لمن القرار 15

لمن القرار 15

الفصل الثالث والسبعون(2)
*****

تقهقرت للخلف تنظر إليه وقد احتلت الدهشة عينيها، هي بالتأكيد تحلم بوجوده.. شعور الحاجة إليه جعلها تظن إنه هنا يقف أمامها.
اغمضت عيناها لعلها تفيق من حلمها، أمير ليس هنا.. لا أحد يعلم بمكانها إلا رحيم وسليم.

صوت إنغلاق الباب جعلها تعود لفتح عيناها وقد ازداد قربه منها، عيناها هذه المرة تعلقت بعينيه.., عتاب وشوق وحدهم ما كانوا يحتلوا مقلتيه

– أمير

خرج اسمه من شفتيها في همس يثقله الحنين ثم ازدردت لعابها وهي ترى نظراته يغلفها الجمود يقبض فوق كفيه بقوة.. يمنعهم عن لهفتهم لجذبها لأحضانه

– الزوجة الهربانة ولا نقول الجبانه افضل

تجمعت الدموع في مقلتيها تُقاوم ذرفهم تطرق رأسها أرضًا، تتمنى لو تخبره إنها لا تتحمل فراقه ولكن قربها منه لعنة.. وسيدفع حياته ثمنًا

– المرادي مش هسألك عملتي كده ليه.. لأني خلاص عرفت دوري كان إيه في حياتك

انسابت دموعها تهتف داخلها في آسف، لم تكن تقصد جرح كرامته.. لكن ماذا عساها أن تفعل علاقتهم لن يجني من ورائها إلا ضياع مستقبله وعمره.. ليت كل شئ يصير كما نتمنى

– مش عارف انتقم منك يا خديجة ولا عارف اوجعك زي ما وجعتيني.. حتى لما اختارت اوجعك في اكتر حاجة عارف نفسك فيها.. قولت إزاي اوجع قلبي قبلها..

ارتفعت نظراتها نحوه في صدمة وسرعان ما كانت تحيط بطنها بذراعيها.. لن يوجعها إلا بطفلهم الذي يُحارب معها في صمود حتى يأتي إليها.

تقوست شفتيه بابتسامة ساخرة وتعلقت عيناه بفعلتها

– متخافيش يا خديجة هسيبهولك.. أنا مش وحش لدرجادي إني احرمك منه.. أنا قررت اسافر واسيب البلد كلها.. مبقاش في فايده إني افضل احارب عشان ست رفضاني في حياتها.. ست شيفاني ابعد من أني اكون شريك حياتها

– أمير، ارجوك

ازدادت نظراته تهكمًا فعن أي رجاء تطلبه منه

– إظهري يا خديجة وارجعي لحياتك من تاني.. متخافيش مش هظهر تاني في حياتك.. أنا مش أمير العابث بتاع زمان اللي الكل فاكر إنه طمعان في فلوسك ..

توقف عن الحديث يتحاشا النظر إليها
– مش بيقولوا ألم الحب بيغير

ابتعلت غصتها في مرارة تفرك كفيها ببعضهم بقوة لعلا ذلك الألم الذي ينهش فؤادها يرحمها
– أمير أنا..

عادت دموعها تنساب هذه المرة بغزارة تضع كفها فوق شفتيها تكتم صوت شهقاتها وهي تراه يستدير بجسده مغادرًا بعدما أشار إليها بالصمت..
فلم يعد للحديث معنى ولم يعد العاشق الولهان بل أصبح عاشق مطعون لا كرامة له.

تحرك تحت نظراتها المصدومة، فهل أنتهت حكايتهم هكذا.. سيتركها دون أن يُخبرها بكلماته المعتادة..؟

عيناها تعلقت به وقد ازداد سرعة أنفاسها.. لا تتخيل إنه سيرحل بعيدًا، منحها ما اراده عقلها
– أمير

خارت قواها وسقطت أرضًا وهي تهمس اسمه ، ما ارادته ستحصل عليه ولكن الألم يزيد داخلها..

تيبست قدماه مكانهم يطبق فوق جفنيه بقوة, عليه الرحيل.. عليه ألا ينظر ورائه مجددًا
عقله يدفعه للرحيل والهرب والبعد عن كل من ظنوا إنه ليس إلا رجل طامع عابث.. وقلبه يهتف به ملتاع من نيران الشوق ..
استدار بجسده راغبًا في وداعها لمرة أخيرة وقد صعقه هيئتها.
خديجة تجلس أرضًا تضم بطنها بذراعيها من شدة الألم تلهث أنفاسها بصعوبة
– خديجة
…..

جاورته فوق الفراش تمدّ كفها نحو لحيته فلم تعد تفهم حبه الذي صار فجأة لتربية لحيته, بصوت هامس تمتمت ممتعضة الوجه

– طبعا عشان البيه بقى شكله اوسم وزادته وقار بقى يربيها..

ازدادت ملامحها أمتعاضًا، ستستمر في دفعه لحلاقتها, فهل ينقصها أن يزداد عدد المعجبات اللاتي يخبرها عنهم

– رسلان.. رسلان
انتفض من غفوته ينظر إليها متسائلا بتشويش
– الساعة كام

طالعته ثم طالعت الوقت في هاتفها القابع بيدها

– الساعه سابعه.. قوم اجهز لحد ما احضرلك الفطار

عاد لتسطحه يغمض جفنيه تحت نظراتها
– هروح المستشفى بعد الضهر..

كادت أن تهتف وتخبره ليته أخبرها بتغير موعده حتى لا تُيقظه ولكن الحديث توقف على طرفي شفتيها وهي تراه يفتح عينيه

– في حد يصحي حد كده.. نفسي اعرف راحت فين الرقة

رفعت حاجبها الأيسر في دهشة، رسلان منذ فترة يُخبرها بهذا الحديث..

– مش عارفه ليه يا رسلان بقيت أشك فيك من ساعت ما بقيت تربي دقنك وبدء الشعر الأبيض يظهر في شعرك

انتفض مفزوعًا من رقدته يهتف حانقًا

– شعر ابيض.. مسمحش ليكي يا هانم تقولي كده

وأضاف ماقتًا صوت ضحكاتها ونظراتها المشاكسة
– هما بس شعريتين.. زادوا من وقاري..

تعالت ضحكاتها رغمًا عنها وهي تراه ينهض من فوق الفراش ويتجه نحو المرآة يتأمل خصلاته

– بقوا كام شعره دلوقتي

ارتفعت زاوية شفتيه يرفع حاجبيه لأعلى راغبًا في إثارة غيرتها وتحريك تلك المياة الراكدة عن حياتهم

– أنا برضوه لسا شباب..مش عايز اقولك إن جوزك بيتعرض عليه الجواز.. بخاف على شعورك يا حببتي

ضاقت عيناها ترمقه بنظرة ثاقبة تزيح عن قدميها نعلها المنزلي لتتمكن من تسطحها

– أنت عديت مرحلة المعاكسة خلاص يا دكتور وبقيت مطلوب للجواز

تعلقت عيناه بوضيعتها وهيئتها برداء الصلاة ينظر لبنطال منامتها الذي ظهر طرفه

– فاضل مرحلة التنفيذ يا حببتي

اقترب منها بعدما غادر النعاس جفنيه متلذذًا بتلك الدقائق معها، فلم يعد في يوميه وقت, بسبب الساعات التي يهدرها في ذهابه وعودته من الفيوم للقاهرة يوميًا بعدما انتقلوا لهذا المنزل مبتعدين عن كل شئ.
هو بات يضجر من الأمر يُريد العودة قرب عمله ولكن من أجلها سيتحمل.

ابتسمت مدركة تلاعبه بها تنظر إلي كفه الذي اخذ يُحركه ببطء فوق خدها

– مش شايف أي تأثير للغيرة وكده إهانة في حقي

عادت ضحكاتها تتعالا وهي تراه يبتعد عنها يضع بيده فوق قلبه
– اه قلبي الملتاع من الحب.. حبيبه مش غيران عليه
– رسلان كفاية قلبي هيقف من الضحك

توقف عن مزاحه يشعر بسعادة وهو يرى إحمرار خديها من شدة الضحك

– سلامة قلبك يا حببتي
تعلقت عيناها به ولم تشعر بحالها إلا وهي تندفع لحضنه يضمها بين ذراعيه

– أنت اوسم واحسن راجل شوفته في حياتي يا رسلان, عمري ما عيني شافت غيرك ولا قلبي دق غير ليك..كل يوم بيمر بحمد ربنا على وجودك معايا..نفسي أعرف اسعدك زي ما بتحاول تسعدني

اطبق فوق جفنيه مستمتعًا بأحرف كلماتها يزيد من ضمها إليه.
ابتعدت عنه راغبة في إخباره بشكها القوي في أمر حملها ولكنه لم يكن متعطش لأي حديث سيقال..
وضع يده فوق شفتيها يمنعها عن الحديث

– بلاش تقوليلي الفطار وعبدالله وبسمه وتخترعي حجة تبعدك عن حضني..

ارتسمت ابتسامة متلاعبة فوق شفتيه وقبل أن تهتف بشئ, اجتذبها لأحضانه ماقتًا ما ترتديه وهي جواره يمدّ يديه عابثًا

– إسدال يا ملك.. وتحته بيجاما كمان..
– رسلان..

ضاع صوت هتافها به مستسلمة له تتجاوب مع فيض مشاعره العطشة
…..

توقفت بسمة أمام غرفة ملك تشعر بالحرج لطرق الباب، اتجهت نحو الدرج تشعر بالتوتر.. فأمس لم تكن منتبها لشئ ولكن اليوم صارت تشعر بما حولها.. هي هنا في منزل ملك حيث زوجها وطفلها.

تعلقت عيناها ب عبدالله الذي جلس وجواره الخادمة تُحاول إطعامه ولكن الصغير كان رافضًا تناول وجبته دون ملك.

بتوتر وحرج فركت كفيها تنظر نحو الخادمة التي رفعت عيناها نحوها بعدما انتبهت على وجودها

– احضرلك الفطار يا هانم

تعجبت بسمة من هتاف الخادمة لها بهذه الكلمة، ولكنها أسرعت في تحريك رأسها رافضة
– هستنى ملك

اماءت لها الخادمة رأسها في تفهم تنظر لساعة يدها وللصغير، فقد تجاوز الوقت التاسعة والنصف

– ماما ملك

تمتم بها الصغير رافضًا تناول طعامه مُحاولًا ترك مقعده، أسرعت الخادمة في تثبيته تحاول إلهاءه بالحديث وبفعل بعض الأصوات الكرتونية حتى ينتبه لها.

ازداد توتر بسمة تنظر نحو الدرج، فهي لا تستطيع التحرك بالمنزل دونها.. هي غريبة عن هنا وغربتها لا تنتهي إلا بوجود ملك معها
– يا هانم.. الولد عايزك

انتبهت بسمة على صوت الخادمة تلتف إليها وقد ضاقت عيناها في حيرة تنظر للخادمة وذراعي عبدالله الممتدة نحوها
– ممكن تأكلي يا هانم لأنه رافض ياكل مني

انصرفت الخادمة بمجرد أن اماءت لها بسمة رأسها وكأنها تخلصت أخيرًا من مهمه لا تُحبها
– هتاكل إيه؟

طالع الصغير حيرتها حتى تساؤلها عن أي طعام يرغبه لم يكن ليفهمه.
أشار نحو طبقه وبسمة لم تكن أمامه إلا كالبلهاء لا تفهم كيف تتعامل مع طفل وتطعمه.

استرخت ملامحها من توترها وسرعان ما كانت تتسع ابتسامتها شئ فشئ والصغير يمدّ لها ببيضته يقربها منها حتى تُقشرها له.
لفظه للكلمات بتلك اللطافة كانت تجعل ابتسامتها تزداد إتساعًا بل وتطرب أذنيها.

التقطت منه البيضه تنظر لمكان طرقها ولكنها اختارت الطريقة الأخرى التي اعتادت فعلها ببساطة..
لطمت البيضة بجبهتها تنظر للصغير الذي رمقه في صمت، فهل سيكون هذا الصغير مثل بقية طبقته يتبع قوانين الأتيكيت وسرعان ما كان يضحك الصغير بصوت مرتفع يسعى لألتقاط بيضة لم تُقشر ليُجرب فعلتها.

تراجعت الخادمة عائدة للمطبخ بعدما اطمئنت أن الضيفة نجحت في إطعام الصغير.

اتسعت ابتسامة الصغير بعدما ارتشف كأس اللبن خاصته
– بره في قطه.. قطه حلوه

عادت الابتسامة تشق شفتي بسمة تنظر للصغير الذي يجرها معه للحديقة نحو القطة التي أخبرها عنها بحديثه اللطيف.

ارتفعت ضحكات الصغير وقد جذب صوت ضحكاته انتباه رسلان الذي ترك رابطة عنقه دون عقدها واتجه نحو الشرفة ينظر لصغيرة مندهشًا من سماع قهقهته.

اقتربت ملك منه بعدما غادرت المرحاض تجفف خصلات شعرها بالمنشفة

– ده صوت عبدلله.. إزاي طلع لوحده الجنينة

التف إليه رسلان يجتذبها من يدها يريها صغيره الذي يجبر بسمة على الركض خلفه ويُشاكسها

– شكل بسمة هتعمل معايا معروف حلو اوي الأيام اللي جايه

طالع ملامحها السعيدة وهي تنظر للأسفل يجتذبها لصدره ويطوق خصرها بذراعيه
– عبدالله مبيتوعدش على الناس بسهولة.. شكله حب بسمة

– عبدالله هيكون علاج بسمة يا رسلان

استدارت إليه تنظر نحو عينيه متسائلة
– وجود بسمة وسطينا هيضايقك يا رسلان

ارتفع حاجبيه في عبث يُحرك بكفيه نحو عنقها حيث تلك القطرات المنسابة ولم تجف بعد

– ديه بسمة شكلها جات نجده ليا يا حببتي.. ده أنا بدأت أغير من استاذ عبدالله.. دلوع الماما والماما ناسيه ابنها الكبير

انفلتت ضحكتها عالية رغمًا عنها ، رسلان اليوم مزاجه في مكان أخر
– أنتِ فيك حاجة غلط النهاردة يا دكتور.. أنا بقول متروحش المستشفى النهاردة

ومن نظراته العابثة أدركت ما ينوي له، لينظر إليها بعدما ابتعدت عنه ماقتًا فعلتها

– أول مره أشوف زوجه مبتحبش الدلع والأغراءات المقدمة لها.. فعلا أنتِ تختلفي عن الأخرين يا حببتي

تركته في تذمره واسرعت في التقاط ملابسها وسؤال واحد كان يتردد داخلها في حيرة، لما اليوم لم تنفر من علاقتهم.. هناك شئ صار يتغير داخلها نحو كل شئ.
….

اسرع في تحريك الوسادة خلف ظهرها يُطالعها بلهفة وقلق لم يُغادروا ملامحه حتى بعدما أخبرهم الطبيب بالمشفى أن الجنين بخير ولكنها بحاجة للراحة

– لسا تعبانه..

حركت رأسها نافية تعبها، فطالع الغرفة حوله يحرك بيده فوق خصلاته ثم عاد ينظر إليها
– أكيد محتاجه تفطري..

ودون أن يضيف كلمة أخرى أسرع في مغادرة الغرفة يبحث عن المطبخ.

اغمضت خديجة عينيها براحه افتقدتها..ستكون كاذبة لو أنكرت سعادتها بوجوده.
لهفته اليوم عليها وعلى جنينهم أكدت لها حقيقة واحده، إنها دون هذا الرجل ستكون ناقصة هي وطفلها..فأين كان عقلها وهي تخوض معه علاقة تعرف نهايتها وعواقبها؟

انسابت دموعها في ضعف، خديجة النجار عادت تبكي كما كانت شابه في العشرين من عمرها .. لا شئ تفعله إلا رثاء نفسها والهرب فأين ذهبت قوتها ؟

غفت دون شعور منها.. لتشعر بأنامله تتحرك فوق خديها وقد جفت دموعها.
طالعها بنظرات لائمة، فهل وجوده معها يسبب لها هذا

– قوليها للمرة الأخيرة واوعدك يا خديجة هحررك مني.. بصي في عيني وقولي عايزني أبعد عنك..قولي حررني منك..

عادت دموعها لسقوطها تنظر إليه في صمت , ترفع كفها تضعه أمام شفتيه تُحرك رأسها رافضة

– الحب من غير كرامة بيموت يا خديجة..

– متبعدش يا أمير ولو قولتلك أبعد متبعدش
هتفت بها تندفع نحوه تضم جسدها له.. هي تُريده..مهما قاومت وهربت فلم يعد هناك مفر لها إلا العودة إليه
– احضني يا أمير.. احضني أوي

لم تتحرك ذراعيه لتضمها رغم رجائها ورغبة فؤاده, بل ظل ساكن تمامًا.
ابتعدت عنه بعدما شعرت بجموده تنظر إليها راجية حبه لمرة أخيرة
– كرهتني يا أمير

تعلقت عيناها به وسرعان ما اغمضت عيناها تضع بشفتيها فوق شفتيه غير راغبة في سماع جوابه..لن تتحمل أن تعرف مكانتها الجديدة في قلبه، فهي من سعت لترى كرهه.

شفتيها تحركت ببطء فوق خاصته تنتظر أن يبادلها قبلتها ولكنه كان يُصارع مرارة ما عاشه معها من خذلان.
كادت أن تبتعد عنه تُخبر حالها إنه لم يعد يُحبها.

سقطت صنية الطعام الموضوعة فوق الفراش.. بعدما تحول الأمر لجنون عاصف, يُخبرها وسط قبلاته إنها المرة الأخيرة للغفران ولكنه كان كاذب.. فسيظل يغفر لها حتى يزول الحب.
…..

توقف مكانه مدهوشًا مما يراه.. ينظر إليها وهي تلهو مع ذلك الصغير.
تعلقت عينين ملك به بعدما غادرت من باب المنزل المفتوح..

لولا تهليل الصغير لرؤيته لملك.. لظل هو واقف مكانه يُطالع ابتسامتها.

عيناه غرقت في تفاصيل ملامحها يتسأل داخله..
أكان منزله حقًا سجنًا لها وعندما تحررت من جدرانه عادت كما كانت.
تركت القطة تشرب اللبن بمفردها بعدما تركها الصغير.

ابتسمت بسمة وهي ترى تعلقه بين ذراعي ملك التي ظلت تنظر إليها في صمت.

نظراتها جعلتها تلتف خلفها.. فتلاقت عيناها به وسرعان ما كانت تفر من أمامه.. هي لا تُريد العودة معه.. تُريد البدء من جديد وكأنها لم تهرب في سيارته وكأن هذا الفصل من حياتها صار محذوف.
تجمدت ملامح جسار ولم تكن ملك أقل صدمة عنه كحال رسلان الذي خرج للتو من المنزل.

….
فتحت فرحة عيناها تنظر حولها، عقلها أخذ يسترجع أحداث الليلة الماضية تهز رأسها رافضة ما رأت.. فما رأته لم يكن إلا كابوسًا.
تحركت يداها فوق الفراش ثم دارت عيناها بأرجاء الغرفة ، وسرعان ما كانت تخرج صرختها
– أنا مقتلتهوش.. مقتلتهوش

ارتجفت حدقتاها وهي ترى الباب يُفتح ويدلف منه أحدهم ولم يكن إلا ذلك الملثم الذي من سوء حظها رأت وجهه أمس.
….

اسرع سليم في هبوط الدرج يستعجب قدوم حازم إليه المزرعة يُحدق بساعة يده, فالساعه الحادية عشر ونصف
وقبل أن يتسأل سليم عن سبب قدومه رغم شعوره بحدوث شئ
– حامد أتقتل يا سليم..

الفصل الرابع والسبعون
****
مقتل حامد، هكذا ردد سليم بعدما تعلقت عيناه بحازم..الخبر لم يكن بالنسبة له صدمة, فنهاية حامد الأسيوطي كانت معروفه

– سليم أنت ليك يد في موت حامد

تجهمت ملامح سليم ينظر نحوه بنظرة ضائقة، فاسرع حازم بالاقتراب منه مستطردًا

– هتكون ضمن المتهمين بقتله يا سليم

تعلقت نظرات حازم به يتعجب من صمته..، نظراته ازدادت تعمقًا له وهو يراه يشعل سيجارته ثم يزفر أنفاسه ببطء واتجه نحو احد المقاعد وقد عاد الاسترخاء يحتل ملامحه.

زفر حازم أنفاسه ضجرًا، فهل قطع هذه المسافة ليتحلى بالصبر حتى يُقرر ابن النجار اخباره بنواياه

– تصدق إنك بارد.. أنا قاطع المسافه ديه كلها من قلقي لتكون اتهورت وقتلته بعد ما عرفت إن هو اللي دبر حادثة موتك وأنت قاعد ولا همك

اتجه حازم نحوه حانقًا من هدوئه ولكنه صار متأكد أخيرًا أنه لا دخل له بمقتل حامد

– أنت كنت عارف بقرب نهايته

استمر سليم في نفث دخان سيجارته يُحدق بتلك النقطة البعيدة

– تقدر تقول إني كنت متنبأ بكده.. حامد غلطاته كترت ودفاتره كلها بدأت تنكشف مع إن كل حاجة واضحه من زمان بس كان لسا دوره

استرخى حازم في جلسته يُحرك رابطه عنقه قليلًا

– أنا مش عارف ليه حظك في النسب سئ اوي يا سليم.. شهيرة واخيرهم.. ولا بلاش بتزعل من تعليقي عليها لا وكمان رايح تخلف منها

– حازم

احتدت ملامح سليم، فتنهد حازم ماقتًا.. هو لن يُغير رأيه في اختياراته لزوجاته

– الباشا بيزعل طبعا لما تيجي سيرة المدام، نفسي اعرف هي عملالك إيه.. ده أنت من ساعت ما اتجورتها بتحاول تخليها سيدة مجتمع..وياريتها عارفه تظهر في الصورة

ابتلع حازم بقية حديثه زافرًا أنفاسه في حنق من نظراته التي صوبها نحوه كالسهام

– خلاص يا سليم خلينا في مشكلتنا دلوقتي.. أكيد هيطلبوك في النيابة

لم يبالي سليم بالأمر..، فحتى لو طلبوا استدعائه هو بعيدًا تمامًا عن القضية.. فالقاتل معروف والقضية ستنتهي بالغلق بالنهاية لأن مقتله ليس إلا تصفيه

– وفي حاجة كمان مستغرب من إنتشارها.. شهيرة اتجوزت ماهر

استدار سليم بجسده بعدما دهس عقب سيجارته ينظر نحوه منتظرًا تكملة بقية حديثه

– مش عارف حقيقي صحة المعلومة.. لكن اتوقع يحصل.. أنت عارف شهيرة المصلحة عندها اهم واغلب ممتلكتهم بقت في أيد ماهر

……

طالعت بسمة البطاقة البنكية التي وضعتها ملك في يدها ترفع عيناها نحوها في تساؤل

– رغم رفضي للموضوع وشيفاه إهانه ليا لأنك في بيتي يا بسمه لكن أنا في النقطة ديه بحترم أي راجل فيها.. أنتِ أكيد هيكون ليكي احتياجات

تعلقت عينين بسمة مجددًا بالبطاقة البنكية، ثم عادت تنظر لملك وقبل أن تتفوه بشئ.. جذبتها ملك نحو الفراش واجلستها عليه وجلست جوارها

– ده من حقك عليه.. أنتِ مراته.. مسئولة منه متاخديش الموضوع بحساسية زيادة يا بسمة واوعي تنطقي وتقولي أنا هدور على شغل واصرف على نفسي

تبسمت بسمة تنظر إليها بنظرات أكدت لها ما توقعته

– بسمه أنتِ الشغل بيجي معاكي بكوارث.. وحاليا أنتِ خلاص هتبدأي مشوار جديد في حياتك.. تعليمك يا بسمة.. نسيتي حلمك يا بسمة

بمرارة تمتمت بعدما اختفت ابتسامتها

– أنا مبقتش عايزه حاجة من أحلامي غير أرجع الحارة، أرجع بسمة القديمة..

تبدلت ملامح ملك بشعور أخر وقبل أن تهتف بشئ.. أسرعت بسمة بالتقاط كفيها تُذكرها بوعدها لها هذا الصباح

– أنا وعدتك إني هحاول اتجاوز كل ده يا ملك.. لكن خليكي معايا.. أنتِ عيلتي يا ملك

انسابت دموع ملك رغمًا عنها متأثرة بحديثها ، أن يرى أحدًا فيك إنك وحدك عائلته, منطقته الأمنة من غدر البشر..

اجتذبتها ملك إليها تحيطها بذراعيها
– أنا معاكي يا بسمه لحد ما تاخدي قرارك الصح..

ولم تكن ملك تُكمل حديثها إلا وكان الصغير يقفز فوق الفراش صائحًا حتى يكون بينهم
…..

توقف ماهر مدهوشًا مما يراه أمامه، شهيرة تبكي مقهورة على وفاة شقيقها, شقيق لم يراه يومًا إلا رجلًا يبيع والديه وعرضه من أجل المال..

اقترب منها ومازالت الصدمة ترتسم فوق ملامحه وهو يرى أنهيارها خاصة بعدما تأكدت أن شقيقها مات مخنوقًا تحت قبضتي شخصًا.

رفعت عيناها إليه وقد حملت اتهامًا رأهم فيهما، فعاد الجمود يحتل عيناه يقبض فوق كفيه بقوة يدنو منها هامسًا بفحيح بعدما دفع بقلبه الأحمق بعيدًا

– شايف الإتهام في عينك وده مش كويس يا زوجتي العزيزة

احتقنت ملامحها تنظر حولها ثم عادت تنظر إليه بعدما أزالت دموعها عن خديها

– أنت راجع عشان تنتقم مننا.. ضحكت عليه اوهمته إنك هتنقذه من الخساير… لدرجادي الحقد مالي قلبك.. أنا بكرهك, بكرهك.. جوازي منك كان غلط واكبر غلطه عملتها في حياتي

ابتعدت عنه واتجهت نحو محامي العائلة الذي وقف يُطلعها على موعد تسليم الجثمان.

دموعها استمرت في الهطول رغمًا عنها تتذكر مقتطفات في طفولة بائسة..، حامد وهي في قبضة أب لم يكن يبحث سوى عن المال وأم عادوا من مدرستهم على خبر وفاتها وبعدها انقلبت حياتهم.

رحل من كانت تتنافس معه على مال وليت الزمن يعود للوراء لتتعلم الدرس قبل وفاة الآوان.

عيناها تعلقت بالقادم صوبها ولم يكن إلا سليم وجواره حازم ورغمًا عنها كانت تندفع صوبهم تحت نظرات ماهر الجامدة

– سليم.. حامد اتقتل.. قتلوه يا سليم

احتدت عينين ماهر يضغط فوق كفيه بقوة.. تتهمه هو وتركض نحو طليقها تشكو له وفاة شقيقها رغم إنه طرف إتهام، لم يشعر بحاله إلا وهو يتجه نحوهم يسحبها من أمامهم تحت نظرات حازم المصدومة التي سرعان ما تحولت لتهكم عندما نظر نحو ملامح سليم

– اول مره اشوف واحده بتجري على طليقها عشان تشكيله مصيبتها وجوزها واقف قصادها لا وكمان أنت موضع اتهام بسبب خلافاتك أنت وحامد, سليم حقيقي أنت محظوظ مع الستات

بنظرة خاطفة رمقه سليم ولولا وجودهم بهذا المكان لأنفجر ضاحكًا فعن أي حظ يتحدث صديقة، ابنته ستعيش حياتها مقسمة لنصفين بينهم واخرى بعدما منحهم الله ما تمنوا واصبحت تحمل في احشائها منه.. ارادت البعد لتبحث عن نفسها الضائعة تلومه لانه كان يُحيطها بجدران أسواره ولم يمنحها يومًا حق القرار.
….

تمطأت خديجة فوق الفراش تفتح عينيها تنظر حولها. اعتدلت في رقدتها تبحث عنه بالغرفة.. فهناك شئ يُخبرها أن ما كانت تعيشه معه لم يكن إلا حلمًا وقد فاقت منه للتو.

تسارعت دقات قلبها واغمضت عيناها في حسرة, ففراشها خالي منه.. هي لم تكن تحلم بوجوده هو بالفعل كان موجودًا يبثها مشاعره, يغمرها بدفئه ويحاوطها بذراعيه.

تحركت أناملها ببطء فوق شفتيها ثم عنقها, فانسابت دموعها.. أمير تركها كما كانت تتركه وتفر هاربة..
سيناريوهات عديدة صورها لها قلبها من شدة الحاجة التي انكرتها طويلًا تهمس اسمه في ضعف

– أمير

دلف أمير الغرفة بعدما شعر بأن وقت غفيانها قد طال، فالساعة تجاوزت الثامنة مساءً..

تعلقت عيناه بها, فجمدته الصدمة وهو يراها تدفن رأسها بين ركبتيها وصوت نحيبها يتعالا.
اندفع صوبها في لهفة يرفع رأسها مدهوشًا من بكائها

– خديجة أنتِ تعبانه، حببتي طمنيني..

تعلقت عيناها به تُقاوم ذرف دموعها، هو مازال هنا لم يتركها

– كنت فكراك مشيت وسبتني

عادت دموعها تنساب فوق خديها ترفع كفيها نحوه تتلمس جرح شفتيه وجبينه

– خديجة أنا مقدرش اسيبك واخذلك.. أنتِ هنا يا خديجة

أشار نحو قلبه يُخبرها بمكانها، تبسمت وهي تنفض الدموع العالقة بأهدابها وارتجف جسدها, تنظر لكفه حيث وضعها فوق بطنها

– الرابط بقى قوي أوي بينا يا خديجة.. بلاش أنتِ اللي تسيبي أيديا

ارتمت فوق صدره تعانقه بقوة، فهي لم تعد قادرة على الهجر.. حاولت مرارًا ولكنها في النهاية تعود إليه راغبة ملتاعة من نيران الشوق، الأمر اكبر منها ومنه.

شفتيه جالت ببطء فوق عنقها يهمس لها بأنفاس مسلوبة

– مش عايز اعرف الماضي ولا خوفك منه.. أنا عارف يا خديجة إن الماضي مازال محاوطك.. أنا مستعد ادفع عمري كله فداكي..

ابتعدت عنه تنظر في عينيه، أمير سعى ليعرف عن الرجل الذي كان سببً في تدمير حياتها لسنوات ولكن كل شئ كان مخفي ببراعة حتى سليم رغم كل ما صار عليه إلا أن الحقيقة كانت مخفيه عنه،
حامد ماضيها وحدها ماضي اخفته لتحمي عائلتها من رجلًا خُلق ليؤذي غيره، رجل مريض فلم تتمنى أن يتورط ابن شقيقها معه ويكون لعائلتهم نسلًا منهم.

يديه افاقتها من أفكارها حيث تحركت بخفة فوق ملامحها وكاد الحديث يتسلل من شفتيها ولكن شفتيه ابتلعته.

صارت بين ذراعيه كالعطشة لكل ما يمنحه لها وكلما حاول الأبتعاد عنها خشية على طفلهما كانت يديها تجتذبه نحوها في عبث.

ضحكاته تعالت وهو يزيح خصلات شعرها جانبًا يمسد خديها برفق مداعبًا

– هو ده اللي بكرهك يا خديجة وابعد عني.. أنا أقدر أعيش من غيرك

عبست ملامحها في تذمر تزيح ذراعيها عنه، فتعالت ضحكاته بشدة

– مهما هتقولي بعد كده مش هصدقك.. لأني عرفت متعة الكره

داعبت شفتيها ابتسامة هادئة تشيح عيناها بعيدًا عنه، لقد انكشف أمرها.. فكيف سيصدق بعد الآن إنها كارهة له, هي متيمة بعشقه.

بعد وقت كانت تجلس فوق أحد المقاعد قربه وهو يقف يطهو الطعام لها

– المفروض مين فينا اللي يتدلل يا خديجة هانم
– أنا
هتفت بغنج ثم قضمت تلك التفاحة التي القاها لها تنظر إليه منتظرة جوابه.

ارتفع حاجبيه في عبس وتقدم منها يقضم معها التفاحة

– الدلال اتعمل ليكي برنسيس خديجة

التمعت عينين خديجة وسرعان ما كانت تتسع ابتسامتها شيئًا فشئ
– تعرف إنك شبه سليم..

امتقعت ملامح أمير على ذكر اسم سليم يرفع كفه يمسح فوق كدمات وجهه
– بلاش سيرته لأن أنا وهو مافيش بينا وفاق

ضحكاتها صدحت عاليًا بعدما استمر في تدليك كدمة ذراعه

….

توقفت جنات مكانها تستمع لصوت كاظم الحاد.
استدارت بجسدها تنظر نحو الخادمة التي أسرعت نحوها تُخبرها عن هوية الضيفة التي لم تكن مجهولة بالنسبة لها لرؤيتها لسائقها بالخارج.

– منال هانم عنده .. بقالها ربع ساعه معاه في مكتبه

حدقت الخادمة بالباب المغلق وأضافت حائرة
– شكل الموضوع كبير يا هانم

استمرت الخادمة في ثرثرتها ولم يكن الحديث مبهم بالنسبة لها، السيدة منال هنا بعدما صدر أمر القبض على أمير من أجل التحقيق معه في مقتل حامد لتواجده في منزله ليلة مقتله

– طول عمرك بتكره ولادي يا كاظم.. مستني الفرصة عشان تشمت فيا

– ياريتني عرفت أكرههم زي ما كرهتك أنتِ وجودة.. لولاهم كنت محيتكم من حياتي

انفتح الباب فجأة فاسرعت الخادمة متجهة نحو المطبخ ولكن جنات ظلت مكانها واقفة تنظر لتلك المرأة.
تعلقت عينين منال بها وقد ازدادت عيناها قتامة وحقد وهي تُلقي بأنظارها صوب بطنها المنتفخة.

ارتجف جسد جنات خوفًا واسرعت في إحاطة بطنها بذراعيها، لا تصدق أن الحقد يتقطر من فم وأعين تلك المرأة.

بخطوات قلقلة اتجهت لداخل الغرفة تنظر لكاظم الذي انشغل في أحدى مكالمته مع أحدهم يُطالبه بالبحث عن شقيقه.

القى بهاتفه فوق سطح مكتبه بعدما أنهى مكالمته يزفر أنفاسه بقوة، لقد ادخله السيد المدلل في ورطة أخرى..

– كانت غلطتي من الأول إني سفرته إيطاليا.. بدل ما ينجح شغلنا الاستاذ.. بينزل بينا في الأرض

استدار كاظم بجسده يطرق فوق سطح مكتبه بقوة، فانتفضت جنات في وقفتها ذعرًا.

عيناه تعلقت به وقبل أن يهتف بشئ تعلمه، فنظراته توحي بغضب سيصبه فوق رأسها بسبب تأخيرها لدى فتون رغم اتصالاته العديدة بها, أسرعت نحوه تسأله بلهفة وبصدق بعدما احتضنته

– كاظم أنت كويس، حاول تهدا عشان ضغطك ميعلاش يا حبيبي

ضاقت عيناه مدهوشًا من اهتمامها

– أمير أكيد اختفائه للبعد.. مقتل حامد بعيداً تماما عن أمير.. احمس فهمني شوية حاجات لما كلمته افهم منه الحكاية…أنت عارف أحمس بيتدرب في مؤسسة سليم النجار

ثرثارة هي زوجته، فحتى بعدما تُلقي عليه من حديث يدهشه.. تغوص مستطردة بحديث يزيد من حنقه

– اوعى تضايق من كلامها..الكل بيتسند عليك عشان أنت طول عمرك أيدك ممدوده للكل

ازداد ضيق عيناه واستدار بجسده نحوها ينظر لها رافعًا احدى حاجبيه في دهشة أشد

– طبعا كل الكلام الحلو ده عشان اتغاضى عن تأخيرك..

– لا طبعا يا حبيبي.. أنا بحاول أهديك عشان ضغطك.. أنا وابنك مالناش غيرك يا كاظم

التمعت عيناه بنظرة غامضة وسرعان ما كانت تمد كفيها نحو خديه تمسح فوقهما

– منكرش أني باخدك بالكلام

التوت شفتيه في عبث ينظر إليها وقد استرخت ملامحه

– صريحة أنتِ أوي يا جنات
– تلميذتك يا حبيبي

تمتمت بها تتغنج في وقفتها أمامه

” حبيبي”، خفق قلب كاظم بشدة.. فهي لا تكف عن نطق هذه الكلمة اليوم ..
– سرحت في إيه يا كاظم
هتفت بها تنظر إليه، وقد طال تحديقه بها
– كاظم

همهم بخفوت بعدما عاد ينتبه لهتافها به، ابتعد عنها لا يستوعب إنه بالفعل صار كما أخبره جلال صديقه .. سيكون كالخاتم في أصبعها بمجرد أن تجود عليه بدلالها

– غضبي كله منك راح لمجرد إنك أظهرتي ليا حبك يا جنات.. عارفه ده معنى إيه..

تجمدت ملامحها للحظات وسرعان ما غادر الجمود ملامحها تتفهم خوفه

– كاظم أرجوك بلاش نقارن نتايج حياة غيرنا بحياتنا..

لم تنتظر منه المزيد من الحديث بل أسرعت في دفن رأسها داخل أحضانه متمتمة

– عماله اقولك حبيبي حبيبي.. وأنت حتى مش راضي تقولي أي كلمة تفتح النفس..

توقف الحديث على طرفي شفتيها, فابتعد عنها ينظر إليها ثم لبطنها متسائلًا في ذهول وسعادة

– هي الخبطة ديه منه

بابتسامة متسعة وضعت بيدها فوق احشائها هاتفة
– بيقولك قولها كلمة حلوه.. أنا برضوة أحتاج للدلال يا ابن جودة

صدحت ضحكاته عاليًا وقد تراجعت الخادمة عن باب الغرفة تشعر بالذهول من تبدل حال رب عملها.

اجتذبها نحوه ناسيًا تلك المشكلة التي ورطه فيها شقيقة. امتزجت انفاسهم يضمها إليها
– قول لماما إنها الوحيدة اللي كسرت كل الحواجز والقيود..

ابتعدت عنه تلهث أنفاسها تضع بيدها فوق شفتيها بعد قبلته العاصفة، فلم تكن قبلة عادية بالنسبة لها..
– كاظم
همست اسمه ومازالت أنفاسها تخرج بلهاث، صدح رنين هاتفه وقد عاد به لأرض الواقع ومصائب شقيقه التي لا تنتهي.

…..
تعلقت عيناها بشاشة هاتفها بعدما اخذ يضئ برقمه للمرة الثامنة.
توقف الهاتف أخيرًا عن الرنين في صمت وقد عادت لمهمتها التي أجبرها عليها الصغير وهي إطعامه.

دلفت ملك الغرفة تنظر إليها وإلى صغيرها ثم عادت تضع بهاتفها فوق أذنيها

– قولتلك عبدالله مش مديها فرصة تشوف تليفونها يا جسار، اهي معاك

توقفت بسمة عن إطعام الصغير وقبل أن تهتف بشئ كانت تضع الهاتف داخل كفها ثم حملت الصغير وغادرت وقد بدأت تُصدق ندم جسار بالفعل لأنها اكثر من يعرفه

– بسمة، ردي عليا…أنا عارف إنك بقيتي تتكلمي

اغمض عيناه يستمع لصوت أنفاسها، يُخاطب عقله أن يتخلى عن كبره قليلًا

– تعرفي إني نمت أمبارح في أوضتك وحضنت مخدتك

انسابت دموعها رغم ضغطها القوي فوق شفتيها
– ليلتين بعدتي فيهم عن البيت بقى ملهوش طعم يا بسمة

حديثه كان قاسي على قلب صار جَدْب، يخبرها بما تمنته بعدما تخلى قلبها عن أحلامه
…..

استند سليم برأسه للخلف قليلًا لعله يمنح عقله بعض الراحة ويزول صداع رأسه بعد ليلة قضاها في سهاد.
دلف الساعي إليه بقهوته ثم غادر في صمت كما دلف.

فتح عيناه زافرًا أنفاسه بتنهيدة طويلة.. ثم التقط فنجان قهوته يرتشف منه القليل لعله يفيق.

نظر في ساعة يده ينتظر ذلك الأتصال الذي ينتظره..، عيناه تعلقت بأحد الأظرف المدون عليها كلمة خاص.
أخذه الفضول رغم رغبته في عدم رؤية شئ إلا إنه في النهاية اخذ يفتحه في ترقب.

تجمدت عيناه نحو ما يرى، يقبض فوق التقارير وبعض الصور الملتقطه لعمته في شبابها وكيف جلست جاثية أمام قدمين حامد في وهن.

الصورة صارت واضحة، واضحة بشدة..
أنفاسه تسارعت بهياج لا يُصدق تلك الخديعة التي سقط فيها.. بل وانجب من تلك العائلة طفله ربطته معهم بالدماء

– سليم بيه، في هانم مصممه تدخل لحضرتك

لم يشعر بدلوف سكرتيرته التي انصدمت من هيئته وسرعان ما كانت تدلف خلفها الأخرى تنظر إليه بابتسامة متسعة بعدما تعلقت عيناها بالظرف

– ظننت إنك رأيته أمس

تعلقت عينين سليم بسكرتيرته التي حاولت إخراجها, تُخبرها بلغتها الأنجليزية إنها لم تسمح لها بالدلوف ولكن ليندا تمكنت من إزاحتها تنظر نحو سليم الذي وقف مكفر الوجه يُطالع ما بيده يشعر أن العالم كله انحصر أمامه

– ألا تريد أن تعرف من أنا..

اتجهت نظرات سليم نحوها
– ابنة عمك سليم.. , ليندا أحمد النجار

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *