عم ابراهيم
عم ابراهيم
حضرة العمدة، البنت دي متعرضة لتعذيب بادي ونفسي بشع. الحبال كانت مربوطة في كاحلها بقوة سببت تلف في النسيج، وكانت مطروحة في مكان ملوث جاب لها سخونية شديدة. لو ما كانتش جات هنا النهاردة، كانت ماتت خلال أربع وعشرين ساعة من التهاب الدم.
العمدة بص لهناء، وشاف نظرة الخوف والكسرة في عينيها. كبر في السن وعارف الأصول، قلبه اتقلب من البشاعة
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. إيه الفجر ده؟ إيه القسوة دي؟!
خرج العمدة للشارع، وقف قدام منصور اللي كان متكتف بين الغفر والناس كلها بتتفرج عليه.
العمدة قال بصوت مليان غضب وقرف
أنت مش بس قليل الأدب يا منصور.. أنت مجرم ومعندكش دين ولا ضمير. تظلم صبية يتيمة وتربطها في الزريبة لغاية ما تموت عشان تاخد ورثها؟
منصور حاول يكذب ويزعق
دي مرتي يا حضرة العمدة! وليا حق عليها! محدش له يدخل بينا!
العمدة ضرب عصايته في الأرض بقوة
حق إيه يا بلا ضمير؟! الشرع والدين والمروءة بريئين منك! أنت مقبوض عليك بتهمة الشروع في قتل والتنكيل بمرتك، وستيتة والدكتورة هيروحوا للنيابة يكتبوا التقرير الطبي!
التفت العمدة للغفر
خذوه على المركز فوراً! وسلموه للمأمور بالتقرير، وخلي القانون ياخد مجراه معاه ومع الأشرار اللي معاه!
الناس في الشارع بدأت تكبّر وتدعي لإبراهيم
الله ينصرك يا إبراهيم يا ابن الأصول!
ربنا يبارك لك في صحتك وأهلك زي ما أنقذت الصبية دي!
سحب الغفر منصور وصحابه وهم متكتفين والناس بتتف عليهم لحد ما ركبوهم عربية المركز ومشيوا.
بعد مرور أسبوعين..
الشمس كانت طالعة دافية وجميلة في صباح يوم جديد. المزرعة الصغير اللي جنب بيت إبراهيم كانت مليانة خضرة ونور.
هناء كانت قاعدة على دكة خشب في الجنينة، لابسة جلابية نظيفة وطرحة بيضاء. ورجليها بدأت تتلم وتعافى، وبقت تقدر تمشي بشويش بتسند على عصاية صغيرة.
أم أحمد خرجت لها بصينية فيها كوباية شاي بالنعناع وفطير مشلتت دافي
صباح الخير يا نونة.. عاملة إيه النهاردة؟ حاسة إن الوجع خف شوية؟
هناء ابتسمت ابتسامة صافية، أول ابتسامة حقيقية تطلع من قلبها من سنين
صباح النور يا أم أحمد.. الحمد لله، ببركة دعواتكم وعلاجكم، بقيت أقدر أقف على رجليا من غير ما أحس بالسكاكين اللي كانت بتقطع فيا.
إبراهيم دخل عليهم وهو شايل قفص طماطم طازة من الغيط، حطه جنب الدكة وقعد
صباح الفل يا هناء.. النيابة بعتت النهاردة ورقة رسمية. المحكمة حكمت على منصور بالسجن سبع سنين بتهمة التعذيب والشروع في القتل، وورقتك للطلاق وصلت، وكل حقوقك وأرضك اللي كان عاوز ياخدها رجعت لك بالقانون.
دموع الفرحة نزلت من عين هناء، بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان
أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا عم إبراهيم.. أنت مش بس أنقذت حياتي، أنت رجعت لي روحي وكرامتي اللي اتدست في التراب.
إبراهيم بص لها بحنان أبوي صادق، وقال بابتسامة دافية
الشكر لله وحده يا بنتي.. ربنا هو اللي وجهني للزريبة دي في اليوم ده، وهو اللي كتب لك عمر جديد. وأنت هنا في بيتك وسط أهلك، لحد ما تفتحي صفحة جديدة في حياتك وتبدأي من جديد وأنت مرفوعة الرأس.
هناء بصت للسما اللي كانت صافية ومفيهاش ولا سحابة، وحست لأول مرة إن الدفا اللي في الشمس مش حار بيحرق، لكن نور بيغسل الجروح وبيداوي القلوب.
تمت.. مشيره محمد