مراتي خيرتني ٢
مراتي خيرتني ٢
سارة وقفت وبصت ناحية باب أوضة أمي، وابتسمت ابتسامة باردة عمري ما شوفتها على وشها قبل كده، وقالت بصوت هادي يرعب أكتر من الصړيخ
اسأل أمك مين اللي وقّعها من على السرير يا محمود… وليه لحد النهاردة ساكتة وما اشتكتش للبوليس؟
الكلمة نزلت على دماغي زي مية مغلية.
إيدي اللي كانت ماسكة الظرف بدأت ترتعش، ونظرات سارة كانت خالية تمامًا من أي خوف أو ندم، كأنها بتواجهني بحقيقة هي مجهزاها من زمان.
قلتلها بصوت مخڼوق
إنتي بتقولي إيه؟! إنتي اټجننتي يا سارة؟! قصدك إيه بإنها ما اشتكتش؟!
قربت مني خطوتين، وعينيها في عيني، وقالت بفحيح
أنا ما اتجننتش يا بن الناس، أنا بحمي حقي وحق عيالي! الورقة
دي مش ورقة معاش عادية… اقلب الورقة وبص على التوكيل اللي ورا. أمك من تلت سنين باعت الشقة القديمة بتاعت أبوك، وحاطة تمنها في حساب بنكي مقفول محدش يعرف عنه حاجة، وكانت ناوية تكتب كل مليم فيه باسم حد تاني خالص… مش باسمك إنت!
دماغي كانت بتلف. أمي؟ أمي اللي بتديني من معاشها عشان أكمّل مصاريف الشهر، مخبية حساب بنكي؟ ولصالح مين؟!
صړخت فيها حصري علي روايات واقتباسات
حد مين؟! إنتي بتألفي قصة عشان تداري على مصيبتك؟ والورقة دي معمولة إزاي وإمتى؟!
سارة شاورت بإيدها على الأوضة وقالت
ادخل اسألها بنفسك، بس خليك عارف… لو فتحت بؤك بكلمة، أو فكرت تروح تشتكيني أو تبوظ اللي رتبته،
البوليس مش هيجي عشان التوكيل، البوليس هيجي عشان حاجة تانية خالص هتلبسك إنت في الحيط!
زقيتها من طريقي وجريت على أوضة أمي. فتحت الباب پعنف، النور كان مطفي، وريحة الأوضة كانت غريبة ومكتومة. ولعت النور وأنا بنهج، لقيت أمي نايمة على السرير، وجسمها كله بيرتعش وعينيها مفتوحة ومثبتة في السقف، شفايفها كانت زرقا وعرقانة بشكل مش طبيعي.
جريت عليها ومسكت إيدها
أمي! أمي سامعاني؟ مالك يا حبيبتي؟!
حاولت تحرك لسانها، بس الكلام طالع متهته ومش مفهوم، كأن لسانها تقيل ومربوط
م… مح… محمود… ال… الدوا…
بصيت على الكومودينو جنبها، لقيت شريط العلاج اللي بجيبهولها كل شهر فاضي، وجنبه علبة
تانية خالص، علبة دوا أنا
أول مرة أشوفها في حياتي، الاسم اللي مكتوب عليها كان ممسوح بقصد بقلم ماركر أسود!
في اللحظة دي، سمعت صوت تكة ورايا… صوت مفتاح بيلف في الكالون!
اتلفت بسرعة، لقيت باب الأوضة مقفول من برة، وصوت سارة من ورا الباب بيقول ببرود
أنا ما كنتش عايزة الأمور توصل لكده يا محمود، بس إنت وبنتك حشرتوا مناخيركم في اللي مالكوش فيه.
جريت على الباب وقعدت أخبط عليه بكل قوتي
سارة! افتحي الباب ده حالًا! إنتي بتعملي إيه في أمي؟! إنتي مديّاها إيه؟!
ردت من برة وهي بتبعد
مدياها اللي يخليها تنام وماتصحاش إلا بعد ما أخلص كل مشاويري. والورقة دي مش ناقصها غير ختم الصحة والوصاية عشان المحكمة تثبت إنها مش في قواها العقلية… والورق كله خلاص في إيد أخويا برة.
أخوها؟!
أخو سارة؟ طارق اللي بقاله سنين مسافر وما نعرفش عنه حاجة وسمعته في السوق زي الزفت؟!
وفجأة، سمعت صوت حركة غريبة في الصالة… مش صوت سارة لوحدها.
صوت خطوات رجالية تقيلة، وصوت باب الشقة بيترزع.
وصوت راجل بيقول بخشونة
خلصتي يا سارة؟ الواد جوة؟
سارة ردت
محپوس جوة مع أمه. هات الشنطة وتعالى، لازم نخلّص الموضوع قبل ما النهار يطلع.
مسكت أوكرة الباب وحاولت أكسره بكتفي، بس الباب خشب تقيل وقديم وما اتحركش. قلبي كان هيقف من الړعب، والأسوأ من كل ده، إني افتكرت ليلى وآدم!
صړخت بأعلى صوتي
عيالي فين يا سارة؟! ليلى فين؟!
ما حدش رد عليا… وفجأة، سمعت صوت بنتي ليلى وهي بتصرخ صړخة مكتومة من الصالة، وصوت حاجة بتنكسر على الأرض بصوت عالي جداً!
بصيت ورايا لقيت أمي بتبصلي، ودموعها نازلة مغرقة وشها، ومدت صوابعها المرتعشة مسكت بنطلوني، وشاورتلي بعينيها على قاعدة الدولاب الخشب القديم اللي في ركن الأوضة… كأنها بتقولي إن في سر تاني مستخبي هناك!
الصوت في الصالة هدي فجأة، وبدأت أسمع صوت خطوات بتقرب بهدوء جداً من باب الأوضة…
المفتاح اتحط في الكالون من برة، ولف ببطء… بقلم مريم السيد
وقفت مكاني متجمد، باصص للباب اللي بيفتح سنّة بسنّة، وأنا مش عارف مين اللي داخل عليا… وهيعمل فينا إيه!
حكايات_مريم_السيد