بعد ولادتي ج الاخير

بعد ولادتي ج الاخير

أبوي وقف زي الجبل، وقال للممرضين: “الراجل ده إحنا اللي هنغسله ونكفنه ونشيع جنازته.. ده أب ولدنا، وإحنا أصحاب أصل ومكرمة.”

خرجنا من المستشفى، وأبوي تكفل بكل مصاريف الغسل والتكفين والدفن، ونقلنا جثمانه للصعيد عشان يتدفن في مقابر بلدنا، جنب ناسنا وأهلنا، عشان ابنه يعرف يقرا له الفاتحة كل جمعة ويترحم عليه.

يوم الجنازة، الصعيد كله خرج يشيعه احتراماً لأبوي ولكرامتنا. مشي القفص الخشبي وشايلين الرجال على الكتاف، وأنا واقفة في شباك بيتنا البسيط، شايلة حمزة لابسة الأسود، ببص للجنازة وهي ماشية في شوارع البلد اللي هربت ليها زمان بدمي وكسرتي.

حمزة بص لي وقال: “ماما.. بابا راح فين؟”

مسحت على شعره وقُلت له: “بابا راح عند ربنا يا حبيبي.. ربنا أرحم بيه من الدنيا ومن نفسه.. وأنت لازم تطلع راجل صالح، تنفع أبوك بالدعاء، وتكون سند لأمك وأهلك.”

مرت شهور على الدفنة، والحياة رجعت لمجراها. الشقة اللي في القاهرة اتقفلت وأتباعت، والأخت اللي في السعودية ما كلفتش خاطرها تنزل تحضر جنازة أخوها أو تسأل عن ابن أخوها، والفلوس اللي صارعوا عليها أكلتها الغربة والمحاكم.

أما أنا، ففتحت مشغل صغير في البلد لتفصيل الهدوم، كبرت شغلي بفضل الله وعرق جبيني، وبقى عندي بنات في البلد بيتعلموا مني التفصيل والعزة. حمزة كبر وبقى يدخل المدرسة، ولد بار بأمه وجده، مرفوع الراس، كل الناس في البلد بتحفه وبتحترمه عشان شافوا أمه إزاي وقفت وصانت كرامتها وحمت ابنها.

وفي ليلة من ليالي الجمعة، بعد ما حمزة نام، قعدت على ماكينة الخياطة، بصلت للشباك المفتوح وللهواء الصعيدي الشديد النقي وهو بيدخل الأوضة. افتكرت الشقة المقفولة اللي كلها تراب، وافتكرت القيصرية وجرحها اللي طاب وما بقاش منه غير خط صغير أبيض على بطني.. خط بيذكرني دائماً إن الجروح الجسدية بتطيب، وإن الحق ما بيموتش، وإن المرأة اللي بتستقوى بالله وبأهلها وكرامتها، عمر ما في قوة في الأرض تقدر تكسرها!

بس الأيام ما كانتش لسه خلصت روايتها كلياً.. فبعد سنتين من وفاة أبو حمزة، وبعد ما حمزة بقى في الابتدائي، جالي للبيت محضر جديد من القاهرة، بس المرة دي الجواب ما كانش قضية ولا نفقة.. الجواب كان من محامي خبير بالتركات والمواريث، بيبلاغنا بمفاجأة كبيرة سابها أبو حمزة قبل ما يموت!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *