لما مسكت رجل الولد

لما مسكت رجل الولد

عدت الليلة وأنا قاعدة جنب السرير، عيني مش مفارقة ملامحه الهادية، وكل ما كان يتحرك في نومه أو يئن بصوت واطي من وجع رجله، كنت بلمس راسه بالراحة وأهمسله لحد ما يطمن ويرجع ينام. مع أول خيوط لفرة الصبح، صحي يوسف فجأة، قام قاعد على حيله بفرعة وعينيه بتلف في الأوضة برعب وزهول كأنه نسي هو فين، وإيده راحت فورًا تحت المخدة يدور على الفلوس. لما ملهاش، وشه اتخطف ومسك في الصندوق الخشبي اللي على الكومودينو وهو بيتأكد إنه مقفول والمفتاح في جيبه.
أول ما عينيه جت في عيني، شفت الخوف بيتلاشى بالتدريج وكتافه المشدودة بتهبط بالراحة. قربت منه وابتسمت: “صباح الخير يا يوسف.. نمت كويس؟”. بصلي شوية وكأنه بيستوعب إنه مش في حلم، وقال بصوت واطي: “أول مرة أنام من غير ما أسمع صوت حد بيصحيني بدري بزعيق عشان ألحق ألم إزايز من الشارع.. وأول مرة أصحى وميكونش في حاجتي مسروقة.”
الكلمات كانت كفيلة تذبحني من جوه، بس مسكت نفسي بالعافية وابتسمتله وأنا بقدم له صينية الأكل الدافية اللي حضرتها: “من النهاردة مفيش شارع، ومفيش حد يقدر يلمس حاجتك. كل حاجة هنا بتاعتك للابد.”
في اللحظة دي رن تليفوني، كان اللواء حسام. قمت وقفت عند باب الأوضة ورديت عليه بصوت واطي. حسام قال بجدية وراحة: “صباح الخير يا مريم.. حبيت أطمنك، النيابة أنهت التحقيق المبدئي مع داليا بعد ما اعترفت ببطاقة الهوية الحقيقية للولد وبكل اللي عملته. التقرير الطبي لحالة يوسف اتضم للقض..ية، وتهم الخطف والإهمال الطبي والاتجار بالأطفال بقت ثابته عليها. المحضر اتقفل رسمياً وبكرة الأوراق الثبوتية هتوصلك باسم يوسف الصحيح.. الولد بقى في حضنك بالقانون.”
غمضت عيني ودموعي نزلت بسكون وأنا بقوله: “شكراً يا حسام.. شكراً إنك ما فقدتش الأمل معايا.”
رجعت الأوضة لقيت يوسف ماسك المعلقة وبيحاول ياكل بالراحة، وكل ما يقبل على لقمة يبصلي كأنه خايف يكون بيعمل حاجة غلط أو بيستأذن. قعدت جنبه، مسكت إيده الصغيرة وقلتله: “يا يوسف.. البيت ده بيتك، والأكل ده لك، مش محتاج تستأذن ولا تخاف من أي حاجة تاني.. مفهوم؟”
بصلي بعيون واسعة مليانة دفا وحيرة، بلع ريقه وقال بنبرة طفولية بريئة هزت كياني كله: “هو… هو أنا ينفع أقولك يا ماما؟”
سكت للحظة، وحسيت إن قلبي وقف عن النبض قبل ما يرجع يدق بقوة. اترميت في حضنه وضميته بدموع مغرقة وشي وقلتله: “تقولها وتعيشها يا روح ماما.. أنا أمك اللي فضلت تموت في اليوم ألف مرة عشان تسمعها منك تاني.”
يوسف حط إيديه الصغيرة حوالين رقبتي، ولأول مرة يمسك فيا بقوة ورغبة حقيقية إنه يفضل، وقال بصوت حنون: “أنا مش عايز أروح أي حتة تاني.
مرت الأيام بالراحة، وكل يوم كان بيعدي كان بيمسح أثر من الخوف اللي استقر جوه عينين يوسف للسنين اللي فاتت. اتعلم ينام بالليل من غير ما يفزع، يطلب الأكل لما يجوع، ويتكلم بصوت واضح من غير ما يترعش أو يفتكر إن العيدان اللي بيلعب بيها هيدفع تمنها. وبعد ست أسابيع كاملين، جه اليوم اللي كنا مستنيينه بفارغ الصبر.. يوم فك الجبيرة من على رجله.
كنا قاعدين في المستشفى، ويوسف قاعد على السرير، ماسك إيدي بكل قوته، بس المرة دي ماكانتش مسكة طفل مرعوب بيستنجد، دي كانت مسكة أمان وثقة. الدكتور بدأ يقص الجبس بالراحة، وعينين يوسف متثبتة عليه بحذر. أول ما الجبس اتفك والدكتور مسك رجله وفحصها وأكد إن العضم التأم ورجعت طبيعية تماماً، يوسف بص لرجله باستغراب، وبعدين رفع عينه ليا وسألني بنبرة مليانة دهشة: “يعني… يعني أقدر أجري بره من غير ما رجلي توجعني؟”.
ابتسمتله ودموع الفرحة بتلمع في عيني وقلتله: “تقدر تجري، وتلعب كورة، وتنط، وتعمل كل اللي نفسك فيه يا يوسف.. رجلك بقت سليمة ومحدش يقدر يوجعك تاني.”
أول ما نزل رجله على الأرض وخطى أول خطوتين بثبات ومن غير ألم، وشوشته اتغيرت وابتسم ابتسامة صريحة ودافية أضاءت وشه كله. لما رجعنا البيت، يوسف راح فوراً على أوضته، طلع المفتاح الصغير من جيبه وفتح الصندوق الخشبي. جاب الـ12 جنيه المتنيين، ومسكهم بكرامة وهو بيبصلي بصفاء وقال: “ماما… الفلوس دي أنا مش عايز أشتري بيها علاج ولا أكل.. أنا عايز نشتري بيها شتلة ورد صغيرة ونحطها في بلكونة الأوضة، وكل ما أسقيها أفتكر إن ربنا جابني ليكي من جديد.”
مسكت الفلوس واشترينا بيها الوردة، وبروزت الـ12 جنيه مع أول صورة جمعتنا سوا بعد ما كبر، وعيقتها في صالة البيت. يوسف مش بس خف ورجعتله صحته، ده رجع يضحك من قلبه، ورجعتله طفولته وبراءته اللي اتسرقت منه في الغربة. وفضل هلال رجله مش مجرد جرح قديم، ده بقى العلامة اللي نورتلي ضلمة الخمس سنين، والرمز اللي رجع روح الأم لجسدها من تاني.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *