بعد ولادتي ج الاخير
بعد ولادتي ج الاخير
طلعت من الأوضة وأنا مسكة المقصة والمتر بتاع الخياطة، قلبي اتفض في صدري أول ما شفت اسم المستشفى. أبوي كان قاعد في حوش البيت بيصلح في الفأس، حط الفأس على جنب، وعدل نظارته، وأخد الجواب من إيدي ببطء شديد. فتح الظرف بحذر، وطلع الورقة المكتوبة بخط طبيب أو ممرض، وبدأ يقرأ بصوت واطي وأمي وأنا واقفين على أعصابنا.
الجواب كان نصه كالتالي:
“إلى السيد المحترم والد السيدة شيماء.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نُحيطكم علماً بأن المريض (فلان) يرقد لدينا في قسم الباطنة بالمستشفى العام بطنطا في حالة صحية حجة جداً، إثر إزاداد وتدهور حالته بمرض التليف الكبدي والفشل الكلوي. المريض يرفض العلاج، ولا يوجد بجانبه أي مرافق أو أحد من أقاربه، وهو في ساعات حارجة من عمره، ولا يتوقف عن المناداة باسم ابنه ‘حمزة’ وطلب العفو من زوجته السابقة ‘شيماء’. نرجو حضوركم أو إبلاغ من يهمه الأمر للضرورة القصوى قبل فوات الأوان.”
أمي حطت إيدها على صدري وصدرها وبدأت تبكي: “يا مري يا بني! الداهية اللي طاح فيها دي كلها وهو لوحده في الغربة؟ لا حبيب ولا قريب جنبه؟”
أبوي قفل الجواب وطواه ببطء، بص لي بعيون مليانة وقار وحكمة، وقال لي بصوت صلب هادي: “سمعتِ الجواب يا بتي؟ الأيام دارت، والراجل بين إيدين الكريّم.. لا هينفعه ندم ولا هينفعنا قسوة. القلوب لو ما لانتش في لحظات الموت، يبقى ما فيهاش رحمة ربنا.”
قعدت على الدكة وأنا جسمي كله بيتكتك. افتكرت كل حاجة.. افتكرت النهار اللي كنت واقفة فيه بتسند على الحيطة وأنا جرح القيصرية ناضح دم، وهو بيبص لي بقلة حيلة وبيقول لي “قومي نضفي شقة أختي ومش عايزين مشاكل”. افتكرت أمه وهي بترميني بالفقر، وافتكرت القطر السريع اللي ركبته في نص الليل بدموعي ونزيفي.. وافتكرت كمان منظره وهو زاحف على ركبتيه في صالتنا، وشعره اللي ابيض، وجسمه اللي اتنحل، والدموع اللي غسلت وشو في مركز الشباب.
بصيت لأبوي وقُلت له بصوت مخنوق: “أنا سامحته لله يا أبوي من زمان.. بس أروح له؟ أروح أعمل إيه بعد السنين دي كلها؟”
أبوي قام وقف، وعدل الشال على كتافه وقال بقاطعية الصعايدة: “تروحي يا بتي.. تروحي وتاخدي حمزة معاكي، عشان الولد يشوف أبوه للمرة الأخيرة، وعشان ما يجيش يوم ويقول أمي حرمتني من شوفة أبوي وهو بيموت. ونحن ناس عندنا أصل، لما الخصم يقع ويستسلم للموت، النخوة بتقول نحضر ونستر ونشيل.”