المقدمه والبداية 1
المقدمه والبداية 1
شعرت نورين بحركة شخص ما يسير بين الأشجار فأوجست خيفة من أن يكون أحد مطلقي النار قد تبعها ويريد النيل منها..
وبمجرد أن شعرت باقتراب الخطوات منها حتى التقطت غصن شجرة كان ملقيا أرضًا ثم رفعته وكأنها تمسك سيف..
توقفت خطوات الشخص الذي يحاول الاقتراب على بعد أمتار منها فعقدت حاجبيها بتوجس بينما لا تزال تلهث من الفزع..
فانخفضت قليلا ببطء حتى نزلت على ركبتيها لتخرج رأسها من خلف الشجرة ناظرة بحذر نحو الشخص الذي عاد يتحرك ولكن باتجاه معاكس لها..
استغلت نورين انشغاله بإعطائها ظهره لتقفز بسرعة ولَّدها خوفها وتقوم بضرب ظهره..
ورغم هشاشة الغصن الذي كانت تمسكه نورين إلا أنه تكسر عندما ضربته بالشخص الذي اتضح أنه شقيقها الأصغر المراهق صالح الذي سقط على ركبتيها صارخًا من الألم..
أوقعت نورين الغصن المكسور أرضا وشهقت خوفا على أخيها وهي تنخفض له قائلة بفزع بينما تتفحصه
((صالح.. صالح هل أنتَ بخير؟ ماذا تفعل يا أخي هنا؟))
شد صالح على أسنانه يتحامل على الألم الذي يشعر به وفتح إحدى عينيه المغمضتين يقول معاتبًا بخوف صادق واهتمام
((أين كنتي يا اختي؟ لقد كان هناك إطلاق نار وأمي كانت تصرخ باكية بأنك لست في البيت.. بمجرد أن انتهى إطلاق النار حتى خرجت من البيت باحثًا عنك))
ازدردت نورين ريقها وهي تشعر بتأنيب الضمير..
هل جننت لتفكر بالهرب دون أن تعبأ أو تفكر بعائلتها وبدون حتى أن تمتلك مكان معينا لتحتمي به!
فقالت بصوتٍ متحشرج معتذر وهي تمسك كلتا كتفي شقيقها
((صالح حبيبي أنا اعتذر لخروجي من البيت دون إخباركم.. لكن لا تقلق أنا بخير))
ثم أتبعت كلامها بوابل أسئلتها
((لكن هل تعرف من كان يطلق النار ولماذا؟ هل تأذى أحد منكم؟ هل أبي وأمي وسعيد بخير جميعهم؟))
أومأ صالح برأسه بإيجاب ثم هدر
((لا تقلقي كلهم بخير.. لا توجد أي إصابات.. لا نعرف من الجماعة التي كانت تطلق النار ولكن كاد أن يتوقف قلب أمي وأبي عليك جزعًا عندما سمعا لم يجداك في غرفة نومك.. دعينا نعود يا نورين حالا لبيتنا قبل أن يشعرا بغيابي أنا الأخر))
لفت نورين ذراعيها حول أخيها وهي تقول
((حسنا لا تقلق.. المهم أن الجميع بخير ولم يطالهم أي أذى))
استقامت نورين واقفة وأمسكت يد صالح تساعده بالوقوف وسارا عائدين نحو منزلهم وسلكا نفس الطريق الذي هربت منه نورين حتى لا تضطر للمرور بأي من بيوت سكان القرية ولفت الانتباه لشكلها وهي ترتدي هذا الثوب..
طرقت باب منزلهم الخلفي وما إن فتحت والدتهم الباب ورأتها حتى شهقت بصدمة وهي تعانقها وتشد ذراعيها حولها هادرة بصوتٍ متهدج من فرط البكاء والنحيب
((أين كنتي يا نورين؟ خفت أن يحدث لك مكروه))
حررتها والدتها وابتعدت عنها قليلا تحيط وجه ابنتها بيديها وهي تكمل متسائلة بنفس النبرة
((لقد بحثنا عليكِ ولم نجدك.. خفنا أن يكون قد اختطفك أحد المسلحين الذين أطلقوا النيران))
حاولت نورين الابتسام لتطمئن والدتها أنها بخير إلا أنها فشلت.. فنكست وجهها وهي تقول بخفوتٍ محرجة
((كنت أريد الهرب من القرية كلها))
شهقت ريحانة وهي تضع يدها على صدرها
((إلى أين كنتي تنوين الذهاب يا ابنتي؟))
جلست ريحانة على إحدى الأرائك وهي تحتضن جسد ابنتها.. ومن حولها ولديها الأصغرين صالح وسعيد..
وجميعهم جالسين متصلبين في الصالة بانتظار عودة حسن الذي طُلب منه قبل ساعات أن يحضر اجتماع طارئ في المضافة لسبب متعلق بإطلاق العيارات النارية..
وكان الصمت يعم الأجواء.. والقلق يغزو المكان ويثقل الصمت بشكلٍ مريع..
فجأة تحرك الجميع من جلستهم وعلامات الترقب تعلو وجوههم وهم ينظرون إلى باب المنزل يُفتح..
دلف حسن للداخل برفقة أخته الكبرى يسرى ثم قال بصوتٍ عميق وهادئ رغم الإنهاك الواضح عليه كما وجهه بينما يهم بالجلوس على إحدى الأرائك
((السلام عليكم..))
رفع حسن وجهه المنكس لابنته ثم فغر فاه قليلا قبل أن يقول بدهشة متأخرة الاستيعاب
((أين كنت يا نورين متواجدة قبل أن اخرج من البيت؟))
شحبت ملامح ريحانة ونورين وارتبكتا خاصة مع تواجد يسرى عاقدة الحاجبين بمحاولة معرفة ما يقصده..
ولم تكن تريد إحداهما قول شيء إلا أن سعيد الصغير تمتم بعفوية
((لقد كانت اختي تحاول الهرب خارج القرية بمظهرها هذا لأنها لا تريد الزواج))
ضربت يسرى صدرها بيدها بصدمة.. في حين اتسعت عينا حسن وفغر فمه لا يصدق ما سمعه.. ثم سأل ببطء مخيف حذر
((هل كنت يا نورين تحاولين الهرب؟ إلى أين كنتي تريدين الذهاب بعيدا؟ هل يعقل أن تفعليها أنتِ.. أنتِ يا ابنتي..))
انكمشت نورين على نفسها وهي ترى غضب والدها يتصاعد ويشير بيده ملوحًا وأخر الكلمات تختنق في حلقه لا تخرج..
إلا أن والدها في النهاية عاد ينكس رأسه ويدفن وجهه في كلتا كفيه..
وساد صمت تام بين العائلة جميعها..
اتسعت عينا يسرى لا تصدق رد فعل أخيها.. نعم هي تعرف أنه رجل ضعيف ولا يمون حتى على أولاده..
لكن محاولة هروب ابنته في هذا اليوم وبالتالي إفساد أتفاق سيؤثر على عشيرتين كبيرتين فليس أمرًا هينًا إطلاقًا..
فلم تجد أمامها إلا تصرخ جازعة باستهجان على نورين
((هل حاولتِ حقا الهروب اليوم؟ إذا فقد كنت تأملين عدم حدوث الزواج هذا ورفض ابن الكانز له جاء من مصلحتك.. أليس كذلك؟))
هزت نورين رأسها نافية والعبرة تخنقها بينما تشدد من احتمائها بأمها التي لا تزال تحتضنها بذراعها..
في حين رفعت ريحانة حاجبيها بذهول متمتمه
((رفض ابن الكانز الزواج!))
وسرعان ما نظرت لزوجها تسأله باستفسار
((هل رفض وليد الكانز الزواج من ابنتنا يا أبا صالح؟ وهل لهذا الأمر علاقة بإطلاق النيران صباحا؟))
أومأ حسن برأسه إيجابا ثم أجاب بصوتٍ مثقل بالإنهاك
((نعم.. من أطلق النار قبل ساعات لقد كانوا بعض المسلحين الذين ينتمون لهم وقد ألقوا بعض القنابل اليدوية على منزلنا والمنازل المجاورة.. لكن لا تقلقي لم تكن لديهم أي نية لق*تل أحد.. بل مجرد تحذير شديد اللهجة.. فقد أخذوا رفض وليد الكانز الزواج من نورين كرفض أن تكون دية ابن عمه شيء غير الدم))
اتضحت ملامح القلق البالغ على ريحانة وهي تستفهم زوجها بحذر
((وهل رفضه الزواج من نورين يعني انهم يرفضون أن يكون الحكم بزواج الدية لأنهاء الصراع القائم؟))
قال حسن بشيء من الهدوء
((لقد تم التراجع عن الشخص الي سيتزوج من نورين لا على الحكم بأن تكون الدية هي الزواج))
ازدادت ريحانة ارتباكًا وهي تتريث برؤية وجوههم بينما تتساءل
((ولماذا رفض وليد؟))
أسندت يسرى جسدها على ظهر الأريكة ثم قالت
((لقد قالوا بأنه كان رافض منذ البداية فكرة أن يتزوج هو.. لكن لا تقلقي.. عشيرة الكانز لا نية لها لتطور الصراع بين الطرفين.. فإذا كان ابن عم المغدور الأول يرفض الزواج.. فله عم أخر لديه من الشباب خمسة.. ستزف على أوسط أولاده.. يا ربي.. ماذا كان اسمه؟ ماذا كان اسمه؟))
ضيقت يسرى عينيها وكأنها تعتصر ذاكرتها بمحاولة تذكر اسم من ستزف نورين إليه..
في حين رحل ذهن نورين لعالم أخر شعرت أثناءه بدقات قلبها تصرخ ألما..
لم تشعر يومًا بحياتها بهذا القدر من المهانة والإذلال..
قالوا صباحًا لها بأنها ستزف على رجل يدعى وليد.. والآن يخبرونها بأنه تم استبدال الرجل الذي ستتزوجه وخلال ساعات..
وكأنها حرفيا سبية أو جارية يتحكم أسيادها بمن سيبيعونها..
انتشر الصمت بين جميع من في لصالة لدقائق قبل أن تكسره ريحانة متسائلة بخفوت ونبرة مثقلة بالألم والقلق على ابنتها
((وماذا سيحدث يا يسرى لو لم تتزوج نورين من أحد أولاد عم قتيلهم؟))
رفعت يسرى حاجبها الأيسر وهي تقول بنبرة محذرة
((لا تفكري يا ريحانة بأي شيء بعيد عن زواجها.. علينا تسوية الأمر بأسرع وقت ما.. قبل أن يتطور الوضع ويؤدي إلى مواجهة علنية بين العشيرتين ويسقط فيها ضحايا من الطرفين.. وابنيك الاثنين صالح وسعيد على طرف المدفع.. فهما ليسا طفلين))
دب الرعب والفزع داخل قلب ريحانة إلا أنها تمالكت نفسها وقالت بصوتٍ خفيض مرتجف
((لا.. بعيد الشر.. فليحفظ الله أولادنا جميعهم))
التفت حسن هنا يتحدث مع زوجته بصوته المتعب قائلا
((لذلك كل من في القرية يطالبني بأن تكون ابنتي الدية وتتزوج من أحد أولاد عم المقتول والا فأنه لن يسلم أحد من الأذى والحزن والمصائب التي ستطالنا جميعا في ظل التناحر بين العشيرتين))
كانت ريحانة تناظر ملامح يسرى القاسية طوال حديثها لتقول بأسى
((يا إلهي.. انهم مريعين))
زادت عليها يسرى وهي تقول الأسواء
((بل وأكثر.. لقد تسبب شبابهم في يوم الحادثة بإحراق كمٍ هائل من أشجار مزارعنا ومنع سيارات الإطفاء من إخمادها ولولا ستر الله لكان هناك خسائر بشرية.. وكأنهم متعطشون للدماء لأقل الأسباب))
رفعت ريحانة عينيها الدامعتين تقول بصوتٍ متحشرج
((متى ينتهي هذا الكابوس يا ربِ))
تدخل حسن ليقول لزوجته
((لذلك علينا تعجيل هذا الزواج ونحمد الله أن الحكم تم على زواج ولم تكن الدية دية دم))
تشنج وجه نورين للحظات قبل أن تتجرأ وتطلع لوالدها وتقول عاليًا بصوتٍ مرير مستنكر
((ق*تلوا وهددوا وروعوا بلا أي حسيب ولا رقيب في العلن.. فكيف تأمن على ذهابي لعائلة أناس متعطشين للدم وإراقته!))
بهت وجه ريحانة لصحة كلام ابنتها فقالت ودموعها تعود لتتجمع في عينيها
((ابنتك محقة يا حسن.. انهم متعطشين للدماء ويريدون روح بدل تلك التي أزهقت ولن يردعهم هذا الزواج))
فغر حسن شفتيه لما سمعه إلا أنه اعترض بشدة كمن هو مصر أن يخدع نفسه وهو يقول بقوة بغضب ظاهري
((اتفاقنا نحن العشائر مع بعضها لا مع الشباب الأهوج.. ولا يمكن أن يخل أحد به.. الثأر يحصل فقط بين ذكور العائلة ولا يمكن لطرف أن يدخل امرأة.. ليست من شيمنا نحن))
رفعت نورين حاجبها باعتراض ثم قالت بمرارة ساخرة
((أبي.. أنا لا أريد أن أضحي بنفسي.. لا أريد أن أزف لاحد منهم.. لم أوافق حتى على رفضك لابن صديقك الذي تقدم لطلب يدي..))
لم يكمل حسن كلامه واخته الكبرى تنقض وتتهجم على ابنته تصفع وجنتها بقوة أدارت وجهها للجهة الأخرى..