المقدمه والبداية 1

المقدمه والبداية 1

شهق الجميع بفزع إلا أن يسرى لم تتوقف عند هذا الحد بل شدت خصلات شعرها الأشقر بإحدى يديها وهي تصرخ عليها بغل وشر
((اخرسي يا بنت.. إياكِ أن تفكري بالرفض فهو ليس خيارا متاحًا لك.. ستزفين من الرجل الذي يقبل زواج الدية هذا بدون أي حرف معترض))
حاول حسن وزوجته وولديه إبعاد يسرى عن نورين بلا فائدة.. كلما حاولوا إفلات قبضتها الممسكة بشعرها زادت صرخات نورين المتألمة وهي تشعر بمنابت شعرها تق*تلع..
فرجا حسن أخته أن تبتعد
((توقفي يا يسرى.. على رسلك عليها.. ألا تريين البنت ترتجف رعبا))
أخيرا استطاع سعيد الصغير عضّ ساعد عمته لتصرخ الأخرى متألمة وتسحب يدها..
لوحت يسرى يدها وهي تتأوه بألم ثم زعقت بملامح ممتقعة من بين أنفاسها اللاهثة
((ألم تسمع ابنتك يا أخي ماذا تريد؟ إنها ترفض الزواج حتى لو كان من سيتأذى منه هو أخويها الاثنين الصغيرين))
انحنى حسن على ابنته ومد أنامله يمسح دموع ابنته التي كانت تجهش بكاء حاد هي وأمها بينما يقول
((لا يا يسرى.. ابنتي ليست أنانية وهي لن تعرض حياة أخويها أو أحد أقاربها للخطر.. فقد سبق واتفقنا معها بأن هذا الثأر سيحل بزواج الدية بهدف حقن الدماء والتراضي وسد الطريق أمام المشاحنات والخلافات مستقبلاً.. صحيح يا نورين العزيزة؟))
لوهلة شعرت نورين بالضعف وأرادت أن تخضع لكلام والدها وضغطه العاطفي عليها..
لكنها تراجعت..
فهي ليست مخطئة بما تطلبه..
بلادهم تعاقب من يُكره شخصًا على الزواج من دون رضاه.. وهؤلاء الرجال يخترقون القوانين ويفعلون ما ينافي الدين والشرع..
هي ترفض إطلاقا أن تكون هي الضحية التي لا مفر أمامها إلا الخضوع لسكينهم وكأنها تعيش في عهد العصور الوسطي..
فتحت عينيها الممتلئتين بالدموع وقالت بصوتها المتهدج كلامًا متقطع من بين شهقاتها
((غير صحيح يا أبي.. لقد تراجعت.. أنا لن امضي قدما بهذا الزواج.. وهذا لا يعد أنانية.. فأنا لست سلعة قابلة للاستبدال والتعويض فداءً لحل النزاعات العشائرية التي تنشب بين الحين والآخر بيننا وبين عشيرة الكانز))
عقد حسن حاجبيه يحتج
((ولكن يا نورين لو رفضتي الزواج فناهيك عن تعرض الكثير للخطر.. فستنزلين من هامتي أمام كل وجهاء القرية.. لن يقبلوا أن أتملص أنا من المسؤولية والقاتل ليس لديه أحد أقرب مني له))
مدت ريحانة يدها تمسح أثار دموع وبكاء ابنتها وهي تقول
((والدك محق يا ابنتي))
هزت نورين رأسها برفض قاطع من والدتها المتأرجحة كل دقيقة برأي
((توقفي أمي أنا لا أريد.. ولن أستطيع.. توقفا عن إقناعي والتضحية بي))
إلا أنها عاد تستعطفها مجددا بالقول
((ولكن ماذا بيدنا غير هذا! ماذا سيفعل أبوك يا نورين وهو مكبل هناك وأسير للأحكام العشائرية!))
صرخت نورين عاليًا
((ليست مشكلتي.. أنا لن أضحي بنفسي.. لا يمكنكم يا أبي أن تحرموني من ابسط حقوقي وهي اختيار الزوج الذي أريده.. أنتم تحاولون سلبي حريتي وكرامتي في الإقبال على هذا الزواج))
ولم يستطع حسن أن يرد إلا بصوتٍ ضعيفٍ
((صدقيني يا ابنتي لولا ما سمعت من كبير الكانز من ضمانات لما كنت وافقت على زواجك من أحدهم.. فلا تخافي))
تساءلت نورين تكشف زيف كلام وثقة أبيها بما يقوله
((وماذا إذا لم تحدث ضماناتهم.. ماذا ستفعل وقتها يا أبي؟))
قال والدها مهددا بأسلوب لم يمس أحد
((إذا تجرأ ولمس أحد شعرة منك من عائلة الكانز فصدقيني سأقيم الدنيا عليهم ولن أقعدها))
حاولت نورين كبح دموعها وهي تقول
((وبعدها؟))
تلعثم والدها بخزي قبل أن يقول محاولا أن يظهر القوة
((وبعدها سأطلقك منه.. نعم أعدك بأني سأحاول فعل ذلك.. وسنسافر بعدها للخارج لبلد مجهول لتتخلص من وبالهم))
ابتسمت نورين بمرارة وهي تقول متهكمة بصوتها المرتجف
((هل تظنني طفلة لتخدعني بهذا الكلام؟ أنا..))
بترت نورين كلامها عند تهجم عمتها مرة ثانية عليها وقد نفذ صبرها وسئمت مسايرة والدها لها طوال الدقائق السابقة بلا أي طائل يرجى..
أمسكت يسرى بمقدمة ثوب نورين تقربها منها بقسوة بينما تصرخ فيها ساخطة
((نعم أنتِ طفلة.. وطفلة أنانية لا تعرف كيف تطيع كلام الكبار.. ستتزوجين من احدى أبناء الكانز شئتِ أم أبيتِ))
عاد الجميع يبعد يسرى التي كانت تهزها بقوة وصرخ حسن بأخته بعدم رضا
((توقفي يا يسرى واتركي الفتاة.. لن ينفع هذا الأسلوب معها))
إلا انه السخط والغضب اكتسحا يسرى أكثر من جرأة رفض ابنة أخيها لتقول
((معك حق لن ينفع معها هذا الأسلوب.. الضرب هو علاجها))
وكانت يسرى فعلا قد رفعت يدها تهم بصفه وجنة نورين مجددا حين ظهر امسك هنا حسن بمعصم أخته يمنعها من تكرار الصفعة وينفضها عنه..
فابتعدت نورين للخلف أكثر لكن لم تفقد شجاعتها وهي تقول
((حتى لو جلدتني فلن أتراجع عن موافقتي.. سأضرم بجسدي النار لو اضطررت لذلك..))
قالت يسرى وهي تبصق الكلمات من فمها وقد احمر بياض عينيها من شدة الغضب والسخط على ابنة أخيها
((اضرمي النار فوق جسدك يا عديمة الحياء وأريحينا منك..))
وكانت تريد يسرى الاقتراب من نورين إلا أن ريحانة أسرعت تحتضن ابنتها من يسرى وهي ترجوها منتحبة
((ابتعدي عن البنت أرجوكِ))
ضمت ريحانة ابنتها وكأنها تريد دفنها في صدرها.. وبثها قليلا من امأن لا تمتلكه..
مما جعل يسرى تظهر الاشمئزاز على وجهها وهي تتمتم
((أيتها الخبيثة الأنانية عليك أن تحمدي الله على تدخل بعض الوسطاء على العشيرتين واقتراح زواج الدم عليهم والا لكانت تحولت حياة كل فرد من عائلة الهنادل لجحيم بدلا من رفض الحكم بكل شجع))
نظرت نورين لوالدها الذي كان يأخذ دور المتفرج الضعيف..
بمجرد أن انتبه حسن لنظراتها حتى أشاح بوجهه على الفور ولم يتحمل أن ترمقه ابنته بعتاب لو كان له صوت لصرخ منهارًا به..
هدأت أنفاس يسرى لتهسهس بعدها بصوتٍ خافت حاد تجذب انتباه نورين لها
((الأمر يا صغيرة أكبر من والدك نفسه.. أنه امر عشائري تم بعد الاجتماع من كل وجهاء الهنادل.. وما عليك إلا السمع والطاعة))
ثم نظرت لأخيها تسترسل بنبرة جافة بملامحها الصارمة وتعابيرها الحازمة
((أخبر ابنتك بأنهم كانوا يريدون أن تسيق خمس عذروات منا للزواج من خمسة شباب من عشيرة الكانز وكأن بناتنا سبايا.. ولكن بعد تدخل الوسطاء بين الطرفين تم الاتفاق بأن تتزوج أقرب فتاة بالدم من القاتل لأحد أبناء عم المغدور لينتهي هذا النزاع))
شحب وجه نورين لما قالته عمتها..
لكن على الأقل هي فهمت الآن إصرارها على جعلها تتزوج من احدى أولاد عم المقتول على الفور بهذا الشكل الفج الواضح.. ودون مدارة أو تلوي..
هي تخشى أن تتطور مطالب عشيرة الكانز ويعودوا لطلبهم السابق فتقحم ابنتها هي الأخرى في الحكم مع غيرها..
انتبهت نورين لعمتها تحدجها بعينين تقدحان شررا قبل أن تستدير وتعطيها ظهرها مغادرة المنزل كله..
منظر ابنته الوحيدة يقطع نياط قلب حسن الذي قال بصوتٍ متحشرج
((سامحيني يا ابنتي.. أنتِ لا تهونين عليّ.. والله لا تهونين.. لكن الأمر أكبر مني كما قالت عمتك.. أنه حكم وقرار عشائري))
رفعت نورين عينيها لأبيها ليتابع بوهن
((ستزفين لأحد أبناء الكانز بعد أيام.. ولن يحدث لك أي مكروه.. وإذا ما حدث لا سمح الله.. سأسحبك من قعر بيتهم وأسافر بك أنتِ وأخوتك لخارج القرية.. بل البلاد كلها لنأمن على أنفسنا من غدرهم.. ولن اهتم بحال الباقي))
ثم عاد يجلس على الأريكة منكسا وجهها.. وقد كان القهر محفورا بدقة في تفاصيل وجهه.. وهو يجد نفسه كشخص ضعيف وعاجر أمام عائلته لا يملك من هيبة وشموخ الرجال شيء..
فبدا شكله الواهن في هذه اللحظة أمام زوجته وأولاده لوحة تجسد كآبة إنسان وعبثية وجوده بالنسبة لهم..
============
انتصب أخر من تبقى من وجهاء عشيرة الكانز في مجلس منزل يعقوب الكانز عقب انتهائهم من حديثهم الأخير المتعلق بدية ابن عشيرتهم الذي ق*تل على يد أحد أبناء عشيرة الهنادل..
كان خروج أخر واحد منهم تزامنًا مع دلوف مؤيد.. الابن الثاني ليعقوب..
وقف مؤيد بطوله المهيب وملامحه القاسية مكانه عند مدخل مجلس الديوانية الذي يعمه الهم الهادئ يتطلع لأبيه المتكأ في مجلسه..
ثم حرك بصره نحو أخوته الأربعة الجالسين..
مصعب.. مالك.. مازن.. ومعاذ الذي كان يجلس بجانب والدهم مؤازرًا إياه..
ملامحهم جميعا كانت مكروبة وأثار الغم محفورة بدقة في تفاصيلها..
انتصب مؤيد وخطا نحو والده يستهل الحديث قائلا بملامح وجه متصلبة
((علاما خُتم المجلس هذا والذي قبله؟ أريد ملخصًا))
بهدوء رفع معاذ الأخ الأكبر عينيه لشقيقه مؤيد.. الذي ومنذ نبأ ق*تل ابن عمهم يحيى وقد استطاع بصعوبة أن يجعله يلجم غضبه المنفلت ويغادر القرية كلها حتى لا يتهور تبعا لرعونته وقلة صبره وحكمته فيكون أول المحرضين لباقي أبناء العشيرة ليقوموا بفعل ما لا يحمد عقباه.. ثم أجابه بهدوء
((ملخص كل الأحاديث التي دارت في مجلس بيتنا وفي مضافة العشيرة هو أننا توصلنا لحل يمنع إهدار دم الطرفين))
بدا أن مؤيد فهم قصده فقال مستهجنا
((هل ستقبل بكل بساطة أن تمر دماء يحيى دون ثأر أو دية؟))
عقد معاذ حاجبيه وارتسم أثر الانزعاج على وجهه وهو يجيب أخيه بصلابة
((الثأر انتهى بموت قاتل يحيى في حادث سيارته أثناء فراره من القرية بنفس اليوم الذي ق*تله.. وعلينا الآن أن نتوقف عن التفكير بأي شيء لا يساعد في حقن الدماء والحفاظ على هدوء القرية وما يجاورها))
علا صوت مؤيد وهو يقول
((القصاص الذي اخترتموه لعشيرة قاتل ابن عمنا فيه هذر لدمائه هو.. هل طلبتم مني الابتعاد لخارج القرية لأيام حتى تتخذوا هذا الحل في النهاية؟))
لم يأبه يعقوب الكانز لكل الهذر الذي خرج من فاه ابنه منذ قدومه ولم يعره أذنا صاغية له.. إلا أنه هنا لم يمنع نفسه أن يزجره فجأة وسط الكلام
((اسكت أيها الأهوج.. ألا حديث لك من بعد موت يحيى إلا عن الثأر والدم وإزهاق أرواح أبرياء؟))
قال مؤيد بتهافت
((لأنه بالثأر للدم فقط نحافظ على شرفنا وكرامتها الذي يحاول أبناء عشيرة الهنادل المس فيه))
قال معاذ بنبرة لا تلين وهو يشدد على كلماته
((ليس بالثأر يا أخي إلا الدمار والهلاك))
مسد يعقوب صدغيه بقوة قبل أن يقول بحدة وبعلو نبرات صوته
((يكفي.. ما زلت أنا هنا))
لجم مؤيد غضبه المستعر بصعوبة وحاول أن يبدي هدوءً واحترامًا لأبيه وهو يعترض
((ولكن يا أبي..))
فرد يعقوب الكانز كفه مقاطعا إياه بهدوء بالغ.. ثم قال بتقرير لا تراجع فيه أبدًا
((لقد قررت مع باقي وجهاء القرية واي حديث ستقوله الآن لا طائل منه))
تجلد مؤيد يتابع تساؤلاته باستنكار
((ولكن يا أبي كيف استطاع وجهاء القرية كلهم الموافقة على أخذ ثأرنا بهذا الشكل))
كان يعقوب يعرف مقدما بأن هذا الحديث لن يعجبه وهو الأدرى برعونة وتهور ابنه الثاني مؤيد على عكس باقي أشقائه..
فهتف به بصرامة ولديه فكرة تامة عما يدور بعقل ابنه
((مؤيد.. هل تعترض على كلامنا؟))
أومأ على مضض يكبح لجام غضبه بصعوبة
((أعوذ بالله يا أبي.. لكن..))
تنهد يعقوب ثم قال ما في صدره بنبرة تصميم لا تلين
((لا أحد منا يا مؤيد يريد أن يقف بين يدي خالقه وقد علق في ثوبه ولو قطرة دم))
أزره معاذ بصوتٍ رخيم
((وقرارك أنت مع باقي الوجهاء يا أبي هو عين العقل))
تصلب وجه مؤيد مصدوما وهو يرى مجرى الكلام ينتهي بمسار بعيد عن الثأر بالدم..
فلم يستطع منع نفسه أن يهتف مصعوقًا بالغضب والاحتجاج قهرًا على كرامة عشيرته وشرفهم قبل قهره على وفاة ابنه عمه
((إذن سيُهدر دم يحيى دون أن نثأر له؟ هل تريد الناس من حولنا أن يقولوا أولاد عم قتيل عشيرة الكانز أهدروا دمه وقبلوا المال دية لدمه؟))
أخذ معاذ نفسًا عميقًا وزفره بداخله يكتمه احترامًا لأبيه الذي يجلس بجانبه ثم قال
((أنت تعرف يا مؤيد أن أبناء عشيرة الكانز لا يقبلون المال دية))
عقد مؤيد حاجبيه وقد بدأ التصلب يمسك أطرافه..
وبدا أن لديه فكرة عما يقصده أخيه.. فتراجع للخلف قليلا وسأله بصوت حذر
((إذا كنا لن نقبل الدم دية ليحيى.. ولن نقبل أيضًا المال.. فماذا سنقبل أذن دية له يا معاذ؟ هل ستكون الدية هي..))
أكد معاذ اعتقاده وهو يهز رأسه قبل أن يقول مجيبا
((لقد سبق وقررنا بأن يعقد زفاف الدية لننهي هذا الثأر.. وكان من المفترض أن يتم في الأمس إلا أنه تم تأجيله لعدة ايام))
عقد مؤيد حاجبيه قليلا وهو يتساءل بتركيز
((ومن سيتزوج تلك الدية؟ الأقربون ليحيى رحمه الله هو نحن الخمسة أولاد عمه.. ووليد ابن عمه الأخر.. من منا سيتزوج الدية؟))
أجابه معاذ وعيناه تركزان في تعابير مؤيد كأنه يختبر ردة فعله
((كان من المقرر أن يكون وليد.. إلا أنه رفض لاحقًا.. لذا سيكون واحدًا منا))
مسح مؤيد ذقنه بيده وهو يرمق أخيه بعين فطنه ثم تساءل بهدوء
((ومن هو؟))
بذات النبرة الهادئة أجابه معاذ
((بالتأكيد يا مؤيد أنت لست مشمولا في الاختيار ولا مازن بما أنكما متزوجان))
تجهم وجه مؤيد وهو يكرر سؤاله بصرامة لا يكاد يطيق لحظة صبر أخرى
((من سيكون يا معاذ؟))
التفت معاذ جانبا إلى حيث يجلس أخيه الأوسط.. مصعب.. شارد الذهن في الفراغ بوجه غير مقروء..
منذ مق*تل ابن عمهم يحيى الذي كان بمثابة أخ وصديق له وهو محافظ على هدوءه بشكل مريب ومستكين دون أن يبدي أي لمحة هوان أو ضعف..
لحظات وقال مصعب وقد تحولت كل نظرات من في الديوانية له
((سأتزوج منها يا أبي كما سبق وأجبتك قبلا موافقًا))
ثم اعتدل مصعب بجسده المتعب كما تقاسيم وجهه واقفًا يدمدم
((سأغادر يا أبي.. استودعكم الله))
واتجه نحو مخرج الديوانية إلى الخارج ديارهم.. وقريتهم.. إلى مكان خلوته التي لم يسبق وان توجه لها برفقة أحدهم إلا يحيى.. ومن بعد أخته رشا..
.
بعد مغادرة كل إخوته اغلق معاذ باب الديوانية قبل أن يعود جالسًا بجوار أبيه..
فتطلع يعقوب له.. بكر وولده الأكبر.. أكثر أولاده حكمة قولا وفعلا..
منذ كرب وفاة ابن أخيه وهو أكثر من يستمع له بإنصات بالغ وقلب مؤازر..
التقط معاذ نظرات والده فسأله بهدوء وهو ينظر مباشر في عينيه
((ألست راضيا يا أبتي على اختيار مصعب للزواج منها؟))
ينظر في داخل عيني ابنه
((بل قلق يا معاذ.. مصعب كان يعتبر يحيى أكثر من أخيه ورفيق دربه.. أخشى أن يتعامل مع ابنة الهنادل التي لا ذنب لها بفعلة قريبهم وكأنها المدانة والقاتلة.. تزوجها أنت يا معاذ.. لقد مضى ما يزيد عن ثمانية سنوات على وفاة زوجتك))
بدا معاذ متحرجًا مما سيفضي به وهو يقول بضيق
((لن أستطيع يا أبي أن أتزوجها))
قال يعقوب لابنه بملامح منعقدة بتكدر
((أتفهم يا معاذ رفضك الزواج من بعد وفاة زوجتك المرحومة حتى ولو من أجل جلب أم تهتم وترعي بصغيرتكما دارين آنذاك.. ولكن الوضع مختلف الآن.. وأنتَ مثلي لا تقبل ظلما لفتاة لا ذنب لها بج/ريمة قريبها.. أنت أفضل من قد يتزوج الفتاة التي اختيرت لتكون عروس الدم بدون أن تظلمها))
تحرك معاذ في مكانه ثم قال بتردد خافت وغريب عليه وهو يبعد عينيه عن مرمى نظر والده
((أبي لقد سبق واتفقت مع احدى الفتيات التي اعرفها أن يعقد قرانا بعد مدة قصيرة ولن أستطيع أن أخلي باتفاقنا بعد أن أعطيتها وعدًا))
اتسعت عينا يعقوب بذهول واضطراب وهو يتمتم
((أنت ستتزوج!))
تحرج معاذ مما أعلنه لوالده فجأة بلا أي مقدمات.. في حين استرسل يعقوب حديثه بذات الذهول وهو يشرح
((لم يسبق وان فتحت لنا موضوع زواجك.. أنت ترفض كل محاولات والدتك المستميتة في تزويجك بعد وفاة زوجتك حتى وأنت الآن على مشارف السادسة والثلاثين.. لتأتي الآن وتفاجئني بأنك ستتزوج بعد مدة قصيرة))
جاش صدر معاذ بمشاعر عشق لزوجته المتوفاة كأنه عاد عشريني القلب للحظات قصيرة..
إلا أن نظرات والده أخرجته من صراعاته فالتفت معاذ يرد متنهدًا ببؤس لا يشبه مزاج رجل مقدم على الزواج بعد طول جفاء ليقول
((أبي صدقني لا يعرف أحد بشأن زواجي إلا قلة قليلة ولن يعلم به أحد إلا في الوقت المناسب.. أريدك أن تمهلني بعض الوقت قبل أن اشرح لك كل شيء.. أرجوك ثق بي))
أومأ يعقوب برأسه يستجيب لرغبه ولده الذي مسح جبينه من حبيبات عرق تجمعت في غفلة منه ثم قال بمحاولة تغيير موضوع زواجه المعقد
((أتفهم يا أبتي قلقك لاختيارنا مصعب للزواج منها وهو الذي كان أكثرنا قربًا من يحيى وأكثر من تأثر بعد وفاته.. ولهذا كنت أتمنى من مالك أن يتزوجها))
نطق يعقوب بما في جوفه منذ بداية حديثهما
((وهذا ما كنت سأقترحه عليكم بحالة لم تكن أنت من ستتزوجها))
صمت معاذ للحظات ثم أجلّى حنجرته قبل أن يقول
((لكنه رافض.. كليا.. لذا مصعب سيكون هو أفضل من يتزوجها بدون أن تقلق من أن يظلمها))
شردت عيني يعقوب في الفراغ أمامه ولم يقل شيء.. بل دمدم عقب دقائق وكأنه يحدث نفسه
((فليربط الله على قلبك يا مصعب وعلينا جميعا))
بخفة هز معاذ رأسه متمتمًا
((آمين))
========
بمجرد أن فُتح باب غرفة زاهية ودلف منها التؤام.. مالك ومازن أصغر أولادها ملقين السلام عليها حتى التفتت لهما تتأكد غافلة عن رد السلام
((أخبراني هل ما قاله مؤيد لي صحيح؟))
أغلق مالك الباب عليهم ف يحين أومأ مازن برأسه ثم أجاب
((نعم أمي لقد اتفقوا على أن ينهوا هذا الثأر بزواج الدية.. سيتزوج مصعب من قريبة قاتل يحيى))
اعتدل مؤيد في جلسته ونظر لأمه مباشرة يخبرها
((معاذ هو من حرض الجميع على الموافقة على زواج الدية بحجة حقن الدماء بين العشيرتين والا ما كنا لنوافق على هذا الأمر))
شرد نظره في الفراغ وذهنه يفكره بغيظ تجاه أخيه معاذ الذي يكبره بثلاث سنوات.. الرائد معاذ الكانز..
فرغم كونه يعيش منذ توظيفه في العاصمة إلا أنه بفطرة عجيبة متأصله به يعرف كيف يجتذب رجال ووجهاء عشيرتهم من أعلاهم مكانة الى أحطهم منزلة ليوافقوا على غايته من البداية..
ثابر بجهود حثيثة واستطاع فقط خلال أيام من مق*تل ابن عمهم فعل ما يريده هو من إيجاد حل يحقن دماء العشيرتين يمنعه من الأخذ بثأر ابن عمه..
في حين اعترضت امه زاهية بملامح آنفة وممتعضة
((لماذا لا يتزوج وليد منها؟ أليس يحيى ابن عمه هو الأخر؟))
هدر لها مازن
((لقد كان مقررا أن يفعل.. لكنه رفض))
تمتمت زاهية من بين أسنانها بسخط
((ولماذا قد يرفض.. لقد مضت سنين كثيرة على زواجها وكلا من زوجته العاقر وهو أدركا الثلاثين من العمر.. فلماذا لا يتزوجها هو.. هل أعماه حبه لها إلى هذا الحد!))
حدة نظرات والدته وتصلب خلجاتها جعل مازن يقول ممازحًا لها
((ألم تذمري يا أمي سابقًا من تكرار رفض مصعب للفتيات اللواتي تعرضيهن عليه للخطبة! ها قد جاءت عروس جاهزة لولدك صعب الإرضاء))
شرد عقل زاهية يفكر لدقائق عم الصمت فيها قبل أن تقطعه وهي تقول من بين شفتيها الحازمة
((لكني لست راضية أن يتزوج منها.. كما لم أكن راضية عن زواجه الأولى من ابنة عمه الذي انتهى بشكل كارثي))
قال مؤيد بصوتٍ متباعد
((إجارة مصعب قراره المصيري لمعاذ وقبوله الزواج من عروس الدم كان مستغربا بالنسبة لي.. وكأنه ليس نفس الرجل الذي ملك قبل سنوات إرادة حقيقية خولته الزواج من الفتاة التي يريدها حتى لو ترتب عليه الأمر استخدام النهوة وحجر ابنة عمه له وكسب عداوات عمه))
سحب مازن الذي جلس بجانب والدته نفسًا كبيرًا ثم حاول الابتسام ليقول ممازحًا
((نعم زواجه الأولى بالنهوة والثاني زواج دية.. على ما يبدو أن حظه العاثر لن يسمح له أن يتزوج بشكل طبيعي مثل الأناس العاديين في أي مرة))
تقاطع حاجبي زاهية لما سمعته وهو تفكر بابنها..
منذ مق*تل يحيى وكان مصعب هو أكثر من طالته يد الحزن فيهم..
فبات متجهم الوجه قليل الكلام بل معدومه.. لا ينجح أحد في فك كآبته وجموده ولا بماذا يفكر..
فيحيى ليس ابن عمه وشقيق طليقته وحسب.. بل أقرب أصدقائه..
كيف وافق مصعب على الزواج منها؟
وبماذا يدور عقله بأن يفعل؟
شعرت زاهية بفزع يتسلل لقلبها من القادم وبماذا يدور بعقل ابنها وسبب موافقته على الزواج.. خاصة وأنه لا يزال أسيرا لابنة عمه التي استطاعت أن تفر منه قبل سنوات.. ======
داعبت زاوية وليد ابتسامة انتصار وهو يرى إشعار قبولها صداقته على موقع التواصل الاجتماعي الذي كان معلقا لسنوات..
استلقى وليد على وأراح جسده على ظهر السرير وهو يكتب لها
“مرحبا”
“المحامي الخاص بي محتاج لأن يتحدث معك يا وليد بأقرب وقت ممكن”
“ممتاز”
رفع أنامله يمرره بين خصلات شعره.. وهو يعود ليكتب لها
“كيف حالك؟”
لم ترد عليه.. ولم يتوقع غير ذلك..
فهي أساسا لم تزل الحظر الذي تضعه عليه إلا بعد أن عرفت أنه المحامي الخاص بالطرف الذي رفع عليها القضية..
تنهد ووليد وقد قرر أن يستغل قبولها طلب الصداقة هنا ليتجول في حسابها الإلكتروني..
لم تكن من النوع الذي ينشر عليه أي شيء خاص أو مثير للاهتمام عنها.. فقط بعض المنشورات التي تحفز التفكير الإيجابي..
ربما بسبب أنها تضيف على حسابها الكثير من الأشخاص المختلفين.. كمديرها الحالي ورؤساء عملها وزملائها وأصدقائها.. وجيرانها..
قرر أن يعزف على أوتار حنينه إلى ماضيهما ويدغدغ ذاكرته فبدأ يتصفح صورها..
وبدأت مشاعرة تثار بينما يستعرض شريط ذكرياته معها.. فصورها المدرجة على حسابها كانت قبل سنوات طويلة جدا.. ربما بالفترة التي كانا الاثنين سويًا..
بدأ يتنقل بصورها.. كل صوره لها ذكرى.. وكل ذكرى لها حكاية جمعتها معه.. تجعله يعود بأفكاره لزمانهما ويفتش بين ثنايا الضحكات عن سعادتهما السابقة..
وصل عند احدى صورها التي شعر بأنه يمكن تحسس نبض روحها وبدأ يحدق بوجهها البهي وعينيها الكحيلتين الخضراوين اللتان لطالما تغزل بهما.. وبعشقها المفرط للكحلة الثقيلة كالجدات والأمهات في الماضي..
بدء يقلب المزيد من صورها وكل صورة تستحوذ على أحاسيسه أكثر من التي قبلها وتجتذبه إلى السعادة التي انفلتت من يديه..
إحدى هذه الصور كانت توثق لوقف لحظة تخرجها من المدرسة وهي ترتدي الروب.. وتبدو في الصورة خجولة لا تألف الكاميرا وبوجه طافح بالبراءة والصفاء..
أو ربما لأنه التقط هذه الصورة لها بعد أن أخبرها بأن عائلته سيخطبانها له..
صورة أخرى لها كان هو من التقطها لها في وقت كان حافل بالأحلام والحماس وهي واقفة عند بوابة كلية المحماة..
توقف وليد عند إحدى الصورة التي بدت فيها متجهمة.. لان علاقتهما أثناء التقاطها كانت متوترة وقد بدأت المشاكل الصغيرة تظهر تدريجيا.. وصار الاختلاف هو السمة الواضحة حتى على أبسط الأشياء بينهما..
تنهد وليد وهو يعود للوحة الدردشة يكتب لها مجددًا
“سأحدد لقاء لنتحدث في الموضوع”
ثم اغلق هاتفه على الفور ورماه فوق السرير بدون أن ينتظر أي ردٍ منها..
متنهدا بإنهاك..
رؤية كل هذه الصور كان أمرا شاقا على نفسه!
مرت كل هذه السنين ولا زالت نفس المشاعر في داخله..
فقد محا الشوق والجفاء الطويل كل الذكريات السيئة بينهما وضخّم الجميلة..
أغمض عينيه وارتسمت ابتسامة عذبة على محياه وهو يفكر بأنه قد حان الوقت المناسب.. الآن.. ليقع في هوا كحيلة العينين.. مرة أخرى..
============
دخل مازن مجلس منزلهم حيث يتواجد والده وشقيقه الأكبر معاذ..
تقدم لهما يضع صينية فوق المنضدة الصغيرة ثم قال بابتسامة مرحة
((لقد أخبرتني أمي أنك طلبتني فأعددت شطائر كبد وسجق لنا نحن الثلاثة وجئت حالا))
بدأ مازن يفرد الشطائر له ولمعاذ مسترسلا ورائحتهم المحببة له تمر بأنفه
((هذه الشطائر هي ما كنت أدمنها طوال فترة وجودي في الخارج..))
بصوتٍ يسيري فيه برودة الثلج كسر يعقوب الكانز كلام ابنه المفحم بحيوية شبابه
((متى ستحجز طيارتك للعودة للخارج؟))
اختلج قلب مازن وتخبط بين ضلوعه لذكر والده موعد رحيله..
يريدونه أنه يعود.. للغربة..
حيث يعيش حياته هناك بلا طعم.. وسجنا بلا حكم أو نهاية..
فقال وهو ما يزال يحتفظ بابتسامته ويشغل نفسه بفتح الشطائر
((أبي لم يمر الكثير على موت ابن عمي يحيى.. كيف تريد مني السفر بسرعة؟))
امسك مازن الشطيرة ورفعها لفمها يقضم قطعة منها ثم قال متلذذا
((إنها لذيذة جدا عليكما تجربتها))
عقد معاذ حاجبيه باقتضاب وهو يرى أخيه يأكل بضمير من الشطيرة أمامه بلا اهتمام بجدية الموضوع الذي يتحدثون به فقال بصوتٍ غلفه البرود
((توقف عن اختلاق الحجج يا مازن.. زوجتك ليست مرتاحة لوجودك.. أحجز لأقرب طائرة للسفر.. من أجل سلامتك أيضًا عليك المغادرة يا مازن بأسرع وقت ممكن.. ويفضل بعد زواج مصعب مباشرة))
توقف مازن الذي يلوك الشطيرة بفمه عما يفعله وقد تبدلت ملامحه لأخرى جدية بعيدا عن شقاوته المتأصلة به.. ثم قال برأس شامخ معترضا
((ولكن يا معاذ..))
قاطعه معاذ بنبرة حاسمة لا تقبل الجدال
((لا تراوغ أكثر يا مازن.. لقد كان اتفاقنا هكذا من البداية ولسنا مستعدين أنا ووالدك أن نخل به مع أحد من أجلك))
وضع مازن الشطيرة بيده فوق الصينية.. ثم تراجع للخلف دون أن يحيد بعينيه عن عيني معاذ الجالس أمامه ثم قال ببرود
((وماذا بشأن أمي؟ لقد أخبرتها بأني سأبقى لمدة أطول قبل أن أغادر ثانية))
تنهد معاذ بخفة قبل أن يرفع لها عيناه مغمغما
((قل لها أي شيء.. تريد أن تكمل دراسات عليا.. أو بدأت بمشروع صغير ولا تستطيع أن تضل بعيدا عن إدارته أو أي شيء أخر.. ليس صعبا عليك))
نظر مازن له ورسم ابتسامة مهزوزة على محياه وهو يقول
((لا أحب الكذب))
صمت معاذ للحظات وهو يحدق بوجه أخيه.. ثم أضاف بنبرةٍ خفيضة تحمل بعض القسوة مما ظهر في عينيه
((سأحجز لك موعدا بنفسي وأرسل لك التذكرة للسفر))
عاد ليصمت مجددًا ثم ابتسم متابعًا بلطفٍ زائد وهو ينظر ناحية أبيه
((سأعود الليلة للمدينة فاليوم هو أخر أيام الإجازة التي طلبتها.. السلام عليكم يا أبتي))
غادر معاذ المكان.. فالتقط مازن ما تبقى من شطيرته وحشرها كلها في فمه ثم نظر لوالدها مبتسمًا.. والابتسامة المغتصبة بدت كتعبير امتعاض وهو يخبره بتأنيب مبطن
((سأغادر يا أبي كما تريد أنتَ ومعاذ.. المهم أن تسعدا حتى ولو ترتب الأمر أن أعيش وحيدا هناك أتذوق مر الغربة وقسوتها وأتجرع شعور الحنين لحظة بلحظة))
استقام مازن واقف وشرد بنظره بعيدا ثم غمغم بخفوت كمن يتحدث مع نفسه
((لا داعي لأتحدث عما أكابده من شوق لكم ولوطننا هناك.. فلا يحسُّ بالألم إلا من تذوق مُرّ ضرباتهما))
قال مازن كلماته الأخيرة بينما يغادر المجلس في لهجة جعلت البرودة تسري بأوصال والده ويضطرب كمدا عليه..
وهذا ما جعله يتجاوز عن قلة احترامه له.. فهو يكاد يشعر كم هو مر كلمة “الغربة” من فم ولده..
لكنها كلها ضريبة يدفعها كرهًا على أفعاله في الماضي..
ولا يتمنى لأجله إلا أن يتأقلم على الحياة هناك فيجد العيش أقل صعوبة.. رغم مشقته ببعده عنه إلا أنه يفعل ذلك في سبيل حمايته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *