جوزي مراهق ج الاخير

جوزي مراهق ج الاخير

الندم لما بيأخر، بيبقى زي قلة القيمة.. ملوش أي تمن.
فاتت كمان كام أسبوع، وأبو البنات الحزن أكل قلبه وعقله، وبدل ما يلم نفسه، حول صفحته لـ سرادق عزاء مفتوح. مبقاش وراه غير بوستات الفراق، والأغاني الحزينة، وكلام عن “البيت القديم” و”الضحكة الصافية اللي مش هترجع”. نزل صورة لـ طبق كشري كان كاتب فوقيها: *”عمر الفنادق والمطاعم الفاخرة ما تعوض لقمة هنيّة معمولة بـ إيدين أصيلة في بيتك وسط عيالك، أنا ضيعت الجنة بإيديا”*.
الناس اللي كانت بتعمل “لاف” و”شير” على صور السفر والخروجات مع السنيورة، اتقلبت فجأة وبقت تعمل “ساد” وتكتب له كومنتات مواساة! والموضوع مأوقفش لحد هنا.. طوب الأرض بدأ يتدخل.
لقيت تليفوني وتليفون بنتي مبيفصلش. خالاته وعماته، وحتى أصحابه القدام اللي مكنش ليهم صوت، بقوا يكلموني ويقولوا لي بـ نبرة استعطاف: *”يا زينات، المسامح كريم، الراجل هيموت من ندمه.. شوفي البوستات اللي كاتبها في حقك، ده مبقاش ينزل صورة غير ويدعي لك فيها.. ارجعي له عشان خاطر بنتك الدكتورة، لموا الشمل والراجل عرف غلطه خلاص بعد ما البنت الصغيرة سرقته ورمته”*.
حتى بنتي، أصحابها في الكلية بقوا يبعتوا لها ويقولوا لها: *”باباكي ندمان أوي يا دكتورة، كاتب بوست بيتحسر فيه على اليوم اللي سابك فيه.. حرّام، ده لحمك ودمك برضه ومهما كان اسمه أبوكي”*.
بنتي جت لي المطبخ في يوم، وشها كان مضايق ومخنوق، رمت الموبايل على الرخامة وقالت لي: *”أنا تعبت يا ماما.. الناس مش سايبانا في حالنا، كل شوية حد يدخل يستعطفني ويقولي (أبوكي ندمان وبيموت).. هو فاكر إن السوشيال ميديا لعبة؟ لما حب يغيظنا ويهيننا استخدمها، ولما حب يشحت عطف الناس ويجبرنا نرجع له استخدمها برضه!”*.
بصيت للموبايل المنور، وحسيت بـ بركان زينات اللي كان خامد بيبدأ يغلي تاني.. بس المرة دي مكنش غليان قهر، كان غليان رد شرف.
وقفت وقولت لها بـ صوت كُله عزم: *”هو فاكر نفسه ذكي؟ فاكر إنه لما يقعد يعيط ورا الشاشات ويخلي الناس تضغط علينا، إحنا هنخاف من كلامهم ونرجع؟ طيب.. هو اختار يلعب على الفيس بوك وقدام الناس كلها؟ يبقى الرد هيكون في نفس المكان، وقدام نفس الناس اللي كان بيتفشخر قدامهم بـ خيانته!”*.
أخدت موبايلي، وفتحت صفحتي اللي بقالها سنين مقفولة ومفيهاش غير قرايبنا القريبين.. قعدت في الصالة، وفردت ضهري، وبدأت أكتب.. كتبت بـ حبر من دمي وشقايا وسنين عمري.. كتبت البوست اللي هيحط النقط فوق الحروف وينهي المهزلة دي للآبد.
كتبت وقولت:
> “بقالي شهور بتابع من بعيد، وبسمع كلام الناس اللي داخلة تتوسط لراجل ندمان وبيموت في اليوم ميت مرة عشان ساب بيته وعشرة ١٥ سنة. كُله عمال يقولي (المسامح كريم وشوفي بوستات الندم اللي بينزلها).
> أحب أقول للناس دي كلها.. البيوت مبتتبنيش بـ بوستات الفيس بوك، والكسرة مابتتداواش بـ (لايك) و(شير). الراجل اللي أنتوا شفقانين عليه دلوقتي، هو نفسه الراجل اللي من كام شهر كان بينزل صور إيدين ناعمة مفيهاش علامات غسيل ولا شقا، ويقول (أول حب)، وبيشطب على ١٥ سنة شلنا معاه فيها القرش على القرش وباع صيغتي عشان يقف على رجليه!
> الراجل الندمان ده، ساب بنته في أصعب سنة في حياتها (الثانوية العامة)، وهي كاتمة عياطها بالمخدة عشان متبانش ضعيفة، وهو مقضيها محن وبوس إيدين وعقد دهب وسفر لشركته الجديدة اللي من دور بناته!
> إحنا مأرجعناش بـ بوستات الحزن بتاعته.. إحنا رجعنا بـ فضل ربنا وبـ سهرنا وشقانا، لما بنتي جابت ٩٧.٥٪ ودخلت كلية الطب ورفعت رأسي في السماء.. بنتي بقت دكتورة بـ دعائي أنا وبـ إيدي الخشنة اللي شقيت، مش بـ أوهامه ومراهقته المتأخرة.
> هو مش ندمان عليا ولا على بنته.. هو ندمان على (العز والأمان) اللي ضيعه بـ إيده، ندمان لما السنيورة سابته وراحت لغيره لما فلوسه خلصت وباع اللي وراه واللي قدامه.
> صفحته اتقفلت من زمان، ومفيش رجوع لـ ورا.. إحنا عايشين واقعنا الناجح المشرف، وهو خلوه يعيش ورا الشاشات واللايكات المزيفة اللي اختارها بنفسه.. ويا ريت محدش يتدخل في حياتنا تاني.”
>
دوست “نشر”.. وبصيت لبنتي اللي كانت واقفة ورايا، وعينيها بتلمع بـ فخر ملوش أول من آخر.
في أقل من ساعة، البوست اتقلب لـ ترند في منطقتنا وعيلتنا.. الكومنتات انفجرت، والناس اللي كانت بتتعاطف معاه، بقت تكتب: “الله ينور عليكي يا أم الدكتورة”، “الأصيلة تكسب في الآخر”، “حقك رجع لك تالت ومتلت”.
قفلت الموبايل وحطيته على الترابيزة بـ كبرياء.. وبصيت لـ بنتي وقولت لها: *”كده الحكاية خلصت بجد يا دكتورة.. سيبناه للناس تاكله بـ كلامها، وإحنا قفلنا الباب بالضبة والمفتاح”*.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *