حماتي واخويا اللي عنده متلازمه داون
حماتي واخويا اللي عنده متلازمه داون
“على جثتي إنه يمشي معاكي لحد المأذون!” قالت الجملة دي حماتي وهي بتبصلي بحدة، وهي تقصد أخويا اللي عنده متلازمة داون. كانت متوقعة إني أعمل مشكلة وأعلى صوتي، لكن أنا قررت أعلّمها درس عمرها ما هتنساه.
أخويا سألني في ليلة هادية وإحنا قاعدين كلنا في بيت ماما.
“ينفع أنا أعمل مكان بابا؟”
بصيتله باستغراب.
كنا قاعدين أنا وماما وأخويا كريم وخطيبي يوسف ووالدته.
كريم كان واضح عليه التوتر، كل شوية يبدأ جملة ويسكت، وبعدين يبصلي ويرجع يحاول يتكلم.
#انجي_الخطيب
“أعمل مكان بابا؟ في الفرح.”
في الأول مفهمتش هو يقصد إيه.
وبصراحة… يمكن أنا مكنتش عايزة أفهم.
عدّى على وفاة بابا تقريبًا سنة، ولسه لحد دلوقتي كلمة “بابا” لما بسمعها بحس إن في حاجة بتخنقني من جوايا.
قرب مني وقال وهو بيحاول يوضح كلامه:
“يعني أمشي معاكي… في النص… لحد المأذون.”
وفجأة فهمت قصده.
كريم كان عنده واحد وتلاتين سنة، ومن وهو صغير وهو متعلق ببابا بشكل كبير. بابا كان أقرب شخص ليه، وكان دايمًا بياخده معاه، يقعد جنبه، ويشاركه كل تفاصيل يومه.
كريم مكنش بيسألني على دور في الفرح.
هو كان خايف إني أقف لوحدي في اللحظة اللي كان المفروض بابا يكون فيها جنبي.
حطيت إيدي على بوقي وأنا بحاول أمنع دموعي تنزل.
وهو فضل مستنيني، من غير ما يضغط عليا ولا يعيد السؤال.
ماما هي اللي ردت قبلي.
“طبعًا يا حبيبي، إنت اللي هتمشي معاها.”
يوسف ابتسم وقال إن دي أكتر حاجة منطقية تحصل في اليوم ده.
لكن شخص واحد بس مكنش عاجبه الكلام.
والدة يوسف.
كانت قاعدة قدامي، وباصالي بنظرة غريبة.
مقالتش ولا كلمة في الليلة دي.
وأنا حاولت أقنع نفسي إني فهمت نظرتها غلط.
لكن بعد أربع أيام، رحنا بيتها على العشا.
ومكنتش متخيلة أبدًا اللي هيحصل.
بمجرد ما قعدنا على السفرة، بصتلي وقالت بمنتهى البرود:
“على جثتي إن أخوكي هو اللي يمشي معاكي لحد المأذون.”
إيدي وقفت مكانها، وحطيت الشوكة على الطبق بهدوء.
بصتلها وأنا مش مصدقة اللي سمعته.
“يعني إيه؟”
قالت وهي بتتكلم وكأنها بتناقش موضوع عادي جدًا:
“هو ييجي الفرح طبعًا، محدش قال لأ. خليه حتى يتصور معاكي صورة أو اتنين قدام العربية، وبعدها كل واحد يحكي اللي هو عايزه.”
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
“لكن يمشي معاكي قدام الناس؟ لأ.”
يوسف حاول يقاطعها:
“ماما…”
رفعت إيدها وقالت:
“لا، خليني أقولها بصراحة.”
وبعدين بصتلي في عيني وقالت:
“فكري فيها كويس. لو كريم مشي معاكي، مش هيبقى موجود في صورة واحدة وخلاص. ده هيبقى في كل الصور. في ألبوم الفرح، وفي الصور اللي هتتحط في البيت، والصور اللي أولادكم في المستقبل هيشوفوها.”
اتسعت عيني من الصدمة.
لكن هي كملت من غير أي إحساس:
“ووجوده بالشكل ده هيبوظ شكل كل الصور.”
سكتت السفرة كلها.
والأصعب من كل ده إن ابنها كان قاعد جنبها وبيسمع كل كلمة.
كنت مجهزة في دماغي ست ردود.
كنت عايزة أقولها إنها بتتكلم عن بني آدم، مش قطعة أثاث.
وكنت عايزة أفكرها إن كريم أخويا وإن وجوده في فرحي شرف ليا.
وكنت عايزة أقولها إن اللي بيشوف إن إنسان “هيبوظ الصور” هو اللي محتاج يراجع نفسه.
لكن قبل ما أقول أي حاجة، حسيت بإيد يوسف تحت الترابيزة.
مسك إيدي وضغط عليها مرة واحدة.
وبعدين قال لأمه بهدوء:
“هنلاقي حل.”
مقالهاش ليا.
قالها هي.
وفي اللحظة دي فهمت إني مش هعمل المشهد اللي هي مستنياه.
هي كانت مستنية إني أتعصب.
مستنية مرات ابنها تنهار وتزعق قدام الكل.
كانت عايزة تمسك عليا موقف وتحكيه سنين بعد كده:
“شوفتوا مرات ابني عملت إيه؟”
لكن أنا رفضت أديها الفرصة دي.
رجعت بيتنا الليلة دي وأنا جوايا نار.
فضلت أقلب في السرير ومش عارفة أنام.
كل كلمة قالتها كانت بتتكرر في دماغي.
وبعد الساعة تلاتة الفجر، وأنا باصة للسقف، عرفت بالضبط أنا هعمل إيه.
والحقيقة إن اللي هعمله مكنش له أي علاقة إني أواجهها أو أقولها كلمة واحدة.
أول ما الصبح طلع، مسكت موبايلي وكلمت مصور الفرح.
“صباح الخير، أنا محتاجة أغير حاجة مهمة في ترتيب تصوير يوم الفرح.”
سكت شوية، وبعدين قلت له:
“وفي حاجة تانية… محتاجة منك طلب.”
قال:
“اتفضلي.”
قلتله بصوت هادي:
“ممنوع تقول لأي حد من عيلة يوسف اللي هطلبه منك. خصوصًا والدته.”
سكت المصور ثواني، واضح إنه حس إن الموضوع كبير.
وبعدين قال:
“حاضر… قوليلي إيه اللي عايزاه؟”
ابتسمت لأول مرة من ليلة ما سمعت كلام حماتي.
وقلت له:
“عايزاك تعمل حاجة معينة جدًا يوم الفرح…”
لكن اللي مكنش يعرفه هو إن الخطة اللي بدأت في دماغي وقتها، هتخلي حماتي تفتكر كلامها ده طول عمرها.
#انجي_الخطيب
“أنا عايزاك تجيب العقد، وفي ثواني معدودة تكون الكاميرا مركزة على حماتي بس.. عايزة كل تعبير وش، كل لفتة، وكل تفصيلة تصوّرها فيديو بصوت وصورة، وكأنها البطوّلة الفردية ليها.”
سكت المصور ثانية، وبعدين قال بثقة: “اعتبريه حصل، واللقطة اللي من النوع ده لعبتي.”
عدّت الأيام، وأنا متظاهرة بالهدوء التام. حماتي كانت فاكرة إن سكوتي ده انكسار، وأن كلام ابنها “هنلاقي حل” كان انتصار ليها، وكانت كل ما تشوفني تبتسم ابتسامة النصر المتدارية. يوسف كان مشتت، بين إنه يرضي أمه وبين إنه يطيّب خاطري، بس أنا مكنتش محتاجة تطتيب خاطر؛ أنا كنت معتمدة على رد اعتباري بالطريقة الصح.
جه يوم الفرح.
القاعة كانت مليانة، والأجواء مشحونة بفرحة من ناحية، وتوتر مكتوم من ناحيتي أنا وحماتي. كريم أخويا كان طالع زي القمر، لابس بدلة شيك جدًا، عينيه بتلمع بفرحة طفل صغير حاسس إنه أخيرًا بيكمل مشوار بابا. حماتي كانت واقفة جنب القاعة، لابسة شياكتها المعتادة، وعينيها رايحة جاية مستنية تفهم “الحل” اللي يوسف ألمح له، فاكرة إن كريم هيتحط على جنب.
وفجأة، اشتغلت مزيكا الهادئة، وبدأت لحظة الدخلة.
ما مسكتش إيد يوسف، ولا مسكت إيد حد من قرايبنا الكبار.
مسكت إيد كريم.
مسكت إيده بقوة، وبصيتله وابتسمت، وهو رفع راسه لفوق بكل فخر، ومشينا سوا وسط القاعة.
الناس كلها بدأت تصفق، في مشهد إنساني ودفا ينعش القلب. الملاعق والسباق كله وقف، والناس عينيهم كانت مليانة دموع تأثر بالمنظر. كريم كان ماشي ببطء، وكأنه ملك، حاسس بالمسؤولية، وعينيه على الكوشة.
في اللحظة دي، الكاميرا كانت بتركّز على وش حماتي.
وشها اتغير من الابتسامة المغرورة للصدمة الكاملة. عينيها وسعت، شفايفها اترعشت، وظهر على وشها غضب مكتوم وإحراج لا يوصف قدام المعازيم اللي كانوا بيبصولها ويدعوا لأخويا وليا، وهم مش فاهمين هي ليه واقفة متخشبة ومش بتتفاعل. المصور مسبش ثانية واحدة من المشهد ده؛ صور كل رفشة عين، كل علامة غيظ، وكل ملمح صدمة على وشها.
وصلنا للمأذون. كريم قعد جنبي، ومسك القلم بنفسه وساعدني، وكأنه هو السند الحقيقي للبيت ده.
تمت كتب الكتاب، والتبريكات نزلت علينا زي المطر. حماتي اضطرت تسلم وتجامل بابتسامة صفرا باهتة، والكسفة واضحة على كل تصرفاتها.
بعد الفرح بأسبوع، ورجعنا من السفر، عزمت حماتي ويوسف وعيلته كلها في بيت ماما، بحجة إننا هنشوف فيديو ألبوم الفرح سوا لأول مرة.
حماتي جت وهي بتحاول تتظاهر إن الموقف عدى، ولابسة الوش العادي.
قعدنا كلنا قدام الشاشة الكبيرة.
المصور كان مظبط المونتاج بطريقة عبقرية.
بدأ الفيديو، ومع شغال المزيكا الإنسانية الدافية، الدخلة ظهرت بكامل جمالها.. كريم وهو ماسك إيدي، والناس بتسقف وبتدمع. وفجأة، وبدون مقدمات، المخرج عمل “زووم” زووم كبير جدًا على وش حماتي في اللحظة دي بالذات!
ظهرت على الشاشة الكبيرة، بكل وضوح، نظرة الشر والغضب والغيظ اللي كانت على وشها، والناس في الفيديو بتصفق وهي الوحيدة اللي وشها مقلوب ومصدوم.
المشهد اتعاد ببطء (Slow Motion) مع إضاءة برزت كل تفصيلة في تقاطيع وشها.
السكتة سادت الصالة كلها.
يوسف بص لأمه بصدمة، وماما بصت لها بذهول، وقرايبنا كلهم عينيهم اتجمعت عليها.
حماتي ألوان وشها اتغيرت، أحمر على أصفر على أسود. كانت عايزة الأرض تنشق وتبلعها من حجم الكسفة والفضاحة قدام الكل.
لفت تبصلي، وهي بتترعش من الغيظ.
أنا قمت بهدوء، قربت منها، حطيت إيدي على كتفها وبصيت في عينها بمنتهى الثبات والابتسامة الهادية، وقلت لها بصوت واطي سمعوه كل اللي قاعدين:
“زي ما قلتي يا طنط.. وجود كريم ما بوّظش الصور ولا الفيديو.. بس هي النظرة دي بس اللي طلعت في الألبوم.. وعشان يفضل الذكرى دي مع أولادنا في المستقبل، يعرفوا مين اللي كان حاسس بالفرحة بجد، ومين اللي كان خايف على شكل الصورة.”
حماتي مقدرتش ترد بكلمة واحدة. قامت من مكانها وانسحبت في صمت تام، ومن اليوم ده، عرفت إن كرامة أخويا خط أحمر، وإن الرد الهادي الذكي بيبقى أقوى ألف مرة من أي صريخ.
انسحاب حماتي من بيتنا الليلة دي مكنش مجرد خروج عادي، ده كان اعتراف ضمني بالهزيمة. يوسف مشي وراها بخطوات بطيئة، كان شكله مكسور ومحرج، وبين نظرات العتاب لأمه وبين إنه عايز يرضيني، مكنش عارف يقول إيه. بس قبل ما يخرج من باب الشقة، لف بصلي ونظرة عينيه كانت بتقول كل حاجة؛ كان فيها اعتذار صريح عن كل لحظة تردد فيها إنه يقف في وشها.
كريم أخويا كان قاعد على الكنبة، مش فاهم أوي حجم الدراما اللي حصلت، بس كان حاسس بالدفء. جه جنبي وربت على كتفي وقال ببراءة: “أنا كنت حلو في الفيديو يا ندى؟”
مسكت إيده وبستها وقلتله: “انت كنت سيد الرجالة كلهم يا كريم، واحسن حاجة حصلت في اليوم ده.”
عدت الأيام، وحماتي حاولت بشتى الطرق تقطع علاقتها بيا أو تخلي يوسف ياخد موقف مني، بس يوسف كان خلاص فهم الحقيقة كاملة. الدرس اللي أخدته في البيت قدام العيلة كلها خلاها تعرف إنها لو فتحت بؤها بأي كلمة ثانية، الفضاحة هتبقى أكبر، خصوصًا إن الفيديو والألبوم بقوا وثيقة تسجيلية لموقفها.
يوسف بقى بييجي معانا في كل مكان، وكل ما نتقابل في مناسبة عائلية، حماتي كانت بتحاول تتجنب تبص في عيني. وبدلاً من إنها تكون الشخصية المنساقة وراء المظاهر الفارغة، بقت تشوف كيف إن كريم بالنسبة للكل هو مصدر البركة والحب حقيقي في العيلة.
أهم درس اتعلمته من الليلة دي، إنك لما تحب تاخد حقك من حد مغرور ومبيهموش غير مظهره قدام الناس، متنزليش لمستواه ولا تعلي صوتك. سيب أفعالك ومواقفك الناضجة هي اللي تتكلم، لأن الحقيقة والأصل الطيب دايماً بيفرضوا نفسهم في النهاية، والجمال الحقيقي عمره ما كان في صَورَة مترتبة، الجمال دايماً في القلوب اللي بتعرف تحب بجد.