المقدمه والبداية 1
المقدمه والبداية 1
وقفت نورين أمام المرأة تتأمل فستانها.. أقل من ساعة وسيأتون لأخذها من هنا..
شعرت بقدميها تخوناها وبالعبرات المتجمعة في عينيها تلسعانها بغية أن تحررهما..
تمالكت نفسها وجلست فوق طرف سريرها ببؤس.. ووجهها الشاحب يعبر عن فصل المأساة التي ستعيشها في حياتها..
رفعت نورين وجهها تسأل ابنة عمها يسرى التي تواجدت معها لتساندها الليلة وتؤازرها
((متى ستأتي الجاهة يا رفاء؟))
أجابتها رفاء وهي تغلق أخر حقيبة
((بعد قليل))
عادت نورين تطرق برأسها وتغرق في بؤسها.. وحين طال الصمت ولفهم كسرته رفاء وهي تقول متحسرة بصوتٍ بليد
((من تخيل يومًا يا نورين بأنك ستتزوجين بهذا الشكل المأساوي.. بلا مراسم حناء ولا أغاني توديع العزوبية.. بل بدون أن يتم إقامة تعليله أو زفة أو حمام لعريسك ترافقها أغاني شعبية وأهازيج.. ستزفين له بدون أن يدق أحد الطبول أو تقام دبكات رجالية تثير الحماس))
تحررت أخيرا عبرات عيني نورين بصمتٍ لتحرق قلبها.. وقالت بمنطقها وهي تشرد بنقطة وهمية على الأرض
((كل ما تقولينه هي أمور سطحية لا تسمن ولا تغني من جوع.. ولا لا تؤسس العلاقة الزوجية.. بل الأنكى أني سأتزوج اليوم من رجل بلا أي سابقة معرفة وبدون أن اعرف جوانب شخصيته.. الأمور الوحيدة التي عرفها أبي عنه وأخبرني إياها أنه الابن الأوسط ليعقوب الكانز من بين خمسة شباب.. اسمه مصعب وعمره في الثلاثين ويعمل ممرض في إحدى المشافي.. وهو..))
ابتلعت نورين ريقها وهي ترفع وجهها لابنة عمها قائلة ببراءة وتردد
((وهو عازب.. اقصد مطلق.. منذ سنين طويلة.. لكن على الأقل ليس متزوجًا.. فأنتِ تعرفين أنه كان من المفترض أن أتزوج ابن عمه وليد الذي كان..))
أكملت رفاء عنها الكلام وهي تومئ برأسها
((نعم اعرف وليد المتزوج.. لكن سمعت أنه كان من البداية يرفض الزواج))
ثم تحركت لتجلس بقرب نورين بلهفة مكملة بنبرة هامسة محذرة
((نورين هناك امر عليك أن تعرفيه عن ماضي عريسك هذا الذي ستتزوجين به اليوم.. مصعب الكانز))
شعرت نورين بالاختناق وهي تقول بينما تمعن النظر بوجه ابنة عمها
((امر مثل ماذا؟))
ضيقت رفاء عينيها وهي تقول
((سمعت إشاعات تخص زواجه الأول.. لقد كان متزوجا من ابنة عمه.. فتحريت مصادري الخاصة لأتأكد من دقتها.. واتضح أنها صحيح.. لكنها لن يسرك معرفتها))
شعرت نورين بقلبها يدوي لتكمل رفاء بنبرة خافتة وعينين غائمتين بالاقتضاب
((قبل سنين.. نهى مصعب وحجر على ابنة عمه ورفض أن تتزوج خطيبها الذي كانت مخطوبة له بالفعل حينها.. وهدده إذا لم يفسخ خطبته بها أن يحمل كفنه بين يديه وكفنها هي أيضًا))
انعقدت ملامح نورين وتجمدت للحظة..
ولم تشك بكلام ابنة عمتها أبدًا بأن مصعب تزوج أول مرة بهذا الشكل..
أليس الناس هنا معروفون بتمسكهم الشديد بعاداتهم وتقاليدهم البالية.. وسبق وحدث الكثير من صدامات بين العشائر في المناطق الريفية بسببها!
همست نورين متسائلة بحشرجة وترقب
((وهل والد أبيها أو أخيها رحمه الله وافقاه؟))
تغضن جبين رفاء وهي تجيب
((بالتأكيد لا.. خاصة والدها كان معترضًا اعتراضًا شديدا على زواجها من مصعب فقد رأى خطيبها أكفأ منه ويحب ابنته وأراد منها أن تتزوجه هو.. وحاول والدها أن يتوسل مصعب للعدول عن نهيه وحاول أن يتوسط للكثير من وجهاء القرية.. إلا أنه التيار كان اقوى منهم جميعا.. وتمسك مصعب بالأمر وأرغمهم على تزويجه إياها في نهاية المطاف))
حقنت نظرات نورين المزيد من الألم داخل قلبها عليه فكم هو ظلم مرير ألا يحق حتى للأب والأخ الاعتراض على زواج ابنتهم رغما عنها لأنه تقليد تعمل به العشيرة!
تغرغرت عينا نورين بدموع أخرى فأطرقت بأناملها تمسحها وهي تسمع رفاء تكمل
((المهم.. ابنة عمه اضطرت في النهاية على الموافقة منه بعد أن تعرضت للكثير من العنف الجسدي والضرب المبرح.. لقد كانت الكدمات واضحة جدًّا على وجهها في حفل زفافها منه فمساحيق التجميل لم تخفِ جروحها وكدماتها كلها))
شاب صوت نورين ما يشبه حشرجة بكاء وهي تقول
((كم هو رجل حقير.. لو كان يحبها فعلا إلى هذا الحد لكان أعطاها حرية الاختيار لا إجبارها عليه بهذه الطريقة!))
صدرت من رفاء صوت معترض شعبي قبل أن تقول
((ومن قال لك أنه فعل كل ما فعله لأنه يحبها! لقد فعل ذلك فقط بغية إذلالها هي ووالدها.. هكذا قالوا.. والآن يتبجح بأنه يريد أن يأخذ ثأر قاتلي أخيها بالزواج منك.. لو أحب فعلا ابن عمه يحي لما أذل شقيقته ووالده))
تزايدت وتيرة أنفاس نورين الثائرة..
فإذا كانت ابنة عمه هي طليقته وضحيته الأولى.. وضحية العرف العشائري “النهوة” الذي يعطيها هذا الحق بصفته ابن عمها ليتزوجها حتى لو رفضته..
فهي ضحيت مصعب الثانية باسم عرف وتقليد أخر ظالم يتم العمل فيه..
تساءلت نورين وهي تحث رفاء على الإكمال
((وكيف طلقها بع ذلك؟))
((لقد هربت للخارج لأحدى الدول الأوروبية حيث تعيش والدتها واستطاعت انتزاع حقها في الطلاق منه هناك))
راحة بسيطة تسللت لداخل نورين عند معرفتها طريقة تحرر ابنة عم مصعب عنه.. فقالت في حماس مختلط بالحسرة
((لقد أحسنت صنيعا.. لو كان لي والدة تعيش في الخارج لكنت فعلت نفس الشيء))
زمّت رفاء شفتيها لتقول معزية
((لو كان.. لكن للأسف والدتك لا تعيش في الخارج))
قالت بعد لحظات بصوتٍ مختنق
((لذا لا يوجد أمامي إلا أن اخنق نفسي واجنبها هذا الحكم الذي يجنبني إرادتي ويكبل حريتي ويحولني إلى محض جسد يجرع مضاضة الموت بين الحين والآخر))
انقطعت أنفاس نورين هنا وتثاقلت بقوة حتى أنها شكت أنها ستفقد الوعي في التو..
فجأة صارت فكرة زواجه منها تق*تلها أكثر وأكثر..
رفعت نورين بكلتا يديها ثوبها الثقيلة قليلا ثم ابتعدت تسير نحو شرفة غرفتها..
كبلت رفاء ذراعها بينما تزعق بها بامتعاض
((أيتها الحمقاء أين تذهبين؟ إياك التفكير بالهرب مجددا))
انفجرت نورين بالبكاء وهي تقول بعزم
((بل سأفعل.. سأفعلها هذه المرة))
شددت قبضة رفاء على ذراع نورين بقسوة وسحبتها لها بينما توعيها
((هروبك سيسعد الكثير ممن لا يريدون أن يحقن الدماء.. توقفي عن تفكيرك الجنوني))
استدارت نورين نصف استدارة لجهة رفاء تطالعها بوجهها الملطخ بالدموع..
ثم تهاذل كتفيها بتخاذل وأطرقت رأسها يائسة مستسلمة..
فُتح الباب من قبل ريحانة التي جاءت مسرعة ما إن سمعت بصوتٍ الصراخ يعلو هنا.. وأغلقت الباب خلفها تقول بألم وهي ترى دموع ابنتها تجري مدرارًا
((نورين حبيبي لماذا عدتي للبكاء؟))
فتحت ريحانة كلتا ذراعيها تعانق ابنتها وهي تهدهدها في حين كتفت رفاء ذراعيها وتقول
((من الجيد أنك لم تضعي الزينة على وجهها.. فهي تبكي بمعدل أربع مرات في الساعة وتضل تغسل وجهها))
أجلست ريحانة ابنتها على السرير وجلست بجانبها.. رفعت ريحانة كفها تغطي بها فمها المرتعش وهي تتأوه بصوتٍ مكتوم كي لا تنفجر في البكاء في هذه اللحظة.. تم تطلعت لابنتها تقول
((نورين حبيبتي.. عمتك سترافقك بدلا معي.. هي اقوى وأشجع مني.. اتصلي بي بمجرد أن تصلي يا نورين مع زوجك لمنزلهم.. اتفقنا؟))
رفعت نورين حاجبيها وقد زادها خوفها عدم قدوم أمها معها..
لكنها تفهمتها..
فتحت فمها تقول
((حسنا يا أمي..))
بترت نورين كلامها وقد خرج صوتها متحشرجًا غير واضحًا من حلقها المتورم..
ثم تمكنت أخيرًا من النطق بصعوبة وهي تبتسم زيفًا من بين دموعها المنهمرة
((لا تقلقي يا أمي سأفعل))
ثم قالت ريحانة بحرج
((والدك لن يستطيع توديعك سيكون مع وجهاء القرية في الأسفل.. لا بأس صحيح؟))
أطرقت نورين رأسها تومئ بموافقة.. لا بد أن والدها يشعر بالعار..
حاوطتها ريحانة بكلتا يديها المرتعشتين ابنتها مدمدمه
((سامحيني يا ابنتي أنا ووالدك من اجل هواننا وقلة حيلتنا.. لكننا لم نجد حلا أفضل من هذا.. ليس من اجل القبيلة بل من أجل أخويك أيضًا.. فالثأر سينال أي ذكر في العشيرة بلا فرق بين كبير أو صغير))
ابتسمت نورين بخفة ورفعت يدها تربت على كتف أمها باطمئنان وتسامح
((لا بأس يا أمي.. حقا))
التفتت نورين تطلع لابنة عمتها ثم اعتدلت واقفة.. فساعدتها رفاء في الدخول للحمام لغسل وجهها بينما ترفع ثوبها حتى لا يلامس الأرض..
جففت نورين وجهها قبل أن تسمع أصوات رجال في الخارج لتعرف بقدوم الجاهة..
التفتت نورين لابنة عمها تقول بصوتٍ عميق
((هيا بنا يا رفاء))
أغلقت رفاء خلفهما الباب لتنخرط ريحانة أخيرا ببكاء قوي كتمتها بصعوبة..