جوزي مراهق ج الاخير

جوزي مراهق ج الاخير


الزمن دار، والفلتر اللي كان مغطي الحقيقة اتمسح.
بعد ست شهور من يوم النتيجة، وفي ليلة شتا باردة، كنت قاعدة أنا والدكتورة بنتي في الصالة، بنشرب شاي وبنتكلم في مصاريف الكلية والكتب، وموبايلها كان محطوط على الترابيزة. فجأة، وبدون مقدمات، لقيت بنت خالتها باعتة لي “سكرين شوت” على الواتساب.. فتحتها وأنا قلبي مشحون بالفضول، ولقيتها من صفحته هو!
أبو البنات اللي كان قالب الفيس بوك محن وسفر وخروجات، منزل بوست طويل عريض، ومقفل الكومنتات عشان متبقاش ساحة للتريقة عليه. كاتب وفوق البوست صورة قديمة أوي.. صورتنا في شقتنا القديمة يوم سبوع بنتنا، صورة باهتة مفيهاش فلاتر ولا فنادق على النيل، بس كان فيها ضحكة من القلب.
كان كاتب تحتها:
> “الأيام أثبتت لي إن في ناس بتبني معاك، وناس جاية تعيش في اللي أنت بنيته.. العِشرة مش كلمة بتتقال، العِشرة إيدين خشنة شالت الهم معاك ومطلبتش مقابل، مش إيدين ناعمة أول ما الجيب يفضى والروتين يدخل، تسيبك وتمشي. أنا غلطت في حق نفسي وفي حق بيتي اللي هديته بإيديا عشان وهم عشته وسميته شباب.. زينات وبنتي.. أنتوا الأمان اللي ضيعته، والندم بياكل في قلبي كل ثانية، وياريت الأيام ترجع ومكنتش خرجت من الباب ده أبداً.”
>
بصيت للبوست بـ برود تام، متهزتش فيا شعرة واحدة. مفيش نار قهر، ومفيش حتى تشفي.. كان جوايا راحة غريبة، الراحة اللي بتحس بيها لما تلاقي العدل اتقلب على اللي ظلمك من غير ما ترفع إيدك.
بنتي سحبت الموبايل من إيدي وقرأت البوست. ملامحها متغرتش، ولا عيطت ولا اتكسرت زي زمان.. بصت لي وقالت بـ ابتسامة هادية: *”شفتي يا ماما؟ السنيورة سابته لما لقاها بتصرف وتطلب وهو مبقاش معاه يكفي منظرتها.. وعرفت كمان من أصحابي إنها سابته وراحت تتجوز واحد تاني من سنها، وهو دلوقتي قاعد بطوله في شقة إيجار بعد ما باع اللي وراه واللي قدامه عشان يرضيها”*.
ضحكت بـ مرار وقولت لها: *”ربك مبيرضاش بالظلم يا بنتي.. اللي يبيع عيلته عشان شهوة ومراهقة متأخرة، دايماً نهايته بتبقى كده.. يقعد على البلاط لا طال العروسة الصغيرة، ولا حافظ على الست الأصيلة اللي صانته.. هو دلوقتي بينزل البوستات دي مش حباً فينا، هو ندمان على العز والأمان والخدمة اللي كان عايش فيها ومكنش مقدرها.. ندمان على شكل بيته وضهر بنته الدكتورة اللي كان زمانه بيتفشخر بيها وسط الناس”*.
بنتي هزت راسها وقالت بـ منتهى القوة: *”هو افتكر إن بـ بوست وكلمتين ندم على الفيس بوك هننسى الدموع والكسرة اللي عيشهالنا في أصعب سنة في حياتي؟ السوشيال ميديا اللي خربت بيته، جاي دلوقتي يستعطفنا عليها! أنا خلاص قفلت الصفحة دي من يوم ما قفل باب بيته ورانا”*.
مسكت الموبايل، وعملت “دليت” للصورة والبوست من عندي ومن عندها، ورجعت الموبايل مكانه على الترابيزة بـ إيد ثابتة. بصيت لـ زينات اللي في المراية.. الست اللي شافت الشقا والكسرة، بس خرجت من المعركة دي كسبانة، راسها في السماء، وبنتها دكتورة والكل بيحلف بـ أدبها وشطارتها.
ربطت على كتف بنتي وقولت لها: *”سيبك منه ومن بوستاته يا دكتورة.. عيش مراهقتك في الندم يا أبو البنات، واشبع باللايكات والتعاطف المزيف من ورا الشاشات.. إحنا خلاص قفلنا الكتاب ده، ولينا الواقع اللي بنبنيه بـ إيدينا.. ومفيش رجوع لـ ورا أبداً”*.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *