بعد ولادتي ج الاخير
بعد ولادتي ج الاخير
سكت شوية، والدموع رجعت تلمع في عينيه وكمل:
“أختي في السعودية عرفت إني بعت الشقة، اتصلت بي تصرخ وتطالب بنصيبها، وقالت لي كلام أقسى من الرمح.. سيبت لها الفلوس في البنك وقلت لها خدي حقك وابعدي عني.. أنا أختي باعتني عشان قرشين، وأمي راحت، ومراتي وابني ضاعوا مني بسبب طمعنا وقسوتنا.. أنا بقيت في الدنيا دي طريد، ماليش أصل ولا سكن ولا ونيس غير ذنبي.”
الكلام كان ب ينزل زي المطر الثقيل، وقفت مش عارفة أقول إيه. القسوة اللي جربتها منه زمان تلاشت، وحل مكانها الشفقة على إنسان دمر حياته بيده.
قرب خطوة من السور وقالي بتوسل:
“أنا مش هقدر أجي الصعيد كل أسبوع زي الأول يا شيماء.. الصحة راحت والقلب اتعطب.. هجي مرة واحدة في الشهر أشوف حمزة ساعتين وأمشي.. وبترجاكي، لو جرى لي حاجة في الغربة دي، ما تخليش حمزة يكرهني.. قوليلو أبوه كان عبيط وقاسي وركب رأسه لحد ما خرب بيته، بس كان بيحبك وكان ندمان لحد آخر نفس في حياته.”
أبوي كان جاي من بعيد عشان ياخدنا، وقف وشاف المنظر، سمع أواخر الكلام. قرب من أبو حمزة، وحط إيده على كتفه بوقار وحنان الأب الصعيدي، وقال له:
“استعيذ بالله يا بني.. ربنا غفور رحيم، وأنت ذقت عقابك ودقت المرار، والمسامحة من شيم الكرام.. روح في طريقك وربنا يصلح حالك، وابنك في حفظ الله ورعايته، هيربى على الأصول والدين، وعمره ما هيسمع منا كلمة واحدة تعيبه في أبوه.”
أبو حمزة انحنى وباس إيد أبوي بحرارة، وبص لي بآخر نظرة رجاء ووداع، ونزل باث رأس حمزة وقال له: “خلي بالك من أمك يا حمزة.. أمك جوهرة أنت ما تعرفش قيمتها، حطها في عينيك واستقوى بيها.”
لف ضهره ومشي بخطوات بطيئة، ضهره محني وشعره الأبيض يبان من تحت الكاب اللي لابسه، واختفى في زحمة الشارع الرئيسي.
رجعت البيت وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على قلبي انزاح بالكامل، بس الأيام ما كانتش لسه قفلت الستار، لأن بعد مرور سنة كاملة على سفر أبو حمزة وانقطاع أخباره، وصل لبيتنا في الصعيد جواب مكتوب بالإيد، جاي من مستشفى حكيمي في طنطا!
استلمت أمي الجواب من إيد ساعي البريد، الجواب كان أصفر ومكرمش، مكتوب عليه بخط مرعوش وركيك اسم أبوي والعنوان بالتفصيل، وفي أقصى الظرف من فوق ختم مستشفى طنطا العام. أمي إيدها كانت بترعش وهي بتمسك الظرف، ونادت عليّ بصوت خايف: “يا شيماء.. تعالي يا بتي شوف الجواب ده، ده جاي من طنطا من الناحية اللي راحها أبو حمزة!”