيد عنه.. خليه يطلقني
هتفت بها بسمه باندفاع تشيح عيناها بعيداً عنها
– بسمه لو القرار نابع من جواكي.. صدقيني هقف جانبك..
عادت عيناها تتعلق بها، فالتقطت ملك يديها تعدها بصدق
– ارجعي بس لنفسك يا بسمه وأنا هكون جانبك في أي قرار، لكن عشان اريح قلبك.. جسار لمسك حب راجل لست.. أنتِ مش مجرد بضاعه لرد الجميل يا بسمه..اوعي تقللي من نفسك يا بسمه
– أنا تعبانه اوي يا ملك..قلبي وجعني أوي وخايفه.. مش قادره أتجاوز اللي حصل.. انا بقيت بخاف من الناس يا ملك.. انا كنت شايفه الدنيا وحشه عشان فتحي فيها.. كنت بخاف من شخص واحد.. دلوقتي بخاف منهم كلهم يا ملك
اغمضت عيناها تقص لها ما حدث في تلك الليلة، لم يؤثر عليها ما فعله عنتر ببشاعته بقدر ما فعلته تلك الفتاة..
طالعتها ملك مصدومة من ذكرها وسط الكلام إنها كانت ستوافق على ذلك الرجل الذي حاول اغتصابها
– معقول يا بسمه.. كنتي عايزه تتجوزي واحد اغتصبك عشان تهربي من غلاظة جسار..
عادت دموعها تغمر خديها تقضم فوق شفتيها بقوة
– هو السبب في اللي عيشته.. كل مرة كنت بدور على خلاصي من إحسانه ليا في بيته..قولت عنتر ارحم من شعور النبذ اللي عايشه.. مش لاقيه مكان اعيش في يا ملك.. أصعب حاجه إنك متقلقش اربع حطان يضموكي وأنتِ مطمنه
تنهيدة طويلة خرجت من شفتي ملك، لقد عاشت هذا الشعور.. ولن تنكر وقوف جسار معها.. رغم غلظته معها في البداية إلا إنه أكرمها في منزله وحياته
– بسببه رميت نفسي في سكن معرفش حاجة عن أصحابه.. مجرد ما سمعت إن في اوضه فاضية جريت اقولهم خلوني اعيش معاكم..
عادت لبكائها وقد عاد مشهد تلك الليلة يقتحم عقلها تضم جسدها بذراعيها
– هو في ناس كده يا ملك.. أنا من ساعه ما طلعتي من حارتي وأهلها الطيبين اللي آخرهم كل واحد يتخانق مع تاني وفي نفس اليوم يتصالحوا وانا بعيش في صدمات..
تحول بكائها لضحكات ساخره
– كان صاحب المصنع آخره يمد أيده…وفي اللي يقبل وفي اللي زي لما يقول لاء.. يبقى يشتغل زياده ويتهان..
توقفت عن الحديث تبتلع غصتها بمرارة كعلقم الدواء
– تعرفي أن اختارت عربيته هو بالذات ليه اهرب فيها.. من كلامك عنه واد إيه هو راجل كريم.. مد ايده ليكي وفضل واقف معاكي.. حتى بعد ما اطلقته.. وقت ما بتحتاجي بتلاقي.. قولت هيكرمني عنده ويساعدني.. لكنه
اطرقت بسمه رأسها تسلط أنظارها نحو كفيها
– لكنه إيه يا بسمه، ملقتيش منه اللي كنتي مستنياه.. عارفه ليه اتوجعتي من جسار.. عشان حلمتي بي كراجل يحبك
– حلمت حلم مش من حقي يا ملك
– والله اه اتحقق يا بسمه.. رغم عدم اقتناعي بطريقة جوازه منك إلا إني بقيت اشوف الأمور إنها أقدار, ممكن نكره البداية نستغربها لكن في النهاية بنعرف إن طول ما الإنسان ما بيخططش ولا بيدبر للشئ.. بيلاقي اللي نفسه فيه
ضاقت عينين بسمة في حيرة، حديثها اليوم مع ملك عجيب ولكن روحها عادت إليها معها.. ملك وحدها نقطة أمان داخلها
– خلينا ننسى جسار وحكايتكم دلوقتي يا بسمه.. حتى اللي حصل في الليله ديه تجاوزي واتعلمي منه ونعلم غيرنا إزاي في بقى في واقع مفروض علينا بأفكاره.. أفكار فيها هلاكنا وهتكون لينا نهاية زي نهاية قوم لوط..
التمعت عينين ملك وهي ترى بسمة تحرك له رأسها مستوعبة حديثها، تنفض عن رأسها بشاعة ما عاشته
– لازم ترجعي بسمه بتاعت زمان.. بسمه اللي رغم كل الألم إلا إنها كانت بتضحك ومبسوطه.. حلم تعليمك.. كليتك اللي كلها ايام وهتدخليها..دوراتك اللي بتاخديها.. ميادة قالتلي إن كان نفسك تتعلمي التصميم وأهم حاجه قربك من ربنا.. هتتجاوزي كل حاجة وحشة صدقيني
عضت فوق شفتيها خجلًا، فقلبها نال سكينته عندما أخرجت كل حديث عالق بقلبها في سجودها
…
الساعه السادسة صباحا في محافظة البحر الأحمر وقف بسيارته قرب المنزل الذي أرسل له عنوانه من رقم مجهول
خرج من سيارته يدور بعينيه بالمكان..
مشاعر متضاربة يشعر به.. غضب، حب، حنين وانتقام رجولة مهدورة وشوق اكبر يدفعه.
فتحت عيناها بصعوبة تنظر نحو الساعة المعلقة تستعجب تلك الطرقات, فالممرضة التي أخبرها عنها رحيم لرعايتها قدومها في الثامنة
التقطت هاتفها لتهاتف رحيم، فالساعة الأن السادسة صباحاً
استمرت الطرقات، تنظر لهاتفها.. فهاتف رحيم مغلق
بقلق تحركت نحو الباب تهتف بخوف صار يستوطنها
– مين؟
لم يصدر أي صوت، فابتعدت عن الباب مرتعدة.
أسرعت نحو الشرفة التي ربما تطلعها على هوية من بالخارج ولكن قدميها تيبست مكانها تستمع لصوته
– أفتحي يا خديجة
………….
ابتسم الواقف ينظر نحو ابنة شقيقته وقد وقفت تُحدق بالسماء شاردة
– اخفيتي الأوراق التي كنت أسعى لارسالها لابن النجار اليوم حتى لا يسبقنا بقتل حامد.. تريدين حماية أفراد عائلتك يا صغيرة
اطبقت فوق جفنيها للحظات تزفر أنفاسها ببطء قبل أن تلتف إليه
– أريد النزول لمصر.. عليهم معرفتي..
هز الواقف رأسه ينظر لعينيها الشبيها بعينين والدها حتى ملامحها
– قد أن أوان ظهورك ليندا