نوفيلا جديد

نوفيلا جديد

بدأ حمودي يعمل في المركز الصحي الجديد، والقرية كلها بتحبوه. كان بيشوف المرضى كل يوم، وبيساعدهم بلا شروط، وبيشرح لهم إنهم لازم يتعاملوا مع أجسادهم زي ما يتعاملوا مع الأرض اللي بيزرعوا عليها – بالاحترام والاهتمام.

كان بيوم كل أسبوع بيجي للبيت بتاعة سمر، ويشرب شاي معاها وأميها، وبيتكلم معاهما عن الحياة بتاعة القرية، وبيحاول يساعدها في عمل البيت – بيغسل الحظيرة بتاعة الدجاج، وبيزرع بعض الخضروات في الأرض، وبيحاول يدرس سمر تاني لما تشوفها بتتمنى إنها تقدر تستكمل دراستها.

“يا سمر، إنت لازم تتمسك بحلمك، إنت كنت متقنة وأذكى من كل بنات القرية زماكان”، قالها يوماً بينما كانا يجلسان تحت الشجرة بتاعة السدر في صفحة البيت. “إني مستعد أساعدك أتعلم تاني، وإنت بتقدر تستكمل دراستك في كلية التربية أو كلية التمريض، حسب إيه بتحبينه.”

سمر نظرت له، وعينها بتملأ بالدموع: “يا حمودي، إنو إنت بتخليلي أتعلم تاني ده حاجة طيبة، بس والده بتاعي مش في حاله تانية، والبيت ده محتاج ياعي، ومش هقدر أتركو أمي وحدها.”

“إنت مش هتركوها وحدها، إني والجميع هنعمل كل حاجة ممكنة تساعدها”, قال وهو بيدعو يده على يداها. “القرية دي بتبقى لنا كلنا، ونبقى نساعد بعض بعض، ده اللي بيصنعنا أهل واحد.”

منذ ذلك اليوم، بدأ حمودي يدرس سمر كل يوم بعد ما يخلص عمله في المركز الصحي. كان بيشوفها في صفحة البيت، أو في المدرسة القديمة بتاعة القرية اللي بتكون مفتوحة في المساء، وبيشرح ليها الدروس بتاعة الثانوية العامة، وبيحاول يخليها تشعر إنها قادرة على تحقيق كل حاجة تتمناها.

الجمهور بتاعة القرية بدأ يتكلم عنهم. بعض الناس كانوا بيسعدوا لهم، وقالوا إنهم زوج كويس، وسيمتلكوا حياة طيبة. وبعض الناس كانوا بيشكوا، وقالوا إن حمودي طبيب من القاهرة، وسمر بتبنت من القرية، ومش هيكونوا متقابلين زي ده.

“يا سمر، إنت لازم تتأكدي من إيه بتخليلي عليه”، قالتها حفيدة العم محمود يوماً بينما كانا تشتريان شيء من السوق. “حمودي طبيب، والده عم محمود غني، ومش هيقبل إن الولد يتزوج بنت من القرية ده.”

سمر شعرت إن قلبها بتتقلص، ولكنها قالت لها: “الحب مش بيدور على المال أو المكان، ده اللي بتعتقده، وإن حمودي بيحبني زي ما أنا بحبه، فمش هتخاف من حاجة.”

لكن الشكوك كانت بتعمل في دماغها. لما شافت حمودي بيصاحبه بعض الفتيات من القرى المجاورة اللي كانوا بيشوفونه في المركز الصحي، شعرت إنها أصغر منهم، ومش متقابلة معاه. ولكن كل لما تتكلم معاه، وتشوف إيه بيحس ببساطته ودوامه، تنسى كل الشكوك بتاعتها.

في يوم من الأيام، جاء عم محمود للبيت بتاعة سمر، وضغط وجوه كده، وكأن فيه حاجة صعبة بيحاول يقولها. “يا خالة، يا سمر، لازم أقولك حاجة، والله مش عايزة أتعبك أو أتعب خالتك، بس لازم أقولها.”

“يا عم محمود، إنت قول إيه عندك، مش هتتعبنا”، قالت أم سمر وهي بتحضر شاي للجميع.

“حمودي والده بتاعه بالقاهرة، قال إنو عايز يروح يشتغل في مستشفى كبير هناك، وبينتني إنه لازم يتزوج من بنت طبيب زي ده، عشان يساعده في حياته وعمله.”

سمر شافت إن العالم بتاعها بيتحطم، ودموعها بتطلع من عينيها زي المطر اللي بيطلع من السماء في الشتا. “يا عم محمود، يعني حمودي هيغادرنا؟ هيتروح للقاهرة وتتزوج من بنت تانية؟”

“الله يعلم يا بنتى، بس والده بتاعه شديد العزم، ومش هيقبل إن الولد يبقى هنا أو يتزوج من غير ما يختاره”, قال عم محمود وهو بيشوف الأرض، مش عايز يشوف وجه سمر.

لما جاء حمودي لليلة دي، وجد سمر بتجلس تحت شجرة السدر، ودموعها بتسيل بلا هي تقاومها. “يا سمر، إيه حصل؟ إنت إيه شايف؟” قال وهو بيجلس جنبها، ويدعو يده على كتفها.

“عم محمود جاي، قال إن والده بتاعك عايزك تروح للقاهرة وتتزوج من بنت طبيب”, قالتها سمر بصوت خفيف، ودموعها بتغطي وجهها. “إنت إيه شايف؟ إنت هتروح وتنساني؟”

حمودي ضغط يده على يداها، وقال لها بصوت قوي: “يا سمر يا قلبي، إنت الوحيدة اللي بحبها، والله ما راح أتروح ولو جابوني من السماء، وما راح أتزوج من غيرك ولو جابوني المال كلها في الدنيا.”

“بس والده بتاعك مش هيقبل ده”، قالتها سمر، وتنظر له بعينين مملوءتين بالدموع والامتنان.

“إنا هنحاول نصحبه، ونشوف إيه ممكن نعمل، بس إن مش هيفضلش، فإني هبقى معاك هنا، هعمل طبيب في القرية، وهبقى معاك حتى لو معانا مش هتكون حاجة كتير”, قال حمودي وهو بيدعو يده على وجهها، ويمسح دموعها باصابعه.

في اليوم التالي، راح حمودي للقاهرة ليتكلم مع والده. كان بيمشي على الأرض بتاعة القاهرة، وشايف الشوارع المزدحمة والبناءات العالية، وبشعر إن كل حاجة دي مش ليه، واللي هو بيعيشه في القرية زي ما هو بيحبها – الصمت، والطاقة الحلوة بتاعة الناس، وسمر اللي هي الحب بتاعه.

لما وصل للبيت بتاعة والده، وجده جالس في الصالة، ووجهه شديد الصرامة. “يا حمودي، إنت جاي؟ إنت لازم تعرف إن قراري مقرر، إنت لازم تروح تشتغل في المستشفى بتاعي، وتتزوج من بنت طبيب أحمد باشا اللي هو صديقي القديم.”

“يا أبي، إني مش عايز أشتغل في المستشفى بتاعة الناس، وأني مش عايز أتزوج من غير ما أحبها”, قال حمودي بصوت قوي، ووجهه صادق. “إني بحب بنت من القرية بتاعة سوهاج، وإنها أحسن بنت في الدنيا، وأنا هبقى معاها حتى لو معانا مش هتكون حاجة كتير.”

والده شافت إن الولد مصمم، وضغط وجوه كده، وقال: “إني مش هتقبل ده، وإنت لو بقيت معاها، فإني مش هعرفك تاني، ولا هتكون عندك ولا مال ولا علاقة مني.”

حمودي ابتسم، وقال له: “يا أبي، المال والعلاقات مش هيحلوا كل حاجة، واللي هو مهم إن الناس يحبوا بعض بعض، وعملوا حياة طيبة. إني عايز أكون طبيب في القرية، وأساعد الناس اللي محتاجين، وأبقى مع الحب اللي وجدته.”

منذ ذلك اليوم، رجع حمودي للقرية، ووقف بين سمر وأهلها، وقال لهم إنو قرر بقي معاهم، وسيعمل في المركز الصحي، وسيساعد سمر تستكمل دراستها. أم سمر شافت الولد ده، ودموع الفخر بتطلع من عينيها، وقالت له: “يا حمودي يا بنت عمري، والله إنت خير ما في الناس، وسمر هيكون ليك نعمة إن شاء الله.”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *