المقدمه والبداية 1

المقدمه والبداية 1

كان موعد الجاهة التي يرأسها يعقوب الكانز في تمام الساعة الرابعة.. فاستعدت عائلة نورين لاستقبال جاهتهم مع كبار ووجهاء القرية الذين أخذوا مواقعهم..
أقاموا مراسم قبول الدية.. وتم عقد القران بين مصعب ونورين..
وحتى الآن لم يكن قد حدث بعد أي لقاء أو تواصل بين الاثنين..
أخيرا وقفت نورين عند مخرج منزلهم تضم أمها لمرة أخيرة ويحوطها نساء عائلتها اللاتي يطالعنها بالشفقة وأخريات بنميمة شامتة..
عانق صالح أخته الكبيرة بنظراته ليتحطم فؤاده لهيئتها الكسيرة وهو ينتبه لرجفة شفتيها التي تحاربها بالضغط عليهما قبل أن تقول
((إلى اللقاء جميعا))
استقلت نورين السيارة التي كان يوقفها مصعب أمام منزلهم في المقعد الخلفي وجلست بجانبها عمتها..
بمجرد أن تم إغلاق باب السيارة خلفهم حتى تحرك مصعب بها يسير نحو منزلهم..
ساد صمتٌ ثقيل في السيارة بينهم لا يقطعه إلا عنف أنفاسها.. فيثير بداخلها ضجيج لا تَعرف أسبابه السكينة..
حتى الآن لم ترَ شكله.. ولم تسمع صوته..
كانت مطرقة الرأس لا تجرؤ حتى رفع عينيها ومطالعة المرآة الأمامية لتستشف شيء من ملامح من يقود السيارة بهم..
سمعت همس عمتها توبخها بغضب
((توقفي عن الارتجاف يا بنت.. وأبدِ شيئا من الصلابة والتماسك))
أغمضت نورين عينيها ولم تتجاوب مع امر عمتها.. ولم تملك أن تسيطر على جسدها المرتعش..
عشرون دقيقة مسافة الطريق وكان مصعب يركن السيارة أمام منزل عائلته الضخم..
سمعت همسه الخشن يتوغل الى أعماق أذنيها مسبّبًا لها رعبًا لا يُطاق
((لقد وصلنا.. ترجلا من السيارة))
تجرأت نورين لترفع وجهها للأعلى قليلا محاولة أن تكتم لهاثها المرعوب منه لتجده بالفعل يستدير قليلا للخلف من مكانه بهدوء يحدق بها بوجه جامد قمحي لا تعابير به..
على عكسها هي من كانت تنظر له بانشداه.. عينيها بعينيه اللامعتين بلون بني كما لون حدقتيها هي..
لم يكن هناك شيء بمظهره أو شكله يثير الخوف..
ورغم أن ملامحه لم تكن مقروءة إلا أنها كانت تشع منه سماحة وقبول بشكل رهيب..
لم تدرِ كم بقيت تحدق به لكن بمجرد أن وعت على نفسها حتى التفتت جانبا تزدرد ريقها..
ومدت يدها المترددة تفتح مقبض السيارة لتترجل من السيارة وتتبعها عمتها التي ساعدتها في رفع ذيل ثوبها الطويل نسبيا..
طالعت نورين بعينيها المنزل الضخم الذي نزلوا عنده.. كان من ثلاث طوابق وأقرب لكلمة قصر..
تابعت التقدم للداخل مع عمتها في حين ترجل مصعب من السيارة ووقف عندها بانتظار قدوم بقية رجال عائلته..
بمجرد أن اقتربتا من البوابة حتى كانت إحدى النساء اللاتي يعملن في المنزل تفتحها لها فدلفت للداخل بخطوات حذرة وبطيئة وهي تشعر بازدياد دقات قلبها..
ولم تخرج من شرودها إلا على صوت عمتها المفعم بالدهشة وهي تقول بهمس ذهول
((انظري ما أجمل القصر من الداخل.. وكأنه قصر قديم لأحد الباشوات أو ما شابه.. متحمسة لأرى جناحك الذي ستسكنين فيه مع زوجك.. متأكدة بأنه سيكون في قمة الذوق والأناقة والروعة))
التفت نورين بامتقاع نحو عمتها وقالت بنبرة تشوبها الغضب
((إذا كان يذهلك لهذا الحد فيمكنك أن تخبريهم أن يطلبوا ابنتك لتكون عروس دية بجانبي.. المرحوم ق*تل غدرًا ويستحق أن يتم تقديم أكثر من عذراء كقربان لإنهاء النزاع والصلح))
كشّرت يسرى وجهها وهي ترد بحدة عليها هامسة
((اخرسي أيتها الحقيرة.. ما ذنبي ابنتي لتقضي على شبابها لذنب اقترفه ابن قريبي))
ثم عادت تنظر للأمام متمتمه من بين أسنانها
((خبيثة مثل أمك فعلا.. سأخبر رفاء التي أمضت الأيام الماضية بطولها شاردة حزينة عليك عن نواياكِ الباطنة الخبيثة تجاهها))
قالت نورين بقهر نابع من داخلها ويديها تتقبضان
((هذا لأنك توقنين من حقيقة أن أي فتاة لا تقبل أن تتزوج من رجل بهذه الطريقة))
همست لها يسرى بغل وهي ترميها بسهام نظراتها المثقلة بالكراهية تجاهها
((ومنذ متى كانت ويتم استشارة البنت وأخذ موافقتها عندنا؟ البنت لا تستشار عند اختيار العريس لها ولا تستطيع رفض قرار أبيها.. فالبنت التي ترفض الزوج الذي تختاره الأسرة تعتبر متمردة على أهلها وتستحق الموت))
نظرت نورين للأمام وهي تتقدم لداخل وقالت بمحاولة تغيير الموضوع بصوتٍ مختنق
((سأتصل بأمي.. لقد أوصتني أن افعل ذلك بمجرد وصولي لتطمئن))
توقفت نورين موضعها وهي تنتبه لامرأتين واقفتين أمامها وبدتا وكأنهما في انتظارها.. امرأة شابة حسنة الشكل وأخرى كبيرة بملامح وقورة في السن تقول له عاملة المنزل
((ها قد وصلت العروس وعمتها يا حاجة زاهية))
عرفت نورين بأن المرأة الكبيرة الجالسة هي والدة مصعب.. نظرت في عينيها اللتين تحدقان فيها وتأمرانها بلا صوت بأن تقترب..
أطاعتها نورين بتوجس وشعرت من نظراتها التي تتشرب ملامحها بلا إعجاب أنها لا تروقها..
قالت زاهية بصوتٍ محايد هادئ لنورين
((كيف حالك يا عروس؟))
أطرقت نورين رأسها وهي تجيب بصوتٍ خافت يكاد لا يُسمع
((أنا بخير))
قالت زاهية وهي تنظر لها ويسرى
((يمكنك الجلوس هنا))
فعلت كل من نورين ويسرى وجلستا في مقاعد مقابلة لها..
تدخلت إحدى النساء اللاتي كن واقفات لتقول بملامح تلتهم هيئة نورين مرحبة ظاهريًا
((أنا رتيل.. زوجة مؤيد.. شقيق مصعب الأكبر))
رفعت نورين عينيها لرتيل تطالعها باستكشاف مهيب..
بدت أمرأه في نهاية العشرين من عمرها.. بشرة حنطاوية بملامح جذابة للغاية..
الشال كانت تحيطه حول شعرها بشكل فضفاض سمح لشيء من خصلاتها السوداء كما لون حدقتيها بالظهور..
أومأت لها نورين برأسها لها بتردد هامسة بخفوت
((مرحبا بكِ))
عادت رتيل تطالعها بعينين مستكشفتين تطالع ثوب نورين بشيء من العبوس.. فهو مطرز بالكامل من الأحجار اللامعة.. عليه لمسات الورود القليلة البارزة كما على الطرحة..
الذيل الطويل المنسدل من منطقة الخصر فيظهر قوامها النحيف.. وحتى الحزام الكريستال الذي يزينه..
همست رتيل بالقرب من أذن حماتها بغل
((وكأنها ذاهبة لزفاف حقيقي وليست عروس دية.. ثوبها جميل ومصنوع بترف))
جفلت رتيل على الصوت الرجولي القادم نحوهم مناديًا باسمها لتنظر ناحيته هاتفة وهي تعدل حجابها وتخفي خصلاتها الظاهر
((قادمة يا مؤيد))
سارت رتيل بخطوات رشيقة وهي تتقدم من زوجها قائلة له بهمس وهي تخفي فمها
((لقد جاءت العروس وعمتها.. أين هو أخوك مصعب؟))
صمت مؤيد ولم يرد.. بل نظر بطرف عينه بعبوس إلى حيث تجلس أمه.. وعروس الثأر التي أخرجت هاتفها من الحقيبة الصغيرة المطرزة بخطوط ذهبية بحوزتها وبدأت تطلب رقما ما..
زوجته رتيل بذقنه نحو العروس . يملي عليها بفعل ما..
فهمت رتيل ما يريد زوجها فأطاعته ببرود وخطت تتقدم نحو نورين..
شعرت يسرى بالنظرات مصوبة كلها مصوبة نحو نورين المشغولة بهاتفها.. فلكزتها بقوة مدمدمه بصوتٍ خافت
((اخفِ الهاتف يا غبية.. هل هذا وقت مناسب للتحدث عليه؟))

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *