الفرح اتلغي
الفرح اتلغي
أخد بابا نفس عميق، وطلع صوت تنهيدته مالي الأوضة زي صدمة مكتومة. بص لسهام وبعدين لف عينيه لفاضل الراوي، وبنبرة أبرد من التلج قال:
— تحلوها إزاي؟ هتدوه دوا يرجّعله عقله؟ ولا هتحطوا ميكب أرتست تانية تداري القلم اللي معلم في وش بنتي؟ القصة مش قصة خناقة عيلين، ابنكم مجرم ومكانه مش في كوشة، مكانه في السجن.
فاضل الراوي قرب خطوة، وفتح جاكيت بليزر بدلت الغالية، وحط إيده في جيبه بثقة راجل متعود يقفل الملايين بكلمة، وقال بنبرة هادية بس سامة:
— يا حاج ناظم، بلاش كلام انفعالي مش محسوب. إحنا عيلتين كبار في بغداد، والناس برة مستنية الفرح، والقنوات والمصورين على الباب. لو الغرفة دي اتفتحت على فضيحة، اسم الجبوري للإنشاءات هيترمي في الطين قبل اسم الراوي. أنت عارف التسهيلات البنكية اللي واخدها للمشروع الجديد تحت ضمانة مجموعتنا؟ حركة واحدة مننا، وبكرة الصبح البنوك هتطالب بكل الديون دفعة واحدة… ساعتها مش بس مش هتعرف تجوز بنتك، أنت مش هتلاقي بيت يلمك.
في اللحظة دي، الكل سكت في الأوضة. صاحباتي كانوا واقفتين جنب التسريحة بيترعشوا، خبيرة التجميل لمت شنطتها بالراحة وانكمشت في الزاوية كأنها بتتحامى في الحيطة. سيف كان واقف ورا أبوه، ماسك كاسه وشغال يبتسم ابتسامة النصر، ابتسامة الراجل اللي فاكر إن كل حاجة في الدنيا ليها سعر، وإن أي راجل ممكن يتشرى أو يتهدد.
أنا بصيت لبابا، قلبي كان بيلف في قفصي الصدري. كنت خايفة عليه… خايفة تعب عمره كله ويروح في لحظة بسبب غلطتي، بسبب سكوتي الخايب لمدة شهور عن سيف. قربت من بابا وشدت أكمام قميصه بالراحة، وصوتي كان بيترعش:
— بابا… خلاص، أرجوك. بلاش تخسر شركتك بسببي. أنا… أنا ممكن أنزل الفرح، وبعدين أتصرف. المهم أنت ومشروعك.
بابا التفتلي. بص في عيني بصة عمرها ما هتتمسح من ذاكرتي. بصة فيها كمية حنان ووجع تخلي الحجر ينطق. رفعت إيده اللي كانت ثابتة تماماً، وحطها على كتفي، وقال بصوت واطي بس كل الأوضة سمعته:
— يا نور… الشركة دي أنا بنيتها بجهدي وتعميري، لو راحت، بكرة الصبح أقدر أبني غيرها. لكن لو سبتك للكلب ده، ولا ميت شركة في الدنيا هترجعلي بنتي اللي ضاعت. أنتِ فاكرة إني ممكن أبيع ضحكتك وكرامتك عشان شوية قروض ونفط وأسهم؟ أنتِ الهوا اللي بتنفسه يا بنتي.