الشبيبة الغامض

الشبيبة الغامض

​نادية دفنت وشها في إيديها وقالت:

“أنا دفعت له كل فلوسي ويا ريتني ما عملت كده! أخذت يوسف وهو حتة لحمة حمرا، وربيته وراعيت ربنا فيه، وكنت فاكرة إن السر ده بيموت معايا.. لحد ما جوزي نقل شغله للقاهرة، وقدمت ليوسف في المدرسة دي بالصدفة.. وما كنتش أعرف إن ربنا كاتب إن التوأم يتقابلوا في نفس الفصل ونفس المدرسة!”

​محمد كان وافق زي الصنم، عينيه مليانة دموع وذهول، بص لي وقال بكسرة:

“أنا السبب يا مي.. أنا اللي صدقتهم لما قالوا لي إن اتنين ماتوا، أنا اللي مسكت الكيس الصغير ودفنته ورجعت لك وقلت لك البقية في حياتك.. أنا دفنت طفل واحد بس وما كنتش عارف إن الثاني اتسرق!”

​رحلة التحاليل والوجع

​النيابة أمرت بعمل تحليل دي إن إيه (DNA) فوراً، وتم احتجاز يوسف بشكل مؤقت في مكان رعاية تابع للنيابة لحد ما تطلع النتيجة، ونادية اتجمعت عليها الاتهامات بالخطف والتزوير في أوراق رسمية.

​الأيام اللي استنينا فيها نتيجة التحليل كانت أطول أيام في حياتي. ما كنتش بنام، ولا كنت بآكل. صور يوسف وكريم ما كانتش بتفارق خيالي. كريم كان كل يوم يسألني:

“ماما، هو يوسف هيرجع يعيش معانا؟ هو هينافسني في ألعابي؟”

أقوله وأنا بدمع:

“يوسف أخوك يا كريم، نصك الثاني اللي كان ضايع، ألعابك وبيتك وقبل كل ده قلبنا ملكه هو وأنت سوا.”

​وبعد أسبوع، ظهرت النتيجة.

التقرير الطبي كان واضح ومحسوم: نسبة التطابق بيني وبين محمد وبين يوسف هي 99.9%. يوسف ابننا شرعاً وقانوناً.

​لحظة المواجهة والملمة

​يوم ما أخذنا قرار قرار النيابة بتسليم يوسف لينا، كانت اللحظة أسبابها متضاربة بين الفرحة العارمة وبين الوجع. يوسف كان متعلق بـ نادية، الست اللي ربته ثمان سنين وكان فاكرها أمه. لما شافنا رايحين نأخذه، استخبى ورا الكرسي وكان خايف وبيعيط:

“أنا عايز ماما نادية! أنتوا مين؟ أنتوا أشرار أخذتوا ماما مني!”

​الكلمة دي قطعت قلبي حتت. أنا أمه الحقيقية، أمه اللي حملت فيه وتعبت وشالت الوجع، بس هو مش عارفني. ركعت قدامه على الأرض ومسكت إيديه بالعافية وهو بيحاول يشدها:

“يا يوسف.. يا حبيبي افهمني، أنا مامتك اللي ولدتك، الست دي أخذتك مني وأنت صغير قوي حرمتني منك وحرمتك من أخوك كريم.. بص لكريم كده، بص لوشه.. مش أنت كنت بتقوله أنت أخويا؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *