نوفيلا جديد

نوفيلا جديد

سمر

كان يوم غالي حار، شمسها بتشتعل كأنه قمر حارص، ومش هتخلي أحد يتحرك من مكانه غير لو ضروري. سمر بتشيل شنطة من البقالة، وتشيلها على كتفها الأيمن، وتسير على الأرض البعيدة بتاع القرية، وأعينها بتشوف الصحراء اللي بتمد قدامها كأنها سجادة زرقاء زحللية.

“يا رب، ليش اليوم السوق ده كان زحمة كده؟” بتقولها لنفسها، وتشيل الشنطة تاني لأنه بدات تتدلى. “بس والله شكرًا إن الشوكة بتاع البطاطا كانت طازجة، والخضروات كلها زي ما أبيتها أمي.”

سمر من قرية صغيرة بالقرب من سوهاج، عمرها حوالى خمسة وعشرين سنة، والده كان بيعمل زرع قبل ما يصيبوه بالمرض، والآن هي والامي اللي بتشغلوا البيت وتشغلوا الحظيرة بتاعة الدجاج والبطاطا اللي في الأرض الصغيرة بتاعتهم.

لما وصلت للبيت، وجدت أمها بتنتظرها عند الباب، وعينها بتاعتها قمره من الحزن والقلق. “يا سمر يا بنت عمري، العم محمود جاي من القاهرة، والده بتاع حمودي اللي كان يدرس فيه الطب، قال إن الولد عايز يروح يعمل في المركز الصحي بتاع القرية الجديدة اللي قريب منا.”

سمر ضغطت الشنطة على الأرض، وفتحت عينيها كبيرة. حمودي؟ اللي كان يلعب معاها في سن الصغر، واللي راح للقاهرة ليدرس الطب قبل سبع سنين؟ “يا أمي، إنو جاي يعمل هنا؟ إيه السبب ده؟”

“الله يعلم يا بنتى، بس العم محمود قال إن الولد شايف إن فيه حاجة في القرية ده زي ما في حاجة تاني، ومش عايز يشتغل في المستشفيات الكبيرة بتاعة المدن.”

سمر شايفة إن دماغها بتدور، بتتذكر الصور بتاعة حمودي زماكان: ولد طويل شحاذ، بيشيل حقيبة الكتب على كتفه، وبيتكلم معها بصراحة، وبيحاول يساعدها في دروسها لما تكون بتشغلها صعبة. لما راح للقاهرة، قالها إنها لازم تتمسك بحلمها وتدرس حتى تيجي معاه، بس بعد ما أصاب والده المرض، اضطرت توقف الدراسة وتشغل البيت.

بعد يومين، شافت حمودي وصل للقرية. كان زي ما كانت تتخيله، بس أطول شوية، وشغل دهشة عليه، وعيناه زي ما كانت، بس بتحمل حكمة شوية من السن والخبرة. كان بيشيل حقيبة كبيرة، وبيده كيس من السلامية بتاعة القاهرة اللي كان بيحبها زماكان.

لما شافت سمر، ابتسم، وقللها بيده: “يا سمر يا قمر، إنت إيه سويت من نفسك؟ زماكان إنت كنت بتكون صغيرة زي الفرسان، والآن إنت عاشت وتزينة زي البنفسج بتاع الشتا.”

سمر شعرت إن وجهها بتدخن، وضغطت يديها على ملابسها: “يا حمودي، إنت إيه شايف إنك بتكلم كده؟ إنت زي ما كنت، بس شغل دهشة، وطولت أكتر من كده.”

“إنت ماشي تغيّرتش، بس إنت كبرتي وعاشتِ، والله إنت أحسن من كلامي”، قال وهو بيدخل للبيت، ويقابل أمها وعم محمود. “يا خالة، شكرًا ليك إنك استقبلتيني زي ده، والله إنت زي ما كنت، بتعتني بالجميع زي ما بتعتني بنفسك.”

أم سمر ابتسمت، وقلتله: “يا حمودي يا بنت عمري، إنت زي ابننا، والبيت ده بيتبقى ليك كل يوم، إنت بس تعرف إننا مش عندنا حاجة كتير، بس كل حاجة عندنا بتتبقى ليك.”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *