بعد ولادتي ج الاخير
بعد ولادتي ج الاخير
أبوي بص له بعين فيها رحمة الصعايدة وعزة نفوسهم، وقال له: “مسامحينك يا بني لله والوطن.. المسامحة تمت من يوم ما زحفت على ركبتك وجيت بيت أبوي. الميتين راحت لمولاها، وأنت بين إيدين رحيم كريم. اطمن ورّيح بالك، سرك وسر بيتك مستور، وابنك في حمايتي وحماية أمه.”
هنا، الراجل دور وشو ناحيتي، بص لي بنظرة رجاء واسترحام عمرها ما تترسم في عين إنسان حي إلا وهو بيفارق، وقال بصوت بيتقطع مع النَفَس:
“شيماء.. ابني يا شيماء.. حمزة! خليه يقرب مني.. خليه يلمسني قبل ما أمشي.”
شلت حمزة وقربته من السرير. الولد لما شاف أبوه بالشكل ده، عينيه اتملت دموع وهرش في رقبتي خايف، بس قُلت له بحنية: “ما تخافش يا حمزة.. ده بابا، سلم على بابا وقبل إيده.”
الولد مد إيده الصغيرة، وباس رأس أبوه الأبيض والشاحب. أبو حمزة أخد كف الولد الصغير وحطه على قلبه اللي كان بيلفز أنفاسه الأخيرة، وبقى يشده لصدره وهو بيستنشق ريحة الولد كأنه بياخد زاد للطريق الطويل.
قال وهو بيحشرج: “يا حمزة.. يا بني، أوعى تظلم حد في حياتك.. أوعى تجور على ست أو تبيع اللي صانتك عشان خاطر حد! أمك دي تاج على رأسك، شيلها في عينيك وحافط عليها.. أنا ضيعت الجنة اللي كانت في إيدي عشان خاطر الكبر والافتراء!”
ثم بص لي وقال آخر كلمات تطلع من لسانه: “سامحيني يا شيماء.. سامحي أمي.. قوليلها فلان مات وهو بيطلب منك العفو.. ادعي لي يا شيماء.. ادعي لي بالرحمة.”
بدأ جسمه يترعش، والعينين اترفت لفوق، ونبضه على الشاشة الصغيرة جنب السرير بدأ يقل ويقل، لحد ما صدرت منه تنهيدة طويلة وعميقة.. وخرجت روحه لبارئها، وإيده لسه ماسكة في طرف جلابيتي وفي إيد حمزة.
الدكتور أسرع وغطى وشو بالملاءة البيضاء. العنبر خيم عليه سكون تام. أبوي وقف وصلى على النبي، وأخد نفس عميق وقال: “إنا لله وإنا إليه راجعون.. طاب مقامك يا بني، وربنا يغفر لك ويجعل مرضك وندمك كفارة لذنوبك.”
أنا ما بكتش بكاء جزع.. بكت دموع هادية، دموع النواية القاسية اللي انطوت. بصيت للجثة المتغطية بالملاءة البيضاء، وافتكرت النهار اللي أمه قالت لي فيه: “الشغل ما بيموتش ومش هتتكسر رقبتك في يوم!”.. الشغل فعلاً ما بيموتش يا حماتي، بس القسوة والظلم والافتراء هما اللي بيموتوا القلب والجسد وبيخربوا البيوت وعمرهم ما بيسيبوا صاحبهم إلا وهو في القاع!