المقدمه والبداية 1
المقدمه والبداية 1
تجاهلت نورين كلام عمتها وابتعدت عنها قليلا لتتفادى ضرباتها بينما تتلقى رد أمها فتقول بابتسامة
((أهلا يا أمي.. آه))
بترت نورين كلامها وهي تشعر برتيل تسحب الهاتف من يدها ثم تغلقه بانعدام ذوق..
ظهر الاستهجان واضحا على وجه نورين وعينيها المتسعتين من فعلة رتيل التي بررت ما قامت به بصوتٍ متسلط ممتعض وهي ترفع إحدى حاجبيها
((أخبرتك عمتك أن تخفي الهاتف لتخفي الهاتف ولم تنصتي لها.. حدجتك بنظراتي لعلك تخفينه ولم تفعلي.. فكان عليّ أخذه لأنه لا يبدو أنك من النوع المطيع))
تقدم مؤيد يأخذ الهاتف من زوجته بحركة خاطفة من يدها المرتفعة بقسوة ولامبالاة جعلت رتيل تتأوه بألم وهي تلتفت له..
مسدت رتيل رسغها وهي تغمغم معاتبة لزوجها
((اطلبه مني يا مؤيد في المرة المقبلة لقد آلمتني))
شهقت كل من يسرى ورتيل بلا صوت على مؤيد وهو يقذف الهاتف نحو الحائط بقوة لتتفكك أجزاؤه..
ارتسمت ابتسامة باردة على محيا مؤيد وهو يحدق في عيني نورين المهتزتين دون أن يرف له جفن مما فعله.. بل يعدها بالكثير مما ينتظرها في هذا البيت..
ارتعد قلب نورين في صدرها من نظرات مؤيد فأشاحت بنظرها بعيدا عنه نحو الزاوية حيث أجزاء هاتفها المهمش أرضًا لتدفق الحسرة في قلبها..
فأغمضت عينيها بيأس لمصيرها القادم ودموعها تنزلق على وجنتيها باستمرار وكأنها دماء جارية أريقت بما فيه الكفاية..
صدح صوت زاهية عاليا وهي تأمر ابنها بينما تعتدل واقفا
((غادر يا مؤيد ريثما نصعد نحن النساء برفقة العروس فوق))
إشارة واحدة من صوت والدته الآمر الناهي ونظرة عينيها المتحجرة ناحيته بألا يتجاوز حدوده في أفعاله جعلته يومئ لوالدته باقتضاب ويغادر الدار بصمت..
شعرت بالخوف فعليا مما ينتظرها..
قالت زاهية بنبرة هادئة وهي تسير للأمام
((لنصعد نحو جناح العروس))
وقفت يسرى على الفور وشدت ذراع نورين لتتبعهم..
أمسكت نورين ثوبها ترفعه وهي تلحقهم ثم بدأت تصعد الدرج ببطء..
حتى وقفت أخيرا فوق عتبة باب الجناح الذي تم تجهيزه خلال الأمس فقط ليكون مناسبا ولها بعد زواجهما..
طالعت نورين المكان وعينيها تتجولان حوله.. وما أن رفعت قدمها تنوي الدخول حتى انسحبت الدماء من وجهها وهي تلاحظ وجود بندقية بطول الذراع مركونة عند الزاوية..
فتراجعت خطوات للخلف وهي تتمتم كالبلهاء من فرط الخوف
((هل.. هل هذه بندقية؟))
قالت رتيل ببرود من خلفها
((نعم بندقية.. نظرك ممتاز.. والآن استعدي سيأتي مصعب))
ولم تكن نورين تحتاج وقت أطول لتدرك سبب وجود هذه البندقية..
لن تكون الدقائق الأتية هينة عليها وهي التي ظنت أن عادة منديل الشرف لم تعد موجودة تقريبا.. لكن يبدو أنها ستحظى بامتيازات أخرى لكونها عروس غير تقليدية.. وعشيرة الكانز تريد التأكد من أن السلعة والدية التي تم تقديمها لهم ليست معطوبة..
شعرت نورين بقواها تخور فلم تعد ساقيها قارتان على حملها أو حثها للدخول..
وبختها عمتها بنزق وصرامة
((هيا ادخلي يا بنت.. لماذا تسمرتِ؟))
وعندما لم تستجب نورين التي بدت في عالم أخر لها قبضت يد يسرى بقسوة ذراعها وهي تجرها للداخل متمتمه من بين أسنانها بتوعد
((هيا ادخلي.. فورًا))
دخلت نورين للداخل شبه مجرورة خلف عمتها وصدرها يعلو ويهبط..
ووقع نظرها على السرير الضخم الذي سيتم ذبحها بعد ساعات عليه على يد زوجها المزعوم.. ودقات قلبها تقفز صاخبة عن معدلها الطبيعي.. فلم تتمالك نورين أعصابها أكثر فبدأت تبكي وتقول من بني شهقاتها الخافتة
((أريد العودة للمنزل))
شعرت يسرى بالإحراج من نظارات المرأتين لهما وبالأجواء تزداد توترًا..
فلجمت غضبها الذي كانت تستشيط به نحو نورين بشق الأنفس ونظرت لها مغمغمه بلطف مصطنع حتى لا تروعها أكثر
((لا تبكي.. لا تبكي يا ابنة أخي الجميلة.. كل شيء سيكون بخير))
هزت نورين رأسها يمنة ويسارًا بغير اقتناع.. لا تصدق عمتها.. لا شيء سيكون بخير..
تخصرت رتيل تقول بخفوت وهي تلوي ثغرها
((كم عمر العروس يا عمتي؟ وجهها طفولي لكنه لا يقول بأنها صغيرة أو قاصر لا تدرك ما حولها))
تمتمت زاهية باقتضاب رغم احتفاظ ملامحها بالهدوء
((أي قاصر يا رتيل.. إنها في الرابعة والعشرين من عمرها.. جامعية.. تدرك ما حولها أكثر مني ومنك))
استنكرت نورين استهجانهم منها في داخلها من خوفها فهل هي معدومة الحقوق تماما إلى حد تعجبهم الرهيب هذا من رفضها؟
غمغمت لها عمتها يسرى برجاء شديد بوجهها المحتقن وكأنها في موقف لا تحسد عليه
((أنتِ عروس الدية التي ستوقف حقن الدماء فإياكِ أن تفعل ما قد يهين أو يكسر من هامة عشيرتك))
ارتعشت كل خليه في نورين..
عمتها محقة.. فهل عليها الخضوع لهم والبدء والاستعداد من الآن للعيش تحت وطأة الذل والهوان لطوال حياتها هي وذريتها؟
لم يرق أبدًا المشهد لزاهية التي استدارت تعطي ظهرها لهم.. وتنزل الدرج بوجه مكفهر لتلاقي ابنها مصعب واقفا في بداية الدرج يتطلع لها بهدوء متأصل فيه..
تابعت زاهية نزول الدرج بوقار حتى وقفت مقابل ابنها.. فهمست له عابسة بنبرة ذات مغزى
((الفتاة بدأت تبكي بمجرد وصولها لجناحك وترغب بالرحيل مستنكرة ما سيحدث بعد قليل.. لم ترحني تصرفاتها أبدًا.. وكأنها تخفي حقيقة مخزية وتخشى فضحها))
ظل مصعب للحظات طويلة يطالعها في صمت ثقيل قبل أن يقول لها متسائلا بصوتٍ عميق خافت
((إلى ماذا ترمين يا أمي؟))
رفعت زاهية ذقنها تقول بصرامة
((إذا ما كانت الفتاة ليست بكر.. فلن نسكت حتى لو ترتب على الأمر غرق القريتين بمن فيهم في بحر من الدماء.. أنتَ ابن يعقوب الكانز وبمثل هذه الأمور نحن لا نتهاون.. كله إلا هامة كرامة أحدكم أو مس الشرف.. وربما قد يعون تزويجها منك هي بالذات متعمدا منهم حتى لا يوقفوا الصراع بيننا))
أفرغت زاهية ما بجعبتها وتابعت تصير بثبات بعيدا عنه..
في حين رفع مصعب نظره لفوق.. إلى عمة عروسه وزوجة أخيه وهما تنزلان..
العمة بدت ملامحها متغضنة بينما تفرك كفيها.. وزوجة أخيه مؤيد بدت شاردة الذهن وهي تحاول تعديل الوشاح المرخي الذي يحيط بوجهها وكأن هناك شيء مريب يحدث هنا وسيكون مادة دسمة لتثرثر فيها مع باقي النسوة هنا..
احتلت عينا مصعب الصرامة وهو يصعد الدرج ثم دخل إلى جناحه واغلق الباب خلفه بهدوء لم يمنع نورين التي كانت تدفن وجهها بين كلتا يديها من الشعور به..
تحفزت لترفع وجهها الملطخ بالدموع له هامسة بخوف وتلعثم للذي يحدجها بجمود مريب
((أين.. عمـــ.. عمتي؟))
=======
انتهى.