بعد ولادتي ج الاخير
بعد ولادتي ج الاخير
سافرنا في نفس الليلة. أخدنا قطار الليل المتجه لشمال مصر. الطريق كان طويل ومظلم، صوت عجيب القطر على القضبان كان بيضرب في دماغي ويرجع لي شريط سنين طويلة من العذاب والانتصار والكرامة. حمزة كان نايم في حضني، بقى ولد عنده أربع سنين، يفهم ويعرف، وكل شوية يصحى يسألني: “إحنا رايحين فين يا ماما؟” وأنا أرد عليه وأمسح على شعره: “رايحين نشوف بابا يا حبيبي، بابا تعبان شوية ولازم نطمن عليه.”
وصلنا مستشفى طنطا العام مع أول شعاع شمس للنهار الجديد. الريحة في العنبر كانت ريحة المظهرات والأدوية والهم. مشينا في الطرقات الطويلة، أبوي ماشية بثبات وفي إيده العكاز، وأنا ماشية جنبه شايلة حمزة أو ماسكة إيده. دخلنا العنبر المجاني.. كان عنبر كبير فيه عشرات الأسرة المتراصة، كل سرير عليه إنسان بينتظر مصيره.
سألنا الممرضة، شاورت لنا على سرير في أخر العنبر جنب الشباك.
قربنا بخطوات بطيئة.. السرير كان عليه جسم نحيل جداً، غاطس تحت الملاءة البيضاء الدبلانة. خراطيم الأكسجين والمحاليل متوصلة بجسمه، ووشه شاحب زي لون الرماد، شفايفه ناشفة ومشققة، وعينيه مقفولة بصعوبة، ونفسه طالع ونازل بصوت حشرجة مرعبة.
أبوي قرب منه بالراحة، وحط إيده الدافية على كتفه ونادى بصوت واطي: “يا فلان.. يا بني.. وحد الله.”
الراجل فتح عينيه ببطء شديد، العينين كانت زجاجية ومطفية تماماً. بدأ يحرك حدقة عينه في الصالة ببطء لحد ما وقعت عليا وعلى حمزة وعلى أبوي. لأول وهلة، افتكر نفسه بيحلم، أو إن دي تهيؤات سكرات الموت. حاول يرفع إيده البترعش عشان يلمس الهوا، بس الإيد كانت تقيلة ومش شايلاه.
طلعت من حنجرته بحة صلبة ومكسورة: “حـ… حاج؟ شيماء؟ أنتِ هنا يا شيماء؟ ولا أنا بقيت في الآخرة خلاص؟”
قربت خطوات من أطراف السرير، حطيت إيد حمزة على حرف الملاءة، وقُلت له بصوت هادي: “إحنا هنا يا فلان.. جينا نطمن عليك ونشوفك.”
بدأ يبكي.. بكاء بدون صوت، الدموع كانت بتطلع من عيونه المريضة وتنزل على الخدين الغائرين لتغرق المخدة. حاول يقعد، المحاليل شدت في إيده، أبوي مسكه بالراحة وسنده على المخدة، وجاب كوباية مية من على الطقطوقة، حط فيها نقطتين مية على طرف صباعه وبدأ يبلل شفايفه الميتة.
الراجل مسك إيد أبوي وشبّك فيها بإيدين ضعيفة، وقال وهو بيتخنق بالدموع: “سامحني يا حاج.. سامحني بالله عليك! أنا ظلمت بتك الشريفة العفيفة، وعيرتكم بفقركم الشريف، وربنا أخد حقكم مني في صحتي ومالي ونسلي! أنا هقابل ربنا كمان شوية يا حاج، ومش قادر أقابله وأنا شايل الذنب ده!”