حماتي واخويا اللي عنده متلازمه داون
حماتي واخويا اللي عنده متلازمه داون
مرت الشهور، وعلاقتي بـ يوسف بقت أقوى بكثير من الأول. الموقف ده مكنش بس رد درس لحماتي، ده كان الاختبار الحقيقي اللي كشف معدن يوسف. هو اتعلم إنه ما ينفعش يمسك العصايا من النص لما تكون كرامة مراته وأخوها هي اللي على المحك، وبقى هو بنفسه اللي بياخد باله من كريم وبيحرص يحضره في كل خروجة وكل جمعة عائلية.
أما حماتي، فالتغيير اللي حصل فيها مكنش معجزة مفاجأة، بس كان تغيير من نوع تاني… تغير الخايف اللي عرف حدوده. بقت تتعامل معايا بحذر شديد، وبتحسب كل كلمة قبل ما تطلع من بؤها. عرفت إن البنت اللي كانت فاكراها هادية وممكن تتداس عليها، عندها ذكاء وقوة تقلب الطاولة عليها في ثواني ومن غير ما تطلع العيبة.
في يوم، كان في عزومة عائلية كبيرة في بيت حماتي بمناسبة عيد ميلاد يوسف. كنا قاعدين كلنا، ولأول مرة، حماتي هي اللي طلبت من يوسف يروح يجيب كريم وماما عشان يحضروا العزومة.
لما كريم دخل، كانت نظراتها له مختلفة؛ مكنتش نظرة تعالٍ زي زمان، كانت نظرة احترام مشوب بالرهبة. كريم بضحكته الصافية وطيبته المعتادة قرب منها وسلم عليها وقالها: “كل سنة ويوسف طيب يا طنط.”
حماتي ابتسمت ابتسامة حقيقية لأول مرة، ومدت إيدها وطبطبت على كتفه وقالتله: “وانت طيب يا كريم… اتفضل اقعد جنبي هنا.”
قعدت أتفرج على المشهد من بعيد وأنا جوايا راحة لا توصف. ألبوم الفرح والفيديو لسه موجودين في بيتنا، محطوطين في مكان بارز، مش عشان نفكرها باللي حصل، لكن عشان يفكرونا كلنا إن الحق لما بيتاخد بعقل وكرامة، بيكسر أي كبرياء زائف ويجبر الكل على الاحترام.
أنا بطلت أفتكر اللي حصل بوجع، وبقيت بفتكر إن الليلة دي كانت نقطة التحول الحقيقية في حياتنا كلها.
مرت سنتين، وجت اللحظة اللي كنت مستنياها من زمان؛ ربنا رزقنا بأول طفل، سميناه “صلاح” على اسم بابا الله يرحمه.
يوم ما ولدت، الشقة والمستشفى كانوا مليانين ناس، بس المشهد اللي عمري ما هنساه هو لما خرجت للغرفة. كانت حماتي قاعدة، وماسكة صلاح الصغير بين إيديها، وبتبصله بدموع متأثرة.
أول ما كريم دخل الأوضة وعينيه بتلمع وفرحان إنه بقى “خال”، حماتي رفعت راسها وبصتله. وقفت من مكانها، وقربت منه بابتسامة دافية وقالتله بلسان صادق مش مجاملة:
“تعالى يا كريم… تعالى شيل ابن أختك، انت أكتر واحد فينا هيخاف عليه ويعلمه الطيب والرجولة زي ما أختك اتعلمت.”
كريم أخد البيبي بالراحة خالص، وكأنه خايف عليه من الهوا، وبصلي وابتساماته مالية وشّه. وفي اللحظة دي، حماتي لفت وبصتلي، وكانت نظرة اعتذار غير مباشرة، كأنها بتقولي: “أنا فهمت الدرس خلاص.”
في ليلة سبوع صلاح، كنا بنقلب في صور العيلة اللي متصلحة ومتعلقة على الحيطة. كان فيه صورة جديدة محطوطة في صالون البيت عندنا وعند حماتي كمان… صورة تجمع كريم وهو شايل صلاح، ويوسف وأنا جنبهم.
الصورة دي مكنتش مجرد لقطة متصورة، دي كانت دليل على إن القوة مش بالصوت العالي ولا بالمشاكل، القوة الحقيقية في إنك تحافظ على كرامة اللي بتحبهم بثبات وعقل، لحد ما تحبر اللي قدامك يغير وجهة نظره وينحني احترامًا لأصلك.