الشبيبة الغامض

الشبيبة الغامض

الست اللي كانت واقفة جنب الولد أول ما عينها جاءت في عيني، وشها اصفرّ ولونها اتخطف تماماً، زي ما تكون شافت عفريت قدامها. هي عارفة، أو على الأقل حسّت إن اللحظة اللي كانت مرعوبة منها طول الثمان سنين اللي فاتوا وصلت أخيراً.

​أنا رجلي ما شالتنيش، سندت على الحيطة بكتفي وإيدي بترتعش بشكل مش طبيعي. بصيت لمحمد جوزي اللي كان واقف جنبي مش فاهم حاجة، عينه رايحة جاية بين كريم ابننا وبين الولد التاني اللي قاعد جنب الحيطة. ملامح محمد بدأت تتغير من الذهول للخوف، وكأنه شاف خيال طفل تاني كان مفروض يكون معانا من زمان.

​مدير المدرسة بص لنا بحيرة وقال:

“يا جماعة اتفضلوا استريحوا الأول، إحنا محتاجين نفهم إيه اللي حصل بالضبط، الولدين مسكوا في بعض في الحوش والسبب غريب جداً.. الولد ده -وأشار على الولد التاني- عمال يقول لكريم أنت أخويا ومُصر على الكلام ده، وكريم اتنرفز وضربه.”

​أنا ما سمعتش باقي كلام المدير، صوت وش في ودني كان أعلى من أي صوت في Oوداء. قَرّبت من الولد التاني بخطوات مكسورة، وركعت قدامه على الأرض عشان أكون في مستوى طوله. بصيت في عينيه القاتمة، نفس رسمة عين كريم بالملي، نفس النمش الخفيف اللي فوق مناخيره، حتى طريقة مسكته لإيديه لما بيكون خايف.

​قلت بصوت مخنوق بالدموع:

“أنت اسمك إيه يا حبيبي؟”

​الولد بص لستّه اللي واقفة بفرك في إيديها ووراها خوف العالم كله، وبعدين بص لي وقال بصوت واطي:

“أنا اسمي يوسف.”

​قلتله وأنا بحاول ألمس إيده:

“مين اللي قالك إن كريم أخوك يا يوسف؟”

​يوسف رد ببراءة هزت كياني:

“أنا بشوفه في أحلامي من زمان يا طنط.. ولما شفته في المدرسة النهارده حسيت إن قلبي بيترج، ورحت أقوله أنت أخويا التوأم بس هو زقني وشتمني.”

​في اللحظة دي الست اللي معاه اتكلمت بصوت مرعوب ومشوش:

“يلا يا يوسف، يلا يا ابني نمشي من هنا، المدرسة دي مش ينفع تقعد فيها تاني، الناس دول مجانين!”

​وقفت قدامها وسديت عليها طريق الباب. قلبي كان بيلف في قفصي الصدري زي العصفور المذبوح. بصيت في عينها وقلت بنبرة أبرد من الثلج وأقوى من الحديد:

“مش هتطلعي من الباب ده غير لما أكتشف سر الثمان سنين اللي فاتوا.. الولد ده ابني، الولد ده الحتة اللي قالوا لي إنها ماتت واندفنت من ثمان سنين!”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *