مستشفى السلام

مستشفى السلام

روايات_مشيره_محمد

وقف الولد بعد الكلمة الأخيرة وهو بيترعش، وجسمه كله بيترج من الخوف. أنا كنت واقفة متسمرة في مكاني مش قادرة آخد نفسي. الاسم اللي الممرضة قالته من شوية — “مريم الشاذلي” — كان كفيل يرجعني اتناشر سنة ورا، يفتح أبواب أنا قفلتها بإيدي وسلقت مفاتيحها في نار النسيان.روايات_مشيره_محمد

​مريم كانت أقرب صحيبة ليا في الجامعة، كنا زي الروح في جسدين، لحد ما اختفت فجأة من غير كلمة ولا سلام ولا استئذان. كل الناس وقتها قالوا إنها سافرت، وناس قالت إنها اتجوزت وسابت البلد، وأنا فضلت السنين دي كلها عايشة على وجع الخيانة والخذلان من غير ما أفهم هي ليه سابتني ومشيت.

​قربت خطوة بطيئة ناحية السرير. الولد كان ماسك اللحاف بقبضة إيده السليمة، وعينيه بتلمع بالدموع. بصيت في ملامحه كويس.. الحواجب المقرونة، رسمة العين الواسعة، وحتى الشامة الصغيرة اللي جنب شفته الشمال.. دي كانت مريم! مفيش أي شك، الولد ده نسخة طبق الأصل منها بس على أضعاف الخوف والكسرة.

​قعدت على كرسي البلاستيك اللي جنب السرير بالراحة، ومسكت إيده السليمة الدافية. كان بيترعش زي العصفور البردان.

  • ​”كريم.. صح؟” صوتي طلع مبشورش ومخنوع، بس حاولت أبتسم عشان أطمنه.

​هز رأسه بسرعة، ودمعة نزلت من عينيه المسحورة:

  • ​”أنتِ طنط أمل؟ أمي قالتلي إنك أنتِ الوحيدة اللي هتحميني لو هي جرالها حاجة.. قالتلي لو الدنيا ضاقت بيك خالص، ادور على أمل العوضي.. هي دي أمل اللي عينها بتشوف الحقيقة.. أرجوكِ يا طنط متسبنيش!”

​الكلام كان بيطلع من بقه زي السيل، وكنت بحاول أربط الخطوط ببعضها. يعني إيه؟ يعني مريم كانت فاكراني كل السنين دي؟ طب هي فين دلوقتي؟ والإشارة الغريبة دي معناها إيه؟

  • ​”اهدى يا كريم.. اهدى يا حبيبي أنت في أمان معايا. مش هسيبك خالص.. بس قل لي، فين أمك؟ إيه اللي حصل على طريق الإسماعيلية؟”

​الولد بلع ريقه بصعوبة، ونظرة الرعب رجعت تملكته تاني. بص ناحية باب الأوضة المفتوح ورجع بصلي ووطى صوته لدرجة الهمس:

  • ​”أمي مش في المستشفى يا طنط.. أمي محبوسة. الحادثة ماكانتش قضاء وقدر.. الميكروباص اللي كنا فيه، في ناس كانوا بيطاردونا.. عربية سوداء كبيرة فضلت زانقة علينا لحد ما عربيتنا انقلبت على الجانب.. أمي زقتني من الشباك المكسور وقالتلي اجري ومتلقفتش ورايا.. جرت ورايا على الشريط الرملي وخبّتني في مروحة الطلمبة القديمة، وقالتلي استنى لما الشرطة تيجي واديهم نمرتك.. وبعدها شفت راجلين ببدل سوداء بياخدوها في العربية الكبيرة ومشوا بها!”

​قلبي سقط في رجلي. الحوار تحول من مجرد حادثة لعملية خطف وتصفية حسابات!

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *