حب عنيف 1-15

حب عنيف 1-15

كان يقف أمام ذلك الحائط الزجاجي كالعادة في السادسة مساءًا يراقب تلك الفتاة عادية الملامح و لكنها جميلة في عينية بشكل لا يوصف.
لكم يهيم بها عشقًا تلك الفتاة!
يحبها بشكل لا يوصف و لا يجد مبررًا لهذا الحب حتى الآن.
فقط يحب رقتها، صوتها الناعم، ملامحها العادية، طيبتها، ملابسها المحتشمة.
هو باختصار يحب كل شئ بها و لكنه يكتفي بالمراقبة من بعيد.
ابتسم بمرارة قائلًا في نفسه:
– هي فين و أنا فين.
راقب خروج أباها من الشركة و رحيلهما معًا.
تحرك بثقل ليجلس على كرسي مكتبه الوثير.
منذ عام تقريبًا و هو يراقبها من بعيد فهو يحبها بجنون و لكنه لم يحاول الإقتراب فهو مختلف عنها كثيرًا.
والدها يعمل بشركته فهو محاسب مجتهد و علم من مصادره الخاصة أن تلك الفتاة تسمى ياسمين…تخرجت من كلية الصيدلة منذ عام و تعمل في شركة أدوية قريبة بعض الشئ من شركته التي يعمل بها والدها.
تنهد مرجعًا رأسه إلى الخلف بإرهاق…حبها يرهقه و يثقل قلبه كحامل الهم.
طُرق الباب و دلف شخص إلى الداخل و لكنه لم يتحرك من مكانه و لم يفتح عينيه المغمضة حتى فهو يعرف هوية الطارق فمن ذا الذي يجرؤ أن يدلف إلى مكتبه أو أن يطرق بابه حتى قبل السادسة و النصف مساءًا إلا إذا كان صديقه المقرب سليم.
منذ أن وقع صريع حبها و هو يحرم على الجميع دخول مكتبه من السادسة حتى السادسة و النصف و ذلك حتى لا يرى أحد نقطة ضعفه…حبه المؤلم.
قال سليم و هو يراه متألمًا مثل المعتاد:
– ضرغام…إنت لازم تحط حد للموضوع دا بقى.
لم يجبه ضرغام و لم تتغير حالته…تنهد سليم جالسًا على أحد الكرسيان أمام مكتبه قائلًا:
– طب فهمني لية مش عايز تاخد خطوة؟
اعتدل ضرغام في جلسته مبتسمًا بسخرية قائلًا:
– لو إتقدمتلها هترفضني.
– إنت إية إللي مخليك متأكد أوي كدا أنها هترفضك يعني؟
نهص ضرغام واقفًا أمام الحائط الزجاجي من جديد يراقب الشارع قائلًا:
– البنت دي متدينة جدًا يا سليم…إية إللي هيخليها تقبل بواحد زيي؟
نهض سليم واقفًا أمامه قائلًا بجدية:
– إسمع يا ضرغام…إنت قولتلي قبل كدا إن البنت بيجلها عرسان..يعني ممكن تضيع من إيدك..لو إنت عايزها بجد لازم تاخد خطوة..يا إما تغض النظر عنها بقى.
قال ضرغام و هو مازال يراقب الشارع بشرود:
– مش هينفع…مش هينفع أتقدملها و مش هينفع أغض النظر عنها.
– أيوة و بعدين يعني ما لازم الموضوع دا يكون ليه آخر.
أكمل سليم بغير اقتناع:
– البنات بتموت فيك و نفسهم في نظرة منك…إشمعنا دي يعني إللي هترفضك؟
التفت ضرغام له قائلًا بجدية:
– عارف محمد عبد الكريم المحاسب؟
رد سليم سريعًا:
– اه طبعًا أعرفه..و هو في حد ميعرفوش في الشركة..دا راجل فريد من نوعه.
– أهي البنت دي بقى تربيته.
تنهد سليم بسؤم قائلًا:
– خلاص بقى يا ضرغام هو مفيش غيرها..على فكرة في بنات حلوة و محترمة و كل حاجة..إدي نفسك فرصة تبص برة.
تنفس ضرغام بعمق محاولًا كبح عصبيته:
– سليم.
– نعم.
– إطلع برة عشان متغباش عليك.
– حاضر.
قالها سليم بطاعة فهو لا يود إغضابه على كل حال فضرغام من الشخصيات العصبية نوعًا ما و رغم أنه يسطر على عصبيته و لكنه أحيانًا يعميه غضبه و حاليًا لا يريد سليم لوجهه الوسيم أن يتشوة.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
وصلت ياسمين إلى منزلها مع والدها محمد و كالعادة استقبلتهما أختها ريم بمرحها الدائم.
ياسمين فتاة رقيقة للغاية…كل ما بها رقيق..صوتها الناعم…شعرها البني الطويل نسبيًا..عينيها البنيتن…و رغم أنها لا تعد جميلة إلا أن ملامحها أيضًا رقيقة على عكس أختها الصغرى تمامًا.
ريم أختها الصغرى…حاليًا هي في السنة الثانية بكلية الألسن…شرسة بعض الشئ و رغم تشابه ملامحها مع ملامح أختها إلا أن ملامحها تبدو قوية ليست رقيقة كما هي أختها.
– سمسمة يلا غيري هدومك و تعالي…عملتلك البيتزا إللي بتحبيها.
كانت ريم هي من قالت تلك الكلمات فردت عليها ياسمين سريعًا:
– حاضر…هغير بسرعة و جاية حالًا.
ذهبت ياسمين لتبدل ملابسها سريعًا بينما سُعدت ريم لسعادة أختها.
جاءت ياسمين بسرعة قائلة:
– يلا..أنا جعانة موت.
خرجت والدة ياسمين المدعوة منيرة من المطبخ قائلة لياسمين باستنكار:
– مش كنتي أكلتي حاجة تنفعك عشان الأنيميا إللي عندك يا ياسمين.
رد زوجها محمد:
– خلاص يا منيرة سبيها تاكلها مرة من نفسها.
ابتسمت ياسمين لوالدها برقة و شرعت في الأكل بينما تنهد محمد ناظرًا إليها بعدم ارتياح و قلق…يعلم أن رقتها تلك تجذب الشباب إليها حتى و إن كانت عادية الملامح و قصيرة القامة نسبيًا…حتى و إن كان وزنها أقل من المفترض أن يكون عليه فهي نحيفة نسبيًا و تعاني من أنيميا و ينخفض ضغط الدم لديها في بعض الأحيان.
يقلق عليها بقدر كبير..حتى أنه لا يقلق على ريم بذلك القدر فريم شرسة..قوية تجيد الدفاع عن نفسها وقت الحاجة لذلك على عكس ياسمين الرقيقة.
أفاق من دوامة أفكاره على صوت زوجته منيرة:
– مالك يا محمد؟..مش بتاكل لية؟
أجاب سريعًا حتى لا ينتابها الشك فقلبها الأمومي سيذعر إن علمت بما يفكر به:
– باكل أهو.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
كان ضرغام غارقًا بالعمل حين دخل سليم إلى مكتبه قائلًا:
– ضرغام…مش يلا بقى.
– طب انا هروح أعمل إية يعني؟
قال سليم جالسًا بإرهاق:
– ترتاح شوية يا بني.
ثم أكمل و هو يتثائب:
– و أنا كمان عايز أرتاح و أنام شوية.
أنهى حديثه ناظرًا لضرغام فوجده لا يسمعه من الأساس فهو قد غرق بالعمل من جديد.
قال سليم باستنكار و هو ينهض:
– انا ماشي…خليك إنت كدا.
رحل سليم و ظل ضرغام على حاله لعدة ساعات أخرى.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في الصباح كانت ياسمين تستعد للذهاب للعمل عندما قالت منيرة:
– إبقي كُلي حاجة يا ياسمين بدل ما تدوخي في نص اليوم.
قال ياسمين بملل:
– حاضر يا ماما.
خرجت ياسمين من المنزل ذاهبة إلى عملها…وصلت إلى الشركة أخيرًا و ذهبت مباشرة إلى مكتبها المجاور إلى مكتب صديقتها سلمى قائلة:
– السلام عليكم.
ردت سلمى السلام مرحبة بياسمين قبل أن تقول:
– عرفتي إن صاحب الشركة عرضها للبيع؟
اندهشت ياسمين و قالت برجاء:
– لا متهزريش.
– و الله عرضها للبيع.
جلست ياسمين على الكرسي الذي خلف مكتبها بخيبة أمل قائلة:
– في ناس كتير هتتأذى من الموضوع دا.
ردت سلمى بتفكير:
– لو إللي هيشتري الشركة مش هيقفلها ولا هيغير الموظفين يبقى محدش هيتأذى.
– و لو غيروا الموظفين؟
– هنتأذى كلنا…تفتكري إية إللي هيحصل؟
ردت ياسمين بتنهيدة:
– مش عارفة…الله أعلم.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
حمل سليم بعض الأوراق متجهًا إلى مكتب ضرغام.
طرق الباب و فتحه دالفًا إلى الداخل…كان ضرغام يقف أمام الشرفة يراقب الشارع فقال سليم:
– خير…واقف عندك من دلوقتي لية؟
لم يجبه ضرغام فاقترب سليم منه قائلًا:
– إنت جيت إمتى؟
أجاب ضرغام و هو مازال يراقب الشارع:
– انا مروحتش أصلًا.
تنهد سليم بقلة حيلة…فهذا ليس جديد على ضرغام.
– نفسي أعرف مبتروحش لية…هو إنت ملكش بيت؟
تنهد ضرغام بثقل قائلًا:
– لا ليا…بس فاضي.
ثم أكمل بمرارة:
– عارف إن أنا شخصية غريبة بس مبحبش الوحدة…أنا هروح البيت هعمل إية يعني…هاكل و أنام علشان أجي تاني الصبح…طب ما أنا بعمل كدا هنا…باكل و بنام في الأوضة إللي جنب المكتب.
استدار ينظر لسليم قائلًا:
– عارف إمتى هيكون في سبب بجد يخليني ارجع البيت؟
كان سليم في انتظار ما سيقوله عندما قال ضرغام بتمني:
– لما أتجوز ياسمين.
تحرك ضرغام جالسًا خلف مكتبه بينما زفر سليم بضيق ثم قال:
– طب بقولك إية…ما تحاول تلفت نظرها ليك.
قال ضرغام بدهشة:
– ألفت نظرها؟!
جلس سليم أمام المكتب قائلًا بجدية:
– أيوة تلفت نظرها.
– إزاي؟
– كل إللي عليك تعمله إنك تنزل الساعة ستة تركب العربية و تمشي و تكون بس متشيك كدا و مسرح شعرك حلو.
صاح به ضرغام بحدة:
– إنت أهبل يا بني…قولتلك دي غير..مش هتبصلي علشان لابس شيك و وسيم و شعري حلو.
قال سليم سريعًا:
– يا بني إفهم…لية ميكونش عم محمد لما بيروح بيحكي عن شغله شوية و أكيد جاب سيرتك في مرة فممكن هي يكون عندها فضول تعرف الراجل دا شكله إية.
قال ضرغام بتفكير:
– و لو مطلعش عندها فضول؟
رد سليم ببساطة:
– يبقى مخسرتش حاجة…بص إنت شكلك ملفت للإنتباة أصلًا..مش عشان وسيم ولا كدا لأ..بس إنت عندك هيبة كدا بتلفت النظر…كل إللي انا عايزك تعمله بس إنك تنزل الساعة ستة تعدي من قدامها كدة و تركب العربية و تمشي..بس مش أكتر..كإنك بتقولها أنا موجود..بس.
فكر ضرغام قليلًا ثم قال:
– و لو ملفتش نظرها؟
– يبقى مش مكتوبالك بقى..أعملك إية؟
– خلاص موافق.
قالها ضرغام بحماس فهو أخيرًا يأخذ خطوة تجاهها…تجاه من يعشقها قلبه بشده .خرجت ياسمين من الشركة برفقة سلمى ذاهبة إلى الشركة التي يعمل بها والدها..افترقا في منتصف الطريق و أكملت ياسمين طريقها إلى الشركة.
وصلت ياسمين إلى الشركة أخيرًا…نظرت حولها بتفحص باحثة عن والدها لكنها لم تجده فعلمت أنه مازال بالمبنى على الأغلب.
كان سليم يجلس أمام مكتب ضرغام يتفحص بعض الأوراق بهدوء بينما يقف ضرغام أمام الشرفة يتنظر مجيئها بتوتر.
رمق سليم ضرغام باستنكار قائلًا:
– يا بني أقعد على ما تيجي..ما إنت عارف معادها.
لم يجبه ضرغام و ظل واقفًا كما هو.
بعد عدة دقائق صاح ضرغام:
– جات..واقفة تحت أهي.
التفت حوله بتوتر قائلًا:
– يلا ننزل بسرعة.
نهض سليم قائلًا:
– طب إنت مستعجل لية؟..ما إحنا كدا كدا إدينا لعم محمد ملف هيأخره.
خرج ضرغام سريعًا من مبنى الشركة بعدما عدل من هيئته عند الباب الرئيسي بينما وقف سليم عند الباب يراقب خروج ضرغام و ردة فعل ياسمين بتركيز.
مر ضرغام من على بُعد متر من ياسمين و قلبه يخفق كالطبول..ذهب تجاه سيارته و قام بفتح الباب عازمًا على الركوب بينما لم تنتبه له ياسمين مطلقًا فقط أخرجت هاتفها لتحادث أباها الذي تأخر بالداخل.
قال سليم بغيظ و هو يشاهد ردة فعل ياسمين المنعدمة:
– مبصتش..مبصتش…ولا خدت بالها أصلًا…حرام عليكي يا شيخة..دي ريحة برفانه لوحدها تحول.
نظر حوله بتوتر فهذه الفرصة لن تتكرر مجددًا.
مر أحد الموظفين من جواره ممسكًا بملف في يده..أوقف سليم الموظف قائلًا بسرعة:
– هات الملف دا.
نظر إليه الموظف بدهشة بينما أخذ سليم منه الملف و خرج سريعًا من الشركة.
قال الموظف لسليم بذهول:
– يا فندم..الملف…
كاد أن يكمل حديثه و لكن سليم كان قد ذهب بالفعل.
كادت ياسمين أن تتصل بوالدها عندما جذب انتباهها رجل يخرج من الشركة مسرعًا ينادي بصوت بالغ في عُلُوِه:
– ضرغام…ضرغام.
التفت ضرغام له سائلًا:
– في إية يا بني؟
حاول سليم أن يبدو طبيعيًا و هو يُعطيه الملف قائلًا:
– عايز إمضتك على الملف دا.
تناول منه ضرغام الملف بدهشة…نظر إلى سليم فأشار برأسه تجاه ياسمين.
اختلس ضرغام النظر إلى ياسمين فوجدها لا تعيره أي انتباه…فقط تنظر إلى هاتفها.
أعاد ضرغام نظراته إلى سليم فحدثه بخفوت:
– لما عديت من جنبها ولا بصتلك أصلًا…علشان كدا عملت الشويتين دول.
قطب ضرغام جبينه و بدا على وجهه بوادر العصبية قائلًا بصوت خفيض:
– و لما عملت الشويتين دول بصت؟
أجاب سليم:
– اه بصت علشان صوتي كان عالي..لفت إنتباها.
كادت ياسمين أن تتصل بوالدها مجددًا و لكن استقبل هاتفها اتصال من أمها..أجابت قائلة:
– السلام عليكم.
– و عليكم السلام…إنتي فين يا ياسمين؟..مجتوش لية لحد دلوقتي؟
أبعدت الهاتف عن أذنها بتألم..فأمها عندما تتوتر أو تقلق يعلو صوتها بشكل لا إرادي.
كان ضرغام يصغي لما تقوله ياسمين عندما وضعت الهاتف على أذنها مجددًا قائلة:
– بابا في الشركة لسة مخرجش و أنا مستنياه برة.
– كل دا و لسة مخرجش..اتصلي بيه خليه يخرج بسرعة يلا…العريس زمانه جاي يا بنتي.
– حاضر يا ماما…يلا سلام.
أنهت ياسمين المحادثة سريعًا عازمة على الإتصال بوالدها و لكنها وجدته يخرج من مبنى الشركة أخيرًا.
ذهبت تجاهه مسرعة قائلة:
– إتأخرت لية يا بابا؟
– كان معايا ملف بعدل فيه حاجة.
– طيب يلا…ماما اتصلت و قعدت تزعق علشان إتأخرنا.
نظر في الساعة التي حول معصمه بتعجب قائلًا:
– لسة ساعة و نص يا بنتي…هو العريس جاي راكب طيارة!
ما إن سمع ضرغام تلك الجملة حتى اشتعلت عيناه و غلى الدم بعروقه…لكنه حاول قدر استطاعته أن يسيطر على غضبه.
نظر له سليم بتوجس ثم قبض على ذراعه بذعر عندما أخذ ضرغام خطوة إلى الأمام قائلًا:
– هتهبب إية؟…إعقل.
راقب ضرغام ذهاب ياسمين مع والدها بعينين مشتعلتين ثم ركب سيارته يقودها بسرعة مجنونة.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
جلست ياسمين إلى جوار والدها الذي قال بشئ من الحزن:
– و بعدين يا ياسمين…هنفضل نرفض في العرسان كدا لحد إمتى؟
نظرت إلى والدها قائلة:
– يعني عجبك واحد فيهم علشان تقبله؟
هز رأسه يمينًا و يسارًا قائلًا:
– لا يا بنتي…بس أنا عايز أفهم لية هم وحشين كدا؟…لية طمعانين فيكي بالشكل دا؟
قالت بهدوء:
– الواحد من دول بيبقى عايش حياته بالطول و العرض…و لما يجي يتجوز يبقى عايز واحدة محترمة تصون إسمه و تحافظ عليه..و هو نفسه مش عارف يحافظ عليه أصلًا.
قال رابتًا على كتفها:
– متقلقيش يا بنتي…نصيبك هيجيلك لحد عندك.
قالت مبتسمة بهدوء:
– أنا مش قلقانة يا بابا…إنت إللي عمال تفكر بزيادة.
قال ناظرًا إليها بقلق:
– أنا خايف عليكي.
ابتسمت له رابتة على يده قائلة:
– متخفش يا بابا…متخفش.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في اليوم التالي كانت عصبية ضرغام واضحة في تعامله مع الجميع…دلف سليم إلى مكتب ضرغام بتوجس قائلًا:
– صباح الخير.
اشتعلت نظرات ضرغام ما إن رآه…قال سليم سريعًا:
– و الله ما ليا ذنب في إللي حصل.
قال ضرغام باستنكار و عصبية:
– ملكش ذنب…مش الفكرة الهباب إني ألفت نظرها كانت فكرتك.
أجاب سليم بجدية:
– أيوة فكرتي…بس إنت مش مضايق إن الفكرة فشلت يا ضرغام…إنت مضايق عشان سمعت إنها جالها عريس تاني.
أكمل بنفس نبرة الجدية:
– مينفعش تفضل واقف مكانك محلك سر يا ضرغام…البنت هطير من إيدك كدا.
وقف ضرغام أمام الحائط الزجاجي كما هي عادته قائلًا:
– أنا مش هفضل واقف مكاني كتير يا سليم…أنا هدخل حياتها.
قال سليم بدهشة:
– إزاي؟
التفت له ضرغام موضحًا:
– إنت عارف إن عم محمد كان مصاحب بابا الله يرحمه شوية..و دا خلى العلاقة بيني و بينه أكتر من علاقة صاحب شركة و موظف.
قال سليم بعدم فهم:
– يا فرحتي..و بعدين يعني؟
أكمل ضرغام بتركيز:
– هحسن العلاقة دي…هخليه يعرفني أكتر..و هعرف دماغه ماشية إزاي بالظبط..علشان يوم ما أتقدم لبنته يوافق.
جلس سليم يفكر فيما قاله ضرغام.
– الموضوع مش ساهل خلي بالك.
أجاب ضرغام:
– عارف…بس لازم أعمل كدا.
ثم أكمل و قد احتدت عيناه قائلًا بإصرار:
– أنا مش هسيبها تضيع من إيدي.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
بدأ ضرغام في تنفيذ خطته على الفور…في اليوم التالي أمسك ضرغام بملف كان من المفترض أن يكون في قسم الحسابات منذ البارحة و لكن هو من أخره ليبدأ بتنفيذ خطته.
عدل من هيئته و أمسك بالملف ذاهبًا إلى قسم الحسابات…لفت أنظار بعض الموظفين كما هي العادة..فضرغام وسيم بشكل خاص..ذا ملامح رجولية خشنة..قمحاوي الوجه ذا عينين سوداوتين و شعر أسود متوسط النعومة بالإضافة إلى لحية سوداء ليست طويلة زادته وسامة و هيبة.
مر من جوار سليم الذي نظر حوله إلى الموظفات الهائمات بوسامة ضرغام و الموظفين الذين جذب انتباههم هيبته…قال سليم باستغراب:
– إية يا جماعة؟…ما تبصوا قدامكوا…بني آدم عادي معدي من هنا مفيهاش حاجة يعني.
التفت الموظفون إلى عملهم بحرج بينما ذهب سليم و هو يضرب كفًا بكف.
– هيتلوحوا من كتر ما بيبصوله…و إللي هو عينه عليها مبتبصلوش بطرف عنيها حتى.
قالها سليم باستنكار ثم أكمل بدهشة:
– سبحان الله.
دلف ضرغام إلى مكتب محمد قائلًا:
– صبا….السلام عليكم.
ابتسم محمد قائلًا:
– و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.
ثم اكمل برضا:
– كويس إنك بقيت تقول السلام عليك بدل صباح الخير و الكلام دا…إحنا مسلمين تحيتنا السلام عليكم.
ابتسم ضرغام لهذه الخطوة الناجحة قائلًا:
– أدينا بنتعلم منك يا عم محمد.
ثم أكمل قائلًا:
– عامل إية يا عم محمد؟
– الحمد لله يا بني..أنا تمام.
– و الأولاد عاملين إية؟
تعجب محمد قليلًا ثم قال مبتسمًا:
– ياريت كان عندي أولاد أو ولد واحد حتى..أنا مخلفتش غير بنتين.
راقب ضرغام ردة فعله بتركيز…هل تراه لا يحب البنات؟…هل كان يريد إنجاب الذكور فقط؟
لو الأمر فعلًا كذلك…فهذا سيساعده كثيرًا…لربما محمد يريد الخلاص من عبء تربية الإناث فيوافق سريعًا عليه عندما يتقدم بطلب يد ابنته…لكن لو كان كذلك فلماذا يرفض من يتقدمون بطلب يد ياسمين؟!
قال محاولًا أن يعلم المزيد:
– لية بتقول كدا يا عم محمد؟…إنت مبتحبش البنات ولا إية؟
ابتسم محمد ثم ضحك بخفوت تحت نظرات ضرغام المتفحصة…قال و مازالت تلك الإبتسامة قابعة على وجهه فهو بشوش الوجه جدًا بالأساس:
– لا يا بني إنت فهمت غلط…أنا بقول يا ريتني خلفت ولد علشان ياخد باله من إخواته البنات..بس أنا مخلفتش غير بنتين..بس راضي الحمد لله.
تحطمت آماله على صخرة رضاء محمد فقال محاولًا إطال ذلك الحديث قدر المستطاع:
– متقولش كدا يا عم محمد…أنا جنبك و جنبهم في أي وقت.
قال محمد بمشاكسة:
– يعني أعتبرك أخوهم الكبير؟
اتسعت عيني ضرغام بشكل لا إرادي…هل خطته ستقوده لأن يصبح أخ لياسمين؟…قال سريعًا:
– لأ.
تعجب محمد بينما قال ضرغام سريعًا بارتباك:
– أقصد يعني إن مفيش حاجة في دينا إسمها دا زي أخويا الكبير و الكلام الفارغ دا…بس أنا جنبكم يعني في أي وقت.
أومأ محمد بصمت و قد أدرك أن هناك شئ ليس طبيعيًا فيما يجري…يبدو أن عليه توخي الحذر في التعامل مع ذلك الشاب اللعوب…فهو ليس مثل أباه..بل هو يملك ذكاء يجعلك تخشى التعامل معه بأريحية…أدرك ذلك محمد تمامًا فهو ذكي أيضًا.
راقب ضرغام تغير نظراته بريبة فقال مغيرًا موضوع الحديث:
– عم محمد…عايز الملف دا خلصان بكرة لو سمحت.
تناول منه الملف ناظرًا إلى ما في أوراقه بتركيز ثم قال:
– حاضر…إن شاء الله أخلصه بكرة.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في اليوم التالي…السادسة مساءًا.
– يعني إية الخطة فشلت؟…هو إنت لحقت تنفذها علشان تفشل أصلًا.
كان ضرغام واقفًا أمام الحائط الزجاجي واضعًا يديه خلف ظهره ينتظر ظهورها…قال بهدوء:
– عم محمد قلق.
– من إية؟
قال و هو لا يزال على وضعه:
– لما قالي أنه خايف على بناته علشان ملهومش راجل غيره..قولتله أنا موجود…قالي أعتبرك أخوهم الكبير؟…قولتله لأ.
نهض سليم من جلسته بذهول قائلًا بانفعال:
– لية كدا يا ضرغام؟
التفت له ضرغام بعصبية:
– إنت أهبل يا بني؟…إذا كان أنا بعمل كل دا علشان تبقى مراتي…يجي هو يقولي أعتبرك أخوهم؟…أقوله أيوة!
جلس سليم متنهدًا بعمق قبل أن يقول:
– إحكيلي إية إللي حصل بالظبط.
قص عليه ضرغام ماحدث باختصار…بينما صمت سليم تمامًا بعد سماعه لما حدث..فقد عجز عن الرد.
اقترب ضرغام من الحائط الزجاجي أكثر ناظرًا إلى الشارع بتفحص…قال بقلق عندما لم تلتقطها عيناه:
– هي مجتش لية؟
أجاب سليم:
– عادي يا ضرغام..تلاقيها معاها شغل بتخلصه.
التقطتها عيناه أخيرًا فقال و هو يرتدي سترته:
– أنا ماشي.
ذهب سريعًا…يريد رؤيتها عن قرب مجددًا…فقط هذا ما يريده الآن.
خرج من باب الشركة الرئيسي ماررًا من جوارها بأبطأ ما يمكن…كان على وشك أن يركب سيارته عندما سمع صوت يناديه:
– ضرغام.
التفت بدهشة…هل هذا صوت محمد؟!…لماذا يناديه يا ترى؟
عندما التفت كان محمد واقفًا إلى جوار ياسمين…تقدم منهما سريعًا قبل أن يتقدم منه محمد…يريد رؤيتها عن قرب أكثر.
قال محمد بأسف:
– معلش يا ضرغام يا بني…ملحقتش أخلص الملف إللي كنت عايزه.
انتزع ضرغام عينيه بصعوبة من على ياسمين التي كانت تنظر بعيدًا و قال:
– مفيش مشكلة يا عم محمد…بس معلش حاول تخلصه في أقرب وقت.
لاحظ محمد نظرات ضرغام إلى ابنته فقال سريعًا:
– تمام…يلا يا ياسمين.
أمسك بيد ابنته و ذهبا سريعًا و قد تغيرت تعابير وجهه…و لاحظ ضرغام ذلك بالطبع.
تنهد بعمق ثم ركب سيارته ذاهبًا بحنق.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
بعد يومين…دخل سليم الشركة كالإعصار متجهًا نحو مكتب ضرغام بسرعة.
طرق الباب ثم فتحه سريعًا و قال بدون مقدمات:
– ضرغام…صحيح إللي أنا سمعته دا؟…إنت إشتريت شركة………. بتاعة الأدوية؟
أجاب بهدوء:
– أيوة إشترتها.
قال سليم بعصبية:
– إنت مجنون يا ضرغام؟…إحنا معناش سيولة دلوقتي…إنت منقي أكتر وقت غلط تشتري الشركة فيه؟
نهض ضرغام واقفًا أمامه ببرود قائلًا:
– إنت عارف إني حليت المشكلة دي خلاص.
قال سليم محاولًا الهدوء:
– طيب خلصنا من مشكلة السيولة..بتشتري شركة أدوية لية؟…إشمعنا أدوية يعني؟…مين إللي هيدرها دي؟..إحنا طول عمرنا شغالين في العقارات.
– متقلقش أنا هجيب حد ثقة يدرها لحد ما أعرف الدنيا ماشية إزاي أدرها أنا…لو نفع يعني.
قال سليم بانفعال:
– طب لية شركة أدوية؟
نظر له ضرغام نظرة ذات مغزى قائلًا:
– دي الشركة إللي بتشتغل فيها ياسمين.
حدق به سليم بذهول بينما قال ضرغام بإصرار:
– أنا قولتلك هدخل حياتها…جربت طريقة و منفعتش…هجرب التانية…بس هتكون أعنف!
يتبع…..

الشركة إتباعت.
ما إن دخلت ياسمين إلى الشركة حتى صاحت سلمى بهذه الجملة مبشرة إياها.
تقوس فم ياسمين إلى الأسفل بطفولية قائلة:
– يا خسارة…دكتور كامل مش هيتعوض تاني.
قالت سلمى موافقة إياها:
– معاكي حق.
كان مالك الشركة السابق رجل مسن طيب القلب و لكنه لا ينجب مما جعله يعامل الموظفين كما لو كانوا أبنائه.
في الآونة الأخيرة بدأت صحته في التراجع و لم يعد قادرًا على ممارسة كل تلك الأعمال معتمدًا على الأدوية فقد أوصاه الطبيب بالراحة و قد اضطر أخيرًا لإطاعته مما دفعه لبيع شركته.
كادت ياسمين أن تذهب إلى مكتبها عندما أوقفتها سلمى قائلة:
– مكان مكتبك إتغير…و مكتبي أنا كمان.
قالت ياسمين برجاء ساخر:
– كفاية أخبار حلوة أرجوكي.
ذهبا إلى موظفين الإستقبال ليسألا عن مكان مكتبهما.
– كويس إن مكتبي جنب مكتبك.
قالتها ياسمين لسلمى بابتسامة و هما يتوجهان إلى مكتبهما بعد أن عرفا المكان.
قالت سلمى بإعجاب:
– الله…المكاتب دي أحسن من المكاتب القديمة.
تفقدت ياسمين المكان بدقة و سرعان ما شحب وجهها.
نظرت إليها سلمى بتعجب قائلة:
– مالك؟..في إية؟
أجابت و هي تنظر إلى الأعلى..بالتحديد إلى نقطة معينة:
– إحنا في وش مكتب المدير بالظبط…لما يبص من الإزاز من فوق..أول حد هيشوفه إحنا.
قالت سلمى بسؤم:
– كدا كتير بجد.
جلسا خلف مكتبهما بقلة حيلة بينما كان ضرغام يقف في زاوية في غرفة مكتب المدير تمكنه من رؤيتهما دون أن يلاحظاه.
كانت عيناه تلمعان و هو ينظر إلى ياسمين بعشق جارف.
دلف سليم إلى مكتب ضرغام…نظر إليه بحنق فهو كان لايزال يراقب ياسمين ثم قال مستنكرًا:
– إرتحت إنت كدا؟
قال بهدوء دون أن يرفع عينيه عنها:
– لسة مرتحتش..هرتاح لما أتجوزها.
صاح سليم بضيق من بروده:
– طب و الشركة دي بقى هنضمها لشركات الفؤاد إزاي؟
لم يجب ضرغام فقال سليم:
– طول عمرنا شغالين في المقاولات..فجأة كدا تشتري شركة أدوية..هنمشيها إزاي دي؟
– مش هنضمها لشركات الفؤاد…الشركة دي هتفضل لوحدها و مش هنعلن عنها للصحافة…و لقيت دكتور ثقة هيدرها.
هدأ حنق سليم قليلًا و قال جالسًا على أحد المقاعد:
– طب و ناوي تعمل إية دلوقتي؟
– هعمل مشروع.
قال سليم بدهشة:
– مشروع؟
التفت ضرغام إلى سليم أخيرًا قائلًا:
– هنقي الناس إللي عندهم كفاءة عالية..طبعًا ياسمين واحدة منهم..و هخليهم يعملوا علاج للبرد بدل ما كل الأدوية إللي في السوق بتعالج الأعراض مش أكتر.
قال سليم ضاحكًا:
– إنت هتستغلهم لصالحك؟
أجاب ضرغام سريعًا:
– لأ طبعًا…دي مجرد حجة علشان أشتغل مع ياسمين مش أكتر.
– بس إللي أنا أعرفه إن البرد فيروس بيروح بمقاومة المناعة.
أجابه ضرغام:
– أيوة عارف…أنا هخليهم يعملوا حاجة تقوي المناعة علشان تقضي على الفيروس أسرع.
ثم أكمل:
قال سليم:
– طب ما إللي عايز يحسن مناعته هياخد فيتامين c.
قال ضرغام بتفكير:
– أكيد في مواد تانية بتحسن المناعة…بدل ما المريض ياخد كل مادة لوحدها..نعمله إحنا كوكتيل ياخده مرة واحدة.
قال سليم باستنكار:
– بتهزر يا ضرغام…أكيد في حاجات كدا في السوق.
– طبعًا في…بس إحنا في الدوا دا هنركز على المواد المضادة للبرد مع المواد إللي بتحسن المناعة.
– أنا حاسس إنك بتعك.
التفت ضرغام ينظر إلى ياسمين عبر الحائط الزجاجي مجددًا قائلًا:
– دكتور حسين هيظبط كل حاجة…إتفقت معاه و هو إللي هيدير الشركة.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
كانت ياسمين تحدق بواصفات الدواء المطلوب صنعه بدهشة ثم نظرت إلى سلمى المندهشة أيضًا قائلة:
– دا صاحب الشركة الجديد متحمس أوي.
قالت سلمى باهتمام:
– لا بس أنا بحب الحاجات دي…لازم نبدأ شغلنا من دلوقتي علشان نخلص بدري.
سألتها ياسمين:
– إنتي عرفتي إن كل واحد هيشتغل لوحده؟
أجابتها سلمى بهدوء:
– أيوة عرفت.
ثم أكملت:
– أكيد مشروعك إنتي هو إللي هيكون أحسن واحد و هيتنفذ.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
بعد مرور أسبوعين.
في منزل ياسمين.
كانت ياسمين تتناول الطعام مع عائلتها بهدوء عندما سألتها والدتها بقلق:
– خلصتي المشروع إللي إطلب منك في الشركة يا ياسمين؟
– اه يا ماما خلصته إمبارح…هسلمه بكرة إن شاء الله في الإجتماع.
قال والد ياسمين باهتمام:
– هم طلبوا منك مشروع في الشركة؟
أجابت ياسمين:
– يعني حاجة زي المشروع كدا.
– واضح إن صاحب الشركة الجديد عملي أوي…ألا صحيح متعرفيش مين إللي إشتراها؟
قالها والد ياسمين بتساؤل فأجابت:
– واحد شاب كدا..بيقولوا إسمه ضرغام فؤاد.
إختنق محمد بالطعام في حلقه بصدمة و سعل بشدة فأعطته زوجته منيرة الماء ليشرب سريعًا.
قال و هو مازال لا يصدق:
– قولتي مين؟
أجابت ياسمين بقلق:
– واحد اسمه ضرغام فؤاد يا بابا…هو في إية؟…حضرتك تعرفه؟
أجابها بملامح قلقة:
– ضرغام فؤاد صاحب شركات الفؤاد للمقاولات..يعني صاحب الشركة إللي أنا بشتغل فيها.
قالت ياسمين بدهشة:
– مقاولات؟!…طلاما كدا لية إشترى شركة أدوية.
– مش عارف.
قالها و هو شارد يفكر بما من الممكن أن يدفع ضرغام لشراء شركة أدوية.
هو بالأساس يحاول دفع تلك الوساوس التي تخبره مرارًا أن ضرغام لربما قد انجذب لابنته الكبرى.
رآه مرتان متتاليتان و هو يراقبها في مكتبه عبر الحائط الزجاجي بينما هي تنتظره بالأسفل.
و لكنه اعتبر ذلك مجرد صدفة و قال في نفسه أنه ربما كان ينظر إلى شئ آخر و قد هُيئ له أنه كان ينظر إلى ابنته من شدة خوفه عليها لكن تلك النظرات المعجبة التي رمقها بها يوم أن رآها عن قرب تقلقه و تورق مضجعه..حينها أدرك أنه كان يراقبها من مكتبه بالفعل و و لكن عليه أن يتأكد من ذلك بنفسه ليقطع الشك باليقين.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في اليوم التالي كانت ياسمين تدلف إلى الشركة بابتسامة مشرقة..ذهبت تجاه مكتبها قائلة لسلمى:
– السلام عليكم.
ردت إليها سلمى السلام بترحيب ثم قالت:
– جاهزة؟
أجابت ياسمين بابتسامة:
– أيوة.
– إعدلي طرحتك.
قالتها سلمى عندما لاحظت عدم انضباط حجاب ياسمين.
قالت ياسمين بعد محاولتها الفاشلة أن تضبطها دون مرآه:
– هروح أظبطها في الحمام…تيجي معايا؟
وضعت ياسمين ملف مشروعها بأحد أدراج المكتب بينما قالت سلمى بمرح:
– طبعًا هاجي معاكي علشان أظبط الميكب.
ضحكت ياسمين برقة و خفوت قائلة بينما هما في طريقهما إلى المرحاض:
– قال يعني حاطة ميكب بجد.
أجابت سلمى بمرح:
– طبعًا يا بنتي حاطة…أومال هغري صاحب الشركة الجديد إزاي؟
شهقت ياسمين واضعة يدها على فم سلمى قائلة:
– إخرسي…يخرب بيتك هتودينا في داهية.
ثم أكملت باستنكار:
– فضيحة متنقلة.
ضحكت سلمى بشدة قائلة:
– خلاص يا حاجة بهزر.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
ابتعد ضرغام عن الحائط الزجاجي بعد ذهاب ياسمين برفقة سلمى و هو يتنهد بعمق.
حبه لها يكبر يومًا بعد يوم حتى أصبح كالوحش الضاري…هو يعلم أن حبه لها عنيف..و ذلك يقلقه.
نظر إلى ساعته للمرة التي لا يعلم كم فوجد أنه مازال ساعة على الإجتماع…قطب جبينه بضيق..لماذا يمر الوقت بهذا البطء؟..هل تعانده الطبيعة أيضًا و قواعد الكون؟!
تقلصت ملامحه بضيق أكبر فهذا الحب قد حل عليه كاللعنة التي لا فرار منها..و لا يستطيع التأقلم معها دون أن تكون ياسمين بقربه.
ظل ضرغام غارق بأفكاره بينما في الأسفل اقتربت موظفة ترتدي ملابس رسمية للعمل عبارة عن بنطال أسود ضيق و قميص نسائي أبيض تصل أكمامه إلى ما بعد المرفق بقليل و تسدل شعرها القصير نسبيًا على ظهرها بينما تتساقط خصلاتها على وجهها الذي يملؤه مستحضرات التجميل فلا يظهر واضحًا و تحمل بعض الملفات.
قالت للموظفة التي تجلس خلف المكتب المقابل و هي تتفقد مكتب ياسمين الفارغ:
– هي دكتورة ياسمين لسة مجاتش؟
أجابت الموظفة و هي تستمر بعملها:
– لا جات بس راحت الحمام هي و دكتورة سلمى تقريبًا.
ابتسمت ماهيتاب بخبث محدثة نفسها أن تلك هي فرصتها…فسلمى أيضًا ليست موجودة…يجب عليها تنفيذ خطتها الآن.
– طيب…أنا كنت عايزة أديها ملف…هضطر أستناها.
قالتها ماهيتاب فأومأت لها الموظفة بلا مبالاة و هي تتابع عملها.
كانت ماهيتاب تعلم أن هناك كاميرا للمراقبة بالغرفة غير المسقوفة و لكنها موضوعة خلف مكتب ياسمين أي أن عندما تجلس ياسمين لتتابع عملها فقط يظهر ظهرها.
و لهذا السبب كانت تقف خلف المكتب و ظهرها للكاميرا…فتحت أحد الأدراج الذي رأت ياسمين تضع به ملف مشروعها و حملته مع باقي الملفات مغلقة الدرج دون أن تلاحظ الموظفة المنهمكة في عملها.
قالت مهيتاب متظاهرة بالتململ:
– واضح إن دكتورة ياسمين هتتأخر…همشي أنا بقى علشان عندي شغل..و هبقى أجيلها وقت تاني.
لم تنتظر رد الموظفة التي لم تعيرها إنتباهًا من الأساس و أحنت رأسها إلى الأسفل قليلًا فانسدل شعرها أكثر يغطي وجهها حتى لا يظهر أمام الكاميرا ثم خرجت سريعًا كما دخلت تمامًا.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
– باقي نص ساعة على الإجتماع.
قالتها سلمى بتوتر فقالت ياسمين بحنق:
– خلاص بقى وترتيني.
امتدت يدها إلى أحد الأدراج تفتحه بهدوء سرعان ما تلاشى و حل مكانه الخوف و التوتر عندما لم تجد ملف مشروعها.
أصبحت ياسمين تبحث في الدرج بخوف شديد و هستيريا عن ذلك الملف الذي تعبت فيه بشكل بالغ و الذي عجزت عن إيجاده.
اقتربت منها سلمى بخوف قائلة:
– في إية يا ياسمين؟
– الملف…الملف مش موجود.
قالتها ياسمين بخوف شديد و قلق خشية أن يضيع مجهودها هباءًا منثورًا.
حاولت سلمى تهدأتها و قد أجلستها على كرسي مكتبها قائلة:
– إهدي بس يا ياسمين…أنا هدور عليه.
حاولت سلمى أن تبحث عنه بهدوء و لكنها لم تجد له أثر.
فتحت بقية أدراج المكتب تبحث عنه بقلق و لكن أيضًا لم تجده.
التفتت إلى ياسمين تقول بحزم:
– الملف دا إتسرق.
شهقت ياسمين بصدمة و بدأت في البكاء على الفور و قد فشلت محاولات سلمى في تهدأتها.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
نهض ضرغام متجهًا نحو الحائط الزجاجي واقفًا بالزاوية نفسها..فقد اشتاق لرؤية ياسمين.
قطب جبينه و ضيق عيناه و قد احتدت بغضب عندما رأى ياسمين تبكي بشدة بينما تحتضنها سلمى و تربت موظفة أخرى على كتفها محاولتين أن يهدئنها.
خرج عن تلك الزاوية حتى يرى ما يحدث بوضوح أكبر فطالعه وجه ياسمين الباكي بعد أن ابتعدت عن حضن سلمى و هي تقول شئ لم يستطع سماعه بالطبع.
تطاير الشرر من عيناه و أصبحت ملامحه مخيفة و هو يرى ياسمين بتلك الحالة.
خرج من غرفة مكتبه سريعًا يدفعه غضبه لارتكاب جريمة بمن كان السبب في بكائها.
كان سليم صاعدًا إليه عندما رآه ينزل الدرج بسرعة و يبدو عليه الغضب جليًا.
قال سليم يحاول إيقافه:
– ضرغام..رايح فين؟…ضرغام.
لم يتوقف ضرغام و لم يرد عليه…فقط أكمل طريقه بغضب و هو على أتم الإستعداد لارتكاب جريمة شنعاء الآن.
لحق به سليم ليوقفه عن ما سيفعل أي كان.
دلف إلى غرفة المكتب غير المسقوفة التي تتشارك بها ياسمين مع سلمى و موظفة أخرى.
قال بصوت حاول السيطرة عليه حتى لا يخيفها:
– إية إللي بيحصل هنا؟
توقفت ياسمين فجأة عن البكاء و التزمت الصمت بينما تقدمت سلمى خطوة تجاهه قائلة:
– ملف المشروع بتاع الدكتورة ياسمين إتسرق.
غلى الدم بعروقه و هو يستمع إلى ما تقوله سلمى…هي تحاول أن تقنعه أن هناك من سرق ملف من شركته…هناك عملية سرقة تمت داخل شركة ملك له!
و ما الذي سُرق؟…ملف مشروع حبيبته!
يا للسخرية!.
قال بصوت حاد:
– إنتي عارفة إنتي بتقولي إية يا آنسة؟
أجابت سلمى بجمود:
– أيوة عارفة…أنا بقول ملف الدكتورة ياسمين إتسرق.
قال ضرغام بغضب:
– لو إللي بتقوليه دا صح يا دكتورة..الشركة دي هتتقلب مجزرة إنهاردة.
اقترب سليم منه هامسًا له:
– إهدى يا ضرغام و سيبلي أنا الموضوع دا.
أجابه ضرغام بصوت خفيض:
– الموضوع دا هحله بنفسي يا سليم.
نظر إلى ياسمين قائلًا:
– آنسة ياسمين…إنتي هتحضري الإجتماع عادي خالص و لما أسألك عن ملفك قولي إنه إتسرق..و الباقي سبيه عليا.
أومأت له بوجهها الملطخ بآثار دموعها قائلة بصوت متحشرج من البكاء:
– تمام.
ذهب ضرغام بغضب بالغ و لحق به سليم ليعلم ماذا ينتوي…يعلم أنه لن يرحم الفاعل…فمن ذا الذي يتجرأ أن يسرق شيئًا من شركة مالكها ضرغام فؤاد بالإضافة إلى أن ذلك الملف يكون لياسمين معشوقته…الويل للسارق حقًا.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
اجتمع الأطباء المطلوبين في غرفة الإجتماعات و في الوقت المحدد تمامًا دلف ضرغام إلى الغرفة يتبعه سليم ثم الطبيب الصيدلي الذي سيطلع على الملفات ليحدد أحسنها.
جلس على رأس الطاولة بهيبته المعتادة.
بدأ يتعرف على اسم كل واحد منهم ثم قام بتعريف نفسه ثم سليم ثم الطبيب المدير قائلًا في نهاية كلامه:
– و دا دكتور حسين إللي هيدير الشركة.
ثم أكمل محاولًا أن يظل هادئًا:
– كل واحد يديني ملفه.
أعطاه كل منهم ملفه حتى جاء دور ياسمين فقالت بملامح جامدة:
– ملفي إتسرق.
ارتبكت ملامح ماهيتاب ما إن سمعت قول ياسمين فهي لم تتوقع أن تخبر ياسمين مالك الشركة بسرقة ملفها.
– إمتى بالظبط؟
قالها ضرغام بغضب فأجابت ياسمين:
– إنهاردة…إتسرق من مكتبي من نص ساعة تقريبًا أو ساعة إلا ربع.
التفت ضرغام قائلًا لحسين:
– معلش يا دكتور بس إحنا كدا مش هنقدر نشوف الملفات إنهاردة…في موضوع أهم.
نهض حسين واقفًا و صافح ضرغام قائلًا:
– مفيش مشكلة يا باشمهندس…أنا هروح أشوف قسم الحسابات.
أوصل ضرغام حسين حتى الباب و ما إن خرج حتى أغلق الباب بالمفتاح بهدوء لكنه استدار لهم بوجه غير ذلك الذي ودع حسين به.
تقدم منهم واضعًا المفتاح بجيبه قائلًا ما إن وصل إلى الطاولة بملامح حادة للغاية مخيفة ينبع منها الشر:
– الراجل الغريب مشي…نشوف شغلنا بقى.
ابتلعت ياسمين ريقها بخوف يكاد يكون بمقدار خوف ماهيتاب بتلك اللحظة…لا تدري ماذا سيفعل هذا الرجل و لكن أيًا كان…لن يكون جيدًا إطلاقًا.
يتبع….حاولت ماهيتاب إخفاء توترها و خوفها لكي لا تكشف…تطلعت إلى ياسمين بحقد دفين محدثة نفسها أنها تستحق.
– شوف شغلك يا سليم.
قال ضرغام هذه الجملة و هي يتأمل وجوه الحاضرين بدقة.
و فورًا فتح سليم جهاز الحاسوب الذي كان أمامه ليبحث في تسجيلات كاميرات المراقبة.
تطلع ضرغام إلى وجوه الحاضرين بتعمن…توقفت عيناه عند ماهيتاب بتركيز…لماذا مستحضرات تجميلها تبدو رطبة هكذا و كأنها ذابت من حرارة الجو؟…مع العلم أن الغرفة تحتوي على مكيف.
قال ضرغام مثيتًا نظراته على ماهيتاب:
– سليم..سيبك من الكاميرا إللي ورا المكتب…ركز على الكاميرا إللي في الوش إللي ركبناها جديد.
شحب وجه ماهيتاب أكثر و هي تحاول كبت توترها و لم تغفل عينا ضرغام عن ذلك بالطبع.
ابتسم بسخرية معطيًا ياسمين جميع الملفات قائلًا لها:
– ملفك واحد من دول يا دكتورة…دوري عليه و هتلاقيه.
تناولت ياسمين الملفات بتعجب و بدأت في البحث بينما قال ضرغام:
– لقيت حاجة يا سليم؟
أجابه سليم بتركيز:
– لسة.
قالت ياسمين بدهشة ما إن وجدت ملفها:
– دا هنا فعلًا!
التفت لها ضرغام قائلًا:
– عندي فضول أعرف إية إللي جوا الملف يخلي واحد من زمايلك يسرقه؟
قالت ياسمين بدهشة:
– واحد من زمايلي؟!
أومأ لها ضرغام قائلًا:
– أيوة…أنا مكانش عندي أي شك إنه يكون إتسرق من قِبل أي شركة منافسة..لإنهم ببساطة ميعرفوش إحنا هنختار أهني مشروع من دول.
أكمل و هو ينظر إلى وجوه الحاضرين:
– و طبعًا طالما السرقة مش من برا الشركة يبقى من جواها..و المتهم الأول الدكاترة المطلوبين في المشروع دا..هم الوحدين إللي ليهم مصلحة في سرقته.
احتقن وجه ياسمين و هي تنظر إلى زملائها بحيرة..ترى من السارق؟
أمسك ضرغام بواحد من الملفات قائلًا:
– بتاع مين الملف دا؟
أجابه أحد الأطباء بأن الملف له فأعطاه إليه ثم كرر الفعلة فكان الملف لسلمى.
أدركت ماهيتاب ما يحاول القيام به…هو يعطي كل ملف لصاحبه و من سيبقى دون ملف يكون هو السارق بالتأكيد.
جاء دور آخر ملف و قد ازداد توترها..نظرت إلى الملف بيد ضرغام..إن غلافه يشبه غلاف ملفها الأساسي.
سأل ضرغام عن صاحب الملف فقالت هي و موظفة أخرى في نفس الوقت:
– أنا.
نظر ضرغام إليهما بتمعن قائلًا:
– واحدة منكوا هي إللي سرقت الملف.
توترت الموظفة الأخرى أيضًا مما وقعت به قائلة بتلعثم:
– مش أنا…أنا مسرقتش حاجة.
– هيبان.
نهض سليم فجأة و قام بتشغيل فيديو ما على الشاشة الكبيرة التي تتوسط غرفة الإجتماعات.
بهت وجه ماهيتاب بالكامل و قد شحب أكثر بينما ظهرت علامات الدهشة على ياسمين و باقي الموظفين مسائلين عن ذلك الدافع الذي يجعل ماهيتاب تقوم بفعل كهذا…فقد أظهر الفيديو سرقتها للملف بوضوح تام.
قال ضرغام بملامح جامدة و همس مخيف و هو يعطي مفتاح الغرفة لسليم:
– سيبلي ماهيتاب و ياسمين و سلمى و خرج الباقي.
خرج المظفون مذهولين مما حدث بينما ظل في الغرفة ضرغام و ياسمين و سلمى و سليم و ماهيتاب بالطبع.
قال ضرغام و مازالت ملامحه على جمودها:
– مكونتيش محتاجة الملف بتاع الدكتورة ياسمين علشان تثبتي كفائتك…لو مكانش عندك كفاءة مكونتش هتبقي من الدكاترة المطلوبين للمشروع دا.
ابتسمت ماهيتاب بسخرية و حقد دفين قائلة:
– أنا معملتش كدا علشان الشغل.
كانت ياسمين من وجه السؤال هذه المرة قائلة بحيرة:
– أومال لية عملتي كدا؟
– علشان خطيبي إللي خطفتيه مني.
خرجت شهقة متفاجأة من سلمى بينما تجمدت ملامح ياسمين بصدمة.
تقلصت ملامح ضرغام بغضب بينما غرق سليم في الحيرة…هل تراهم خُدعوا في شخصية ياسمين؟
قالت ياسمين بصوت خافت مصدومة:
– أنا خطفت منك خطيبك؟
أجابت ماهيتاب بعدوانية:
– أيوة…خطفتيه و إنتي مش حاسة.
هزت ياسمين رأسها يمينًا و يسارًا رافضة حديثها فقالت ماهيتاب:
– علاقتنا كانت تكاد تكون مثالية لحد ما ظهرتي إنتي من سنة..بدأت أحواله تتغير واحدة واحدة..بدأ إهتمامه بيا يقل تدريجيًا و طبعًا كان بيتحجج بالشغل..بس أنا طبعًا لاحيظت إن عينه عليكي.
أكملت بصوت كان الحقد به جليًا:
– وقتها قررت أواجهه باللي هو فيه…عارفة قالي إية؟..قالي إنه بالفعل معجب بيكي..دا لو مكانش بيحبك..و إن الأحسن إننا ننفصل بهدوء و دا إللي حصل فعلًا.
بدأت الدموع في التجمع في عينيها بينما تجمعت في عيني ياسمين أيضًا عندما قالت بصوت متحشرج:
– بس أنا منستهوش..أنا كنت بحبه و مازلت بحبه.
أخذت نفس عميق و قد كبحت دموعها قائلة بحقد:
– و هو ولا فكر فيا…و عرفت إنه إتقدملك من إسبوعين و إنتي رفضتيه…و لما روحت عرضت عليه نرجع لبعض رفض..قالي إنه مش هيستسلم و هيحسن من نفسه علشان يكون زي ما إنتي عايزة و هيتقدملك تاني و تالت و رابع و عاشر لحد ما توافقي عليه.
بدأ صوتها يعلو و هي تصيح:
– و في المرة دي قالي إنه بيحبك..و لما سألته لية..قالي إنك محترمة..لبسك محتشم..رقيقة..مش مصطنعة..شايف فيكي البنت إللي هتصون اسمه و شرفه.
أكملت و هي تنظر إلى ياسمين و كأنها تريد إفتراسها:
– ساعتها قولتله إني مستعدة إني أكون زي ما هو عايز..هكون زيك…هلبس الحجاب و لبس محتشم..و مش هحط ميكب خالص..هكون رقيقة..خجولة..و مش هيكون ليا أي كلام مع أي راجل حتى لو كلام عادي و مفيهوش حاجة…بس عارفة قالي إية وقتها؟
قالت بسخرية و هي مازالت تنظر إلى ياسمين بتلك النظرة المتوحشة:
– قالي مش بحب جمال الروح المصطنع…جوهر الشخصية لازم يكون حقيقي مش مزور.
أكملت من بين أسنانها:
– لسة شايفة إنك مخطفتهوش مني؟
تدفقت دموع ياسمين بعنف قائلة بصوت متحشرج خافت:
– أنا مليش ذنب في دا.
صاحت ماهيتاب بأعلى صوت لديها:
– لا ليكي…إنتي….
لم تستطع إكمال حديثها عندما صاح ضرغام بغضب و هو يضرب بيده على الطاولة بعنف و غضب:
– بس..ولا كلمة كمان.
التفت إلى سليم المدهوش قائلًا:
– سليم..دخل ضيوفنا يشوفوا شغلهم.
كانت ياسمين تبكي بشدة بينما تحاول سلمى تهدئتها.
تحرك سليم تجاه الباب فاتحًا إياه ليدلف أفراد من الشرطة جائوا للقبض على ماهيتاب.
كان سليم قد أبلغ الشرطة منذ أن عثر على دليل إدانة ماهيتاب بطلب من ضرغام ليقوموا باللازم..في النهاية لن يترك ضرغام شخص حاول سرقة ملف من إحدى شركاته و تسبب في دموع محبوبته.
أعطى ضرغام الضابط كارت حافظة صغير يحتوي على دليل الجريمة.
وضع العسكري الأصفاد بيد ماهيتاب جاذبين إياها إلى الخارج تحت صراخها المتوعد لياسمين.
نهضت ياسمين بثقل و عينيها تفيض بالدموع و ما إن تحركت حتى ترنحت قليلًا و أصبحت ترى العالم تشوشه نقاط سوداء.
أمسكت بها سلمى سريعًا قائلة:
– أقعدي يا ياسمين..إنتي مش شايفة أنا عارفة.
قالت ياسمين بصوت خافت:
– عايزة أمشي.
أجلستها سلمى بحذر…تعلم ماذا يحدث لها في مثل تلك المواقف.
اقترب ضرغام منهما قائلًا:
– هي مالها؟..في إية؟
أجابته سلمى و هي تخرج دواء ضغط الدم الذي لا يفارق ياسمين:
– هي بتتعب شوية في المواقف إللي زي دي.
بدأت سلمى تعطي الدواء لياسمين بينما حاول ضرغام كبت غضبه محدثًا نفسه أنه يكفي توصية منه للشرطة لتبقى ماهيتاب أطول فترة ممكنة في السجن.
ما إن تحسنت حالة ياسمين حتى نهضت هي و سلمى ليذهبا و لكن أوقفهما ضرغام قائلًا:
– آنسة ياسمين…إنتي أجازة بقية اليوم و بكرة كمان و بالنسبة لآنسة سلمى إنتي أجازة بقية اليوم علشان توصلي آنسة ياسمين.
– تمام.
قالتها سلمى بدون جدال قبل أن يخرجا.
راقبهما ضرغام محدثًا نفسه أنه أصاب عندما أبقى على سلمى معهم و لم يخرجها مع البقية..هو بالأساس أبقى عليها لشعوره بأن ياسمين ليست بخير و لكنه لم يتخل أن تسوء حالتها لهذه الدرجة.
التفت إلى سليم قائلًا:
– مالك ساكت خالص كدا لية؟
قال سليم بشرود:
– مزبهل!
نظر إليه ضرغام شذرًا فأكمل سليم و هو مازال لم يخرج من شروده:
– إزاي واحدة تقدر تأذي واحدة تكاد تكون ملاك زي ياسمين.
و لم ينته سليم أنه يمدح بحبيبته أمامه بل و لم ينتبه أيضًا أن هذه المرة الأولى التي ينطق بها باسمها.
نظر سليم إلى ضرغام عندما لم يتلقى منه إجابة.
اتسعت عينيه بوجل عندما أدرك ما فعل للتو فوجه ضرغام المحمر و عروقه البارزة بالإضافة إلى ملامحه التي أصبحت مخيفة من شدة غضبه جعلته يدرك فداحة ما فعل دون قصد بسبب شروده.
قال سليم بجدية متمنيًا أن يُحل الأمر ببساطة:
– مش قصدي و الله..مش قصدي.
أكمل حديثه قائلًا بمزاح ليخفف من حدة الموقف:
– أكيد مش هبص للبنت إللي إنت بتحبها يعني..أولًا مش مستغني عن روحي..أنا لسة شاب و عايز أعيش..ثانيًا هي الدنيا ضيقة أوي كدا؟…ثالثًا الحب دا شئ مقزز أصلًا..أنا مش عايز أعيش إللي إنت بتعيشه دا..طب و الله صدق إللي قال السنجلة جنتلة..بص أنا عايش إزاي..برنس في نفسي مش مطمرمط زيك..بس تستاهل إنت إللي ورطت نفسك.
رفع ضرغام أحد حاجبيه و قد ضاع غضبه بين حديث سليم قائلًا:
– الحب شئ مقزز؟…و أنا إللي ورطت نفسي؟
أمومأ سليم بشدة قائلًا:
– أيوة..إنت إللي كنت بتقعد تبص عليها من مكتبك…بتبص عليها لية يا بابا؟..محدش قالك إن كدا عيب؟
قال ضرغام بسؤم:
– سليم..إطلع برا.
نهض سليم قائلًا بطاعة:
– حاضر.
كاد أن يغادر لكنه توقف قائلًا:
– بس أنا لفت نظري حاجة غريبة شوية…إللي إسمها سلمى دي إزاي شجاعة و حنينة في نفس الوقت؟
نظر إليه ضرغام بتعجب دون أن يجيب فقال سليم:
– إنت مشوفتش إزاي وقفت قدامك و قالتلك إن الملف إتسرق..مع إن صاحبة الشأن نفسها منطقتش…و في نفس الوقت شوفتها بتهدي صاحبتها إزاي بكل حنان..بجد حاجة غريبة.
– مفيش حاجة غريبة يا سليم..دا شئ طبيعي جدًا.
قال سليم بتعجب:
– إزاي يعني مفيش حاجة غريبة؟…إزاي واحدة تكون شجاعة و جريئة كدا و في نفس الوقت تكون حن…
قاطعه ضرغام بصياح:
– سليييييم..إطلع برا.
و ما كاد ينهي جملته حتى اختفى سليم من الغرفة فهو مازال لا يريد لوجهه الوسيم أن يتشوة.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في اليوم التالي صباحًا.
اقترب محمد من ابنته التي ماتزال بصدمتها بما حدث بالأمس قائلًا بابتسامة:
– ياسمين…إنهارة أجازة أوعي تفوتي اليوم.
ابتسمت برقة قائلة:
– أكيد مش هفوت اليوم يا بابا…هروح إنهاردة عند خالتو..بقالي كتير مشوفتهاش.
ابتسم لها قائلًا:
– تمام…إبقي عدي عليا في الشركة و إنتي مروحة علشان نروح مع بعض.
– حاضر.
مسح على رأسها خاجًا من المنزل و قد عزم على تنفيذ ما برأسه..لن يتراجع أبدًا…يجب أن يعلم ماذا برأس ضرغام بالضبط بشأن ابنته.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في شركة ضرغام.
السادسة مساءًا.
كان ضرغام جالسًا خلف مكتبه يتابع أعماله…ياسمين بعطلة عن العمل اليوم و لذلك لم يذهب إلى شركة الأدوية…نهض واقفًا أمام الحائط الزجاجي عندما دقت الساعة السادسة مساءًا…يعلم أنها لن تأتي و لكن أصبحت هذه عادة لا يمكنه التخلي عنها.
ضيق عينيه بتعجب عندما التقطت عيناه ياسمين التي تنتظر أباها بالأسفل…هل تراها ذهبت إلى الشركة رغم العطلة التي منحها إياها؟
لا يهم..المهم حقًا الآن أنه يجب أن يأخذ جرعته اليومية من تأملها فهو بالأساس كاد يجن لأنه لن يراها اليوم.
لو تعلم كم يحبها…لو تعلم كم يريدها إلى جواره الآن.
لو تعلم أن حياته أصبحت شديدة الصعوبة من دونها. فما يساعده على مرور أيامه هو أنه يراها يوميًا.
و في الخارج كاد محمد أن يذهب إلى ابنته و لكنه غير اتجاهه ذاهبًا إلى مكتب ضرغام و للعجب لم يجد السكرتيرة في مكانها المعتاد.
في الواقع ذلك من حسن حظه..الآن يستطيع أن يرى إن كان ضرغام يراقب ابنته عن قرب بدلًا من الأسفل كما خطط سابقًا.
طرق الباب بهدوء دالفًا إلى الداخل.
كان ضرغام يراقب ياسمين بعشق بين دوامة أفكاره..بالطبع لم يلتفت إلى الطارق فهو سليم بالتأكيد.
اقترب محمد منه بهدوء حتى أصبح ورائه مباشرة..نظر إلى ما ينظر إليه ضرغام…بالطبع لم تكن سوى ابنته الغالية التي تنتظره بالأسفل.
– سكوتك قلقني يا سليم…في مصيبة ولا إية؟
قالها ضرغام دون أن يلتفت..مازال يتأمل ابنته.
وضع محمد يده بشدة على كتف ضرغام الذي التفت بدهشة قائلًا بتساؤل:
– عم محمد؟…إنت دخلت هنا إزاي؟
ابتسم محمد بسخرية قائلًا:
– من الباب.
نظر إليه ضرغام بتمعن و قد أدرك أن محمد قد علم أنه كان ينظر إلى ابنته…هل تراه يعلم بالمرات السابقة أيضًا؟
– لية فكرتني سليم؟
قالها محمد بنظرات عدائية فأجاب ضرغام:
– علشان محدش بيدخل هنا في الوقت دا غير سليم.
– لية؟…ممنوع ولا إية؟
حاول ضرغام إنقاذ الموقف قائلًا:
– خير يا عم محمد…كنت عايز حاجة؟
ارتسمت تلك الإبتسامة الساخرة على وجه محمد مجددًا…لو أنه لم يمنع دلوف أي شخص إلى هنا في ذلك الوقت تحديدًا لأخبره بذلك بكل بساطة…لكنه قام بغير موضوع الحوار فاررًا من السؤال.
يبدو أنه يخصص ذلك الوقت لتأمل ابنته..و هو آخر من يعلم!
مد إليه يده بملف ما قائلًا:
– الملف دا..كنت مستعجل عليه.
تناول ضرغام منه الملف قائلًا:
– تمام.
استقبل هاتف محمد اتصال من ياسمين التي ملت من انتظاره بالأسفل فخرج سريعًا بينما تتابعه عينا ضرغام متمنيًا ألا يكون قد اكتشف أمره.
استدار ينظر عبر الحائط الزجاجي مجددًا فرأى محمد و هو يخرج من مبنى الشركة مصطحبًا ياسمين ليذهبا…و لكن رشق محمد ضرغام بنظرة عدائية متهِمة قبل أن يذهب بصحبة ياسمين التي لاحظت تعكر مزاج والدها.منذ أن عاد محمد من عمله و رأسه لا يكف عن العمل.
ضرغام معجب بابنته إذن!…يا لهذه الورطة.
هو يخشى قوة ضرغام و خبثه…لا يعلم كيف من الممكن أن يتصرف إذا استعصى عليه شئ يريده.
هل تراه ينجذب للأشياء صعبة المنال؟…هل هذا ما جذبه إلى ابنته.
تناول مسكن و هو يفرك جبهته من الألم بينما ربتت منيرة على كتفه قائلة:
– مالك يا محمد؟…من ساعة ما رجعت من الشغل و إنت باين عليك التعب كدا.
ابتسم لها ليطمئنها قائلًا:
– مفيش حاجة..مصدع بس.
خرجت من الغرفة لتتفقد ابنتيها بينما تنهد هو تنهيدة مثقلة بالهم…لا يستطيع إخبارها بما يجول في خلده.
أيخبرها أن هناك شخص جبار مخيف ماكر مثل الثعلب حاد كالصقر شجاع كالأسد يسمى ضرغام فؤاد معجب بابنتها و لا يدري ماذا من الممكن أن يفعل حيال هذا؟!
ابتسم بسخرية متخيلًا ما سيحدث لقلبها الأمومي لو علمت.
تحرك بثقل متجهًا نحو الشرفة فوجد ياسمين هناك تشرب القهوة المختلطة باللبن و تقرأ كتاب كما هي عادتها كل يوم.
اقترب منها مبتسمًا جالسًا إلى جوارها ثم ضمها إليه مقبلًا رأسها بحنان مفرط.
هناك خطب ما…هذا ما خطر ببال ياسمين بعد فعلة والدها.
ابتسمت باتساع قائلة:
– متنساش ريم في نوبات الحنان دي عشان بتغير.
ضحك ملء فمه قبل أن تتلاشى ضحكته بين كلاماته التي خرجت بألم بيِّن:
– ربنا يخليكوا ليا…إنتو الحاجة الوحيدة إللي طلعت بيها من الدنيا.
لم تكن ياسمين بغافلة عن تلك التصرفات الغريبة…هي أكثر من يعرف والدها.
هو الآن على الأغلب يشعر بالخطر.
قالت بقلق من حالته:
– مالك يا بابا؟
قرر الدخول في الموضوع مباشرة قائلًا:
– ياسمين..أنا عايزك تستقيلي.
– إية؟!
قالتها ياسمين بصدمة…فأمور عملها تسير على ما يرام بعد تخطي أمر سرقة الملف.
– لية يا بابا؟
قالتها بدهشة جلية بينما أجابها محمد قائلًا:
– ياسمين..صاحب الشركة……
توقف عن الحديث..لا يعلم كيف يخبرها بينما قالت ياسمين:
– ضرغام فؤاد…ماله؟
استجمع شتات نفسه قائلًا:
– هو نفسه صاحب الشركة إللي أنا بشتغل فيها..عرفت إنه كان بيبص عليكي من مكتبه على طول لما كنتي بتيجي تستنيني علشان نروح.
كانت ياسمين عاقدة حاجبيها بدهشة..نظرت إلى والدها قائلة بشك:
– مش شرط بيبص عليا…ممكن كان بيبص على أي حاجة تانية.
أجاب محمد بهدوء:
– أنا شوفته أكتر من مرة قبل كدا و هو بيبص عليكي بس قولت ممكن بيبص على حاجة تانية…بس إنهاردة أنا شوفته من مكتبه بيبص عليكي بنظرة أنا عارفها كويس…النظرة دي يا إما إعجاب..يا إما حب…إدعي ربنا إنها تكون إعجاب مش أكتر.
كانت ياسمين لاتزال غارقة بدهشتها عندما قالت:
– بس أنا حضرت معاه إجتماع طول بعرض محستش بأي حاجة من دي.
– طبيعي متحسيش علشان هو مش هيبين دا…دا غير إنك كنتي مشغولة بموضوع سرقة الملف و تعبانة أصلًا.
صمتت ياسمين لبرهة ثم قالت:
– طب إية إللي مخوف حضرتك أوي كدا؟
تنهد محمد قائلًا:
– بصي يا ياسمين…ضرغام شخص صعب تفهمي إية إللي في دماغه و ذكي جدًا..بس أنا بتعامل معاه من زمان..من أيام ما كان طفل علشان أنا كنت صاحب والده.
قالت ياسمين بدهشة:
– صاحب والده…حضرتك كنت صاحب والده؟
أجابها محمد بهدوء و هو يتفقد الشارع:
– أيوة..بس ضرغام مش زي فؤاد الله يرحمه.
كانت ياسمين صامتة منتظرة أن يكمل عندما قال:
– فؤاد كان واحد مجتهد أوي…عمل شركة صغيرة للمقاولات كان بيحاول يكبرها..بس ملحقش و توفى قبل ما شركته تكبر أكتر من كدا.
أخذ نفس عميق ناظرًا أمامه إلى نقطة ما في الفراغ و أكمل:
– ضرغام وقتها كان لسة مخلص الثانوية العامة بتاعته و كان جايب مجموع هندسة و فؤاد كان فرحان جدًا…بس لما توفى ضرغام مسك الشركة بإيد من حديد…كنت فرحان بيه الأول بس بعد كدا إتصدمت فيه.
أكمل يقص لابنته و هي معيرة إليه جل انتاهها:
– نجح فعلًا إنه يكبر الشركة الصغيرة دي لحد ما بقت مجموعة شركات الفؤاد..بس مكانش عنده أي مشكلة في إنه يرشي حد لمصلحة محتاجها بخصوص الشغل…كان بيدخل في صفقات كبيرة مع ناس كبيرة أوي في السوق و طبعًا لازم يحتفلوا بمناسبة زي دي.
أكمل و قد بدت على وجهه بوادر الإشمئزاز:
– في الحفلات دي بقى بتلاقي كل واحد جاي بمراته لابسة فستان مش مداري حاجة أصلًا و كل واحد فيهم ماسك كاس خمرة كإنهم بيشربوا مية.
– و هو معندوش مشكلة في كدا؟
أجابها والدها بسخرية:
– دا مش بس معندوش مشكلة..دا لازم يشرب معاهم كاس كمان.
– طب ليه يا بابا محاولتش تنصحه بما إنك كنت صاحب والده؟
قال بيأس:
– حاولت كذا مرة بس بطرق مبطَنة علشان أنا في الآخر مجرد محاسب في شركته…بس هو مهتمش و إعتبر إني محاولتش أعمل حاجة..لحد ما يأست و بطلت أحاول.
صمتت ثم قالت عندما تذكرت أمر شركة الأدوية:
– طب و إية موضوع شركة الأدوية دا؟
أجاب محمد بحيرة:
– مش عارف…خايف أقول إشتراها بسببك أكون بظلمه…بس لو الموضوع كدا بجد يبقى إنتي في ورطة كبيرة يا ياسمين.
اعترى وجهها الخوف و القلق بينما قال والدها:
– علشان كدا عايزك تستقيلي.
قالت بقلق بدا واضحًا في صوتها:
– بس الإستقالة مش هتوقفه…و بعدين ممكن ميوافقش عليها.
– حتى لو مش هتوقفه هتبعدك عنه شوية على الأقل…و لو موافقش عليها هنشوف حل تاني.
قال قبل أن يذهب:
– مش عايز منيرة و ريم يعرفوا حاجة عن الموضوع دا يا ياسمين…أمك لو عرفت هيبقى يوم مش هيعدي.
ذهب والدها تاركًا إياها في دوامة أفكارها التي تعصف بها بلا رحمة.
لم تتخيل أن ضرغام شخص بهذا السوء…لا يبدو عليه ذلك أبدًا…أم ذلك لربما لأنها جميلة فترى كل شئ جميل كما تخبرها سلمى دائمًا.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في صباح اليوم التالي.
في شركة الأدوية.
– أنا آسف يا دكتورة بس مقدرش أوافق على الإستقالة…الأفضل تروحي للباشمهندس ضرغام و هو يقرر.
قالها حسين مجيب ياسمين على طلب الإستقالة الخاص بها.
قالت بتوتر اعتراها عند سماعها لاسم ضرغام:
– بس حضرتك مدير الشركة الحالي و أنا قدمت إستقالتي لحضرتك بناءًا على دا.
ابتسم قائلًا بهدوء:
– أيوة بس باشمهندس ضرغام منبه عليا متصرفش مع كام حاجة كدا من دماغي…منهم إستقالة أو أجازة الدكاترة إللي عندهم كفاءة.
ثم أكمل بتنبيه:
– بعدين إنتي بالذات يا دكتورة وضع خاص علشان ملفك هو إللي هيتنفذ فعلًا مع تعديل بسيط فيه.
تناولت ياسمين ورقة الإستقالة التي كانت موضوعة على المكتب قائلة:
– تمام…شكرًا يا دكتور.
خرجت تنعي حظها العثر…الآن عليها أن تذهب إلى مكتب ضرغام لتقدم الإستقالة…و كم أصبح أمر الإستقالة صعبًا بعد أن علمت بأن مشروعها سيتم تنفيذه!
ذهبت بخطوات ثقيلة نحو مكتبه مستأذنة من السكيرتيرة في الدخول التي سرعان ما سمحت لها بعد أن تلقت الوافقة المتلهفة من ضرغام.
دلفت بخطوات خَجِلة قائلة بصوت خفيض:
– السلام عليكم.
حرص على أن يرد السلام كاملًا عسى يعجبها ذلك:
– و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.
حاول أن يتكلم بعملية و هو يشير إلى الكرسي و لكن هيهات…فقد كُشفت أوراقه..و إن لم تكن كاملة:
– إتفضلي يا دكتورة.
جلست واضعة الورقة على المكتب دون حديث.
تناول الورقة بريبة و قد كان على حق بيربته…إنه طلب إستقالة.
رفع أحد حاجبيه ناظرًا إليها و قال:
– أقدر أعرف سبب إستقالتك؟
ارتبكت ياسمين قليلًا و لكنها استجمعت نفسها قائلة:
– أسباب شخصية.
جابت الأفكار رأس ضرغام…يبدو أن محمد يريد إبعاد ياسمين عنه و كأن الإستقالة ستجعله يتراجع.
له ما أراد…ربما موافقته السريعة على الإستقالة توهمه أنه كان مخطئًا.
وقع على الورقة معطيًا إياها لياسمين قائلًا:
– للأسف الشركة إنهاردة خسرت دكتورة متتعوضش.
تناولت منه الورقة قائلة و قد تجاهلت جملته:
– بعد إذنك.
خرجت من غرفة مكتبه بينما احتل الضيق ملامح ضرغام…لقد علم والدها..ربما سيسبب ذلك المشاكل له.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
– و ناوي تعمل إية دلوقتي؟
قالها سليم بعد أن علم بأمر استقالة ياسمين.
أجابه ضرغام و هو ينظر عبر الحائط الزجاجي إلى مكتبها الفارغ:
– لسة مش عارف.
ثم أكمل بإصرار و قد ضاقت عيناه:
– بس مش هسيبها.
ضحك سليم بسخرية:
– غرمتك الشركة على الفاضي.
ثم أكمل عندما التفت ضرغام إليه:
– إشتريت الشركة علشان تفضل تحت عنيك..و أديها إستقالت…لا و كمان هتبطل تعدي على الشركة التانية كل يوم..إنت كدا مش هتشوفها خالص.
تنهد ضرغام بحيرة بينما يتحرك ليجلس على الكرسي خلف مكتبه ثم قال:
– كل يوم الساعة تسعة بتقعد في البلكونة تشرب نسكافيه و تقرا كتاب في رواقة كدا…دا الوقت إللي هشوفها فيه.
قال سليم باستنكار:
– مفيش أي إحترام للخصوصية…إخص.
أغمض ضرغام عينيه بإرهاق قائلًا بسؤم:
– سليم…
لم يستطع إكمال جملته عندما قاطعه سليم قائلًا:
– حاضر..حاضر هطلع برا.
خرج سليم بينما نظر ضرغام إلى ساعة الحائط متمنيًا أن يمر الوقت سريعًا حتى يستطيع رؤية ياسمين.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
كانت ياسمين جالسة في الشرفة تقرأ ذلك الكتاب بيدها و تشرب مشروبها باستمتاع غافلة عن تلك السيارة التي توقفت مقابل شرفتها تمامًا على الجانب الآخر من الطريق.
فتح ضرغام زجاج السيارة الأسود فتحة صغيرة…فقط تُظهِر عينيه الحادة.
رآها تجلس و على وجهها ابتسامة عذبة فارتسمت ابتسامة محبة على شفتيه دون أن يدري.
ظل هكذا حتى أنهت ياسمين قهوتها المخلوطة باللبن ناظرة إلى الكوب بحسرة و تذمر طفولي.
ضحك بخفوت منها…يشعر و كأنه يريد أكلها كما الوجبة الشهية.
نظرت فجأة إلى الشارع و شردت بتفكير…أدار وجهه سريعًا متمنيًا ألا تلحظه.
كانت عينيها تجوب الشارع و هي غارقة بتفكيرها حتى توقفت فجأة عندما لمحت شيئًا غريبًا نوعًا ما…ماذا أتى بتلك السيارة الفاخرة إلى حيهم البسيط؟
عادت إلى قرآتها بلا مبالاة…فهي ليس لها شأن بالسيارة.
تنهد براحة بعد أن عادت إلى قرائتها دون أن تلاحظ.
عليه أن يتوخى الحذر…فهو قد أدرك أن رأس محمد لا يُستهان به أبدًا..هو يملك من الذكاء ما يكفي لأن يجعله خصمًا جيدًا له…لكم يتمى أن يصبح حماه العزيز بدلًا من أن يصبح خصمًا له!
حقًا يا لها من أمنية صعبة!
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
ظل ضرغام على هذه الحال لمدة أسبوع كامل حتى حدث ما لم يتمنى أبدًا.
كان محمد غارقًا بحيرته…لماذا لم تصدر أية ردة فعل من ضرغام حتى الآن؟…هل تراه كان مخطئًا و قد ظلمه؟…لقد وافق على الإستقالة سريعًا و لم يجادل.
نفض تلك الأفكار عن رأسه سريعًا..ما هذا الهراء؟
لقد تأكد بنفسه.
تحرك نحو الشرفة ليجلس مع ياسمين قليلًا.
امتدت يده ليزيح الستار…و أزاحته بالفعل و لكن لمساحة صغيرة لم تلحظها ياسمين حتى.
توقفت يده عن إزاحة الستار مكتفية بتلك المساحة الصغيرة بفعل الصدمة التي سببها ما رآه من تلك المساحة.
إنه يقوم بمراقبة ياسمين بينما هي جالسة غافلة عنه تمامًا…لا تظهر منه سوى عينيه و لكن هو لا يمكن أن يُخطئ تلك العينين الحادتين أبدًا.
نظر بتمعن إلى السيارة..إنها سيارته…سيارة ضرغام.
ترك الستار دالفًا إلى الداخل بصدمة و قد أدرك ردة فعله الآن.
أفاق على اقتراب ريم منه قائلة:
– هي ياسمين لسة في البلكونة؟
استغل الفرصة قائلًا:
– اه…إندهيلها تقعد معانا بدل ما هي قاعدة لوحدها.
ذهبت ريم لتحضر ياسمين التي حضرت بالفعل و ما كادت تجلس ريم إلى جوارها حتى سمعت صوت والدتها يناديها.
ذهبت ريم تلبي نداء والدتها بينما اقترب محمد من ابنته قائلًا بهمس حَذِر:
– ياسمين…إنتي مش هتطلعي البلكونة تاني.
نظرت إليه بدهشة و سؤال غير منطوق فأجاب:
– ضرغام كان واقف بعربيته تحت دلوقتي كالعادة بيتأمل فيكي…و يا عالم بيعمل كدا من إمتى.
استائت ملامح ياسمين بصمت فربت على ظهرها قائلًا بحنو:
– عارف إني بضيقها عليكي…الأول شغلك و بعدين البلكونة..بس معنديش حل غير كدا.
ابتسمت له قائلة:
– عارفة إن دا كله علشان مصلحتي يا بابا.
ابتسم لها و قد ارتعشت الابتسامة على شفتيه بقلق بالغ…ضرغام لا يكف عن مطاردة ابنته…يخشى أن يدخل بحرب يكون ضرغام الفائز بها…لن يفرط بابنته أبدًا مهما كلفه الأمر.
هذه ابنته…قطعه منه منفصلة عنه…كيف يفرط بها؟!
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
– يعني معادتش بتطلع البلكونة خالص…التفسير الوحيد لدا إن إنت حظك زي الزفت…كل ما تفتح بابا يترزع في وشك.
قالها سليم بعبث لضرغام الحانق بشدة.
قال ضرغام من بين أسنانه المطبقة بغضب:
– لا و إنت الصادق…التفسير الوحيد لدا إن أبوها أخد باله أكيد..صعب تكون هي إللي خدت بالها.
قال سليم بملل:
– السؤال المعتاد…ناوي تعمل إية؟
التمعت عيني ضرغام بإصرار و صبر قد نفذ…التفت إلى سليم قائلًا بحزم و قرار لا ينتوي الرجوع عنه أبدًا:
– هتقدملها…هتجوزها يا سليم!
يتبع…..صمت سليم لعدة لحظات بعد تصريح ضرغام المُقلق ثم قال بهدوء:
– بس إنت قولت إنها هترفضك لو إتقدمتلها.
أجابه ضرغام:
– و مغيرتش رأيي.
ثم أكمل بحنق بالغ:
– بس عم محمد ما شاء الله مش مخلي عن جهده جهد.
أجاب سليم بجدية:
– شئ بديهي…أومال إنت كنت مفكر إية؟…لما يعرف إنك عايز تتجوز بنته هيقولك خود أهي.
صمت عندما رأى حنق ضرغام يزداد ثم قال:
– طب هتعمل إية لو رفضتك؟
– هتجوزها يا سليم…قبلت بقى ولا رفضت..مش فارقة كتير.
قالها بإصرار و نبرة لا تقبل النقاش فقال سليم باستنكار:
– يا بني هتتجوزها غصب عنها؟
أجابه و قد بدت عليه بوادر العصبية:
– لو إضطريت هعملها يا سليم…مش هسيبها أنا تروح تتجوز واحد تاني…تبقى بتحلم.
صمت سليم بقلة حيلة…يا لعنف حب ضرغام.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في اليوم التالي.
كان ضرغام يجلس خلف مكتبه في شركته و رأسه يعمل بتفكير…هو لن يتوقف..و من المؤكد أن محمد ينتظر ردة فعله الآن.
لن يقلقه أكثر سيتقدم بطلب يد ابنته و سيكف عن تلك المراوغات.
نظر إلى ساعة معصمه محددًا وقتًا معينًا للذهاب و لكن عليه أن يبلغه أولًا.
و في السابعة و النصف مساءًا خرج ضرغام من مبنى الشركة راكبًا سيارته و لكن قبل أن يتحرك أخرج هاتفه متصلًا بمن يرجو أن يكون والد زوجته.
أجاب محمد بالسلام كما هي عادته التي علَّمها لابنتيه فرد له ضرغام السلام ثم قال بصوت جاد للغاية ليشعر محمد بجدية الأمر:
– عم محمد..أنا جايلك في السكة…في موضوع مهم عايز أتكلم معاك فيه.
أتاه صوت محمد يشوبه القلق:
– خير يا بني..في إية؟
فأجابه ضرغام:
– هتعرف لما أوصل يا عم محمد…سلام.
أنهى المكالمة ما إن سمع رده بالإجاب ثم إلقاء السلام متجهًا إلى منزل ياسمين بسرعة.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
أنزل محمد الهاتف الذي كان إلى جوار أذنه حد الإلتصاق بها و رأسه يعمل بجنون.
ما الذي يدفع بضرغام أن يأتي إلى منزله؟
ترى ما طبيعة ذلك الأمر الهام الذي يريد أن يحدثه به؟
هناك أمر واحد فقط هو من خطر بباله بذلك الوقت.
يتمنى ألا يكون الأمر كذلك…لن يعطيه ابنته.
كانت ياسمين ترى آثار أفكار والدها جلية على وجهه.
لماذا يبدو قلقًا إلى هذا الحد؟…هل أتته ردة فعل ضرغام يا ترى؟
اقتربت جالسة إلى جواره بتنهيدة حاملة للهم لم يلحظها محمد لشروده…لكنه لاحظ وجود ياسمين على الأقل فقال بقلق و هو مازال ينظر أمامه بشرود:
– جاي.
قالت ياسمين بقلق من حالة والدها:
– هو مين إللي جاي؟
قال بعصبية طفيفة سببها توتره:
– هيكون مين يعني يا ياسمين؟…ضرغام…قالي عايز يتكلم معايا في موضوع مهم.
قالت محاولة تبسيط الأمور لتكبح توتره:
– طيب إية إللي موترك أوي كدا يا بابا؟…ما يمكن حاجة في الشغل متستناش لحد الصبح و مينفعش الكلام في التيليفون.
انتفض محمد واقفًا قائلًا بعصبية و لكن بصوت خفيض حتى لا تسمع زوجته و ابنته الأخرى:
– إنتي عارفة ضرغام آخر مرة دخل البيت دا كانت إمتى؟…كان وقتها طفل…حصلت مشاكل كبيرة كتير في الشغل قبل كدا بس عمره ما جالي البيت لموضوع ضروري.
أشاح عينيه عنها قائلًا بقلق يتفاقم بمرور الوقت:
– أنا راجل زيه و أفهمه…هو كدا جاب أخره و هيلعب بآخر كارت.
قال بشرود و صوت خفيض و هو يفكر بما قد يفعله ضرغام لنيل ابنته:
– أو جايز يكون مش الأخير…محدش بيعرف يتوقع دماغه فيها إية.
نهضت ياسمين مقتربة منه بهدوء رابتة على كتفه قائلة:
– بابا..ممكن تهدا شوية؟
التفت لها والدها قائلًا:
– روحي قولي لأمك و أختك إن في ضيف جاي.
أومأت قائلة لتهدئه و من داخلها تضج بالقلق:
– حاضر…بس أرجوك إهدا شوية كل مشكلة و ليها حل.
بعد عدة دقائق كان جرس الباب يعلن عن وصول من أصبح كابوس محمد في الفترة الأخيرة.
فتح الباب بوجه مكفهر…طوال سنوات عمره السادسة و الخمسون لم يستقبل ضيفًا بمثل هذا الوجه أبدًا…و لكن الوضع الآن مختلف…فذلك الرجل الواقف أمامه الآن مُصر أن يورط ابنته بحبه الأهوج…لكم يتمنى أن يكون مجرد إعجاب يزول مع مرور الوقت!…و لكن هناك صوت داخله يصيح أن ذلك ليس مجرد إعجاب فحسب.
ابتسم بصعوبة مرحبًا به…دلفا إلى غرفة استقبال الضيوف و بدأت منيرة تعد القهوة الذي أخبرها عنها زوجها و حثها على إعدادها بنفسها فور وصول الضيف..فلا ياسمين و لا ريم ستخرج من غرفتها قبل انصرافه…هكذا حث منيرة التي اندهشت من تشدده على غير العادة.
ذهب محمد ثم عاد بعد لحظات بالقهوة التي وضعها على الطاولة و جلس منتظرًا سماع ما سيقوله ضرغام.
نظر ضرغام إليه قائلًا بجدية و دون قول حرف كمقدمة أو تمهيد:
– أنا جاي طالب إيد الدكتورة ياسمين يا عم محمد.
و اتبع محمد نهجه قائلًا:
– طلبك مرفوض.
حسنًا…ضرغام كان يعلم جيدًا أنه سيتلقى الرفض و لكنه لم يتخيل أن يأتيه بتلك السرعة و لا أن يُقذف في وجهه بتلك الطريقة.
قال ضرغام محاولًا التحكم بأعصابه قدر المستطاع:
– معرفتكش متسرع قبل كدا.
– و أنا معرفتكش غبي قبل كدا.
قالها محمد بهجوم بحت ثم قال و هو يراقب تغير ملامح ضرغام التي بدت عليها بوادر العصبية:
– إنت عارف إني عارف بكل إللي إنت عملته.
حاول ضرغام تجاهل ما قال:
– أنا عايز بنتك في الحلال و على سنة الله و ر…..
قاطعه محمد بعصبية:
– بنتي لأ…معنديش بنات للجواز.
ثم أكمل من بين أسنانه التي يضغط عليها بعنف:
– بنتي تستاهل واحد أحسن منك و من عينتك كلها…متخرجنيش عن شعوري يا ابن فؤاد.
لا يدري كيف استرخت ملامح ضرغام ببرود تام و قد ذهبت عنه عصبيته تمامًا.
نهض ضرغام بملامح مسترخية و قال ببرود:
– بنتك مش هتتجوز غيري.
اتجه ناحية باب الشقة ليخرج و لكن أوقفه قول محمد:
– إحلم براحتك…الأحلام مش حرام.
فتح ضرغام الباب و قال و هو يخرج:
– إفتكر إن إنت إللي رفضت.
أصابت محمد حالة من الهلع على ابيته و صاح بأعلى نبرة صوت يمتلكها أرعبت ياسمين و كل من في المنزل:
– لو بنتي إتأذت منها شعرة مش هسيبك يا ضرغام..سامع؟…و الله ما هسيبك.
لم تهتز لضرغام شعرة فقط أغلق الباب بهدوء نازلًا إلى الأسفل بغضب غير ظاهر للعيان.
محمد لا يدري أنه قد أخرج شيطانه…سيتحمل ما سيحدث نتيجة أفعاله الآن.
خرجت ياسمين من الغرفة بقلق عارم بعد أن سمعت صوت إغلاق الباب.
وجدت أباها يلهث من شدة العصبية..لكن هذه المرة لا يبدو على وجهه القلق بل هذا خوف خالص.
أجلسته سريعًا و أحضرت دواء ضغط الدم و سرعان ما خرجت منيرة و ريم بقلق أيضًا.
تناول محمد دواءه بينما قالت منيرة بقلق:
– في إية يا محمد؟…كنت بتزعق كدا لية؟
قال و قد هدأ أخيرًا:
– مفيش يا منيرة…دا واحد كان بيتقدم لياسمين…قال كلام عصبني.
قالت و قد تفاقم قلقها من تذكر عبارته التي شقت الجدران:
– مفيش إزاي؟…أنا سمعاك بتقول لو شعرة من بنتي إتأذت مش هسيبك…هو عايز يئذيها لية بس؟
قالت ياسمين تدفع عن والدها ضغط أسئلة والدتها:
– ماما لو سمحتي..بابا تعبان دلوقتي سيبي الأسئلة دي لبعدين.
صمتت منيرة بينما أغلق محمد عينيه بإرهاق و قد تأكد أن أبنته بورطة حقيقية.
ضرغام يحب بابنته…إنه غارق بحبها حد العشق…عشق تغلغل داخله حتى النخاع…هذا ما أدركه بعد تلك المواجهة الحامية.
أدخلته ياسمين إلى غرفته بصحبة ريم التي لم تتمكن مشاكساتها من تهدأة الوضع هذه المرة.
تركوه جميعًا ليرتاح و لكن من أين تأتيه الراحة قد علم للتو ما حجم الورطة التي وقعت بها ابنته دون شعور منها.
يشعر و كأنه قد دُفن حيًا…أي أنه يشعر بالعجز الخالص و ذلك الشعور ينحره بغير رحمة أو شفقة.
يعلم أنه ليس لديه القوة الكافية ليقف بوجه شخص كضرغام و لكن فليكن…هل سيتخلى عن ابنته مثلًا؟
سيحارب لآخر نفس يخرج من صدره إذا تطلب الأمر.
لن يترك ابنته لهذا الضرغام المتربص بها مهما كلفه الأمر…لن يتركها أبدًا.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
مر أسبوعان كاملان و لا يوجد ردة فعل من ضرغام…و لكن مهلًا…إنه يحب التمهل دائمًا.
كانت حال ضرغام ليست طبيعية أبدًا مما أثار توجس سليم الذي لم يفلح أبدًا بجعل ضرغام يخبره بما ينتوي أن يفعل بعد أن علم بأنه تم رفضه من قِبل محمد…و ربما ياسمين أيضًا…على الأغلب الأمر كذلك.
يرى نظرة الشر الخالصة التي لم تفارق عينيه مما جعله يكاد يجذم أن ضرغام ينوي على كارثة.
و لكن لحظة…لماذا تغير و خرج الشيطان الكامن بداخله بهذا الشكل؟…ألم يكن يعلم أنه أباها سيرفضه؟…فلما ينظر إلى مكانها الفارغ عبر الحائط الزجاجي بهذه النظرة المتوعدة الآن؟
في العادة يلجأ ضرغام للخمر عندما يريد الهرب من شئ ما…عندما يريد النسيان..لكنه لم يلجأ له أبدًا هذه المرة.
للأسف هذا أسوء بكثير…هذا يعني أن ضرغام لا يريد الثمالة لأنه يخطط لشئ ما…يريد البقاء واعيًا و هذا سيأزم الوضع أكثر.
راقبه سليم بملل و هو واقف أمام الحائط الزجاجي يطالع اللا شئ.
قال بحنق و عدم فهم:
– ضرغام إنت بتبص على إية؟
لم يجبه صرغام و لكن رأى سليم بوضوح ملامحه التي تخلت عن جمودها حتى توحشت بشكل مخيف.
– ضرغام أيًا كانت المصيبة إللي إنت ناوي عليها شيلها من دماغك…الراجل مغلطش.
قالها سليم بجدية و قد تفاقم قلقه من حالة ضرغام.
هو يحفظ صديقه عن ظهر قلب لكنه مازال يصيبه العجز عندما يحاول معرفة ما يدور بتلك الرأس الفولاذية…لكن ليس من الصعب عليه معرفة أنه يخطط لكارثة.
نهض سليم واقفًا إلى جواره و هو يقول:
– إنت بقالك أسبوعين على الحال دا..و مش مهتم بالشغل يا ضرغام…الوفد الألماني جاي بكرة..يا ريت معلش تيجي على نفسك و تقابلهم معايا يا ضرغام بيه.
ارتسمت ابتسامة شيطانية على وجه ضرغام مما أرعب سليم…لقد انتهى من التخطيط و لم يبقى سوى التنفيذ…هذا ما أخبرته إياه تلك الابتسامة.
– هقابل الوفد الألماني بكرة..متقلقش.
قالها ضرغام بينما لاتزال تلك الابتسامة مرتسمة على وجهه.
تحرك خارجًا من غرفة المكتب بينما تبعه سليم يقول بهلع:
– ضرغام…إرجع عن إللي في دماغك أيًا كان…متكرهش البنت فيك.
لم يجبه ضرغام..فقط خرج من الغرفة بهدوء بينما ارتمى سليم على الأريكة السوداء التي بالحجرة يمسح على وجهه بحنق و يفكر كيف يمكنه منع ضرغام من فعل ما ينتوي عليه.
لم تخطر على باله فكرة واحدة حتى فتنهد بقلة حيلة عازمًا على أن يحدثه بالأمر مجددًا عله يقتنع.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
ابتسم محمد قائلًا:
– مش مصدق إن في واحد عدل إتقدملك أخيرًا يا ياسمين.
نظر إلى ابنته التي لم يصدر منها رد فعل قائلًا:
– مالك ساكتة كدا لية؟
نظرت إليه و قالت تصارحه بقلقها:
– بابا..العريس دا إتقدم من أسبوع و حضرتك بلغته الموافقة إمبارح.
ثم أكملت بحيرة:
– معقول كل دا و ضرغام ميعرفش؟…لو عرف ممكن…
قاطعها والدها و قد انتقل قلقها إليه:
– و هو هيعرف منين بس؟
أجابته بحيرة:
– مش عارفة.
صمت قليلًا ثم قال:
– ياسمين..إنتي لازم تتجوزي بسرعة…أو نكتب  الكتاب على الأقل…ضرغام مش هيسكت يا بنتي..أنا خايف عليكي منه.
قالت بسخرية:
– كوني واحدة متجوزة مش هيفرق معاه يا بابا.
أجابها بتفكير:
– لا هيفرق…ضرغام مش وحش للدرجة دي.
ربت على ظهرها بحان قائلًا:
– عارف إنك مكونتيش عايزة  كتب الكتاب يكون بسرعة كدا…بس معلش..دي ظروف خاصة.
قالت مبتسمة:
– مفيش مشكلة يا بابا…”و عسى أن تكرهوا شيئًا و هو خير لكم”.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في صباح اليوم التالي.
في منزل ياسمين.
خرج محمد من منزله ذاهبًا إلى عمله بينما تنهدت ياسمين بملل فمنذ أن استقالت و هي تشعر بفراغ كبير.
خرجت ريم من غرفتها مرتدية ملابس للخروج فقالت ياسمين:
– رايحة فين؟
أجابتها أختها:
– هجيب لماما حاجات و جاية.
نهضت ياسمين سريعًا قائلة بلهفة:
– خوديني معاكي…عايزة أخرج أوي.
– طيب يلا…إجهزي بسرعة.
ذهبت ياسمين إلى غرفتها لتبدل ملابسها سريعًا ثم خرجت قائلة لوالدتها:
– ماما..أنا هنزل مع ريم.
قالت والدتها بحنق:
– من غير فطار يا ياسمين؟
قالت ياسمين بينما هي تخرج لتهرب من والدتها التي تريد إطعامها عنوة:
– خلاص بقى يا ماما..مليش نفس.
خرجت ياسمين من المنزل سريعًا و تبعتها ريم نازلتان إلى الأسفل.
و ما كادتا أن يمشيا بعض الخطوات حتى قالت ريم:
– هو الشارع فاضي كدا لية؟
– علشان إحنا لسة الصبح بدري…كان بيبقى كدا على طول لما كنت بروح الشغل الصبح.
قالت ريم متذكرة أمر استقالتها:
– أموت و أعرف إية إللي خلاكي تستقيلي…مش داخلة دماغي أنا إنه من موضوع الملف إللي إتسرق دا و إنك خايفة على مجهودك…بس ماشي هعديها بمزاجي لحد ما تيجي تحكيلي إنتي على كل حاجة.
خرجتا إلى شارع عمومي بدا خالي من الناس بشكل مريب..فقط كل عدة دقائق تمر سيارة أو شخص ما من المارة لكن ياسمين معتادة على ذلك.
فجأة ظهرت سيارة ذات دفع رباعي اعترضت طريقمها.
توجست ياسمين و ازداد خوفها عندما ترجل من السيارة امرأتان مخيفتان و رجال من ذوي الأجساد الضخمة.
أزاحت ياسمين ريم خلفها رغم أن ريم هي الأشرس..و لكن ياسمين هي الأكبر سنًا و بالتأكيد تقع عليها المسؤلية.
اقتربت المرأتان و هما ينظران إلى ياسمين بتمعن فقالت بصوت حاولت ألا يخرج رقيقًا كما يخرج دائمًا:
– إنتوا عايزين إية؟
جذبت إحدى المرأتان ياسمين من ذراعها بينما وضعت الأخرى قماشة بها مخدر على أنفها.
تلوت ياسمين بعنف محاولة الفرار منهما بينما استشرست ملامح ريم متجهة نحوهما بشر و لكن كبلها رجل من ذوي الأجساد الضخمة من الخلف.
صرخت بأعلى صوتها مراقبة تلوي أختها:
– ياسمين.
و فجأة ضربت الرجل الذي يكبلها بمرفقها في بطنه على حين غرة.
انحنى الرجل إلى الأمام بتألم فصدمته ريم بمؤخرة رأسها في أنفه بعنف فترنح الرجل و قد تركها تمامًا بينما بدأت أنفه في النزيف.
تقدمت من أختها التي فقدت الوعي خطوتين بهلع و لكن كبلها رجل آخر.
طحنت ريم قدم الرجل الذي يكبلها بكعب حذائها العالي و هي تطالع المرأتان التان تحملان ياسمين متجهتان بها إلى السيارة.
تراجع الرجل بصراخ مكتوم من ألم قدمه بينما صرخت ريم بذعر:
– ياسمين…سيبوها…ياسمين.
كتم رجل آخر فمها حتى لا تلفت الأنظار إليهم بصراخها.
تهاوت دموعها و هي تطالع المرأتان قد وضعتا أختها بالسيارة و من ثم ركبا معها.
عضت يد الرجل الكاتمة لفمها بعنف فأبعد يده سريعًا متأوهًا بألم.
ركب الرجل السيارة بسرعة مع البقية الذين سبقوه بالركوب و بدأت السيارة تتحرك بالفعل.
ركضت ريم تجاه السيارة صارخة ببكاء:
– ياسمين…سيبوها..عايزين منها إية؟…ياسمين.
ازدادت سرعة السيارة بينما ريم مستمرة بالركض ورائها و هي تصرخ:
– ياسمين…لا..ياسمين.
ابتعدت السيارة كثيرًا بينما سقطت ريم على ركبتيها صارخة بأعلى ما لديها من صوت:
– ياسمييييييييين.خرج من قاعة الإجتماعات بعد إنتهاء الإجتماع مع الوفد الألماني مخرجًا هاتفه من جيبه و قام بإزالة الوضع الصامت.
استقبل هاتفه رسالة نصية من أحد ما فأسرع بفتحها.
ابتسم و هو يقرأ الكلمة الوحيدة المرسلة ” تم “.
ذهب متجهًا إلى باب الشركة الرئسي…خرج من الشركة و ركب سيارته متجهًا نحو منزله سريعًا.
أوقف السيارة بعشوائية أمام الفيلا الخاصة به ثم ترجل منها متجهًا نحو سيارة أخرى قد وصلت توًا.
فتح أحد بابي السيارة الخلفيين فوجد ياسمين ممدة على الأريكة فاقدة للوعي.
نظر إليها بتفحص فكانت ترتدي ما يسمى بالفيست أزرق طويل يصل إلى ما بعد الركبة بقليل بالإضافة إلى بنطال من نفس اللون و حجاب نبيذي.
حملها مخرجًا إياها من السيارة بحذر متعجبًا من وزنها الخفيف و ضمها إلى صدره و قد أسند رأسها إليه.
دلف إلى داخل الفيلا صاعدًا إلى الطابق الثاني حيث الغرفة التي قام بتجهيزها من أجلها.
وضعها على الفراش برفق ثم أحكم الغطاء عليها جيدًا.
خرج من الغرفة ليجد مربيته عند الباب قائلة بدهشة و قلق من حالة الفتاة:
– مين دي يا ضرغام؟
تخطاها نازلًا إلى الأسفل قائلًا:
– بعدين يا دادة..بعدين.
اتجه إلى غرفة مكتبه فوجد رئيس حراسه ينتظره بها.
ما إن دلف إلى الداخل حتى أعطى له هاتفه فتناوله ضرغام منه جالسًا خلف مكتبه ليرى ما تم تصويره أثناء اختطاف ياسمين.
Flash back.
دلف رئيس حراس ضرغام إلى غرفة المكتب بعد أن استدعاه رب عمله.
– تعالى يا حسان.
قالها ضرغام بهدوء ثم نظر إليه قائلًا بجدية:
– حسان..إنت ملكش دعوة بموضوع الخطف دا..إللي هيخطفوا البنت إتنين ستات إتفقت معاهم خلاص.
ثم أكمل و قد استحوذ على جل انتباهه:
– هيكون معاكوا رجالة كمان بس مفيش واحد فيهم هيقرب من البنت إللي هتتخطف أبدًا…و لو بقى معاها حد ممكن بس تمنعوه إنه يعيق شغلنا لكن مش هنأذي حد يا حسان.
نهض عن كرسي مكتبه مقتربًا من حسان ثم قال:
– إنت مش هتدخل في أي حاجة من الحاجات دي…إنت هتقف بعيد تصور إللي بيحصل بموبايلك.
قطب حسان جبينه بدهشة فوضع ضرغام يده على كتفه و ضغط عليه برفق قائلًا:
– أنا بثق فيك يا حسان..علشان كدا عايزك إنت بالذات تقوم بالمهمة دي و إن كانت سهلة.
ارتسمت على شفتي حسان ابتسامة تنم عن الرضا فابتعد ضرغام جالسًا على كرسي مكتبه مجددًا قائلًا بتوعد شرس:
– نبه على رجالتك كويس إن إللي هيجي جنب البنت إللي هتتخطف هاخد روحه…و لو أذوا حد هيبقى عقابهم عسير.
ثم أكمل بتحذير:
– نبه عليهم كويس يا حسان..أنا عارفك بتحب رجالتك…بس الموضوع دا مفهوش هزار.
و أخيرًا نطق حسان قائلًا:
– تمام.
End of flash back.
كان ضرغام يتابع الفيديو بدهشة حتى انتهى ثم التفت إلى حسان قائلًا بحنق:
– صدق إللي قال الحلو مبيكملش…يعني خطفتوا البنت بالطريقة المطلوبة و الحمد لله…بس إزاي حتة بت زي دي تضرب تلاتة من رجالتك يا حسان؟
أجاب حسان:
– أول واحد بس هو إللي إضرب بجد لكن الإتنين التانيين داست على رجل واحد و عضت إيد التاني..إتخلصت منهم بطرق أنثوية شوية.
ثم أكمل بدهشة:
– بس بصراحة البنت دي غير إللي خطفناها خالص…دي شرسة لكن التانية أقصى حاجة عملتها إنها كانت بتفرفر.
ابتسم ضرغام محدثًا نفسه أن رقتها لا تسمح لها بمثل تلك الأفعال التي تقوم بها ريم.
قال حسان بشئ من الإرتباك خشية أن يتعدى حدوده:
– بس يعني..إحنا أول مرة نخطف حد…هو حضرتك…
قاطعه ضرغام بحزم:
– البنت دي هتكون مراتي يا حسان…دا إللي ممكن تعرفه دلوقتي.
قطب حسان جبينه بدهشة قائلًا:
– هتتجوز؟
– أومال هفضل أعزب طول عمري؟
نظر إليه ضرغام قائلًا بعبث:
– العمر بيجري يا حسان…إلحق إتجوز إنت كمان قبل ما تعجز.
– لما ألاقيها الأول.
– هي مين دي؟
– بنت الحلال.
أجابه ضرغام باستنكار:
– يا سلام…ما هما موجودين في كل حتة.
أومأ له حسان ثم خرج من الغرفة.
يعلم ضرغام بقسوة حسان الفطرية المشابهة لقسوته.
تمتم بشرود:
– مصيرك تقع وقعتي.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
اندفعت منيرة تجاه باب الشقة تفتحه سريعًا بعد سماعها لذلك الطرق الهيستيري.
دلفت ريم إلى الداخل سريعًا و هي تبكي بشدة و تردد من بين شهقاتها:
– ياسمين…ياسمين.
أصاب منيرة الذعر من حالة ابنتها كما لاحظت عدم وجود ياسمين أيضًا فقالت بخوف:
– في إية؟…و فين ياسمين؟
قالت ريم من بين بكائها الهستيري:
– خطفوها.
ضربت منيرة بيدها على صدرها قائلة بذعر:
– خطفوها!…هم مين دول؟
أجابت ريم من بين دموعها:
– مش عارفة..بس هم خطفوا ياسمين و سابوني أنا.
ثم أجابت و قد تعالت شهقاتها:
– معرفتش ألحقها…كتفوني و خدروها و أخدوها بسرعة.
اندفعت منيرة إلى هاتفها المحمول لتخبر زوجها بتلك الفاجعة..عسى أن يجد لها حلًا و يعيد ابنتها إلى أحضانها مجددًا.
●○●○●○●○●○●○●○●○●●○●○●○●○
رفرفت ياسمين بجفنيها و قد استفاقت من نومها أخيرًا.
نظرت حولها بتعجب من تلك الغرفة فكانت واسعة و راقية كما أنها يبدو أنها غرفة لفتاة.
نهضت عن الفراش سريعًا باحثة عن ريم و لكنها لم تجدها فاتجهت نحو الباب و لكنها سمعت صوت أقدام تقترب فرجعت أدراجها إلى الفراش مجددًا متظاهرة بالنوم و هي تحاول الإسترخاء كي لا يُكشف أمرها.
سمعت صوت دوران المفتاح بالباب و من ثم فتحه و غلقه بالمفتاح مجددًا بعد عدة ثوانٍ.
فتحت عينيها بوجل…لقد اطمئن خاطفها على وجودها دون أن يصدر أي صوت..كيف ستعرف هوية خاطفها الآن؟
نهضت عن الفراش مقتربة من الباب بحذر فسمعت بعض الأصوات بالخارج.
– مش ناوي تقولي مين دي يا ضرغام.
– حاضر يا دادة..تعالي هقولك.
ابتعدت عن الباب سريعًا بفزع…لقد اختطفها ذلك المُتَجَبِر..لابد أنه قد علم أنها ستتزوج..يبدو أنه لم يختطف ريم أيضًا فلا فائدة له من ذلك.
اندفعت تجاه النافذة محاولة فتحها و لكن ضرغام قد أخذ احتياطاته جيدًا و لم تُفلح محاولاتها العديدة.
كان ضرغام يقف أمام غرفة ياسمين قائلًا لمربيته بينما ينظر إلى الأسفل حيث باحة المنزل:
– البنت دي إسمها ياسمين…هتبقى مراتي يا دادة.
قالت صفية بقلق:
– طب هي مالها يا بني؟…هي تعبانة ولا إية؟
لم يجبها ضرغام عندما سمع صوت صادر من داخل الغرفة.
اقترب من الباب حتى سمع الصوت بوضوح ففتح الباب بغتة حتى يتبين ما تفعله فوجدها تحاول فتح الشرفة بعدما فشلت في فتح النافذة.
استدارت بفزع عندما سمعت صوته و هو يقول:
– واحدة غيرك كان زمانها بترزع على الباب دلوقتي بكل غباء و تعرف إللي خطفها إنها فاقت..بس إنتي غير في كل حاجة..لو مكونتش آخد إحتياطاتي كان زمانك هربتي…حقيقي برفع القبعة لذكائك.
قالت بعينين مشتعلتين:
– فين ريم؟
نسى أن يجيبها على سؤالها و قد استغرق في تأملها باشتياق بعد أن غابت عنه لأسبوع كامل.
لم ينتبها لدخول صفية إلى الغرفة بينما صاحت ياسمين:
– بقولك فين ريم؟
أجابها بهدوء:
– ريم مش هنا…هجيبها أعمل بيها إية هي كمان؟
– جايبني أنا تعمل بيا إية؟
أجاب بابتسامة باردة أشعلت غيظها:
– كل خير…هنبقى عريس و عروسة بس..شوفتي الموضوع بسيط إزاي؟
صاحت ياسمين بصوت عالي و هي مرتعبة من فكرة تنفيذ ما يقول:
– أنا لا يمكن أبدًا أوافق أتجوزك.
أجابها ببساطة:
– ليس كل ما يتمناه المرئ يدركه…المتنبي كان مبدع فعلًا.
تقدمت منه دافعة إياه بقدر استطاعتها بينما تصيح بغضب:
– أنا عمري ما هتجوز واحد زيك أبدًا..فاهم؟
و لم يكن غرضها الصياح به أو توبيخه بل كان غرضها الهرب.
كان صياحها حجة لدفعه بعيدًا عن باب الغرفة و إن تزحزح قليلًا فجسدها حجمه صغير تكفيه مساحة صغيرة لتخرج من الغرفة عبرها.
ما إن أنهت حديثها حتى ركضت إلى خارج الغرفة نازلة الدرج بسرعة و لم تعير صياح ضرغام الغاضب باسمها انتباهًا.
خرجت من الفيلا متجهة نحو البوابة بركض سريع و لكن ما كادت تصل حتى قبض ضرغام على ذراعها ليمنعها من الهروب كما كانت تظن قبل أن ترى كم الحراس الذين يقفون أمام البوابة من الخارج.
قال ضرغام و هو يجذبها من ذراعها حتى يعودا إلى الداخل:
– حسان…إهتم بالحراسة زيادة شوية.
و كالعادة لم يجب حسان بل بدأ في التنفيذ على الفور.
قالت ياسمين و قد بدأت في البكاء و هي تضربه بقبضتها المتكورة في ذراعه و يده التي ترفض إفلاتها:
– إوعى بقى…سيبني…أنا عايزة أروح لماما.
استمر بجذبها للداخل تحت مقاومتها و بكائها فقالت صفية:
– سيبها يا ضرغام.
جذبت ياسمين إليها و قالت لضرغام محاولة أن تستعطفه:
– سيبها معايا شوية.
صاحت ياسمين و هي مازالت مستمرة في بكائها العنيف:
– إبعدوا عني كلكوا…أنا عايزة أروح.
حاولت صفية تهدأتها قائلة وهي تربت على كتفها:
– تعالي معايا بس شوية…عايزة أقولك حاجة.
هدأت ياسمين قليلًا و كادت أن تذهب مع صفية عندما قال ضرغام:
– خليها تاكل يا دادة علشان هي مفطرتش.
التفتت إليه ياسمين و صاحت به:
– ملكش دعوة…و مش هاكل..لما أروح هاكل براحتي.
كاد أن يجيبها و لكن أوقفته صفية بإشارة من يدها فصمت بامتعاض.
جذبت صفية ياسمين إليها برفق و أخذتها متجهتان نحو المطبخ.
صرفت الخادمات و جلستا إلى الطاولة.
قالت صفية بحنان فاض من نبرة صوتها:
– أنا مربية ضرغام.
أجابتها ياسمين بصوت هادئ بينما دموعها لازالت تلوذ بالفرار من عينيها:
– معرفتيش تربيه يا دادة.
ضحكت صفية بخفوت ثم قالت بنظرات متفحصة:
– الحمد لله إني عشت لليوم إللي أشوف فيه البنت إللي جننت ضرغام بالشكل دا.
نظرت إليها ياسمين بعينيها الدامعة دون أن تجيب فقالت صفية بجدية:
– ضرغام حكالي عنك قبل كدا…بيحبك أكتر مما تتخيلي.
تعالت شهقات ياسمين مجددًا قائلة بصوت متحشرج:
– هو شخص وحش…أنا و بابا رفضناه لما إتقدملي علشان كدا…و دلوقتي هو خاطفني و عايز يتجوزني غصب عني…أنا مش عارفة أعمل إية.
ربتت صفية على ظهرها برفق قائلة:
– إهدي بس..كل مشكلة و ليها حل.
رفعت ياسمين رأسها المنكس فجأة قائلة تتمسك بأملها الأخير:
– فين شنطتي يا دادة؟
أجابتها صفية بأسى:
– معرفش و الله يا بنتي.
تحولت نبرتها فجأة للجدية قائلة:
– ياسمين…متحوليش تعاندي مع ضرغام…إياكي تحاولي تكلمي حد من أي تيليفون أو تحاولي تهربي..دا هيعقد الموضوع أكتر.
أجابتها ياسمين بعدائية:
– و الله؟…طب إية رأيك يا دادة أطلع دلوقتي أقوله إني بحبه و بموت فيه و موافقة أتجوزه.
– و الله تبقي عملتي الصح.
كان هذا صوت ضرغام الذي دخل إلى المطبخ للتو.
التفتت له ياسمين صائحة به بغضب:
– إنت إية إللي جابك هنا؟
رفع أحد حاجباه قائلًا باستفزاز:
– بيتي..أتجول فيه براحتي.
قالت برجاء:
– طيب خليني أروح بيتي علشان أتجول أنا كمان.
– دا هيبقى بيتك و هنتجول سوا.
التفتت إلى صفية مجددًا بقلة حيلة فقال ضرغام:
– أكلت يا دادة ولا لسة؟
أجابته و هي تطالع إحتقان وجه ياسمين:
– سيبنا بس لوحدينا و أنا هتصرف.
أعلن هاتف ضرغام عن استقباله لمكالمة من سليم فخرج من المطبخ ثم أجاب قائلًا:
– أيوة يا سليم.
سمع صوت سليم الحانق:
– إنت فين يا بني؟…إنت ما صدقت الإجتماع خلص و خلعت.
أجابه ضرغام باقتضاب:
– أنا في البيت.
قال سليم بقلق:
– طب بقولك إية…من شوية كدا شوفت عم محمد طالع من الشركة بيجري و شكله كان قلقان و مستعجل كدا…متعرفش في إية؟
حرص أن يبدو صوته غاضبًا و هو يقول:
– ياسمين إتخطفت.
فزع سليم قائلًا:
– إية؟…مين دا إللي خطفها؟
قال متصنعًا نبرة متوعدة:
– معرفش…بس هعرف..و مش هسيبه.
أنهى ضرغام المكالمة متنهدًا بعمق و هو يتمنى أن تكون حيلته قد انطلت على سليم.
يعلم أنه سيعارض بشدة أمر اختطافه لياسمين و من الممكن أن يتصرف بتهور أيضًا.
سيوهم الجميع أنه غاضب و أنه يبحث عن خاطف ياسمين حتى لا يشك به أحد.
و لكن قد ينهار مخططه إن لم تنطلي تلك الحيلة على سليم.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○○●○●○●○●
– مش عايزك تقلق يا أستاذ محمد…إحنا هنعمل كل إللي نقدر عليه و إن شاء الله بنتك هترجع بخير.
قالها الضابط المسؤل عن قضية اختطاف ياسمين بعملية فأومأ له محمد و خرج من قسم الشرطة بشرود.
هو يشك بضرغام و لكنه لا يملك أي دليل ضده…لا يستطيع اتهامه بذلك بينه و بين نفسه حتى مادام لا يملك أي دليل يدينه.
و لكن من الوارد جدًا أن يكون ضرغام هو الفاعل…لقد قام بتهديده تهديدًا شبه صريح.
يتذكر جيدًا قوله عندما رفض زواجه من ابنته ” إفتكر إن إنت إللي رفضت “.
تلك الجملة التي أثارت ذعره…و لكن ماذا إن لم يكن هو الفاعل؟…يجب عليه أن يتأكد من ذلك..يجب أن يجد طريقة ما.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
– يا بنتي كلي بقى.
قالتها صفية بإرهاق من رفض ياسمين للطعام باستمرار فقد حل المساء و هي لم تأكل أي شئ اليوم.
كانت ياسمين جالسة على الفراش الذي بتلك الغرفة التي جهزها ضرغام بكل ما تحتاجه مُسبقًا بينما تجلس صفية إلى جوارها تحاول إطعامها.
نهضت عن الفراش مبتعدة عن الطعام بضجر و لكنها جلست مجددًا بسبب ذلك الدوار الذي داهمها ما إن تحركت.
جسدها يطالب بالطعام و لكنها لن تأكل إلا في بيتها..هكذا عاهدت نفسها.
طرق ضرغام الباب ثم دخل بعد عدة ثواني…نظر إلى الطعام بضيق ثم نظر إلى ياسمين التي تعقد ذراعيها أمام صدرها بعند أدرك مؤخرًا أنه من شيمها.
دلفت إحدى الخادمات قائلة بتوتر كما أمرها ضرغام أن تفعل:
– مدام صفية…الأكل باين عليه إتحرق.
نهضت صفية سريعًا لتهبط إلى الأسفل بينما هي توبخ الخادمة.
كادت ياسمين أن تتبعها و لكن منعها من ذلك ضرغام الذي أغلق الباب بالمفتاح واضعًا إياه بجيبه.
نظرت إليه بخوف قائلة:
– إنت قفلت الباب لية؟
لم يود إخافتها أكثر فقال:
– مش هتطلعي من هنا غير لما تاكلي.
عقدت ذراعيها أمام صدرها و تقوس فمها إلى الأسفل قائلة بعند:
– مش هاكل.
ابتسم لها ببرود ثم على حين غرة جذبها لتجلس على الفراش تحت مقاومتها الضعيفة.
أمسك بأنفها يكبت أنفاسها حتى طالبت رأتيها بالأوكسجين ففتحت فمها لتتنفس منه محاولة إبعاد يده عن أنفها.
و ما إن فتحت فمها حتى وضع لها الطعام به فمضغته ثم ابتلعته مضطرة.
قال بتسلية مستمتعًا بما يحدث و على وجهه ابتسامة:
– تحبي نكمل كدا ولا تاكلي بالزوق؟
حاولت إبعاده عنها قائلة بغضب:
– إبعد عني..قولتلك مش عايزة آكل.
كرر ما فعله مجددًا فقالت و قد بدأت في البكاء:
– خلاص هاكل لوحدي.
قرَّب الطعام من فمها قائلًا:
– إفتحي بوقك.
– هاكل لوحدي.
قال بإصرار:
– يلا يا ياسمين…ولا نرجع للطريقة التانية؟
فتحت فمها مضطرة و ظل يطعهما حتى صارت تتنفس بصعوبة.
ترجته للمرة التي لا تعلم كم قائلة ببكاء:
– أرجوك كفاية.
ضعف أمام توسلات عينيها الدامعة فأبعد الطعام عنها قائلًا:
– خلاص كفاية…إشربي العصير.
– مش قادرة.
نظر إليها بتحذير فأمسكت بالكوب تشرب منه و هي مازالت تبكي.
أخذ منها ضرغام الكوب الذي أصبح المشروب بداخله بمنتصفه قائلًا:
– كفاية…بس هتاخدي دوا الأنيميا بتاعك و خلاص.
أومأت بطاعة لتُنهي هذا الكابوس.
سمعا طرق شديد على الباب يتبعه صوت صفية:
– إفتح الباب يا ضرغام…ملكش دعوة بيها.
تناولت ياسمين الدواء سريعًا فذهب ضرغام فاتحًا الباب أخيرًا.
دلفت صفية إلى الداخل بسرعة لتطمئن على ياسمين التي كانت تبكي بعنف بينما خرج ضرغام هابطًا إلى الأسفل…لا يريد أن يرى دموعها التي تنخر بصدره أكثر.
جاءت إحدى الخادمات مخبرة ضرغام باستئذان حسان في الدخول فأعطاها الإذن لتمنحه إليه.
دلف حسان إلى الداخل بخطوات سريعه فقال ضرغام:
– خير يا حسان.
أجبه بملامح جامدة:
– والدة حضرتك جات زيارة.
و ما كاد ينهي حديثه حتى التفت ضرغام تجاه صوت والدته التي تناديه.
يتبع…تقدمت حنان من ضرغام الذي لعن حظه العثر من بين أسنانه قائلة باشتياق و هي تحتضنه:
– عامل إية يا حبيبي؟…وحشتني.
ربت على ظهرها قائلًا بشرود:
– الحمد لله يا أمي أنا بخير.
ضمت وجهه بيديها قائلة بعتاب:
– لو مكونتش باجي كان زماني مبشوفكش خالص…لولا إن عارفة ضغط الشغل إللي عليك كنت زعلت منك بجد.
ابتسم لها مجاملًا إياها و هو يفكر بحل لتلك الورطة التي وقع بها.
نظرت حنان حولها قائلة:
– أومال فين صفية؟
نادى ضرغام على إحدى الخادمات لتخبر صفية بوجود حنان ثم التفت إلى أمه قائلًا:
– خالتي عاملة إية دلوقتي؟
أجابته بحزن على أختها:
– حالتها وحشة يا بني و لازم أفضل معاها.
أومأ لها متمنيًا أن يجد حلًا سريعًا حتى لا تعلم أمه بأمر اختطافه لياسمين…يعلم أنها ستعترض خاصة أنها تعرف محمد الذي كان صديق زوجها المتوفى.
– إتعشيت؟
سألته مبتسمة فأجابها:
– لا لسة.
– كويس..عايزة أتعشى معاك مرة.
توجهت إلى صفية التي أتت توًا فرحبت بها صفية و هي تنظر إلى ضرغام بقلق.
استغل ضرغام انشغال والدته و صعد إلى غرفة ياسمين.
طرق الباب برفق ثم فتحه فوجدها نائمة بكامل ملابسها و حجابها بعد أن بكت كثيرًا بحضن صفية بسبب وجع بطنها من كثرة ما أكلت.
أغلق الباب متنهدًا بعمق…على الأقل لن تعلم والدته اليوم و لكن عليه أن يجد حلًا حتى لا تعلم.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
– هاتلي بنتي يا محمد..أنا عايزة ياسمين.
صاحت بها منيرة ببكاء شديد و قلبها مفطور على ابنتها البكرية التي اختطفت من أحضانها عنوة.
لم يجب محمد و الشعور العجز يكبله…قلبه يؤلمه بشدة.
ياسمين ابنته البكرية و أول فرحته اختطفت ولا أحد يعلم كيف هو حالها الآن.
نظر إلى ريم التي انسابت دموعها على وجنتيها قائلًا:
– ملمحتيش رقم العربية يا ريم؟
أومأت نافية بصمت فقال بتركيز عسى أن يجد طرف خيط في الأمر:
– طيب هم لية أخدوا ياسمين بالذات؟
رفعت رأسها المنكس قليلًا قائلة بخفوت:
– قدروا يسيطروا على ياسمين بسهولة..و خدروخا و أخدوها..بس أنا كنت بضرب فيهم على قد ما أقدر علشان أهرب منهم..بس معرفتش ألحق ياسمين علشان أخدوها على العربية بسرعة و أنا كنت كل ما أفلت من واحد التاني يكتفني.
قطبت جبينها ثم أكملت:
– ممكن مخطفونيش أنا كمان علشان كان في عربية جاية و إضطروا يمشوا بسرعة.
يا إلهي…حديث ريم جعله يتخبط أكثر…من الممكن أن يكونوا الخاطفين قد فروا بسرعة قبل مجيئ تلك السيارة كما تقول ريم و لكن ذلك لا ينفي اختطاف ياسمين لشخصها…و بالطبع إذا كان الأمر هكذا فالمتهم الأول هو ضرغام!
و لكن مازال لا يملك أي دليل يدينه.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في فيلا ضرغام.
الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
فتحت ياسمين باب غرفتها بحذر تنظر إلى الخارج لترى إن كان هناك أحد.
خرجت تنزل الدرج بحذر شديد خشية أن يشعر أحد بوجودها خارج غرفتها.
ضرغام ليس موجودًا..يجب أن تستغل الفرصة لتفر هاربة من منزله اللعين.
لم تستطع النوم كثيرًا فهي بغير مكانها المعتاد مما دفعها للتجول بالغرفة ذهابًا و إيابًا بملل و حنق.
سمعته عندما كانت قريبة من الشرفة يحادث أحدًا ما يخبره بأنه قادم.
أنها بكامل طاقتها الآن بسبب ذلك الطعام الذي أكلته بالإكراه…يجب أن تستغل الفرصة فهي لن تأكل مجددًا بهذا المنزل.
فتحت باب الفيلا و هي تنظر حولها بخوف ثم خرجت ناظرة إلى الحديقة ثم اقتربت بحذر من السور لتتسلقه.
حمدت ربها أنها لا ترتدي فستان طويل كما هي معظم ملابسها و إلا لَمَا كانت ستستطيع تسلق السور كما تظن.
نظرت بإحباط إلى سور الحديقة الشاهق…يبدو أن الأمر لن يكون سهلًا على الإطلاق.
وقفت أعلى صخرة كبيرة كانت إلى جانب السور ثم بدأت محاولة التسلق.
سقطت أرضًا بعدما تخللها الأمل عندما وصلت يدها إلى حافة السور.
تأوهت بخفوت متألمة و لكنها اختبأت خلف شجرة كبيرة وارت جسدها الصغير تمامًا عندما شعرت أن أحد ما يقترب.
نظر حسان إلى الحديقة بتمعن و لكنه لم يجد الدخيل الذي رآه من بعيد و قد بدا كالشبح في هذا الظلام…لكنه متأكد من وجوده.
جذب مسدسه و جهزه للإطلاق ثم أطلق رصاصة بالهواء فانطلقت صرخة نسائية عن قُرب.
ابتسم بانتصار…هذا هو ما أراده..كان يشك بياسمين بالأساس.
تحرك نحو الاتجاه الذي أتت منه الصرخة فوجدها تقف خلف شجرة كبيرة واضعة يدها على فمها و مغلقة عينيها بخوف و قد وارت الشجرة جسدها خلفها تمامًا.
فتحت عينيها بخوف فرأته يقف أمامها عابس الوجه و قبل أن تستطيع الاستعاب كان المكان قد امتلأ بالحراس الذين جاءوا عندما سمعوا صوت الرصاصة المنطلقة تشق سكون الليل.
نظرت حولها بخوف للحراس ضخام الجثة و هي لا تعلم كيف ستتصرف الآن.
نظر حسان إلى الحارس الذي يجاوره فاتبعت ياسمين نظراته بخوف استوطن قلبها.
كان ذلك الحارس ينظر إليها بشفقة واضحة حتى ظنت أنه لربما لديه قلب كما البشر!
– عصام..بلغ الباشا إن المدام حاولت تهرب.
قالها حسان ببرود للحارس الذي يجاوره بينما هتفت ياسمين بعدائية:
– أنا مش مدام.
ذهب عصام ينفذ أمر حسان بعد أن رشقها بنظرة شفقة بدت واضحة لها بينما أرجع حسان نظراته لياسمين قائلًا ببروده المعتاد:
– إهدي يا مدام علشان نعدي الليلة دي على خير.
اشتعلت عينيها صائحة بغضب:
– قولتلك أنا مش مدام.
لم تهتز له شعرة و لم يصدر عنه أي استجابه حتى ظنت أنه لم يسمع صياحها به و لكن زالت شكوكها عندما قال:
– باعتبار ما سيكون.
– في أحلامك و أحلامه.
قالتها بعدائية تغلغل بها الدهشة من ذلك الرجل المريب…تكاد تقسم أن ساعة واحدة يقضيها الشخص معه كافية لإتلاف أعصابه بالكامل.
مسكينة…لا تعلم أن حسان يتعامل معها بلين حتى لا يغضب ضرغام.
عاد عصام ترافقه نظراته المشفقة عليها…نظر إليه حسان منتظرًا ما سيقول فقال عابس الوجه:
– قال محدش يجي جنبها…هو على وصول لما يجي هيتصرف.
انهارت ياسمين تبكي بعنف و قد سقطت على ركبتيها قائلة بتوسل باكي:
– أرجوك خليني أمشي من هنا.
اقتربت حنان تتبعها صفية بخطوات سريعة.
قالت حنان لحسان بقلق:
– في إية يا حسان؟…إية ضرب النار إللي سمعناه دا؟
تقدم منها حسان قبل أن تقترب أكثر حتى لا ترى ياسمين.
قال محاولًا جعلها تعود أدراجها إلى الداخل:
– مفيش حاجة يا هانم…حضرتك تقدري تروحي تنامي و متقلقيش من حاجة.
نظرت لتلك البقعة التي يتجمع الحراس حول ياسمين بها حتى لا تحاول الهرب مجددًا قائلة بشك:
– و لما هو مفيش حاجة..رجالتك واقفين كدا لية؟
صمتت لبرهة ثم قالت بدهشة:
– و إية صوت العياط دا؟
كادت أن تعبر من جانبه و لكنه أعاق طريقها بجسده قائلًا:
– أيًا كانت المسألة…أنا هحلها..مفيش داعي لوجود حضرتك هنا في الوقت دا.
قالت صفية موجهة حديثها إلى حنان:
– خلاص يا حنان…تعالي ندخل جوا.
دفعته عابرة من جواره و تبعتها صفية التي امتقع وجهها ما إن رأت ياسمين المنهارة أرضًا تبكي كما لم تبكي من قبل.
نظرت إلى ياسمين بدهشة و وجهت حديثها إلى حسان قائلة:
– مين دي؟…و بتعيط كدا لية؟..و بتعمل إية هنا أصلًا؟
لم تتلقى من حسان سوى الصمت فصاحت به:
– حسان…أنا بكلمك.
قال ببرود تالف للأعصاب:
– الباشا هيجاوبك.
صاحت به بعصبية:
– حسان..بلاش طريقتك دي معايا…أنا بسألك إنت.
– و أنا جاوبت.
قالت و هي تزفر بعنف حانقة منه:
– أوف…بكلم حيطة.
حاولت صفية الاقتراب من ياسمين لتهدئها و لكن منعها الحراس.
نظرت إلى حسان برجاء صامت فقابل نظراتها بجمود نظراته التي تعلم معناها جيدًا.
قالت حنان بغضب:
– كمان مش عايزها تهدي البنت…إنت مش شايف حالتها عاملة إزاي؟
زفر حسان بحنق بينما دخلت سيارة ضرغام المسرعة من البوابة و وتوقفت بعشوائية.
ترجل منها مسرعًا متجهًا نحو ياسمين الجالسة أرضًا و صوت نحيبها يملأ المكان.
أمسك ذراعها جاذبًا إياها برفق لتقف و لكنها نفضت يده عنها صائحة به:
– إبعد عني…متلمسنيش.
قال محاولًا تهدئتها:
– إهدي طيب.
نهضت واقفة و دفعت إياه بصدره قائلة ببكاء:
– مش ههدى…أنا عايزة أروح عند بابا و ماما و ريم.
دفعته مجددًا قائلة:
– إنت بني آدم معدوم الضمير.
أمسك بذارعها مجددًا قائلًا:
– طيب تعالي نتكلم جوا.
خرجت منها صرخة مدوية أفزعت الجميع ثم صاحت بأعلى صوت لديها:
– قولتلك متلمسنيش..إبعد إيدك دي عني…أنا مش داخلة في حتة..أنا عايزة ماما.
أدرك أن ثورتها لن تهدأ فحملها دون سابق إنذار متجهًا إلى داخل الفيلا.
تلوت محاولة الفرار منه و لكمته بصدره قائلة:
– نزلني…نزلني بقولك.
لم تتلقى منه استجابة فخدشت وجهه و شدت شعره ثم غرزت أسنانها بكتفه كمحاولة أخيرة لجعله يتألم.
كان قد وصل لغرفتها فوضعها على الفراش متحسسًا موضع عضتها بألم طفيف.
نهضت عن الفراش سريعًا قائلة بسخرية:
– واو…طلع عندك إحساس زينا.
نظرت لهيئته بتمعن لأول مرة…لم تشعر بضخامته من قبل و لكنها أحست نفسها كالعصفور عندما حملها صاعدًا بها الدرج بكل سهولة.
ابتسمت بسخرية…بالطبع ستبدو كالعصفور بين يديه فهو لديه طول فارع و كتلة عضلية ربما تمكنه من حمل وزن يضاعف وزنها ثلاث مرات.
– ياسمين…مش عايز أقفل عليكي الأوضة…مش كل شوية تحاولي تهربي.
قالها ضرغام بتحذير فأجابته بعند:
– هفضل أحاول لحد ما أنجح.
دلفتا حنان و صغية إلى داخل الغرفة و قد بدا على وجه حنان الغضب.
قالت حنان بحزم:
– ضرغام..عايزاك في حاجة مهمة.
تنهد ضرغام بسؤم ثم خرج بصحبة والدته بينما هدَّأت صفية ياسمين و جعلتها تبدل ملابسها التي اتسخت مما حدث في الحديقة.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
– مين دي يا ضرغام؟
زفر بعنف و هو يجيب والدته التي تصر على نيل الإجابة:
– دي ياسمين…و هتبقى مراتي.
اتسعت عينيها بدهشة قائلة:
– إية؟…هتبقى مراتك إزاي يعني؟…دي مش طيقاك ولا طايقة حد خالص.
قال سريعًا قبل أن يخرج من غرفتها:
– أمي..أنا تعبان و عايز أنام دلوقتي…بعدين نتكلم في كل حاجة.
خرج ذاهبًا لغرفته تاركًا إياها بدهشتها.
ضرغام سيتزوج…اليوم الذي انتظرته كثيرًا بات قريبًا الآن.
و لكن هناك شئ ما مريب بالأمر…لماذا ياسمين هنا؟…و لماذا لا تطيقه هكذا؟
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في الصباح الباكر.
في فيلا ضرغام.
دلفت حنان إلى غرفة ياسمين خلسة حتى لا يشعر بها أحد.
وجدتها نائمة بالفراش بكامل ملابسها و حجابها و يبدو الإرهاق جليًا عليها.
اقتربت جالسة إلى جوارها فشعرت ياسمين بها و استيقظت فَزِعة خشية أن يكون ضرغام.
ربتت حنان على كتفها مهدئة إياها قائلة:
– متخافيش.
نظرت إليها بتمعن قائلة:
– أنا والدة ضرغام…هو قالي إنه هيتجوزك.
رشقتها ياسمين بنظرات مشتعلة غضبًا فقالت حنان:
– واضح طبعًا إنك رافضة…هو إية القصة بالظبط؟
تقوس فم ياسمين إلى الأسفل و تجمعت الدموع بعينيها قائلة:
– هو خطفني علشان يتجوزني غصب عني.
شهقت حنان بصدمة قائلة:
– لا مش معقول…ضرغام يعمل كدا؟
أومأت لها ياسمين ببكاء قائلة:
– أرجوكي خليه يسيبني.
احتضنتها حنان رابتة على ظهرها قائلة لها:
– متخافيش يا حبيبتي…هقوله يسيبك.
خرجت من غرفة ياسمين مصدومة بأفعال ابنها…ذهبت إلى غرفته مباشرة ثم جلست على الفراش منتظرة إياه حيث أنه كان بالمرحاض.
خرج يرتدي بنطالًا فقط كما هي عادته فرأت ذلك الوشم بوضوح.
– كمان واشم إسمها على صدرك!
ألقى المنشفة التي كان يجفف بها شعره جانبًا قائلًا:
– كان نفسك أتجوز…غيرتي رأيك دلوقتي؟!
أجابت بعصبية:
– مغيرتش رأيي…بس تخطف البنت و تتجوزها غصب عنها لأ يا ضرغام.
قال باقتضاب:
– هتجوزها بأي طريقة.
انتفضت واقفة صاحئحة بعصبية:
– مينفعش بأي طريقة…بالطريقة دي هتكرهها فيك.
– حتى لو كرهتني مش مهم…لما نتجوز هخليها تحبني.
قالت باستنكار:
– يا سلام…بالسهولة دي؟
ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه قائلًا بثقة:
– عيب…دا أنا ضرغام الفؤاد.
اسمه ضرغام فواد و لكن أطلقت عليه الفتيات الهائمات به ضرغام الفؤاد و بالطبع لم تضيع الصحافة الفرصة و نشرت الاسم ببزخ و لكنه كالعادة لم يهتم بمثل تلك الأمور.
أومأت نافية برأسها قائلة:
– البنت مش طايقاك يا ضرغام…هتخليها تحبك إزاي؟
– بطرقتي.
قالت بحزم:
– البنت دي ترجع لأهلها.
ثم أحاطت وجهه بيديها و قالت و قد لانت نبرتها:
– إنت مجرب يا ضرغام و عارف أهلها حاسين بإية دلوقتي…بلاش تعمل كدا.
أغمض عينيه منزعجًا من تلك الذكرى السيئة…لقد اختطفت أخته الصغرى عندما كان بالمرحلة الثانوية.
لم ينسَ يومًا كم الرعب و الذعر الذي عاشه مع أمه و أبيه الذي كان على أتم الإستعداد أن يدفع ذلك المبلغ الطائل الذي جمعه بصعوبة بالغة كفدية لابنته لولا أن تم القبض على الخاطفين من قِبل الشرطة.
قالت حنان و هي تطالع تعابير وجهه:
– شوف إتضايقت إزاي علشان إفتكرت بس…رجع البنت لأهلها يا بني…إعمل معروف.
قال بوجه عابس:
– أبوها رفضني لما إتقدمت…و لما خطفتها كانوا هم بلغوا عريس كان متقدم بموافقتهم.
– حقهم يقبلوا أو يرفضوا يا بني.
قال بغضب أججته غيرته:
– أنا مش هسيبها تتجوز واحد غيري.
قالت بعتاب:
– تقوم تخطفها؟
– مكانش قدامي حل تاني.
بدأ يرتدي قميصه قائلًا:
– لو سمحتي يا أمي..مش عايز الموضوع دا يتفتح تاني.
زفرت بيأس ثم خرجت من الغرفة تاركة إياه يتلظى بنياران حب ياسمين بعجز.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
خرج ضرغام من الفيلا ذاهبًا لشركة الأدوية التي أهملها مؤخرًا كما أخبره سليم.
وجد ياسمين تجلس على أحد المقاعد بالحديقة تنظر حولها بتفحص.
ذهب تجاهها قائلًا بريبة من جلوسها هنا:
– أتمنى متكونيش بتخططي تهربي تاني…الحرس حواليكي من كل حتة يا ياسمين.
عقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة بحنق:
– عايز إية؟…ما أنا قاعدة كافية خيري شري أهو.
أومأ لها بعدم ارتياح ثم ذهب.
راقبت ذهابه بلهفة و انتظرت قليلًا بمكانها ثم تحركت تجاه ذلك الحارس الذي كان ينظر إليها بشفقة البارحة.
ما إن اقتربت حتى قال عصام:
– أؤمري يا هانم.
– أنا مش هانم ولا مدام…قولي يا دكتورة.
أومأ قائلًا:
– كنتي عايزة حاجة يا دكتورة؟
أومأت قائلة دون مقدمات:
– عايزاك تساعدني أهرب.
اعتلت معالم الصدمة وجهه و نظر حوله بخوف أن يسمعها أحد و لكن لم يكن هناك أحد قريبًا من مكانهما فعصام هو المسؤل عن حراسة هذا المكان..فقد نشر حسان رجاله في الحديقة بالكامل بعد محاولة هرب ياسمين بالأمس.
قالت و قد التمعت الدموع بعينيها:
– ضرغام خاطفني و عايز يتجوزوي غصب عني…أرجوك ساعدني..أنا خايفة أوي.
تنهد بحيرة..لا يدري ما الذي عليه فعله.
يشعر بالشفقة عليها و لكن ما تطلبه خطير للغاية..قد يكلفه روحه و يكلفها عقاب شديد من ضرغام إن تم كشفهما.
أومأ نافيًا بعنف و قد انتابه الخوف من تلك الأفكار قائلًا:
– مش هينفع أساعدك…مش هقدر.
فرت دموعها من عينيها و هي تتوسله بعجز:
– أرجوك ساعدني…إنت عارف مخارج الفيلا و مداخيلها…قولي بس أهرب إزاي..أنا خايفة ضرغام يعمل فيا حاجة.
نظر إليها بحيرة..لا يدري أيقبل أم لا.
إنه أصعب ما طُلب منه على الإطلاق.
يتبع…إنه أصعب ما طُلب منه على الإطلاق.
تردد و غرق في الحيرة حتى أذنيه…تنهد بثقل و هو ينظر إلى عينيها التي تتوسله بنظراتها فقال بتردد:
– موافق.
ابتسمت باتساع و لكن سرعان ما أكمل بتحذير:
– إوعي تفتكري إن الموضوع هيكون سهل علشان في حد هيساعدك…دا غير إن إحنا لو إتكشفنا روحي هتكون التمن و إنتي هيكون حسابك عسير.
ظهر الخوف جليًا على وجهها قبل أن يحل محله الدهشة عندما نظر إليعا بجانب عينيه قائلًا:
– إلا إذا كان ليكي تأثير قوي على ضرغام باشا…ساعتها ممكن تنفدي بجلدك.
نظر حوله قائلًا بحذر:
– إسمعي…الحديقة الخلفية هي بس إللي ممكن تهربي منها.
قطبت جبينها بتركيز بينما أكمل هو:
– الحديقة الخلفية دي خاصة بضرغام باشا و محدش بيدخلها غير حسان بس علشان الحراسة…بس حظك إن ضرغام باشا كان بيعمل فيها تعديلات اليومين إللي فاتو دول بس وقفها مؤقتًا…غالبًا كدا علشان متعمليش شوشرة و العمال موجودين.
نظر حوله مجددًا و قال سريعًا:
– المعدات لسة موجودة في الحديقة..لازم هتلاقي فيها سلم..هيساعدك تنطي من فوق السور علشان السور في الحديقة الخلفية أعلى من السور إللي هنا…إوعي تحاولي تهربي غير في الوقت إللي هقولك عليه…مفهوم؟
أومأت سريعًا قائلة:
– حاضر.
نظر حوله ثم قال لها:
– إمشي من هنا بسرعة.
ما إن أنهى جملته حتى ذهبت و لكن بسرعة عادية حتى لا تلفت الأنظار إليها.
تظاهرت بالتجول في الحديقة حتى وجدت صفية تناديها تطلب منها الدخول إلى الفيلا.
اقتربت منها ياسمين قائلة بضجر:
– لية يا دادة؟…أنا هدخل أعمل إية يعني؟
أجابتها بابتسامة:
– ضرغام إتصل و سأل عليكي و لما قولتله إنك لسة في الحديقة قالي أخليكي تدخلي جوا.
قالت بحنق:
– و الله لو مش عجبه يرجعني لأهلي.
– يا هبلة…بوصي حواليكي…الحرس في كل حتة و عنيهم عليكي علشان طول ما إنتي في الحديقة لازم يراقبوكي.
وكزتها برفق قائلة بمكر:
– دا غيران و شايط من الغيرة يا هبلة.
جلست ياسمين على أحد المقاعد قائلة:
– و الله دا إللي عندي و هفضل قاعدة هنا…محدش قاله يخطفني و يخليني تحت عيون رجالته.
قالت صفية بابتسامة ماكرة متصنعة الاستسلام:
– براحتك…شوية و هتلاقيه واقف على دماغك لما يعرف إنك مدخلتيش و هتبقي إنتي إللي جبتيه.
ذهبت صفية بينما توترت ملامح ياسمين نظرت حولها إلى الحديقة بتمعن.
في كل مكان يوجد حارس يُبقي عينيه الحادة عليها كي لا تهرب.
هي لا تريد أن تبقى جالسة بالمنطقة التي يحرسها عصام كي لا تثير الشكوك.
من الأفضل أن تدلف إلى الداخل..هي لا تريد أن يأتي ضرغام الآن.
نهضت ضاربة الأرض تحت قدميها بحنق ثم دلفت إلى الداخل و هي تتمتم بكلام حانق و غير مفهوم.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
– يعني إية مفيش أي جديد يا حضرة الظابط؟…أنا بنتي مخطوفة من أكتر من ٢٤ ساعة..مش عارفين تجيبوا عنها معلومة؟
صاح بها محمد بغضب بينما ارتفع صوت الضابط المسؤل عن القضية قائلًا:
– أستاذ محمد…إنت مش هتعرفني شغلي…إحنا..
قاطعه محمد قائلًا بعصبية:
– لا أعرفك شغلك و لا تعرفني شغلي…أنا عايز بنتي ترجع سليمة و بس.
– إحنا مش قاعدين حاطين إيدينا على خدنا يا أستاذ محمد…إحنا بنعمل إللي علينا و إن شاء الله بنتك هترجع بخير…المسألة مسألة وقت.
اندفع بعصبية نحو الباب فاتحًا إياه ثم خرج بخطوات غاضبة و وجه محتقن.
كلما أتى إلى قسم الشرطة ليستفسر عن أي جديد بالقضية يصيبه إحباط شديد…لديه شعور لا يزول بأن الشرطة لن تستطيع العثور على ابنته المُخْتَطَفَة.
لقد اختطفت ابنته الضعيفة الرقيقة ولا يعلم عنها شئ…ليت ريم من اختطفت فهي شرسة تستطيع الدفاع عن نفسها أكثر من ياسمين على الأقل!
نفض تلك الأفكار السوداء عن عقله المشوش سريعًا.
هما ابنتاه لا فرق بينما عنده…و لكن لطالما كان يقلق على ياسمين أكثر من أختها على الرغم من أنها هي الكبرى و الأرجح عقلًا..و لكن القوة مطلوبة..و ياسمين تفتقر إليها.
خرج من قسم الشرطة يرتب بعقله الكلمات التي سيطمئن بها تلك الأم الملتاعة على ابنتها إلى حين ظهور أي معلومة عنها…و إن كانت الكلمات لا تنفع!
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
استغلت ياسمين انشغال الجميع و تسللت إلى تلك الغرفة التي علمت حديثًا أنها لضرغام.
أغلقت الباب بحذر كي لا يصدر أي صوت يدل على ما تنتوي فعله.
التفتت ناظرة إلى حجم الغرفة بإحباط…إنها تقارب حجم شقة متوسطة…من أين تبدأ البحث الآن؟!
لفت نظرها الستار الذي يتطاير بفعل الرياح القادمة من الشرفة.
تقدمت منه بحذر ناظرة من خلفه لترى حديقة غير تلك التي كانت بها في الصباح.
يبدو أنها الحديقة الخلفية التي حدثها عنها عصام.
نظرت بتفحص فرأت المعدات التي حدثها عنها أيضًا و ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها ما إن رأت ذلك السلم الذي يجاور السور مباشرة.
تراجعت إلى الوراء و قد امتلأ قلبها بالأمل ثم تقدمت من الأدراج الخاصة بضرغام.
فتحت الدُرج الأول ثم نظرت إلى الأعلى قائلة برجاء:
– سامحني يا رب…أنا مضطرة.
بدأت البحث عن هاتفها بجميع أغراض ضرغام دون أن تفسد نظام الغرفة.
كانت ياسمين منهمكة تمامًا بالبحث عندما فتح ضرغام الباب بهدوء.
نظر إليها مبتسمًا و لم تلاحظ وجوده من شدة انشغالها بالبحث…لقد توقع فعلتها تلك.
دلف إلى الداخل ثم أغلق الباب خلفه متقدمًا منها بهدوء و ابتسامة عابثة على شفتيه.
أغلقت الدُرج بعصبية و أسرعت بفتح الذي يليه و لكنها توقفت ما إن شعرت بشئ غريب…كأن هناك أنفاس تشاركها هواء الغرفة.
استدارت بخوف لترى ضرغام واقفًا خلفها مباشرة.
خرجت منها شهقة مذعورة محاولة أن تتوقع ردة فعله بعد إمساكه بها بالجُرم المشهود.
تحركت حدقتيها بخوف نحو باب الغرفة و ازدادت رعبًا عندما رأته مغلقًا.
اندفعت تجاه الباب راكضة محاولة الفرار و لكنه أحكم ذراعيه على خصرها قائلًا:
– رايحة فين؟…إنتي تعملي العملة و تجري؟
انتفضت و تلوت برعب بين ذراعيه ذكرها برعب الدجاجة عندما تصرخ بيد مربيها عندما يمسكها ليقوم بذبحها…لطالما أشفقت على تلك الدجاجة المسكينة.
انسابت دموعها عندما لم تستطيع الفرار منه…لقد دخلت عرين الأسد بقدميها و كامل إرادتها.
قالت بتوسل:
– سيبني…أنا آسفة..مش هعمل كدا تاني و الله.
قطب جبينه متعجبًا من خوفها منه إلى هذا الحد و قد ارتفع صوت شهقات بكاءها.
قال بحنان لا يظهر إلا لها:
– متخافيش يا ياسمين…أنا مش هعملك حاجة.
تلقى ضربة من مرفقها الصغير إلى بطنه المشدود عضلاته…لقد توقع هذا منها أيضًا.
أعادت الكرة مجددًا و هي لا ترى أي تأثير على الرغم أن ذلك الرجل الذي ضربته ريم تلك الضربة يوم اختطافها قد تأثر بشدة…لقد رأت ذلك قبل تخدرها بالكامل و فقدانها الوعي.
تسلل صوته الهامس إلى أذنيها قائلًا:
– متحاوليش…أنا شادد بطني.
بكت أكثر بعجز و تلوت بشدة قائلة بتوسل:
– سيبني بقى…أنا كنت بدور على موبايلي بس..آسفة و الله ما هعمل كدا تاني.
فُتح الباب لتدخل حنان التي كانت تبحث عن ياسمين التي اختفت فجأة و سمعت صوتها الباكي بينما تمر من أمام غرفة ضرغام.
اعترى القلق ملامحها عندما رأت وضعهما و قالت لضرغام:
– سيبها يا بني…حرام عليك.
نظر إلى أمه بوجه قد احتقن…لماذا تظن أنه سيأذيها؟!
قال محاولًا تهدأة نفسه:
– أنا مش هعملها حاجة يا أمي.
ثم ترك ياسمين التي فرت هاربة من الغرفة و هي مازالت تبكي و قد ازداد إصرارها أكثر على الهرب من جحيم ضرغام.
اقتربت والدته قائلة معاتبة إياه:
– كدا يا ضرغام؟…تعمل في البنت كدا؟
أجاب محاولًا كبت عصبيته:
– أنا معملتلهاش حاجة يا أمي…و لا كنت هعملها حاجة.
قالت بعدم اقتناع:
– أومال كانت بتعمل إية في أوضتك؟…و كنت ماسكها كدا لية؟
ابتسم بسخرية قائلًا:
– كانت بتدور على موبايلها يا أمي.
ثم أكمل بجدية و حزم:
– أنا لا يمكن أئذي ياسمين..إنتو لية مش مستوعبين دا؟
صاحت به بانفعال:
– رجع البنت لأهلها يا ضرغام و كفاية أوي لحد كدا.
أجابها من بين أسنانه بغضب:
– ياسمين مش هترجع لإن هنا بيتها..أنا هتجوزها في أسرع وقت و مش هستنى أكتر من كدا.
و قبل أن تعترض كان قد خرج من الغرفة بغضب.
تنهدت بثقل غير راضية عن أفعال ابنها و الأسوء أنها ستضطر للذهاب إلى أختها المريضة مجددًا في أسرع وقت.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في المساء طرق محمد باب غرفة ريم.
فتحت الباب فدلف والدها مغلقًا الباب خلفه…لا يريد لمنيرة أن تسمع حديثهما فستتجدد لوعتها التي لم تنتهي بعد..و لن تنتهي إلا بعودة ياسمين بالأساس.
التفت إلى ابنته قائلًا:
– عايزك تحكيلي تاني إللي حصل يوم خطف ياسمين من الألف للياء…جايز أوصل لطرف خيط.
أومأت له إيجابًا و بدأت تقص عليه ما حدث بالتفصيل حتى انتهت فقال بتركيز:
– يعني هم في الأول خالص خدروا ياسمين و كانوا بيمنعوكي إنك تفلتي منهم بس و محاولوش يخدروكي خالص.
أومأت إليه إيجابًا فاشتعلت عينيه بغضب شديد.
لقد اُخْتُطِفَت ياسمين لشخصها…بالطبع المتهم الأول هو ضرغام.
لازال لا يملك دليلًا ضده و لكن على الأقل ليواجهه.
لو كان ضرغام شخصًا عاديًا لكان أبلغ الشرطة على الفور و لكنه ليس بالشخص العادي على الإطلاق…لا يستطيع اتهام شخص بنفوذ ضرغام دون دليل.
خرج من غرفة ريم ناظرًا إلى ساعة الحائط التي أخبرته أن الوقت متأخرًا كثيرًا ليواجه ضرغام به…بالطبع الشركة فارغة تمامًا الآن و لا يعلم عنوان منزله.
تنهد بأسى فهو قد اطمئن على ياسمين لأنه يعلم جيدًا أن ضرغام لن يؤذيها و لكن لم يتمنى أن يكون ابن صديقه خاطفًا أبدًا.
سيواجهه غدًا…إن كان هو الخاطف حقًا فلن ينكر فطباعه لن تسمح له.
و إن لم يكن هو الخاطف فتلك ورطة أخرى فالله وحده يعلم هل سيؤذيها ذلك الخاطف أم لا.
حاول تهدئة نفسه حتى لا تشعر منيرة بتغير حاله إلى أن يتأكد إن كان ضرغام هو من اختطف ابنتهما.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
كانت ياسمين جالسة بشرفة غرفتها تتفقد الحديقة عندما أشار لها عصام بإشارة قد اتفقا عليها مسبقًا.
لم تبدي ردة فعل لكي لا تُلفت الأنظار.
دلفت إلى الداخل و أغلقت الشرفة ثم أطفأت أنوار الغرفة بإشارة واضحة موجَهة لضرغام و صفية أنها قد نامت!
انتظرت حتى هدأ المنزل بالكامل ثم تسللت إلى خارج غرفتها بحذر متوجهة إلى الطابق السفلي.
نزلت الدَرج سريعًا دون إصدار أي صوت.
نظرت حولها لتتأكد أن لم يراها أحد ثم تسللت إلى غرفة موجودة بالطابق السفلي ليست لأحد و أغلقت الباب خلفها بهدوء.
اتجهت إلى النافذة التي تطل على الحديقة الخلفية…نعم فهي لم تتجول بالفيلا عبثًا.
فتحت النافذة ثم أخرجت جسدها الصغير عبرها فأصبحت بالحديقة الخلفية.
ابتسمت باتساع قبل أن تتجه إلى السلم الذي يجاور السور.
كادت أن تصل إليه لولا أن أحاطها ضرغام بذراعيه ليكبل حركتها قائلًا بهمس غاضب:
– رايحة فين؟
اتسعت عينيها بصدمة من تحطم مخططها بالكامل متذكرة حديث عصام عن عقابهما الوخيم إن كُشف أمرهما.
و بينما هي تحاول الإفلات منه اتسعت عينيها عندما رأت عصام يتقدم من الحديقة الخلفية و هو يتلفَّت حوله بحذر.
– دا غير إن إحنا لو إتكشفنا روحي هتكون التمن.
رنت تلك الجملة بأذنيها بصخب و هي تنعي حظهما العثر فهي لم تُكشف فقط بل و أتى عصام إلى هنا لسبب ما لا تعلمه…فهما لم يتفقا على ذلك.
و قبل أن تستوعب حضوره حتى جذب ضرغام سلاحه مطلقًا رصاصة اخترقت ساق عصام الذي صرخ بألم ثم تهاوى أرضًا.
صرخت بفزع من صوت الرصاصة قبل أن تستوعب أنها قد استقرت به!
لا…لن تدعه يقـ,,,ـتله فهو لا ذنب له…هي من استغلته عندما رأت شفقته عليها و ترجته أن يساعدها.
جاء حسان راكضًا مع بعض من الحراس عندما سمعوا صوت الرصاص فقال ضرغام ما إن رأى حسان:
– رجالتك بقوا بيخونوا يا حسان.
– مين دا إللي خان و أنا أقـ,,,ـتله بإيدي؟
ذُعرت ياسمين بعد جملة حسان الأخيرة…ألا يكفي أن هناك من يريد قـ,,,ـتله بالفعل حتى يتطوع حسان أيضًا؟
نظر حسان إلى عصام المسجى أرضًا قائلًا بصدمة:
– مستحيل.
أجابه ضرغام بنبرة تحمل الكثير من السخرية:
– مستحيل؟!…تفسر بإية وجوده في الحديقة الخلفية دلوقتي و محدش بيدخلها غيرك؟…تفسر بإية إن المدام كانت عايزة تهرب من الحديقة الخلفية بالذات و هي معندهاش عنها أي معلومات إلا لو حد ساعدها؟
بُهت وجه حسان ناظرًا إلى عصام بخزي بينما أكمل ضرغام بحدة:
– أفسرلك أنا…هو بكل بساطة قالها على موضوع الجنينة الخلفية و الظاهر كدا إنها كانت هتهرب دلوقتي بس لما إنت رجعت تاني بعد ما مشيت هو جيه يحذرها أو يتأكد إنها هربت خلاص…دا إللي إحنا هنعرفه منه.
ثم أكمل و قد ازدادت حدة نبرته:
– لولا إني كنت قاعد في البلكونة و شوفتها و هي بتنط من شباك الأوضة كان زمانها هربت.
– أنا إللي إتحايلت عليه علشان يهربني…أنا إستغلينه لما لقيتني صعبانة عليه…هو ملوش ذنب…بالله عليك متخليهوش يقـ,,ـتله.
صاحت بها ياسمين ببكاء بينما نظر إليها ضرغام قائلًا:
– متخافيش..مش هخليه يقتـ,,,ـله.
و ما كادت ملامحها أن تأخذ وضع الراحة حتى تصلبت بخوف مرة أخرى و هي تسمعه يقول:
– أنا إللي هقـ,ـــتله بإيدي.
و أتبع جملته بر…صاصة اختر….قت ذراعه أتبعها صر…..خة عاجزة خرجت من عصام ثم تثاقلت أنفاسه بضعف.
اتسعت عينيها الباكية مما آلت إليه الأمور و اندفع الأدرينالين بدمها فمكنها من التخلص من قبضة ضرغام و الفرار منه متجهة نحو عصام المتمدد أرضًا في عجز تام.
جذبت وشاحها الملتف حول عنقها مكتفية بحجاب شعرها ثم شقته لنصفين بقدرة فريدة بالنسبة إليها أعطاها إياها هرمون الأدرينالين.
ضغطت بنصف الوشاح على جُرح ساقه و بالنصف الآخر على جُرح ذراعه محاولة أن توقف النزيف و هي تبكي بقوة…كل هذا بسبب استغلالها له.
ازداد ضرغام غضبًا و هو يراقب محاولتها لإنقاذه بغيرة.
تردد هذا السؤال بعقله…ترى لو كان في مثل وضع عصام هل كانت لتبكي من أجله؟…هل كانت ستحاول إنقاذه؟
ابتسم بسخرية و هو يجيب نفسه بالنفي فهو يعلم قدره بقلب ياسمين جيدًا…إنه يحظى بكره منها لربما لم يحظى به أحدًا غيره طوال عمرها على الإطلاق…بينما هو يحبها حد الجنون!
أغمض عينيه بعصبية و غضب و هو يستمع إلى توسلاتها مجددًا ليترك عصام وشأنه محدثًا نفسه أنها تفعل ذلك فقط لأنها تشعر بالذنب تجاهه…بل و أنها مقتنعة تمامًا أنها استغلته…لا يريد لرأسه أن تفكر بغير هذا حتى لا تثور ثائرته.
ضغطت مجددًا على جُرحيه بوشاحها الذي مزقته لجزءين و هي تبكي بعنف بينما هو يتنفس بصعوبة.
قال ضرغام بغضب أعمى:
– للأسف يا ياسمين…البني آدم عنده إيدين إتنين بس هتكتمي مكان الرصاصة التالتة إزاي دلوقتي؟
و قبل أن تستوعب كانت قد انطلقت رصاصة من سلاح ضرغام مخترقة فخذه ليصرخ بتألم قبل أن يغيب عن الوعي تدريجيًا.
بكت ياسمين أكثر قائلة برجاء:
– أرجوك كفاية…إنقله المستشفى أرجوك…هيموت.
لم تتغير تعابير وجه ضرغام الجامدة بغضب أهوج بينما تركت ياسمين جُرحيه مضطرة قبل أن تطالع جُرحه الثالث الحديث ببكاء و ندم.
ضربت على وجهه برفق قائلة:
– متنامش…فتح عينيك.
و لكنه لم يستجب لها فقد غاب عن الوعي تمامًا.
انتفضت واقفة و تقدمت من ضرغام قائلة بتوسل باكي:
– أرجوك أطلب الإسعاف أو إنقله المستشفى…هو نزف كتير..كدا هيموت.
قال ببرود رغم غضبه:
– معنديش سبب يخليني أعمل كدا…بالعكس دا أنا عندي سبب يخليني أقـ,,,ـتله بدل المرة مية.
ابتعدت عنه راكضة لذلك الذي صار كالجثة الهامدة و قامت بربط وشاحها حول جُرحيه و لكن بقى الجرح الثالث ينزف بغزارة.
نظرت إليه بعينيها الباكية ثم أومأت نفيًا بانهيار.
ركضت إلى ضرغام قائلة تستخدم كارتها الأخير:
– موافقة أتجوزك بس تنقله المستشفى و يبقى كويس.
نظر إليها بدهشة و عدم تصديق فقالت سريعًا:
– يلا بسرعة بقى..أرجوك.
– حسان..إنقله المستشفى بتاعتي و قولهم الحساب عليا.
ما إن أنهى جملته حتى سارع حسان بنقله إلى إحدى السيارات بمساعدة رجاله بينما لم تتوقف ياسمين عن البكاء حتى أصبحت عينيها يشوبها الحُمرة.
تقدم ضرغام منها مقتربًا منها أكثر ف اكثر قائلًا:
– كتب الكتاب بكرة.
نظرت إليه بفزع قائلة:
– بسرعة كدا؟
رفع أحد حاجبيه قائلًا:
– لو مكوناش بالليل متأخر كنت جيبت المأذون دلوقتي.خرجت من المرحاض بتعب و وجه شاحب بعد أن تقيأت للمرة الثانية من شدة توترها.
لم تنم من الليل شيئًا و جافى النعاس عينيها من فرط خوفها من القادم.
بقى عدة ساعات فقط لتصبح زوجة ضرغام…و ربما أقل!
جلست على الفراش و هي تعتصر معتدها بألم…تشعر كأنها أصبحت مُلتفة حول نفسها من التوتر كما يحدث معها دائمًا عندما تتوتر لأي سبب و لكن هذه المرة الألم لا يطاق.
فتحت الأدراج الواحد تلو الآخر تبحث عن مسكن و لكنها لم تجد.
نهضت بإرهاق شديد متجهة إلى باب الغرفة لتبحث بالمطبخ و لكن قبل أن تصل كانت صفية تفتح الباب بهدوء.
نظرت إلى ياسمين الشاحبة بقلق من حالتها و تقدمت منها لتربت على رأسها قائلة بحنان:
– مالك يا بنتي؟
أجابت بصوت كان الإرهاق جليًا فيه:
– مفيش…معدتي بتوجعني بس شوية.
قالت صفية بنظرات مُشفقة:
– طب تعالي..هديكي مسكن.
ذهبتا إلى المطبخ حيث جلست ياسمين إلى الطاولة بينما أحضرت لها صفية المسكن.
تناولته ياسمين و هي تخشى أن تتقيأ مجددًا ما إن يدخل أي شئ إلى معدتها.
نظرت إلى صفية قائلة:
– كنتي جاية لية يا دادة بدري كدا؟
أجابت صفية بنظرات فاضت إشفاقًا:
– ضرغام قالي أصحيكي علشان تجهزي…علشان هو طلب المأذون و هيجي بعد شوية.
ابتسمت بسخرية قائلة:
– مستعجل على إية؟…هو أنا هطير؟!
– إنتي كنتي عايزة تطيري فعلًا.
قالتها صفية قاصدة مغزى معين فهمته ياسمين بوضوح ثم أكملت قائلة:
– أنا حذرتك من موضوع الهروب دا قبل كدا يا ياسمين…كل إللي إنتي عملتيه إنك سهلتي عليه طريقه.
خفضت ياسمين عينيها التي أدمعت ثم قالت بجمود:
– أنا مش ندمانة إني حاولت أهرب…أنا ندمانة إني إستغليت عصام و دخلته في الموضوع دا.
تساقطت دموعها بالفعل و هي تكمل:
– كان هيموت بسببي…الله أعلم حالته إية دلوقتي.
رفعت عينيها قائلة بصوت أصبح مختنقًا:
– ممكن يا دادة تحاولي تعرفي أي أخبار عنه و تقوليلي حالته بقت عاملة إزاي؟…لو حصله حاجة أنا….
قاطعتها صفية بسرعة و عينين متسعتين و هي تشاهد اقتراب ضرغام من المطبخ قائلة:
– بس..إسكتي خالص و متجبيش سيرة عصام تاني على لسانك لو مش عايزاه يتأذى.
ابتسمت لضرغام بارتباك قائلة قبل وصوله إلى المطبخ لتُعلم ياسمين باقترابه:
– عايز حاجة يا حبيبي؟
قال و هو يتفحص ياسمين بنظراته بينما هي لم تلتفت له:
– لا أبدًا.
– طب أنا هروح أشوف حضروا الفطار على السفرة ولا لأ.
خرجت صفية سريعًا بينما نهضت ياسمين تنوي الذهاب و لكن أوقفها صوت ضرغام:
– ياسمين إستني…خلينا نتكلم و نتفاهم.
جلست مجددًا خافضة بصرها ثم قالت:
– نتفاهم في إية؟…ما إللي إنت عايزه هيحصل خلاص.
جذب مقعد الطاولة ثم جلس قائلًا بهدوء:
– أنا مكنتش عايز كدا…مكنتش عايز أتجوزك غصب عنك أكيد.
رفعت عينيها المُحمرة من قلة النوم و كثرة البكاء و استغلت ما ظنته فرصة قائلة:
– إحنا لسة فيها…لو فعلًا مش عايز تتجوزني غصب عني يبقى سيبني أرجع لأهلي.
زفر بحنق قائلًا:
– ياسمين..أنا بحبك و الله…إديني فرصة بس.
قالت بصوت مختنق:
– إنت إديتها لنفسك خلاص.
– ما إنتي إللي مش عايزة تديني أي فرصة…لية كدا يا ياسمين؟
نظرت إليه بحدة قائلة بشئ من العصبية:
– ألا قولي..لما بيحصل معاك مشكلة و أي حاجة وحشة و تبقى هتموت و تنسى..بتعمل إية؟
بُهت وجه ضرغام و قد فهم مقصدها بوضوح بينما أكملت ياسمين قائلة:
– طيب لما بتكسب مناقصة أو لما بتعقد صفقة كبيرة…حفلاتكوا بيكون شكلها إية؟
أوقف استرسالها في الحديث قائلًا:
– أنا عارف إني شخص وحش بس أنا مستعد أتغير و أتحسن على إيدك.
أسندت مرفقيها إلى الطاولة و وضعت يدها على جبينها و لم تجب عليه و قد أدمعت عينيها.
نظر إليها قائلًا:
– وعد مني يا ياسمين أتغير عشانك…بس إنتي ساعديني.
لم تجب و ظلت على وضعها و قد تساقطت دموعها و هي تفكر…ماذا ستكون ردة فعل أهلها عندما يعلمون بأمر زواجها؟…لقد رفض والدها هذا الرجل رفضًا قاطعًا.
ماذا تراه سيفعل عندما يعلم بزواجها منه؟
نهض ضرغام بهدوء و هو يراقب حيرة ياسمين و تخبطها ثم خرج تاركًا إياها تبكي بصمت.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
ما إن أصدر المنبه صوتًا حتى أوقفه محمد سريعًا فهو كان مستيقظًا بالأساس.
نهض عن الفراش سريعًا بنشاط فهو سيواجه ضرغام اليوم.
دلف إلى المرحاض و هو يتمنى ألا يعانده حظه و أن يكون ضرغام بالشركة.
منذ أن اختطفت ياسمين و هو لم يذهب إلى عمله و أكتفى بتبليغ سليم بأنه قد حلت عليه كارثة.
لم يلاحظ اختفاء ضرغام من وسط الشركة و العمل لعدم ذهابه إلى الشركة و لكن أبلغه رجل الأمن الذي تواصل معه البارحة أن ضرغام قد ذهب إلى الشركة البارحة لوقت قصير.
بالطبع لم يرفض رجل الأمن إعطاء محمد ما طلب من معلومات فمحمد محبوب من قِبل الجميع بالشركة فيما عدا الحاقدين.
كما أن رجل الأمن يعلم بعلاقة الصداقة التي كانت ببن محمد و فؤاد مما جعله يظن أن العلاقة بين محمد و ضرغام لابد أنها وطيدة.
خرج من المرحاض و هو يتنهد بثقل…سيتعمد أن يتأخر اليوم حتى يذهب إلى الشركة و منها إلى مكتب ضرغام مباشرة…يجب أن يضمن وجوده وإلا سيفسد كل شئ.
أغمض عيناه ببطء حزين ثم فرك وجهه بحنق.
ابن صديقه أصبح على أعتاب الإجرام و هو يقف مكتوف الأيدي…أو لعله أصبح مجرمًا بالفعل!
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
صعدت إلى غرفتها بخطوات ثقيلة و دموع متلاحقة…لقد أصبحت زوجته.
وكلت حسان و تم عقد القران سريعًا…أسرع مما تخيلت.
دلفت إلى المرحاض المُلحق بغرفتها لتستحم بالماء الدافئ بعد أن أزالت عنها حجابها بحنق فهي لم تكن تزيله عن رأسها أبدًا بالفترة الماضية مما سبب لها الاختناق.
خرجت مرتمية على الفراش بإرهاق جلي و غلبها النوم سريعًا من شدة إرهاقها و قد تركت شعرها فوضوي بدون حجاب لأول مرة بعد أن تم اختطافها.
و ما فائدة الحجاب الآن فلقد أصبحت زوجته…على الأقل لتتخلص من اختناقها به لفترة قصيرة حتى.
دلف ضرغام إلى الغرفة بعد نوم ياسمين بتسلل حتى لا تستيقظ فتمسك به بالجُرم المشهود.
ارتفع حاجبيه في دهشة عندما رآها تنام دون حجاب.
اقترب من الفراش و هو ينظر إليها بتمعن…إنه شعرها بالفعل!
لطالاما فشل في تخيل شعرها و لكنه كان دائمًا مقتنع أن الشعر البني يناسبها.
جلس إلى جوارها و تلمس شعرها بعينان تلمعان و بدأ الشيطان في عمله على الفور و وسوس له أن يأخذ قسطًا من الراحة إلى جوارها.
كاد أن يستجيب للعرض المغري لولا أن فُتح الباب فجأة بحذر تبعتها شهقة خافتة خرجت من صفية بشعور أقرب للذعر.
أشارت له أن يأتي فتذمرت ملامحه بضيق فأشارت له مجددًا فزفر بحدة ثم نهض ذاهبًا إليها.
– في إية؟
قالها ضرغام بحنق بعد أن خرجا من الغرفة فأجابته صفية بضيق قائلة:
– هو إية دا إللي في إية؟…ياسمين نومها خفيف إفرض صحيت و شافتك؟
قال ببساطة:
– و إية يعني؟
زفرت صفية بحنق منه ثم قالت بهدوء:
– لازم تخليها تثق فيك الأول يا بني…أُصبر على رزقك و إوعى تجبرها على أي حاجة تاني فاهم؟
– أنا عمري ما هجبرها على أي حاجة تاني يا دادة..إطمني.
ارتسمت ابتسامة على وجهها قائلة بحنان:
– ماشي يا حبيبي…إثبتلي بقى إنك بتحبها.
نظر إلى ساعته قائلًا:
– أنا هروح الشركة علشان الشغل كله على دماغ سليم و زمانه بيلطم…خلي بالك من ياسمين…هاجي بعد العصر علشان نروح نجيب فستان الفرح.
تجمدت ملامحها قائلة بدهشة:
– فستان الفرح؟!
أومأ قائلًا:
– انا مخلتهاش تنقل في أوضتي علشان لسة في فرح.
اتسعت ابتسامة صفية بفرح قبل أن تنحسر مجددًا قائلة بقلق:
– و هتعمل إية مع أهلها؟
احتدت ملامحه قائلًا قبل أن ينصرف:
– هتصرف.
اطمأنت صفية على ياسمين مجددًا بعد انصراف ضرغام ثم ذهبت إلى المطبخ لتشرف على تجهيز الطعام.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
دلف إلى الشركة بهيبته المعهودة التي سرعان ما لفتت أنظار الموظفين خاصة بعد غيابه عنها.
كان قد استقر خلف مكتبه عندما دلف سليم قائلًا بدهشة:
– مش مصدق إنك جيت…عملت إية في موضوع الخطف دا؟
صمت لبرهة ثم أكمل سريعًا بجدية:
– ضرغام…لو الخاطف طلب فدية كبيرة فدا معناه أنه عارف إنك وراها و هتدفع…إللي يعرفوا موضوعك إنت و ياسمين أصلًا يتعدوا على الصوابع..لازم يكون الخاطف عرف من حد منهم.
أجابه ضرغام بهدوء:
– أنا حليت الموضوع دا خلاص.
دفع الباب بعنف بالغ و دخل رغم السكيرتيرة التي تحاول منعه و لكنه دخل ، بل و أمسك ذاك القابع على مكتبه من مقدمة ملابسه صائحًا بعنف:
– فين بنتي يا ضرغام؟..أنا متأكد إن إنت إللي خطفتها.
أبعد ضرغام يديه عن قميصه ببرود و نظر إلى السكيرتيرة قائلًا:
– روحي إنتي على شغلك دلوقتي.
ما إن خرجت السيكرتيرة حتى صاح مجددًا:
– بقولك فين بنتي؟
– بنتك بخير.
قالها ببرود و كأنه لم يفرق فتاة عن أهلها و يسبب لهم الرعب و الذعر بينما خاب أمل محمد الأخير بأن يكون ضرغام ليس الفاعل و جُن جنونه من بروده قائلًا:
– إنت إية؟..معندكش إحساس؟!…إسمع..البنت ترجع البيت فاهم؟
استدار ضرغام ينظر عبر ذلك الحائط الزجاجي الذي ينظر منه دائمًا و قال:
– بنتك في بيتها أصلًا.
– إية؟…إزاي يعني؟
قالها محمد بدهشة بينما استدار له ضرغام مجددًا قائلًا بابتسامة باردة:
– إطمن يا عم محمد…بنتك في بيت جوزها.
صاح محمد غاضبًا و هو يعيد إمساكه من مقدمة قميصه:
– عملت إللي في دماغك و إتجوزتها؟
هذه المرة أزاح ضرغام يديه بحدة و قد تخلى عن بروده و صاح:
– متعملش نفسك مش واخد بالك إني بحبها…رفضتي لما إتقدمتلها و كنت هتجوزها بسرعة لأقرب عريس كويس إتقدم علشان تحميها مني مش كدا؟
لم ينطق محمد بأي شئ فهو لا يستطيع إنكار ما قاله بينما ابتسم له ضرغام بانتصار و قال بخفوت:
– إنسى..بقت ليا خلاص.
شحب وجه محمد و أومأ نافيًا بعدم تصديق قائلًا:
– لأ…ياسمين كانت رافضاك…هي عمرها ما تتجوزك و هي عارفة إني رافضك.
ابتسم قائلًا بسخرية:
– مش جايز غيرت رأيها لأي سبب؟
– يبقى أجبرتها.
ازدادت ابتسامته الساخرة اتساعًا و هو يقول:
– جايز…و مين عارف؟
قطب جبينه بحيرة و هو لا يدري أين الحقيقة فضرغام يراوغ ولا يريد إخباره بما حدث بالضبط…ربما يكذب…بل لابد أنه يكذب بالفعل فياسمين لن تتزوج به أبدًا و هي تعلم أن أباها رافض.
استدار ليذهب فواجه سليم الذي يقف مصدومًا في ركن بالغرفة.
تقدم منه بامتعاض قائلًا:
– شايف صاحبك بيعمل حاجة غلط..مش توقفه أو تحاول تمنعه؟
أجابه سليم بحرج و توتر:
– هو خبى عليا و الله يا عم محمد…مكونتش أعرف.
ابتسم محمد بسخرية قائلًا:
– ” المرء على دين خليله “…أنا بقول في إية بس؟
أنهى حديثه خارجًا من الغرفة بينما لحق سليم به قائلًا:
– يا عم محمد…يا عم محمد إسمعني بس و الله ما كنت أعرف حاجة.
ذهب محمد غاضبًا بينما رجع سليم أدراجه إلى غرفة المكتب.
دلف قائلًا بعصبية:
– بجد بحييك على الشغل الفاخر إللي إنت عملته…خطة متخرش المية..تخطفها و تغيب عن الشركة و تعمل نفسك بدور على الخاطف…بس الحق عليا..كان لازم أشك فيك من الأول علشان أنا كنت عارف إنك بتخطط لحاجة بس فكرت إن خطتك باظت لما ياسمين إتخطفت.
لم يجبه ضرغام و أخذ يتمعن بملف ما بهدوء فاقترب سليم قائلًا بحنق:
– إنت إتجوزتها بجد؟
أجابه ببرود و هو مازال يتمعن بالأوراق:
– لا بهزار.
ازداد حنق سليم قائلًا:
– أجبرتها إزاي؟
أراح ضرغام ظهره على المقعد و رفع عينيه لسليم قائلًا بعبث:
– و مين قالك إني أجبرتها؟
– أومال إية؟…وقعتها في غرامك يا ضرغام الفؤاد؟!
ابتسم قائلًا ببرود:
– لا أجبرتها.
– أوووووووووف.
صاح بها سليم بحنق بالغ قبل أن يقول بعصبية مفرطة قِلما تصيبه:
– أنا هغور من هنا..معنديش طولة بال أتحمل برودك دلوقتي…يا أخي الله يكون في عونها.
خرج سليم كالإعصار بينما همس ضرغام لنفسه:
– الله يكون في عوني أنا على حبها.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
كانت ياسمين تجلس بملل إلى طاولة في المطبخ بينما تقوم صفية بالإشراف على الخادمات حتى خرجن لينظفن الغرف عندما أنهين عملهن بالمطبخ.
نظرت إليهن ياسمين قائلة:
– دادة..هو أنا ممكن أساعدهم بما إني مطولة هنا بدل الملل دا؟
التفتت لها صفية بشئ أقرب إلى الفزع قائلة:
– إنتي إتجننتي؟…عايزة تقطعي عيشهم يا ياسمين؟…ضرغام لو عرف هيخرب بيتهم و أنا و إنتي أولهم.
تأففت ياسمين و أسندت مرفقيها إلى الطاولة واضعة وجنتيها على يديها بملل.
دلفت حنان إلى المطبخ و جلست في مواجهة ياسمين ثم قالت لصفية:
– هو إللي بيحصل دا عادي يا صفية؟
التفتت إليها صفية تناظرها بعدم فهم بينما تطلعت إليها ياسمين منتظرة توضيح فقالت:
– ضرب النار دا بيحصل على طول؟…إمبارح ضرغام و أول إمبارح حسان.
أجابت صفية بسخرية:
– لا مش على طول..دا بس علشان ضرغام خطف واحدة و إتجوزها غصب عنها بس.
نكست حنان رأسها قائلة بأسى:
– اه منك يا ضرغام…لو أبوك كان موجود كان عرف يتصرف معاك هو.
قالت ياسمين بشرود:
– يا ريته طلع طيب زي عمو فؤاد الله يرحمه.
نظرت إليها حنان بدهشة قائلة:
– إنتي تعرفي فؤاد الله يرحمه.
– مش أوي يعني…فاكرة عنه شوية حاجات صغيرة كدا.
– تعرفيه منين؟
أجابتها ياسمين و قد خرجت من شرودها:
– كان صاحب بابا.
قطبت حنان جبينها قائلة:
– باباكي؟…مين؟
– محمد عبد الكريم.
احتلت معالم الصدمة وجه حنان بينما استمعوا جميعهم إلى ضوضاء بالخارج…إنه صوت سيارات الشرطة.
دلف أفراد الشرطة إلى الداخل برفقة حسان الذي لم يستطع منعهم بوجود إذن التفتيش.
لحسن الحظ أن ضرغام قد رجع إلى المنزل بهذا الوقت…كان موقنًا أن محمد سيبلغ الشرطة و لهذا جاء بالأساس.
دلف إلى الداخل قائلًا:
– خير يا حضرة الظابط؟
أجابه الضابط بعملية و هو يشير إلى محمد الذي يقف إلى جواره:
– أستاذ محمد عبد الكريم بيتهم حضرتك إنك خطفت بنته ياسمين محمد عبد الكريم و بيقول إنك إعترفت صارحةً إنها موجودة هنا و معانا إذن بالتفتيش.
أجاب بكل أريحية:
– هي موجودة هنا فعلًا بس في سوء تفاهم.
ثم أخرج ورقة من جيبه معطيًا إياها إلى الضابط قائلًا:
– بص في الورقة دي كدا.
قرأ الضابط الورقة بعناية و التي لم تكن سوى قسيمة الزواج فرفع حاجبيه بتعجب ثم نظر إلى محمد قائلًا باستنكار:
– حضرتك بتهزر يا أستاذ؟!
ابتلع محمد ريقه بوجل خشية أن يكون ما أخبره إياه ضرغام صحيح…أخذ الورقة من الضابط و ما إن قرأها حتى كُبتت أنفاسه و زاغت عينيه ناظرًا إلى ضرغام بخزي جلي.
قال ضرغام للضابط المنزعج:
– دا سوء تفاهم يا حضرة الظابط…أكيد في حاجة غلط.
أومأ الضابط ثم انسحب أفراد الشرطة إلى الخارج بينما بقى محمد متسمرًا مكانه يرفض تصديق ما حدث.
سمحت صفية لياسمين بالخروج أخيرًا بعد انصراف أفراد الشرطة.
أغمض محمد عينيه بخزي مرير..لقد أصبحت ياسمين زوجة ضرغام…هو لم يكن يكذب.
لقد ظن أن ياسمين ستقاومه أكثر من ذلك…لربما أجبرها و لكنه يعلم أن ضرغام لا يؤذي ياسمين فهو يعشقها حتى النخاع.
ترى من وكلت ياسمين ليزوجها؟…هل هي سعيدة بذلك الزواج و قد تسلل ضرغام الفؤاد لقلبها النقي أم أن ضرغام أجبرها على الإستسلام بشكل ما؟
– بابا.
أخرجه صوتها الرقيق من دوامة أفكاره العاصفة و رفع إليها عينيه التي تفيض خزيًا و ملامح وجه مصدومة ترفض التصديق.
اقتربت تريد معانقته و الإختباء بأحضانه من هذا الضرغام المخيف لكنها ما إن تقدمت خطوة حتى تراجع هو مثلها إلى الوراء قائلًا بمرارة خزي سيطرت على حلقه:
– وكلتي مين يا ياسمين؟…خليتي مين ياخد مكاني؟
يتبع…..

 سلاتتوقفت ياسمين مكانها و قد تسمرت بصدمة..لقد أثبت لها والدها أنها فشلت في تخيل ردة فعله.
تحركت شفتيها بارتجاف قائلة و قد بدأت عيناها تدمع:
– بابا.
لم تزول نظرات الخزي من عينيه بينما لم تتحمل ياسمين نظراته تلك و بدأت تبكي بعنف.
نظر إليها بحنين جارف تغلب على خزيه بينما تقدم ضرغام منها بهدوء يحاول تهدأتها بعد أن أمر بانصراف حسان و رجاله.
قالت من بين شهقاتها لوالدها الذي يخفض عينيه أرضًا:
– دا محصلش بإرادتي..و الله هو أجبرني…إسمعني بس أنا هحكيلك إللي حصل.
أجابها و هو يراقب سوء حالة ابنته:
– عارف إنه أجبرك…بس هعمل إية أنا بالحكاية دلوقتي؟
ثم أكمل و هو يرشق ضرغام بنظرات باتت كارهة:
– لا ليا للحق أخدك لا بالشرع ولا بالقانون.
توقفت فجأة عن البكاء ناظرة إلى والدها بذهول.
هل سيتركها هنا و يرحل؟…انسابت دموعها مجددًا بعدم تصديق و هي تراقبه يوليها ظهره هامًا بالذهاب.
أولاها ظهره و شعوره بالعجز يقتـ,,,ـله..يمزقه إلى أشلاء صغيرة…لقد أصابه ضرغام بسكين حاد في منتصف قلبه…أصابه بابنته الكبرى.
عليه أن يخرج من هنا فورًا..لم يعد يستطيع الاحتمال أكثر…عليه أن يخرج قبل أن ترى ابنته ضعف والدها و عجزه أكثر…لا يجب أن ترى دموع حاميها القوي!
تركها تبكي وراءه منتزعًا روحه و قلبه حتى لا ترى ضعفه…يعلم أن ضرغام لن يؤذيها و لكنه سيعود.
ما إن تقدم خطوتين حتى اندفعت ياسمين راكضة إليه و هي تصيح:
– بابا.
صرخت بألم ساقطة أرضًا بعنف عندما التوى كاحلها من شدة اندفاعها بينما صاح ضرغام بخوف:
– ياسمين.
التفت محمد بفزع إلى ابنته و ركض إليها سريعًا بقلق.
جثى على الأرض أمام ابنته الباكية في مقابل ضرغام يتفحص قدمها المصابة بقلق.
زفر ضرغام بغضب و كاد أن يحمل ياسمين و لكنها ابتعدت عنه برفض أغضبه أكثر قائلة و هي تنظر إلى والدها بعينين باكيتين:
– بابا هيشيلني.
قطب ضرغام جبينه قائلًا بحنق:
– عم محمد راجل كبير يا ياسمين و….
تمنع عن إكمال حديثه عندما حملها محمد بكل سهولة صاعدًا بها إلى الأعلى عندما أخبرته أن غرفتها بالطابق الثاني.
كان لايزال يقف مندهشًا عندما اختفيا عن ناظريه.
خرج عن دهشته مناديًا حسان الذي حضر على الفور بصوت جهوري.
– إتصل بالدكتور بتاعي..قوله يبعت دكتورة كويسة على هنا بسرعة.
أنهى جملته صاعدًا إلى الأعلى و دلف إلى الغرفة التي كان بابها مفتوحًا.
كانت ياسمين جالسة على فراشها تبكي بينها هي تتمسك بوالدها الذي يجلس إلى جورها و هو يحتضنها محاولًا تهدأتها و قد بدا الحزن جليًا على وجهه و فاض من عينيه.
ضغط ضرغام على أسنانه بحنق مفرط…لا يحتمل حتى قرب والدها منها.
اقترب منها قائلًا:
– خلاص متعيطيش…الدكتورة زمانها جاية.
لم تجبه ياسمين فهي بالأساس لا تبكي بسبب ألم قدمها.
قالت من بين شهقاتها:
– بابا..خودني معاك…متسبنيش هنا.
– إنتي مش هتتحركي من هنا.
قالها ضرغام بحدة و هو يحاول السيطرة على أعصابه بينما أجابت هي:
– سيبني مع بابا شوية لو سمحت.
كاد أن يرفض و لكنه ضعف أمام نظراتها المترجية فخرج من الغرفة حانقًا.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
دلف ضرغام إلى غرفة ياسمين برفقة الطبيبة و لم تخفى عليه ملامح محمد المصدومة بينما قد توقفت ياسمين عن البكاء أخيرًا.
– دا إلتواء بسيط هيخف بعد أسبوعين إن شاء الله لو إلتزمت بإللي أنا قولته.
قالت الطبيبة تلك الكلمات و هي تعطي ضرغام ورقة مدون بها علاج.
همست ياسمين بأذن والدها:
– بابا…سيبني مع ضرغام شوية و أنا هقنعه يسيبني أروح معاك.
أجابها بعدم اقتناع:
– بتحلمي يا ياسمين…هيسيبك إزاي يعني؟
– سيبني معاه بس و أنا هقنعه.
خرج محمد من الغرفة بعد دلوف ضرغام الذي كان قد خرج ليجعل أحد الحراس يجلب العلاج المطلوب.
توجس عندما رآها تنظر إليه بنظرات كنظرات الجرو الصغير.
اقترب و هو يعلم ما ستطلب منه لكنه لن يقبل بالطبع فهي واهمة إن ظنت أنه سيبقل بشئ كهذا.
– ضرغام.
قالتها بصوت رقيق كاد أن يفقده صوابه.
جلس إلى جوارها و هو يحاول استيعاب مدى تأثيرها عليه قائلًا في نفسه ” احذر مكر حواء “.
تعلقت بذراعه منادية إياه مجددًا بصوت بدا له أكثر رقة من السابق:
– ضرغام.
نظر إلى ذراعه الذي أصبحت تحتضنه و أجاب بتوجس:
– نعم.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة مُهلكة قلما تُظهرها و قالت:
– دادة صفية قالتلي إنك ناوي تعمل فرح..و إنك عايز تجيب فستان الفرح إنهاردة.
أومأ مبتلعًا ريقه بتوتر…يخشى ألا يستيطيع احتمال دلالها أكثر…لكن مهلًا..لن يسمح لها باستغلاله.
– بلاش إستغلال يا ياسمين.
أجابت برقتها المعهودة:
– مش إستغلال..بس خلينا نتفق…أنا و بابا إتحطينا تحت الأمر الواقع و بقيت مراتك خلاص..يعني حتى لو مشيت من هنا دا مش هيغير حاجة.
قطب جبينه قائلًا بحنق:
– هتمشي تروحي فين؟…دا بيتك و هتفضلي فيه.
تطلعت له بعينين الجرو مجددًا قائلة:
– مش إنت قولت هتعمل فرح؟…هروح عند بابا و بعد كدا دا هيبقى بيتي..بس بعد الفرح.
– ياسمين..الفرح بعد يومين.
تصنعت الدهشة قائلة:
– و بالنسبة لرجلي إللي ممنوع أمشي عليها لمدة أسبوعين دي؟!
نظر إلى قدمها المصابة دون أن يجيب بينما أمسكت هي بيده قائلة برجاء:
– خلينا نأجل الفرح أسبوعين بس لحد ما رجلي تخف بس هكون عند بابا لحد وقت الفرح.
نظر إليها دون أن يجيب فقالت برجاء:
– عشان خاطري.
أجابها بضيق:
– ماشي يا ياسمين…عشان خاطرك.
ثم احتدت عيناه قائلًا:
– بس أي حركة غدر هتيجي منك أو من….
قاطعته بجدية بحتة:
– مفيش حركات غدر…مش أنا إللي أوعد و أخلف.
نهض خارجًا من الغرفة باختناق و هو لا يعلم كيف سيتحمل غيابها بعد أن اعتاد على وجودها دائمًا.
وقف أمام بوابة الفيلا يراقب انصرافهما بحسرة لاعنًا عينا الجرو تلك و كلامها المنطقي الذي جعله يواقف على رحيلها.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
بعد مرور أسبوع.
دلفت ريم إلى غرفة ياسمين و هي تحمل عشاءًا سريعًا قائلة بمرح محاولة التخفيف عن أختها:
– يلا يا ياسمين نهجم على السيندوتشات بسرعة..أنا عصافير بطني بتصوت.
لم تجبها ياسمين التي كانت تحدق بهاتفها بتركيز.
وضعت ريم الصينية جانبًا متجهة إلى ياسمين.
جلست إلى جوارها ناظرة إلى الهاتف بفضول قبل أن تقول بإعجاب:
– الله…دا جميل أوي.
أجابتها ياسمين و هي تنظر إلى صورة فستان الزفاف في الهاتف قائلة:
– ضرغام بعتلي الصورة علشان يجيبه لو عجبني…هو جميل أوي فعلًا.
ابتسمت ريم قائلة بشرود:
– و الله ضرغام دا مجنون.
التفتت لها ياسمين بتعجب فقالت ريم موضحة:
– عشان حب واحدة و معرفش يوصلها يقوم يخطفها و يتجوزها غصب عنها هي و أهلها…يا جبروته.
انتبهت ريم إلى أن الصورة التي تحدق بها ياسمين بالهاتف قد تغيرت فكانت صورة لضرغام و هو يرتدي حُلة الزفاف و قد أرسلها إلى ياسمين لتخبره برأيها بها. شهقت واضعة كلتا يديها على فمها بعدم تصديق و قالت محاولة التخفيف عنها:
– ياسمين…المز دا يبقى هو ضرغام؟…يخرب بيت المزازة..أنا عايزة واحد من دا.
– مزازة؟!
قالتها ياسمين بدهشة بينما أجابتها ريم قائلة:
– أيوة…إنت مش شايفة عامل إزاي؟…متخيلتش يكون مز للدرجة دي.
– ريم أسكتي…عيب كدا.
قالتها ياسمين بحدة بينما استمرت ريم و هي ترى نجاح أقوالها في التخفيف عن ياسمين:
– بصي لو إنتي لسة مش عايزاه ممكن تدهولي أنا عايزاه.
رمقتها ياسمين بحنق فقالت ريم متصنعة الاستسلام:
– خلاص هو بقى جوزك أصلًا مينفعش…طب هو معندوش أخ؟…لو مز زي ضرغام كدا أنا هخطفه و هجبره يكتب عليا و أهي تبقى فرصة علشان ضرغام يعرف أن الدنيا داين تدان.
لم تجبها ياسمين بينما عبست ريم بتصنع قائلة:
– إنتي زعلتي علشان بعاكس جوزك؟…طب ما هو أنا كمان عايزة أتجوز واحد مز…إشمعنى إنتي يعني؟
همست ياسمين بحنق:
– يا رب صبرني.
أجابتها ريم بعبث:
– فعلًا لازم ربنا يصبرك على المز دا ليوم الفرح لتوقعي في الرذيلة.
هنا نهضت ياسمين بعصبية قائلة و هي تضربها بالوسادة:
– و الله ما أنا سيباكي.
ركضت ريم إلى خارج الغرفة سريعًا و هي تضحك بصخب قائلة:
– خلاص يا ياسمسنا بقى..قلبك طيب…بعدين متمشيش على رجلك..هتبوظ و هتجوز ضرغام أنا بدالك.
أجابتها ياسمين و هي تقبض على الوسادة بقوة و تحاول اللحاق بخطوات ريم السريعة:
– هضربك يعني هضربك.
رمقتهما منيرة الجالسة على الأريكة إلى جانب زوجها قائلة باستنكار:
– هيفضلوا أطفال مهما كبروا.
أجاب محمد و هو يراقب ياسمين التي تضرب ريم بالوسادة بعد أن أمسكت بها أخيرًا:
– لا مش أطفال…بس تقدري تقولي إن بنتك الصغيرة عفريتة…شايفة عرفت تطلع ياسمين من المود إزاي.
ارتسمت ابتسامة راحة على وجه منيرة و لكن سرعان ما زالت و حل محلها معالم القلق و هي تقول:
– أنا خايفة على ياسمين أوي من الراجل دا يا محمد.
تنهد محمد بثقل…منذ أن قص عليها ما فعله ضرغام بالتفصيل من البداية و هي قلقة للغاية..تخشى أن يؤذي ابنتها المسكينة التي وجدت نفسها فجأة مكبلة من جميع الجهات بحب لم تكن تعلم عنه شئ.
حاول أن يطمئنها قائلًا:
– ضرغام بيحبها…مش هيأذيها أبدًا و هيحافظ عليها على قد ما يقدر.
– بس هي مش بتحبه و بتخاف منه كمان.
أجابها بهدوء قائلًا:
– بصي لنص الكوباية المليان…هتجوز واحد بيحبها و بيخاف عليها و مستعد يتغير على إيديها كمان…ممكن تكون هي السبب في هدايته…تفائلوا بالخير تجدوه.
التفت إليها قائلًا بتمني:
– عارفة يا منيرة..لو بقت ياسمين السبب فعلًا في هداية ضرغام…يبقى ربنا بيحبها بجد.
– يا رب يا محمد يا رب تكون هي السبب في هدايته.
– آمين.
رددها أكثر من مرة من أعماق قلبه و هو يتمنى أن يطمئن على ابنته و إن كان مضطرًا لتركها لدى ضرغام.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
بعد مرور أسبوع.
تطلع ضرغام إلى نفسه بالمرآة بتركيز قائلًا لسليم الذي يجلس عابس الوجه:
– في حاجة ناقصة؟
لم يجبه سليم..فقط نظر إليه باستنكار فقال ضرغام:
– هتفضل مقموص كدا كتير؟
– اه هفضل كدا و لولا العشرة مكونتش جيت فرحك إللي معمول بالغصب دا.
التفت إليه ضرغام قائلًا:
– إنت أكتر واحد عارف أنا حاولت قد إية أوصلها…كان في طريقة غير دي يعني؟
أجابه سليم ساخرًا:
– لا و نِعم الطُرق بصراحة.
– إنت مالك زعلان أوي من الحوار دا كدا لية؟
نهض سليم قائلًا بعصبية:
– علشان مبقتش عارف أحط عيني في عين عم محمد…و علشان صعبانة عليا البنت يا أخي.
التفت ضرغام إلى المرآه مجددًا قائلة و هو يتفقد هيئته:
– متقلقش..ياسمين هتعرف بعدين إنها كانت غلطانة لما رفضتني.
– ماشي يا ضرغام الفؤاد.
قالها سليم بسخرية فأجابه ضرغام:
– مش قصدي على كدا…هتفهم قصدي بعدين.
خرج ضرغام من الغرفة ذاهبًا إلى غرفة ياسمين.
طرق الباب بهدوء ففتحت له ريم و ما إن رأته حتى ابتسمت باتساع فقال بتوجس:
– خير؟!
لم تزُل ابتسامتها قائلة:
– خير إنت…جاي هنا لية دلوقتي؟
– عايز ياسمين.
– عايزها في إية؟
أجابها باستنكار:
– هقولها حاجة يا حشرية.
قالت باستفزاز:
– تؤ تؤ…مينفعش دلوقتي…مينفعش تشوف العروسة بفستان الفرح دلوقتي…يلا سلام.
أنهت حديثها و دلفت إلى الداخل مغلقة الباب خلفها.
جلست تتصنع الشرود إلى جانب ياسمين الشاردة فعلًا و التي انتبهت إليها قائلة:
– مالك..في إية؟
التفتت إليها ريم قائلة بوله مصطنع:
– ضرغام على الحقيقة أمزز بكتير.
نهرتها منيرة قائلة:
– عيب يا ريم.
أغلقت ريم عينها اليمنى و فتحتها سريعًا لوالدتها دون أن تلاحظ ياسمين بينما تقول:
– سوري يا ماما…الواحد قدام الحاجات دي مبيقدرش يسكت….هيييييح يا ريته خطفني أنا.
تجاهلتها ياسمين الغارقة بتوترها الذي لم تنجح محاولات ريم لإزالته فهي ليست عروس عادية بل هي عروس مجبرة على الزواج من قِبل العريس رغم وجود أهلها إلى جوارها.
لم يحزنها شئ في هذه الزيجة بقدر عجز والدها الذي لم يستطع مواراته بالكامل…لطالما كانت علاقة ياسمين بوالدها قوية للغاية…تخشى أن ينفد صبره و تحدث كارثة…على ضرغام أن ينتبه و يتقى شر الحليم إذا غضب.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
انتهى الزفاف و بدأ المدعون في الإنصراف.
تنهدت حنان بضيق و هو ترمق ياسمين بشفقة و ترمق ضرغام باستنكار.
لقد حضرت اليوم بعد أن غادرت لأختها منذ أسبوعين بينما لم تستطع أخت ضرغام الحضور لمكوثها خارج البلاد مع زوجها و ابنها الرضيع.
بدأت أنفاس ياسمين تعلو و هي تشعر و كأن أجلها قد حان بينما يحاول محمد كبح جماح غضبه الذي سرعان ما اشتعل و هو يرى حال ابنته.
ودعت ياسمين أمها و أختها و سلمى التي لاتزال مصدومة مما حدث حتى الآن.
خرجوا لينتظروا محمد بالخارج تاركين لهما حرية الحديث دون مراقبة أحد لهما باستثناء ضرغام الذي يرفض ترك ياسمين و لو لبعض الدقائق لتوديع والدها الحنون.
كبت محمد دموعه غصبًا و هو يحتضن ابنته بشدة و تعالت أنفاسه شوقًا من الآن.
ربت على رأسها قائلًا بصوت لم يصل إلى ضرغام الذي يقف على بُعد عدة أمتار منهما:
– مش عايزك تخافي يا حبيبتي..ضرغام بيحبك و مش هيأذيكي.
تجمعت الدموع بعينيها تنم عن مدى خوفها فأحاط وجهها بكفيه و مسح على وجنتيها بإبهاميه قائلًا:
– متعيطيش…أنا معاكي دايمًا يا ياسمين و قبلي ربنا معاكي..خليكي فاكرة دا كويس.
ثم أكمل قائلًا:
– مش إنتي قولتيلي إن ضرغام مستعد يتغير على إيديكي؟…لو إنتي بقيتي السبب في هدايته بجد..متخيله هيكون أجرك عامل إزاي عند ربنا؟
نظرت إليه ياسمين بعينين تلمعان بطمع…طمع في الأجر…طمع في الجنة.
احتضنها مجددًا بحنان قد فاض منه قائلًا و هو يربت على ظهرها:
– يلا روحي إطلعي أوضتك…و إتعاملي مع جوزك بما يرضي الله يا ياسمين مهما كانت الطريقة إللي إتجوزتوا بيها…عارف إن دا هيكون صعب..بس جوزك ممكن يكون سبب في دخولك الجنة و ممكن يكون سبب في دخولك النار.
خرجت من حضنه ثم أومأت له بابتسامة فبادلها إياها بابتسامة مُطمئنة.
صعدت الدرج و ابتسمت لوالدها الذي يراقبها من الأسفل مجددًا قبل أن تختفي بالرواق.
تنهد ضرغام براحة بعد انتهاء وصلة العشق الممنوع كما أسماها…لم يكن ليتحمل أكثر و لو لم تنهيها هي لأنهاها هو فشعور الغيرة بشع!
ابتلع محمد غصته بمرارة و فتح أول أزرار قميصه و هو يجاهد ضد اختناقه.
رمق ضرغام الذي يتقدم منه باستنكار و استدار موليًا إليه ظهره ينوي الذهاب.
ما كاد يخطو خطوتين حتى ناداه ضرغام الواقف خلفه مباشرة:
– عم محمد…أنا…
لم يكمل حديثه عندما أتته لكمة قوية بجانب فكه من محمد الذي لم يعد يستطيع التحمل…هو يطمأن من حوله و هو ليس مطمئنًا بالأساس…رغم علمه أن ضرغام لن يؤذي ابنته و لكنه قلقًا.
نظر إليه ضرغام بصدمة و هو يضع يده موضع اللكمة كأنه يتأكد من مدى صحة ما فعل محمد و لكن محمد لم يكتفي بعد.
أمسكه محمد من مقدمة قميصه صائحًا به بصوت علت نبرته:
– متبصليش كدا…أنا إللي يقرب من بناتي أكله ني…هم الحاجة الوحيدة إللي طلعت بيها من الدنيا دي…إللي مصبرني إني عارف كويس إنك بتحبها و مش هتئذيها بس لو حصل غير كدا إنت هتشوف عم محمد جديد…و لو إنت محتاج تربية أنا ممكن أربيك من الأول خالص يا ابن فؤاد.كان ضرغام لايزال مصدومًا عندما لكمه محمد مجددًا صائحًا به:
– لا فوق…إنت متستهلش ضوفر بنتي…إنت فين و هي فين.
كان ضرغام يحدق به بذهول و هو يحاول استيعاب أن محمد المحاسب الذي بات حماه مؤخرًا يضربه و يوبخه.
عاجله محمد بلكمة أخرى قائلًا بغضب:
– فوقت ولا لسة؟
و قبل أن يفكر ضرغام أن يجيب حتى لكمه محمد مجددًا و ثم جذبه من مقدمة بذلته صائحًا:
– ها…فوقت؟
احمر وجه ضرغام و برزت عروقه من الغضب و قد استعاب ما يحدث بصعوبة و أزاح يدي محمد عن بذلته بعنف.
– بابا.
قالتها ياسمين التي استمعت إلى صياح والدها الغاضب قبل أن تصل إلى الغرفة فرجعت أدراجها سريعًا.
هبطت الدرج بسرعة و هي ترفع فستان زفافها الطويل.
اقتربت من والدها راكضة إليها خشية أن يؤذيه ضرغام بعد أن رأت والدها يلكمه و هي أعلى الدرج.
وقفت بينهما ناظرة بذعر إلى وجه ضرغام الغاضب الذي يحاول كبح غضبه فقط من أجلها.
اقتربت منه ثم أمسكت بيده تحاول تهدأته قبل أن يؤذي والدها بغضب أهوج.
قالت بنبرة ينبع منها الرجاء:
– ضرغام.
نظر إليها بعينيه الحمراء الغاضبة فارتعبت و لكنها قالت:
– يلا نطلع أوضتنا.
لم يجبها بل أشاح نظره عنها ليرمق محمد بنظرات مستعرة.
التفتت ياسمين إلى والدها بخوف و قالت له برجاء:
– بابا..ماما و ريم مستنينك برا..زمانهم قلقوا عليك.
رمقه محمد بازدراء ثم ذهب بخطوات غاضبة.
التفتت ياسمين تنظر بخوف إلى ضرغام الذي ينظر إلى والدها الذي لم يختفي عن عينيه بعد بنظرات مشتعلة.
هبطت حنان الدرج قائلة بتعجب:
– إنتو لسة هنا؟
لم تتلقى إجابة فقالت لضرغام الذي يوليها ظهره:
– ضرغام..يلا خُد مراتك و إطلعوا أوضتكوا.
انحنى ضرغام ليحمل ياسمين فجأة فشهقت بذعر و هي تتشبث به خشية أن تسقط.
أغلق باب الغرفة بقدمه ثم وضع ياسمين على الفراش برفق قبل أن يتوجه نحو ثلاجة صغيرة في غرفته ليخرج منها قارورة تحتوي على نبيذ فاخر.
نظرت ياسمين إلى القارورة بعينين مشتعلتين و هي تراقب ضرغام الذي حمل كأسًا قبل أن يتوجه إلى الشرفة.
انتفضت ناهضة عن السرير بعنف ثم رفعت فستانها قليلًا قبل أن تركض إلى الشرفة.
و ما إن رأته يشرب تلك اللعنة حتى أخذت الكأس من يده ملقية إياه من الشرفة ليسقط بالحديقة.
نظر إليها بعينيه الغاضبة فاصطنعت البراءة قائلة:
– مش عايزة نبدأ حياتنا مع بعض كدا.
ضغط بعنف على أسنانه قبل أن يقول من بينها بنبرة غاضبة رغم خفوتها:
– أنا بشرب علشان أنسى إللي أبوكي عمله…صدقيني من مصلحته إني أنسى.
أمسكت بذراعه بقلق جلي ثم نظرت إليه قائلة برجاء خائف:
– ضرغام…إنت مش هتئذي بابا..صح؟
التفت إليها ناظرًا إلى ملامحها البريئة..عينيها الراجية و من ثم يديها التي تتشبث بذراعه كلما أرادت منه شيئًا.
يعلم أنها تستغله و تستخدم حبه لها ضده و لكن هو من يسمح لها بذلك..فلو لم يرد هو لما كان حدث أبدًا و لكن ليتسلى قليلًا و يستغلها هو بالمقابل.
اقترب منها أكثر حتى أمسى ملتصقًا بها فتوترت ملامحها رغم محاولتها أن تواري توترها.
تحسس وجنتها بظهر إصبعيه قائلًا بصوت حنون و قد امتصت غضبه تمامًا:
– لا يا حبيبتي..طبعًا مش هأذيه.
أخذت قدمها اليسرى خطوة إلى الوراء ثم ابتعدت عنه قائلة:
– ثواني و جاية.
راقب ابتعادها بضيق قبل أن يرفع عينيه يناظر القمر المكتمل بشرود…يبدو أن ياسمين سترهقه قليلًا.
عادت و هي تحمل ورقة ثم أعطته إياها.
نظر إلى الورقة و هو لا يفقه شئ مما دُوِن بها فنظر إليها سائلًا:
– إية دا؟
– دي أدوية هتساعدك في فترة انسحاب الكحول من الدم.
ناظرها بدهشة قبل أن يقول:
– أنا آخر مرة شربت كانت من شهور يا ياسمين.
ابتسمت باتساع و هي تقول:
– يعني إنت مش مدمن كحول؟…طب كويس وفرت علينا مشوار طويل.
رفع أحد حاجبيه قائلًا بمكر:
– علينا؟
توترت قليلًا قائلة:
– أيوة أنا هكون معاك في المشوار دا…مش إنت قولت إنك مستعد تتغير على إيدي.
أومأ قائلًا بابتسامة:
– أنا عند كلامي.
ابتسمت برقة…لقد حصلت على ما أرادت فضرغام لن يؤذي والدها و لكن مازال قلبها المسكين يئن حزنًا بسبب تلك الزيجة و وجلًا مما هي مقبلة عليه معه.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في الصباح الباكر.
أفلتت نفسها من بين ذراعيه التي تحتضنها ناهضة عن الفراش و جسدها يئن ألمًا.
وضعت يدها على جبينها مغمضة عينيها بوجع من ألم رأسها.
استحمت بماء دافئ ثم بدلت ملابسها لفستان منزلي و حجاب بسيط ثم نزلت إلى الأسفل متجهة إلى المطبخ بعد أن صلت.
بحثت عن مسكن للآلام حتى وجدته فتناولت قرصين منه ثم شرعت في إعداد كوب من القهوة السادة التي تشربها كلما اكتأبت أو حزنت.
جلست على مقعد أمام طاولة بالحديقة وسط الهواء المنعش و صوت زقزقة العصافير.
ارتشفت من قهوتها ثم انكمشت ملامحها من الألم الذي يضرب رأسها بلا رحمة.
وقعت عينيها على تلك الشجرة الكبيرة التي اختبأت خلفها يوم محاولة هروبها و تم كشفها من قِبل حسان.
أخذت ذاكرتها تصور لها الأحداث مجددًا…فشل محاولة هروبها الأولى…استغلالها لعصام…و من ثم زواجها من ضرغام كي تنقذه.
و لولا موافقتها على الزواج لكان عصام الآن في عداد الموتى.
تنفست بعمق محاولة عدم البكاء…التفتت تنظر إلى البوابة التي سمعت صوت صريرها فرأت ريم تتقدم منها بابتسامة عابثة.
ابتسمت بسخرية…لابد أن أباها و أمها قد بعثا بريم لتغير من مزاجها السئ.
اقتربت ريم جالسة إلى جوارها و هي تفتح فمها بذهول مصطنع.
وضعت ياسمين يدها أسفل فك ريم لتغلقه قائلة:
– إقفلي بقك دا لسحن العصافير تدخل جواه.
نظرت إليها ريم قائلة:
– إية المزاميز إللى عند البوابة دول؟
نظرت إليها ياسمين بتعجب قائلة:
– يعني إية مزاميز؟
– جمع مُز يا ياسمين.
ثم أكملت محاولة أن تؤدي مهمتها التي جاءت من أجلها بنجاح:
– أنا إزاي مخدتش بالي منهم إمبارح دول؟
أجابتها ياسمين باستنكار:
– إية إللي عاجبك في الديناصورات دول؟
– عجبني فيهم إنهم ديناصورات.
أكملت بهيام مصطنع و لكنه مُتقن:
– الواحد فيهم طول بعرض كدا قد الحيطة…تخيلي كدا لو أنا متجوزة واحد من دول و ماشية معاه في الشارع…محدش هيعرف يرفع عينه فيا و لا حد هيقدر يضايقني…مش كل شوية بقى واحد بيعاكس.
أمسكت بذراعها قائلة برجاء:
– بالله عليكي يا ياسمين تعالي معايا ننقي واحد لحسن الإختيار بينهم صعب أوي.
اتسعت عيني ياسمين بذهول قائلة:
– تنقي…هي طماطم يا ريم؟!…بعدين دول شكلهم يخوف أصلًا.
عبست ريم قائلة:
– ما هو جوزك كمان قد الحيطة زيهم…بتخافي منه؟
لم تجبها ياسمين فعلمت ريم جوابها من صمتها…بالأساس هي تعلم مُسبقًا أنها تخشى ضرغام.
كادت ياسمين أن ترتشف من فنجان القهوة عندما أخذته ريم من يدها صائحة بها:
– سيبي بقى…أنا طفسة يا ستي و مش هسبهولك.
ارتشفت منه قبل أن تنكمش ملامحها باستنكار من مذاق القهوة المر قائلة:
– قهوة سادة يا ياسمين؟…أومال فين النسكافيه؟
لم تجبها ياسمين و لم تنتظر ريم إجابة بالأساس فهي تعلم أن أختها تشرب تلك القهوة عندما تحزن.
– لا بس تصدقي فيها حاجة حلوة.
قالتها ريم بعد أن ارتشفت من القهوة مجددًا فأجابتها أختها قائلة بشرود:
– مفيش حاجة وحشة كليًا يا ريم…كل شئ ليه مميزاته و عيوبه.
تنهدت ريم و مالت برأسها مسنده إياه إلى كتف أختها قائلة بإصرار:
– أنا عايزة أتجوز واحد من دول…خلي جوزك يجوزني واحد منهم.
– دول معندهمش قلب يا ريم…بينفذوا الأوامر و خلاص و حياتهم معرضة للخطر طول الوقت.
نهضت ريم عن كتف أختها قائلة:
– عايزة تقوليلي إن كل دول مفيش ولا واحد فيهم عنده قلب؟
– إللي كان عنده قلب فيهم راح.
قالتها ياسمين بعينين قد أدمعتا رغمًا عنها و هي تتذكر عصام الذي كاد يموت بسبب استغلالها له.
قطبت ريم جبينها قائلة بعدم فهم:
– قصدك إية؟
– إنتي عرفتي ضرغام أجبرني على الجواز إزاي؟
أجابتها ريم نافية فقالت ياسمين و هي تتنهد بثقل:
– أنا هقولك.
ثم قصت عليها كل ما حدث منذ أن اختطفها ضرغام و حتى أجبرها على الزواج منه.
– طيب معرفتيش أي حاجة عنه بعد ما نقلوه المستشفى؟
أومأت ياسمين برأسها نافية قائلة ببكاء:
– حاولت أخلي دادة صفية تعرف أي أخبار و تقولي بس هي مرضتش و حذرتني أجيب سيرة عصام تاني عشان ضرغام ممكن يئذيه.
قالت ريم محاولة التخفيف عنها:
– مظنش ضرغام هيئذيه تاني…هو إستغل الفرصة علشان يتجوزك بس..هيستفاد إية لو أذاه؟
أومأت نافية برأسها و هي تجيب:
– دا بالنسبة لهم خاين…و الخاين عندهم عقابه الموت..إللي أنقذه بس إني وافقت إتجوزه.
ثم أكملت بشهقات خافتة من أثر البكاء:
– هو قالي من الأول إن لو إتكشفنا الموضوع دا هيكلفه روحه..بس أنا كنت أنانية أوي و إستغليته.
نكست ريم رأسها أرضًا لا تعلم ماذا تقول و قد حزنت لحزن شقيقتها…رأت حارس يقترب من مكانها فاستغلت الفرصة قائلة بعد أن شهقت بتفاجُؤ اصطنعته:
– ياسمين..ياسمين..ياسمين…إلحقي المز دا جاي علينا.
توقفت ياسمين عن البكاء ناظرة إلى ريم بدهشة و لكن خاب أمل ريم عندما رأت أن وجهة الحارس لم تكن سوى مكان آخر.
تقوس فمها للأسفل بطريقة طفولية مضحكة قائلة:
– هو مجاش لية؟
نظرت إلى ياسمين قائلة بوجه عابس:
– هو مش عايز يتجوزني؟
ابتسمت ياسمين رغمًا عنها من كلام أختها ففرحت ريم ببواشر نجاح خطتها و قالت و هي تصطنع النهوض:
– طيب هو مش عايز يجي…هروحله أنا.
أمسكت بها ياسمين سريعًا قبل أن تذهب قائلة:
– بت..إنتي إتجننتي؟…إقعدي مكانك.
– أنا فقدت السيطرة على نفسي خلاص…جوزوني واحد من دول يا إما هروح هتجوز كلب الحراسة القمر إللي عند البوابة دا.
– أنا موعودة بالمجانين.
قالتها ياسمين و هي تضحك فنظرت لها ريم براحة و قد نالت ما أرادت أخيرًا.
طالعتها ياسمين بحنق قائلة:
– مش خلتيني أضحك في الآخر…يلا قومي روَّحي.
ابتسمت ريم مصطنعة الفخر قائلة:
– دي أقل حاجة عندي…بس مش هروَّح دلوقتي و أنا إيدي فاضية كدا..لازم أطلعلي بعريس من المزاميز دول.
– في حاجة أسمها مزاميز؟
– ما قولنا جمع مُز يا ياسمين.
نظرت ريم بحنان إلى ياسمين قائلة بجدية:
– إنتي عارفة إني مش بتحمل شكلك و إنتي زعلانة.
أرادت ياسمين أن تحدثها أختها عن حبها لها قليلًا فسألت:
– لية؟
– علشان بيكون شكلك كيوت و رقيق كدا و بيجيلك عرسان و أنا لأ.
ضربتها ياسمين بخفة على كتفها قائلة بحنق:
– فصيلة.
ضحكت ريم بشدة ثم انتبهت لاقتراب ضرغام منهما فهمست في أذن أختها:
– المُز جوزك جاي علينا…ولا هيطلع رايح حتة تانية زي المز التاني؟
التفتت ياسمين تنظر إلى ضرغام الذي يتقدم منهما ثم قالت لأختها بجدية:
– طب أُسكتي بقى لو مش عايزاه يسمعك و إنتي بتعاكسي رجالته.
جلس إلى جوار ياسمين من الجهة الأخرى قائلًا:
– صباح الخير.
– صباح النور.
أجابته ريم بينما أمسكت ياسمين بيده قائلة بأسلوب لطيف تشوبه الرقة:
– إسمها السلام عليكم…إحنا مسلمين تحيتنا السلام عليكم.
أومأ لها مبتسمًا فسالته بهمس تمكنت ريم من سماعه:
– صليت الصبح؟…إنت مصلتش الفجر.
و قبل أن يجيب ضرغام نهضت ريم قائلة:
– طيب هطير أنا بقى بما إن المهمة تمت بنجاح.
ذهبت ريم سريعًا مندهشة مما تفعله أختها بينما نظرت ياسمين إلى ضرغام منتظرة إجابته فأجابها نافيًا بحرج.
ابتسمت لتزيل عنه حرجه قائلة:
– طيب تعالى نصلي سوا.
نهضا متجهان إلى الداخل ليتوضأ ضرغام و يكون إمامها في الصلاة.
– هو إنت بقالك كتير مبتصليش؟
قالتها ياسمين بعد أن إنتهوا من الصلاة فأجابها بحرج:
– لأ…بس متقطع.
– طب إية رأيك نتخلص من كل الخمور إللي في البيت؟
نظر إليها متعجبًا قليلًا يراها تتعجل.
قالت بإصرار حازم بعد أن ظنت أن هناك بقايا تمسك بذلك المشروب المقزز:
– عايزاك تعرف حاجة كويس يا ضرغام…يا أنا يا الخمرة في البيت دا.
ابتسم إليها قائلًا:
– تولع الخمرة..إنتي أهم بكتير…متحطيش نفسك في مقارنة مع حاجة زي دي يا ياسمين.
بادلته البسمة برضا و خجل كان بَيِّن على وجنتيها اللتان احمرتا.
تلمس وجنتيها بأنامله قائلًا بإعجاب بدا جليًا على وجهه:
– خدودك فيها ورد.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
دلفت إلى الإسطبل لأول مرة لترى على ماذا يحتوي بعد أن أرشدها إليه أحد الحراس.
رأت الكثير من الخيول التي تحبها منهم حصان أسود جذاب ذا هيبة يخطف الألباب و من مظاهر العناية به علمت أنه لضرغام.
تقدمت أكثر و هي تتحسس جباه الخيول و شعرها برقتها المعتادة.
لاحظت صوتًا يأتي من الداخل و قد ظنت أن المكان فارغًا.
تقدمت أكثر تنظر إلى تلك الغرفة المعزولة على اليمين قبل أن تتسع عينيها بفزع و تخرج سريعًا من الإسطبل.
ركضت إلى ضرغام الذي كان يتحدث إلى حسان في الحديقة.
تعلقت بذراعه و هي تكاد تبكي من الخوف مشيرة إلى الإسطبل و هي تقول:
– أسد..في أسد هناك.
استغل الفرصة و ضمها إليه دون رفض منها قائلًا و هو يربت على ظهرها ليطمئنها:
– إهدي بس…هو خرج من القفص؟
– لأ…بس هو بيعمل إية في الإسطبل؟
أجابها بهدوء:
– دا الأسد بتاعي يا ياسمين…أنا إللي مربيه.
اتسعت عينيها بصدمة قائلة:
– هو إنت من الناس إللي بتحب تربي الحيوانات المتوحشة؟
أجابها مبتسمًا:
– لأ..بس الأسد دا بابا الله يرحمه هو إللي كان جيبهولي…كان وقتها شبل صغير خالص.
طالعته بتعجب بينما جذبها هو تجاه الإسطبل فاعترضت قائلة بخوف:
– لأ لأ…مش عايزة أروح هناك تاني…الأسد دا لو جعان هيكولنا.
جذبها مجددًا و هو يطمئنها حتى أصبحا أمام الأسد بالفعل و هي تتعلق بذراع ضرغام بخوف.
نظرت إليه قائلة:
– هو إسمه إية؟…ولا إنت مسمتهوش؟
ابتسم بحنين لوالده الراحل قائلًا:
– إسمه ضرغام.– ضرغام!
قالتها ياسمين بدهشة فأجابها ضرغام و قد بدا غارقًا بذكرياته:
– أيوة…بابا الله يرحمه جابهولي و هو شبل صغير لما كنت في الثانوي و قالي أنا هسميه على إسمك علشان تاخد الحلو من صفاته.
تنهد بعمق ثم أكمل بينما ياسمين تنصت إليه:
– قالي أنا سميتك ضرغام علشان ضرغام إسم من أسماء الأسد و معناه الشجاع…أنا سميتك ضرغام و عايزك تكون ضرغام بجد…و كان مصر على كلامة لدرجة إنه إشترى الأسد دا و سماه على إسمي…بابا الله يرحمه كان بيحب الأسود جدًا..سواء شكلها أو طباعها و عشان كدا سماني ضرغام.
أفلت ذراعه من يديها التي تقبض عليه و اتجه نحو القفص مخرجًا عدة مفاتيح من جيبه ثم همّ بفتح القفص عندما صاحت ياسمين بفزع:
– لأ لأ…متفتحش القفص..هيكولنا.
طمأنها قائلًا:
– متخافيش..هو عمره ما هياكل صاحبه.
أمسكت بذراعه مجددًا جاذبة إياه بعيدًا عن القفص و هي تقول بخوف جلي:
– و بالنسبة ليا يكولني عادي؟
أفلت ذراعه منها مقتربًا من القفص حتى فتحه قائلًا:
– متخافيش..هو مش جعان دلوقتي.
و ما إن دلف ضرغام إلى القفص حتى انقض عليه الأسد فأسقطه أرضًا.
أطلقت ياسمين صرخة فَزِعة و قد بدأت بالبكاء قبل أن تصمت بدهشة عندما سمعت ضحكات ضرغام الصاخبة و هو يلهو مع حيوانه المفترس!
خرجت عن دهشتها مُكملة نحيبها بينما هي تخرج من الإسطبل.
دلف حسان إلى الإسطبل سريعًا ما إن استمع إلى صراخ ياسمين فأجابه ضرغام عن سؤال غير منطوق:
– فكرت إن الأسد هيكولني فصرخت.
خرج ضرغام من القفص و قال و هو يعطي المفتاح إلى حسان:
– إقفل القفص كويس.
لحق بياسمين التي وجدها تجلس على فراشها بشرود و قد كفت عن البكاء.
جلس إلى جوارها ضامًا إياها إليه قائلًا بهدوء:
– الأسد مكانش هيكولني يا ياسمين..دا كان بيرحب بيا بس.
اجابته عابسة الوجه:
– مش حاجة حلوة إنك تربي أسد.
– بالعكس..دي الأسود جميلة و هسمي ولادي على أساميهم زي ما بابا الله يرحمه عمل.
بدت واجمة و لكنها قالت:
– قول إن شاء الله ” ولا تقولن لشاْئ إني فاعل ذلك غدًا ● إلا أن يشاء الله و اذكر ربك إذا نسيت و قل عسى أن يهدينِ ربي لأقرب من هذا رشدًا ● ” صدق الله العظيم.
تمتم بصوت مسموع:
– إن شاء الله.
ثم أكمل بحماس فاض منه حتى أجفلها:
– أنا عايز ولاد كتير نسميهم بأسامي الأسود.
تسارعت أنفاسها قليلًا بتوتر قائلة:
– مش شايف إنه لسة بدري على الكلام دا؟
نظر إليها بتعجب قائلًا:
– بدري لية؟
حاولت مواراة توترها عبثًا قائلة:
– يعني علشان لسة قدامنا مشوار طويل مع بعض الأول.
– حبيبتي الخلفة مش هتعطلنا عن حاجة متخافيش…أنا عايز ولد في أسرع وقت.
اتسعت عينيها بعد جملته الأخيرة…ابتلعت لعابها بوجل قائلة بخوف:
– مينفعش بنت؟!
استشعر خوفها فطمأنها قائلًا:
– ينفع طبعًا…بس أنا عايز ولد الأول علشان يكون هو أكبر من أخته و ياخد باله منها.
غير موضوع الحديث فجأة قائلًا:
– ياسمين..متشربيش قهوة بعد كدا من غير فطار.
أكمل و هو يتحسس شعرها المسدول:
– عايزك تاخدي بالك من صحتك أكتر من كدا و أكلك و إوعي تنسي تاخدي الدوا.
أومأت له في صمت واجم دون أن تجيب..فلازال أمر الإنجاب يُقلقها.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
مساءًا..في فيلا ضرغام.
– يا ماما و الله كويسة و في أحسن حال..متقلقيش عليا خالص.
قالتها ياسمين التي تحادث والدتها عبر الهاتف بينما كان ضرغام يستحم.
– و الله باكل كويس و باخد الدوا يا ماما..متقلقيش…مع السلامة.
قالتها مودعة والدتها قبل أن يخرج ضرغام عاري الصدر كما اعتاد فرأت اسمها الموشوم على صدره بوضوح.
اشتعلت عينيها و صاحت بعنف غاضبة:
– إية دا؟
التفت لها ضرغام بعدم فهم فنهضت مقتربة منه تشير إلى الوشم الذي على صدره موضع قلبه تمامًا قائلة بحدة لم تستطع كبحها:
– إية الوشم دا؟
ابتسم رغم حدة نبرتها قائلًا:
– دا إسمك…مكتوب بالخط العربي الديواني.
قطبت جبينها و هي تنظر إلى الوشم بتركيز إلى أن استطاعت تمييز حروف اسمها فهي لم تنتبه أن الوشم عبارة عن كتابة بالأساس.
نظرت إليه بغضب قلما يظهر قائلة:
– و لية واشم إسمي على صدرك؟…إنت متعرفش إن الوشم حرام؟…متعرفش إنه بيلوث الدم؟
أحاط خصرها فجأة بذراعيه قائلًا:
– أنا مفكرتش في أي حاجة من الحاجات دي لما جيت أوشمه.
أفلتت نفسها من بين ذراعيه قائلة بحزم:
– الوشم دا لازم يتشال.
نظر إليها قليلًا و قد بدت مصرة ثم قال:
– الوشم دا عزيز على قلبي جدًا يا ياسمين و مش هشيله.
تقوس فمها للأسفل و هي تنظر إليه بتفاجؤ.
ضحك و هو يرى مظهرها الطفولي قائلًا:
– المفروض تفرحي إن جوزك بيحبك و واشم اسمك مش تزعلي كدا.
أجابت نافية و هي تحرك رأسها يمينًا و يسارًا:
– المفروض أزعل لما ألاقي جوزي بيعمل حاجة غلط و حرام.
ثم أكملت و هي تنظر إليه برجاء:
– شيل الوشم دا علشان خاطري يا ضرغام.
التقط قميصًا ليرتديه دون أن يجيبها و قد بدا عليه الإنزعاج و الضيق.
تابعته بعينيها بحزن و هو يخرج من الغرفة دون حديث.
أغمضت عينيها فسالت دموعها بصمت…عزمت أنها ستتحمل و ها هي تبكي منذ اليوم الأول لهما معًا.
تستمر بمقاومة نفورها منه حتى لا يغضب منها و يستخدم العند ضدها فذلك سيرهقها كثيرًا.
لا تعلم أهي تكرهه أم لا و لكن لطالما حدثت نفسها أن اختطافه لها و إجبارها على الزواج منه رغمًا عنها و حزن عائلتها الذي رأته واضحًا رغم محاولاتهم لمواراته عنها و كسر والدها بذلك الشكل كان كفيلًا لجعلها تكرهه…هذا إن لم نذكر محاولة قتــــ,,له لعصام.
عصام!…ذلك المسكين الذي ندمت أشد الندم لاستغلالها له.
مازالت لا تعلم عنه شيئًا إلى الآن…ترى كيف حاله؟…هل تعافى أم لا؟
عليها أن تحاول مجددًا…يجب أن تطمئن على حاله التي عملت على تدهورها بنفسها…و لكن عليها أن تتوخى الحذر فهي لا تعلم روح من ستُقبض إذا علم ضرغام.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
أفلتت نفسها من بين ذراعيه بحذر حتى لا توقظه من سباته و نهضت عن الفراش و هي تنظر إليه بتمعن حتى تتأكد أنه مازال نائمًا.
دلفت إلى المرحاض حتى لا تجعل في نفسه مكانًا للشك إذا استيقظ أثناء فرارها منه.
خرجت بعد عدة دقائق فرأته نائمًا كما هو و بدا أنه لم يُحدث أي حركة.
فتحت باب الغرفة بهدوء و خرجت مغلقة الباب خلفها دون إحداث أي صوت.
نزلت السلم بهدوء ثم اقتربت من غرفة صفية و طرقت الباب بخفوت.
لم يصدر أي ردة فعل عن صفية مما أكد لياسمين أنها نائمة ففتحت الباب دالفة إلى الداخل ثم أغلقته بحذر.
اقتربت من صفية النائمة و أخذت تربت عليها بخفة قائلة بصوت هامس:
– دادة…يا دادة.
فتحت صفية عينيها الناعستين قائلة بقلق ما إن رأت ياسمين في غرفتها بذلك الوقت:
– في إية؟
ازدردت ياسمين لعابها قائلة بتردد خائف:
– عايزاكي تساعديني يا دادة.
ربتت صفية على ذراعها قائلة بحنان:
– لو أقدر مش هتأخر عنك يا بنتي…عايزاني أساعدك في إية؟
تنفست بعمق قبل أن تقول بصوت خافت بدا فيه الخوف جليًا:
– عايزة…عايزة أشوف عصام علشان أتأكد إنه بقى كويس.
اتسعت عينا صفية و قد ذهب عنهما النعاس سريعًا بعد سماعها لحديث ياسمين.
نهضت عن الفراش صائحة بفزع:
– تاني يا ياسمين؟…مش قولتلك متجبيش سيرة الموضوع دا تاني علشان متئذيش عصام…و عايزة تشوفيه كمان؟!
اقتربت منها ياسمين قائلة برجاء:
– وطي صوتك يا دادة علشان محدش يسمعنا.
ثم أتبعت بشئ أقرب إلى التوسل:
– بالله عليكي يا دادة تساعديني…أنا ضميري بيأنبني جدًا من وقتها و عايزة بس أتأكد إنه بقى كويس علشان أخلص من العذاب دا.
– و لو ضرغام عرف و أذاه؟
قالتها صفية مُحذرة بينما زاغت حدقتا ياسمين بخوف قبل أن تقول:
– إن شاء الله مش هيعرف…بس أنا لازم أشوف عصام علشان الموضوع دا يتقفل بقى.
شردت صفية لبعض الثواني بينما انتظرت ياسمين جوابها على أحر من الجمر.
أومأت صفية نفيًا قائلة:
– مقدرش أساعدك في حاجة زي كدة يا ياسمين…و إرجعي عن إللي في دماغك أحسنلك.
– بس….
قاطعة بنبرة حازمة:
– من غير بس…إللي إنتي بتعمليه دا غلط.
نكست رأسها بيأس ثم خرجت من الغرفة صاعدة إلى الأعلى بخطوات باتت متثاقلة بسبب ما تحمله من هم و ما لم تعد تتحمله من عذاب الضمير.
اندست في فراشها إلى جوار ضرغام ببؤس و لم تستطع منع دموعها من السيلان.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في الصباح.
” ضرغام الفؤاد يختطف قلوب العذاري بِطلة ساحرة في يوم زفافه بينما لايزال سبب مواراة العروس عن العيون مجهولًا! “.
ابتسم بسخرية مما قرأه بالجريدة فالصحافة لاتزال تتداول أمر زفافه خاصة أنه أخفى العروس و مظاهر الإحتفال و اكتفى فقط بصورة له يوم زفافه لنشر الخبر من قِبل جريدة يثق بها.
وضع الجريدة جانبًا بحنق بينما ياسمين تجلس إلى يمينه إلى طاولة الطعام تراقب حنقه بتعجب.
أخذت الجريدة بهدوء لتلتهم عينيها السطور بضيق قبل أن تضعها بنفس الحنق الذي وضعها به.
سألته دون مقدمات:
– إنت كان ليك علاقات نسائية قبل كدا؟
نظر إليها بتفاجؤ قليلًا قبل أن يقول:
– لأ…إنتي الأولى و الأخيرة.
استدرك خطأه قائلًا:
– إن شاء الله تبقي الأخيرة.
ضمت حاجبيها قائلة:
– أومال مين إللي طلع عليك إسم ضرغام الفؤاد دا؟
نظر إليها بتمعن يأمل أن تكون تسأله بدافع الغيرة ثم قال:
– معرفش يا ياسمين…مش بهتم بالكلام دا.
نهض بعد أن أنهى طعامه قائلًا:
– أنا رايح الشركة علشان الشغل كله على دماغ سليم و زمانه بيصوت.
قبل جبينها ثم رحل بينما هي شاردة تمامًا.
سليم…كيف ذهب عن بالها…إنه صديق زوجها الذي لا يُعينه على الخطأ أبدًا.
لقد أخبرها والدها سابقًا عن حديث سليم بأنه لم يكن يعلم بأمر اختطافها أبدًا و لو كان يعلم لما ترك ضرغام يفعل شيئًا كهذا أبدًا.
حتمًا سياسعدها إن طلبت منه في أمر عصام…لابد أنه لا يعلم عن هذا أيضًا.
ابتسمت باتساع و تنهدت بارتياح صاعدة إلى الأعلى ذاهبة إلى غرفتها لتضع خطتها المُحكمة في هدوء فأي خلل فيها قد يودي بحياة شخص خاصة عصام.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
– عم محمد بيجي؟
سأل ضرغام فأجابه سليم:
– أيوة بيجي…الحمد لله إنه مسابش الشغل بعد إللي حصل..دا كان هيعمله مشاكل و مراتك كانت هتكرهك أكتر.
– مين قالك إنها بتكرهني؟
قالها ضرغام بضيق فأجابه سليم بسخرية:
– أومال هتكون دايبة فيك يعني؟…لازم تكون بتكرهك طبعًا بعد إللي إنت هببته.
شرد ضرغام قليلًا و أخذت الأفكار تعصف به…يعلم أنها لا تحبه و لكن لا يعلم إن كانت تكرهه أم لا.
لا يخفى عليه حزنها و نفورها منه رغم محاولاتها لمواراة ذلك و إدعاءها العكس.
– سرحت لية؟
أفاق من تفكيره على جملة سليم الماكرة.
– كويس إنك مدرك الحقيقة بردو.
– سليم…إطلع برا.
قالها ضرغام بحنق فأجابه سليم بحنق مماثل:
– طالع..أومال هقعد معاك يعني؟!
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
– هي عجباكي أوي كدا؟
– نفسي أطلعها و ألعب بيها.
أجابت ياسمين على سؤال ضرغام المتعجب و هي مستمرة بالعبث بتفاحة آدم خاصته.
أمسكتها بقوة فجأة فصاح ضرغام متألمًا:
– آه…هتخنقيني.
أفلتتها ثم اعتدلت بجلستها على الفراش قائلة و هي تتحسس عنقها:
– هو أنا لية معنديش واحدة؟
أجابها ساخرًا:
– معلش…تفرقة عنصرية.
أغمض عينيه حتى ينام بعد أن كفت ياسمين عن اللعب بتفاحة آدم أخيرًا.
أطفأت المصباح الصغير الذي إلى جوارها ثم تسطحت على الفراش تنتوي النوم كما ظن هو.
انتظرته حتى غط في نوم عميق ثم التفتت له تتفحصه جيدًا قبل أن تمسك بيده بحميميه حتى لا يكشف أمرها إذا استيقظ فجأة أو كان مستيقظًا بالأساس!
التقطت هاتفه الموضوع إلى جواره ثم وضعت إصبعه على المكان المخصص لبصمة الإصبع فتم إلغاء قفل الهاتف.
ابتسمت باتساع و هي تحمد الله داخلها أن ضرغام لا يهتم بأن يكون هاتفه من أحدث طراز و إلا لما استطاعت إلغاء قفل الهاتف أبدًا.
فتحت جهات الإتصال سريعًا و قامت بالبحث عن رقم سليم فوجدته بسهولة و سرعان ما قامت بتسجيله على هاتفها ثم أغلقت جهات الإتصال سريعًا و قامت بمسحها من تسجيلات النشاط بالهاتف و لم تنسَ بالطبع الرجوع إلى تلك الصورة التي ظهرت ما إن تم إلغاء القفل…صورتها هي.
أغلقت قفل الهاتف مجددًا ثم وضعته إلى جوار ضرغام كما وضعه هو تمامًا.
تسطحت مجددًا و ينتابها الشعور بالذنب و لكن بررت لنفسها أن ذلك من أجل من استغلته و ظلمته حين أقحمته في أمر هروبها و عرضته للخطر…حتى أنه كادت أن تزهق روحه و تذهب سُدى.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في الصباح.
انتظرت ياسمين ذهاب ضرغام على أحر من الجمر حتى تبدأ بتنفيذ خطتها.
و ما إن رحل حتى صعدت لغرفتها مغلقة الباب خلفها بإحكام.
أمسكت هاتفها و قامت بالإتصال بسليم الذي أجاب قائلًا:
– ألو.
قالت بتوتر:
– السلام عليكم.
– و عليكم السلام.
أخذت نفسًا عميقًا لتحد من توترها ثم قالت:
– إزي حضرتك يا باشمهندس سليم…أنا دكتورة ياسمين.
أتاها صوته المندهش:
– الحمد لله..تمام…خير يا دكتورة في حاجة.
قالت دون مقدمات فارغة:
– عايزة حضرتك تساعدني في موضوع مهم.
ثم قصت عليه ما حدث معها و مع عصام في ذلك اليوم المشؤم.
قال بصدمة بينما يحاول استيعاب ما تقول:
– طيب..أنا أقدر أساعدك في إية دلوقتي؟
كان يخشى أن تخبره أنها تريد ترك ضرغام أو الهروب منه…هو لا يعرف شخصية ياسمين بعد.
– عايزاك تعرف هو فين علشان عايزة أشوفه و أطمن بنفسي أنه بخير.
قال بتحذير:
– إنتي كدا بتعرضي حياته للخطر للمرة التانية.
ثم أكمل عندما لم يأتيه رد منها:
– لية منكتفيش بإني أعرف هو فين و أشوفه و أقولك حالته بالظبط؟…إنتي عارفة إني برا الموضوع دا كله و مش هضحك عليكي.
استمرت بصمتها فقال بتفهم:
– حقك متثقيش فيا بس إنتي عارفة إني ضد ضرغام في إللي هو بيعمله.
قالت فجأة:
– موافقة…أهم حاجة أطمن عليه علشان ضميري يرتاح.
– إتصلي بيا في الوقت المناسب ليكي و لو وصلت لحاجة هقولك…مع السلامة.
أنهت المكالمة و هي عازمة أن تنهي هذا الأمر حتى ينتهي هذا الكابوس و لكن عليها توخي الحذر حتى لا تعيش كابوسًا آخر يكون ضرغام جلادها به.إللي قدرت أعرفه إنهم حجزينه في المستشفى بتاعت ضرغام و رافضين يطلعوه مع إن حالته بقت كويسة.
قالها سليم لياسمين التي يحادثها عبر الهاتف بينما هو يجلس خلف مكتبه بالشركة.
أتاه صوتها القلق و قد اختنقت بذنبها:
– يعني إية؟…هو ناوي يعمل فيه إية؟
أجابها بحيرة:
– معرفش…ضرغام مبقاش يقولي حاجة في أي حاجة تخصك علشان عارف إني ضده في الموضوع دا…أنا عرفت المعلومات دي من المستشفى..هم عارفين إني صاحب ضرغام علشان كدا لما سألت قالولي على طول.
ثم أكمل بعد أن تنهد بعمق:
– على العموم أنا هحاول أعرف هو ناوي على إية و هبلغك على طول.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
– خليه يدخل.
قالها ضرغام الجالس خلف مكتبه بمنزله للخادمة حتى تسمح لحسان بالدخول.
دلف إلى الغرفة بهيئته الجامدة خاصة ملامح وجهه المتخشبة.
نظر إليه ضرغام بتمعن و قد أدرك أن هناك شئ ما قد أزعجه و رغم أن ملامحه جامدة لا تدل على شئ و لكن ضرغام بات يحفظ حسان عن ظهر قلب.
– خير يا حسان؟
– سليم بيه…راح المستشفى إنهاردة الصبح و سأل على عصام…طبعًا هم في المستشفى عارفينه كويس فإدوله المعلومات عادي.
صمت ضرغام قليلًا ثم قال:
– إعرفلي مين إللي بلغ سليم بموضوع عصام دا.
قال حسان سريعًا:
– مش حد من رجالتي.
تطلع إليه ضرغام بحدة قائلًا:
– متبقاش واثق أوي.
أجابه حسان بإصرار:
– لا المرة دي أنا واثق…محدش فيهم هيتجرأ يعمل كدا بعد إللي حصل في عصام…أنا منبه عليهم كويس ميجبوش سيرة لحد.
لو لم يكن أحد من رجال حسان ولا حسان نفسه ولا هو فحتمًا من أبلغ سليم قد تكون أمه أو صفية أو…أو ياسمين.
– روح على شغلك دلوقتي يا حسان.
قالها بهدوء و هو يساوره الشك حول ياسمين فقد بدت شاردة في الآونة الأخيرة و مشغولة الفكر.
أمسك بهاتفه ليجري مكالمة ما.
– هبعتلك رقم تجيبلي كل مكالماته و رسايله بسرعة.
و لم يكن الأمر صعبًا إطلاقًا بل كان أسهل ما يكون..فقد أُرسل إلى ضرغام كل المكالمات و جلس يستمع إليها بهدوء مريب.
يبدو أن ياسمين لن يرتاح ضميرها إلا إذا اطمأنت على عصام.
نهض خارجًا من الغرفة بعد أن أنهى استماعه إلى المكالمتان التي جرت بين ياسمين و سليم.
صعد الدرج متجهًا نحو غرفته…نظر حوله يبحث عن ياسمين بعينيه فلم يجدها.
دلف إلى الشرفة فوجدها تجلس على مقعد تمسك بكوب من القهوة الممزوجة باللبن و تقرأ  كتاب ما.
اقترب منها ثم جلس إلى جوارها ناظرًا أمامه بشرود.
التفتت إليه متعجبة من صمته الغريب…وضعت الكوب و  الكتاب على طاولة كانت أمامها قائلة:
– مالك سرحان كدا لية؟
لم يجبها لكنه خرج عن شروده ناظرًا إيها بصمت.
أمسكت بيده و ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها و هي تقول:
– لازم نتكلم في موضوع الوشم تاني.
– لما نشوف موضوع عصام الأول.
قالها ببرود ساخر فاتسعت عينيها بصدمة و قد زالت ابتسامتها و جذبت يديها إليها قائلة برعب:
– أنا…أنا بس…كنت عايزة أريح ضميري.
نظر إليها بعينين مشتعلتين و هو مازال صامتًا.
أمسكت بيده قائلة برجاء خائف و قد بدأت الدموع في التجمع داخل عينيها:
– ضرغام….
نفض يدها عنه بعنف ناهضًا بعصبية قائلًا من بين أسنانه:
– إخفي يا ياسمين من قدامي دلوقتي..مش عايز أئذيكي.
إندفع بغضب خارج الغرفة بينما هي ركضت وراءه بخوف و قد بدأت بالبكاء بالفعل…حتمًا سيُؤذي عصام الذي لا ذنب له.
نزلت الدرج بسرعة و أمسكت بذراعه قائلة ببكاء:
– إنت رايح فين…بالله عليك متئذيهوش هو ملوش ذنب.
اشتد غضبه و هو يرى مدى لهفتها عليه ليصيح:
– و مالك ملهوفة عليه كدا لية؟…إنتي مش هترتاحي غير لما أقـ,,ـتله؟
علت وتيرة أنفاسها بعد جملته الأخيرة و ترجته بد,,موع أغرقت وجنتيها قائلة بذعر شديد:
– لا بالله عليك متقـ,,,ـتلوش..هو ملوش ذنب…أنا إللي مفروض أتعاقب مش هو..هو معملش حاجة.
أخذت نفس بصعوبة قبل أن تكمل بحالة هستيرية غريبة اعترتها لأول مرة:
– إحنا..إحنا هنخلف و هننسى الماضي أكيد و هعمل كل إللي إنت عايزه…بس..بس أرجوك متئذيهوش.
استحالت نظراته المشتعلة إلى أخرى قلقة و هو يرى حالتها الغريبة قائلًا:
– ياسمين إهدي.
سقطت أرضًا بينما تتعالى أنفاسها بصورة مريبة…ما تكاد تسحب شهيقًا حتى تطلقه زفيرًا بسرعة.
وضعت يدها على صدرها معتصرة ملابسها باختناق.
جثى ضرغام على ركبتيه سريعًا و أحاط كتفيها بذراعه قائلًا بخوف:
– بس..بس إهدي…خودي نَفسك براحة.
زاغت عينيها قبل أن تنظر إليه بدموع قائلة:
– متئذيهوش.
أومأ بالإيجاب سريعًا قبل أن يقول بقلق جلي:
– مش هأذيه والله بس إهدي و خودي نفسك.
ضمها إليه ماسحًا على ظهرها بحنان قلما يظهر و هو يُسمعها كلمات مُطمئنة حتى هدأت فجأة فتوجس خيفة.
أبعدها عنه قليلًا فوجدها مغمضة العينين شاحبة الوجه و رأسها يميل إلى الوراء.
حملها سريعًا بعد إغمائها المُفاجئ بينما هو ينادي حسان بأعلى صوته.
دلف حسان إلى الداخل سريعًا دون طلب الإذن كما اعتاد منذ قدوم ياسمين.
– أُطلب الدكتورة بسرعة.
قالها ضرغام سريعًا بصوت يعتريه الندم بينما سارع حسان بالتنفيذ.
وضعها على الفراش و هو ينظر إليها بقلق يشوبه الندم.
أزال دموعها بيده ثم تأكد من انتظام تنفسها.
حضرت الطبيبة سريعًا التي سرعان ما شخصت حالة ياسمين:
– إنهيار عصبي…الواضح إنها كانت مضغوطة الفترة دي و في حاجة زعلتها أو وترتها جامد…يا ريت نبعد عن أي حاجة تزعلها أو تضغط على أعصابها الفترة دي لحد ما تتحسن.
أكملت قبل أن تخرج:
– أنا إديتها مهدأ…هتصحى بكرة الصبح إن شاء الله.
نظرت إليه صفية بعتاب قائلة بنبرة حزينة:
– لية كدا بس يا بني؟…لية تضغط عليها بالشكل دا؟
قال بغير اقتناع:
– أنا إللي ضغطت عليها يا دادة ولا هي إللي مش راحمة نفسها و بتفتح مواضيع من الماضي؟
صاحت به صفيها و قلبها ينفطر حزنًا على حالة ياسمين:
– ماضي إية؟…و هو لحق يبقى ماضي؟…و بتقول إنك مضغطش عليها؟!…إنت عارف هي كانت بتيجي على نفسها إزاي علشان متحسسكش إنها كرهاك و إنها مغصوبة على العيشة معاك؟…فكرك إن دا مش بيضغط عليها؟…دا غير موضوع عصام إللي ضميرها بيأنبها عليه…كل دا و مضغطش عليها؟…طب في حد يفاتح مراته في موضوع الخلفة من تاني يوم جواز في ظروفكم دي؟
نظر إليها بدهشة…كيف علمت بحديثه إلى ياسمين بأمر الإنجاب؟
– ياسمين إللي قالتلك؟
سألها و هو يخشى الإجابة فأجابته:
– كنت عايزاها تشرب اللبن بتاعها علشان صحتها…الكلام راح للكالسيوم و الحمل و كدا..كنت بقولها البيبي هياخد الكالسيوم من عضمك كدا..قالتلي هو إنتي كمان عايزاني أخلف بسرعة زي ضرغام ولا إية؟
نظرت إليه بعتاب حاد قائلة:
– الكلام دا كان تاني يوم جواز…إنتوا لحقتوا؟
خرجت صفية من الغرفة حانقة بعد أن ألقت الحقيقة في وجه ضرغام بعنف.
جلس إلى جوارها قائلًا بصوت خافت يتخلله الندم:
– مكانش قصدي أضغط عليكي.
ثم قبَّل جبينها قائلًا بهمس:
– آسف.
تسطح إلى جوارها بإرهاق ثم ضمها إليه قبل أن يغط في سبات عميق.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في صباح اليوم التالي.
استيقظت ياسمين صباحًا و هي تحاول أن تتذكر متى نامت.
وضعت يديها على جانبي جبينها بألم من ذلك الوجع الذي ينخر برأسها.
اتسعت عينيها بذعر عندما تذكرت فجأة أحداث البارحة ثم نهضت سريعًا عن الفراش باحثة عن ضرغام بكافة نواحي الغرفة.
هبطت إلى الأسفل سريعًا بعدما فشلت في العثور عليه داخل الغرفة.
دلفت إلى المطبخ بهيئة غير مرتبة إطلاقًا و هي تقول بلهفة:
– دادة..ضرغام فين؟
نظرت إليها صفية بشفقة من حالتها قائلة:
– في أوضة الجيم بس إ…..
لم تدعها ياسمين تكمل حديثها بل انطلقت إلى الغرفة المتواجد بها ضرغام سريعًا.
كان مستلقي على ظهره عاري الصدر يرفع الأثقال و يبدو عليه الغضب عندما دلفت إلى الداخل و عينينها تتفحص الغرفة بفضول رغم أنها رأتها سابقًا إلى أن توقفت عينيها عليه…تبدو هيئته جذابة.
وضع الثقل على الحامل التابع له ما إن رآها و تناول منشفة ليجفف عرقه.
خرجت عن شرودها قائلة بصوت خافت:
– ضرغام.
نظر إليها مبتسمًا ليُطمئنها قائلًا:
– تعالي يا ياسمين.
اقتربت كما طلب و لكنها احتضنته مباشرة تمتص غضبه الذي استشعرته بمجرد رؤيته.
– ياسمين.
ناداها بهدوء فهمهمت كإجابة فقال مخففًا عنها:
– إنتي إزاي طايقة تحضنيني و أنا عرقان كدا؟…دا أنا نفسي مش طايق نفسي.
ابتعدت عنه قليلًا قائلة:
– مخدتش بالي.
رفع أحد حاجبيه قائلًا بابتسامة ماكرة:
– مخادتيش بالك إزاي؟…أومال مين إللي كان بيتأملني من شوية؟
توردت وجنتاها خجلًا ناكسة رأسها أرضًا دون إجابة بينما استمر هو بمشاكستها قائلًا:
– مفيش داعي للكسوف دا كله…عارف إني قمر و مفيش بنت تقدر تقاومني…خاصة لو بنت بتتعاملش مع رجالة زيك و قلبها أبيض مفيهوش أي شوائب.
استجمعت شجاعتها لتقول بجرأة بينما وجهها اشتدت حُمرته:
– هو من ناجية قمر…فإنت قمر فعلًا في الشكل.
تحسس وجنتها بإصبعيه و هو يضحك قائلًا:
– طب بس..كفاية لأحسن وشك بيولع.
ثم أكمل:
– أنا هاخد دُش بسرعة و جاي.
أومأت إليه ليدلف إلى المرحاض المُلحق بالغرفة بينما هي أخذت تتجول قليلًا بها حتى توقفت أمام مرآه معلقة على إحدى الحوائط.
شهقت بفزع من هيئتها فكانت مشعثة الشعر شاحبة الوجه و قد بدت مرهقة كثيرًا أو مريضة بالأصح.
حاولت التحسين من هيأتها سريعًا و هي تتذكر حديث صفية:
– عارفة إنك مش بتحبيه بس حاولي دايمًا تكوني حلوة في عينه…ضرغام حواليه بنات جميلة جدًا على طول و الرجالة ميضمنوش.
ثم أكملت بابتسامة ودودة:
– هو عمره ما كان ليه علاقات نسائية على حسب معلوماتي..كنت أعرف بس إن في بنت مُعية بيحبها و مش لاقي طريقة يوصلها بيها بس خلي بالك في رجالة مبتكتفيش…مظنش إن ضرغام منهم بس بردو خلي بالك.
خرج من المرحاض فدلفت هي سريعًا لتعدل من هيئتها المشعثة ثم خرجت بسرعة قبل أن يذهب فهي تريد الحديث إليه.
قالت بضيق ما إن التقطت عيناها اسمها القابع على صدره:
– إلبس حاجة و داري الوشم دا.
ارتدى ملابسه دون حديث و ما إن انتهى حتى قالت دون مقدمات:
– إنت مش هتأذيه صح؟
– عايزة إية علشان نقفل موضوع عصام دا؟
توترت قليلًا قبل أن تقول بنبرة راجية:
– عايزة أروحله و أطلب منه يسامحني.
كانت معالم الرفض جلية على ملامحه عندما قالت بنبرة مختنقة و قد قاربت على البكاء:
– بالله عليك توافق…أنا عايزة ضميري يرتاح.
زفر أنفاسه بعنف و قد بدا رافضًا تمامًا فاقتربت منه ممسكة بيده برجاء قائلة و قد بدأت دموعها في الإعلان عن ظهورها:
– عشان خاطري.
أجابها بحنق:
– ماشي يا ياسمين…بس بعديها مش عايز أسمع سيرة الموضوع دا تاني خالص…و مش هينفع تروحي لوحدك.
ابتسمت قائلة:
– حاضر…هاخد ريم…مش عايزة أخد حد معايا ليه علاقة بالموضوع دا علشان هو ميتوترش…عايزاه يسامحني من قلبه.
أومأ إليها إيجابًا ثم أزال دمعه فرت من عينيها قائلًا:
– كل حاجة دموع دموع…مش عايز أشوفك بتعيطي خالص.
أتبع جملته الأخيرة بضمه إياها إلى صدره بحنان جارف بينما هي أغمضت عينيها براحة و هي تبادله الضمة بوهن تمكن منها.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
في صباح اليوم التالي.
دلفت ياسمين برفقة ريم إلى غرفة عصام بالمشفى تحت دهشته من زيارتها له.
نكست رأسها قائلة بخفوت:
– حمد لله على السلامة.
أجابها بهدوء:
– الله يسلمك يا دكتورة.
حاولت التكلم فخرجت كلماتها مبعثرة:
– أنا آسفة جدًا…أنا مكونتش مُتخيلة إن الموضوع ممكن يوصل لكدا…سامحني أرجوك.
ابتسم بسماحة قائلًا:
– مفيش داعي للكلام دا…إنتي معملتيش حاجة تتأسفي عليها.
ابتلعت ريقها قائلة باختناق:
– إنت هنا بسببي…كنت هتموت بسبب إستغلالي ليك.
– الباشا مكانش هيقـ,,,ـتلني…علشان ببساطة هو عمره ما قتـ,,ـل حد.
رفعت إليه رأسها بصدمة قائلة:
– إزاي؟…أومال كان قصدك إية لما قولتلي إن لو إتكشفنا الموضوع دا هيكلفك روحك.
أجابها بهدوء:
– مكانش قصدي يقـ,,ـتلني بالمعنى الحرفي بس هو كان ممكن يدمرلي حياتي بكل سهولة و يقتـ,,,ـلني بالحيا.
رأى نذير الدموع بعينيها فقال سريعًا و هو يخرج شيئًا ما من أحد الأدراج المجاورة له بذراعه السليم:
– ” رُب ضارة نافعة ” … مين يصدق إن كل إللي حصل دا يديني فرصة إني أحقق حلمي.
نظرت إليه بدهشة فقال:
– الباشا عايز يبعدني عن هنا علشان يقفل الموضوع دا فقرر يبعتني أمريكا إللي نفسي أسافر ليها من زمان و أستقر هناك…أول ما أبدأ أمشي على رجليا هسافر على طول.
– عشان كدا كان حاجزك في المستشفى؟
– أيوة…كان عايز يخليني تحت عينه لحد ما أسافر.
عقدت حاجباها قائلة:
– بس أهلك….
قاطعها بحسم:
– لو كان ليا أهل مكونتش فكرت أخاطر و أساعدك…السفرية دي جاتلي على طبق من دهب.
أومأت إيجابًا ثم قالت:
– بعد إذنك.
كادت أن تخرج عندما التفتت إليه مجددًا قائلة:
– مسامحني؟
ابتسم قائلًا:
– مسامحك.
ابتسمت براحة عندما استشعرت صدق حديثه ثم خرجت من الغرفة و تبعتها ريم التي قالت بصوت خفيض قاصدة تشتيت حزن ياسمين:
– اه يا ناس يا جاحدة…جالكم قلب تفرطوا في المُز دا إزاي؟
و ما إن بقى عصام وحيدًا مجددًا حتى شرد بأحداث البارحة و صوت ضرغام الغاضب يتردد بأذنيه:
– هتجيلك بكرة و هتطلب تسامحها…هتقول إنك مسامحها و لازم هي تصدق دا…لازم تكون ممثل شاطر علشان تنقذ حياتك..يا إما لو مقتنعتش متزعلش مني.
ابتلع ريقه بصعوبة و هو يتذكر بقية حديثه الحاد و قد بدا أن به لمحة من الغيرة:
– أول بس ما تقدر تمشي على رجليك هتطلع على أمريكا و مشوفش وشك في البلد دي تاني…أظن فرصة تحقيق حلمك جاتلك على طبق من دهب…اه و متنساش إنك متكسح علشان كدا حاجزينك في المستشفى لحد ما تسافر.
تحسس عنقه و ذكريات الأمس ترفض تركه و شأنه خاصة ذكرى ضرغام عندما قبض على عنقه فجأة قائلًا بفحيح محذرًا:
– قسمًا بالله لو حصل غير كدا…لو جاتلي زعلانة ولا حتى حسيت إنها مش مرتاحة لهنسفك نسف.
ترك عنقه فجأة كما قبض عليه فجأة و خرج من الفرفة بعصبية متجاهلًا سُعال عصام بعد اختناقه من قبضته بينما اقترب حسان منه قائلًا:
– رغم إن موقفك دا يُعد خيانة…بس أنا شايفه رجولة و نخوة…إنت عملت إللي محدش فينا قدر يعمله.
ثم ربت على كتفه قائلًا بابتسامة صغيرة قلما تجتاح وجهه الجامد و تظهر:
– راجل يا عصام.
ثم خرج مُتبعًا ضرغام تحت نظرات عصام المندهشة.تنهد بثقل و هو يحاول إزاحة تلك الذكريات عنه عبثًا و رغم إجبار ضرغام له على إخبار ياسمين أنه قد سامحها إلا أنه سامحها بالفعل من كل قلبه.
كيف كان لفتاة شديدة الرقة مثلها أن تواجه ذلك المُتَجبر وحدها بعد أن انتزعها من بين أهلها فجأة؟!
كيف كان لفتاة مثلها أن تقف بوجهه وحدها؟
هو لم يندم على مساعدها رغم ما تلقاه من عقاب وخيم و لو رجع الزمن أدراجه إلى تلك الليلة لساعدها مجددًا دون تردد هذه المرة.
نظر مجددًا إلى تذكرة الطائرة التي ستقلع إللى الولايات المتحدة الأمريكة قريبًا بعينين تبتسمان.
كأن ما حدث كان امتحان من الله قد نجح به و تلك مكافأته…إنه على وشك تحقيق حُلمه بسبب ما حدث و قد بدا للكثير أنه قد ألقى بنفسه إلى التهلكة و إذ به يمشي في الطريق الصواب و كان في نهايته جائرة لحُسن اختياره و رزانة تصرفه.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
نظرت ياسمين إلى مبنى الشركة الشاهق قبل أن تدلف إلى الداخل لأول مرة بينما ترافقها نظرات الإعجاب.
وقفت أمام مكتب السكيرتيرة الخاصة بضرغام…بدت عملية للغاية.
– عايزة أقابل باشمهندس ضرغام لو سمحتي.
– عندك معاد يا فندم؟
ارتبكت قليلًا قائلة:
– الحقيقة لأ…بس قوليله ياسمين عبد الكريم و هو هيوافق.
– لحظة بعد إذنك.
يبدو أن ضرغام قد انتقى تلك السكيرتيرة بعناية فهي عملية جدًا ولا تتلكأ بالعمل على الإطلاق.
دلفت إلى مكتب ضرغام بعد أن سمحت إليها السكيرتيرة فاستقبلها ناهضًا عن كرسي مكتبه قائلًا:
– مقولتيش للسكيرتيرة لية إنك مراتي و هي كانت دخلتك على طول؟
أجابته و هي تجلس على الأريكة بينما هو يجلس إلى جوارها:
– طيب ما أنا قولتها ياسمين عبد الكريم و دخلتني على طول.
نظر إليها بضيق جلي…لا يُعجبه أنها تواري علاقتهما كزوجين كما ظن…و ما سيكون غير ذلك؟..فهي لا تحبه على أية حال…أو ربما لأنه لا يليق بها كفتاة متدينة…أو أنه لا يستحقها كما صاح محمد بوجهه من قبل..أو لعلها لا تريد جذب الإنتباة إلى اختلاف الطبقة الإجتماعية بينهما و تصبح حديث الناس فهي بالنهاية ابنة محمد عبد الكريم المحاسب البسيط الذي يعمل بشركته.
– سرحت في إية؟
أفاق على صوتها الرقيق قائلًا:
– ولا حاجة…عملتي إية في موضوع عصام دا؟
ابتسمت قائلة:
– سامحني..الحمد لله.
أومأ لها قائلًا:
– حاسة إنك إرتاحتي شوية؟
– إرتاحت كتير مش شوية.
نظر إليها قائلًا بحسم:
– طيب…الموضوع دا ميتفتحش تاني بقى.
أومأت قائلة بطاعة:
– حاضر.
– طيب قوليلي بقى تاكلي إية؟..علشان سيادتك خرجتي من غير فطار.
نظرت إليه برجاء قائلة:
– مش جعانة.
أجابها بحسم:
– إنتي تعبانة يا ياسمين ولازم تاكلي.
تقوس فمها للأسفل قائلة بضيق:
– طيب…هاكل أي حاجة و خلاص.
ابتسم باتساع قائلًا:
– إنتي عاملة بوقك كدا لية؟…الحركة دي مغرية.
وضعت يدها على فمها تلقائيًا قائلة باستنكار:
– بيكون شكلي مغري و أنا مكشرة؟
– شكلك بيكون كأنك قابلة للأكل.
– إنت جعان للدرجة دي؟
أجابها بجدية:
– أنا جعان جدًا.
أحاطت وجهه بيديها قائلة بحنان جارف يتخلله الأسف:
– إنت متعشيتش إمبارح ولا فطرت إنهاردة…حقك عليا أنا أهملتك.
ثم أحاطت عنقه بذراعيها تحتضنه كاعتذار غير منطوق.
أحاطها بذراعيه بتفاجؤ و قد ازداد يقينه أنها جوهرة نادرة الوجود.
قبل جبينها بحب شديد فارتسمت ابتسامة صافية على وجهها المُرهق.
أجرى اتصال سريع بسكيرتيرته قبل أن يطالع ياسمين التي تقترب من الحائط الزجاجي بتوجس.
تعلقت نظراتها بذلك المكان…لطالما انتظرت به والدها.
و رغمًا عنها تردد حديثه بأذنيها:
– عرفت إنه كان بيبص عليكي من مكتبه على طول لما كنتي بتيجي تستنيني علشان نروح.
تنهدت بعمق و هي تتذكر حديثه الذي شابه القلق…أو ربما شئ من الذعر…كأنه كان يعلم أن ضرغام سيظفر بها تحت أي ظروف.
– أنا شوفته أكتر من مرة قبل كدا و هو بيبص عليكي بس قولت ممكن بيبص على حاجة تانية…بس إنهاردة أنا شوفته من مكتبه بيبص عليكي بنظرة أنا عارفها كويس…النظرة دي يا إما إعجاب يا إما حب…إدعي ربنا إنها تكون إعجاب مش أكتر.
و كانت نظرة حب بيِّنة…على الأغلب كان محمد يعلم ذلك و ذعره خير دليل…ربما كان يريد طمأنتها بتلك الأقوال.
اكتشفت أنها ظلت تتأمل ذلك المكان لوقت ربما كان طويلًا عندما طرق السائس الباب تاركًا الطعام ثم انصرف.
التفتت إلى ضرغام محاولة إقناعه بعدم تناولها للطعام للمرة الأخيرة قائلة:
– أنا مش معايا الدوا بتاعي.
– متخافيش أنا عامل حسابي.
و كما أصبحت معتادة بالفترة الأخيرة أكلت رغمًا عنها حتى انتفخت بالطعام من صغط ضرغام عليها.
– أنا عايزة أشوف بابا…هو موجود هنا صح؟
أومأ لها بشئ من الضيق قائلًا:
– إستني هخلي السكيرتيرة توديكي عنده.
ذهبت بينما عيناه تتابعها بشرود…لقد خدعها.
لابد أنها تظن الآن أن عصام قد سامحها بالفعل بينما هي كلمة أُجبر على نطقها تحت التهديد.
لن تسامحه…هكذا حدث نفسه لكنه ما كان ليقف مكتوف اليدين بينما هي تنهار و تختنق بذنبها.
لقد فعل هذا من أجلها…لأجل أن يرتاح ضميرها المُعذب…حتى أنه سمح لها باصطحاب ريم بدلًا عنه فقط ليريحها و يُزيح ثقل الذنب عنها…لقد خدعها لترتاح بينما حقق لعصام حلم عمره الذي كان يعلم عنه مُسبقًا…ماذا يريد بعد؟!
جلس خلف مكتبه يشاهد ما يحدث بمكتب محمد عبر الكاميرات فقد تعمد أن تكون الكاميرا المسلطة على مكتب محمد متصلة بجهاز الحاسوب الخاص به حتى يراقب تحركاته داخل الشركة بينما كلف من يراقب تحركاته خارج نطاق العمل و يأتيه بالمعلومات.
رآه يحتضنها بشوق بينما هي تبتسم و قد بدت له تلك الابتسامة مختلفة رغم أنه يراها تبتسم كثيرًا.
حاول كبح غيرته مخبرًا نفسه أنه والدها و لكن عبثًا ما فعل فهو لم يُفلح إطلاقًا.
أصبح يطوف بمكتبه ذهابًا و إيابًا بعنين مشتعلتين قبل أن تطرق السكيرتيرة الباب دالفة إلى الداخل.
– نانسي حامد الألماني جات لمقابلة حضرتك يا فندم.
– و هو حامد الألماني باعتلي بنته لية؟
قالها باستنكار فأجابته بعملية:
– هي مديرة قسم الحسابات…جاية علشان تشوف مع حضرتك أرباح الصفقة يا فندم.
– دخليها.
قالها بضيق جلي بينما لم تمر سوى ثواني إلى أن دلفت نانسي إلى الداخل و هي تتمايل بمشية اعتادت عليها مُسبقًا بينما هي ترتدي فستان يكشف عن ذراعيها كاملين و جزء من صدرها بينما يصل إلى منتصف فخذيها و قد ضاق على جسدها ليكشف ما هو من المفترض أنه مستور!
ملامحها ذات جمال غربي خلاب أغرقتها بمساحيق تجميل متقنة…لكن لمَ تبدو له ياسمين أجمل رغم أنه يعلم أن ملامحها عادية!
شعرها أصفر حريري تركته لتعبث به الرياح كما تشاء…كانت جميلة و لكن شئ بها مُنَفر بالنسبة له.
قالت بصوت حاولت جعله رقيقًا بينما بدا له مقززًا:
– هاي.
لطالما كان يتقزز من أمثال هذه البنات…يراهن أرخص من العلكة التي تلوكها الأفواه!
أجابها برسمية بحتة:
– أهلًا يا آنسة نانسي…إتفضلي.
جلست على الكرسي الذي أمام المكتب قائلة بصوت لم يعجبه إطلاقًا:
– ميرسي.
ردد داخله بتقزز:
– فينك يا سليم؟…كان مالي أنا و مال القرف دا؟
كان سليم هو من يهتم دائمًا بمثل تلك الفتيات المائعات و لكن خلافه مع ضرغام أجبر الأخير على عدم طلب منه شيئًا على الأقل هذه الفترة.
– أوووووه…إنت أحلى كتير من الصور.
الوقحة تتغزل به علنًا…نظر لها بحدة قائلًا بحنق بدا لها جليًا:
– مش هنشوف شغلنا بقى؟!
– طبعًا.
قالتها بتلاعب قبل أن تبدأ بأعمالها و قد حدثت نفسها أنها لن تترك ذلك الوسيم دون تكوين علاقة معه.
طرقت ياسمين الباب دالفة إلى الداخل و لم تكن تعلم بوجود أحد معه.
هالتها هيئة الفتاة الشبه عارية فقالت سريعًا تتدارك الموقف تشير إلى الأريكة:
– هستناك هنا لحد ما تخلص.
و دون أن تمنحه فرصة للرد اتجهت سريعًا صوب الأريكة و قد شحب وجهها قليلًا.
نظرت إلى انعكاس وجهها بزجاج الطاولة الصغيرة التي أمامها بوجه شاحب.
لأول مرة تشعر أنها قبيحة بعد أن رأت جمال هذه الفتاة الذي تستعرضه بسخاء لتأكله الأعين دون رحمة…و هي لم ترد الرحمة من الأساس.
تحركت حدقتاها صوب وجه ضرغام الوسيم…كان من الأجدر به أن يتزوج امرأة جميلة لتليق به.
أغمضت عينيها اللامعتين بدموع متوارية لتواريها أكثر خشية أن يلمحها ضرغام الذي يختلس النظرات إليها من حين إلى آخر.
تنفست بعمق مانعة نفسها من البكاء بصرامة مخرجة هاتفها لتٌشتت نفسها قليلًا.
هي ليست قبيحة بل هي عادية الوجه…حاولت طمأنة نفسها بتلك الكلمات و إعادة ثقتها بنفسها مجددًا.
لا تدري متى انصرفت تلك الفتاه أو متى جلس ضرغام إلى جوارها يتأمل تخبطها بهدوء فقد كانت شاردة تمامًا.
أحاط خصرها فجأة فجفلت و فرت شهقة من بين شفتيها التي ارتجفت خوفًا قبل أن تناظره عينيها بفزع سرعان ما زال عندما أدركت هويته.
– مالك؟
سألها بحنان فأجابت بارتباك حاولت مواراته:
– مفيش..عايزة أنام بس.
– خلاص يلا نروح…أنا كمان عايز أنام.
– طب و الشغل؟
أجابها مُبتسمًا بعبث:
– هسيبه لسليم…ربنا يخليهولي يا رب.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
– كدا يبقى نمضي العقود.
قالها سليم مبتسمًا فأجابه حامد الألماني:
– لازم طبعًا هنعمل حفلة تليق بينا بالمناسبة السارَّة دي.
سُمي حامد الألماني لامتداد جذوره و أصوله إلى ألمانيا مما سبب له الفخر الدائم و الإعتزاز و أورث لابنته ملامح غربية بحتة.
أتاه صوت ضرغام الحازم:
– الحفلة دي هيكون ليها مواصفات خاصة…لا في خمرة و لا في عُري…إللي عايزة تيجي الحفلة تيجي باحترامها.
عقد حامد حاجباه بضيق قائلًا قاصدًا إحراجه و التدخل بأمر ليس من شأنه و قد بدا ذلك للجميع عندما أخفى ضرغام عروسه عن الأعين:
– أنا ملاحظ عليك بعض التغيرات…يا ترى الجزاز ليه علاقة بدا؟
أجابه ضرغام بملامح جامدة و قد بدا أنه لم تهتز له شعرة:
– مظنش إن دي حاجة تخص الصفقة.
ثم نهض منهيًا الحديث و قال ليحسم الأمر:
– الحفلة يا هتبقى بالمواصفات إللي أنا قولت عليها يا مفيش حفلة من أساسه.
و أثارت جملته الأخيره غضب حامد فهو لم يعتد على أن يُجبر على شئ أو أن يتحداه أحد بمثل تلك الشجاعة.
لطالما استهزأ بضرغام عندما تولى إدارة شركة أبيه الصغيرة بسنوات عمره القليلة و لكن نالت الدهشة منه بشراسة عندما تضخمت الشركة الصغيرة لتصبح مجموعة الفؤاد للمقاولات.
اللعنة…أصبح الآن هو من يعرض عليه الصفقات بل أنه مجبر أيضًا على التحدث إليه بهدوء ثانيةً حتى لا يخسر تعاونه.
خرج من غرفة الإجتماعات و دمائه تغلي و لكن صبرًا…يجب أن يتهاون قليلًا من أجل المال.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
– دا آخر كلام عندي يا حامد بيه و مش هغير رأيي…وفر مجهودك لحاجة تانية.
كانت تلك كلمات ضرغام الحاسمة قبل أن يُنهي المكالمة حانقًا.
اقتربت منه ياسمين بحذر قائلة:
– خلاص مضايقش نفسك…طول ما إنت بتعمل الصح كل دا يهون.
جلس إلى جوارها على المقعد الكبير الذي في الحديقة قائلًا:
– و الله إنتي إللي مصبراني على الدنيا دي.
نظر إليها بتعجب عندما لم تجبه فوجد عينيها معلقة بشئ ما بعيدًا.
نظر إلى ما تنظر إليه فوجدها قطة صغيرة لطيفة للغاية ذات شعر كثيف أبيض.
نهضت فجأة ذاهبة إليها ففزعت القطة و فرت هاربة
مما دفع ياسمين لتقول برقة:
– إستني يا جميلة إنتي.
ثم توقفت عن ملاحقتها فتوقفت القطة تنظر إليها بشئ من الخوف و التوجس فابتسمت إليها ياسمين و هي ترفع ذراعيها إليها قائلة:
– تعالي.
تقدمت القطة منها بحذر فمسحت ياسمين على شعرها الناعم قائلة:
– إنتي جميلة أوي.
كان ضرغام يراقبها بصمت عندما صاح حسان برجاله بحدة:
– تدوروا في الحديقة شبر شبر لحد ما تلاقوا القطة إللي دخلت دي.
و سرعان ما انتشر الرجال في الحديقة للبحث عنها بينما تجول حسان في الحديقة برزانة و هو يبحث عنها بعينيه حتى توقفت على مشهد ياسمين و هي تواري شيئًا ما بحضنها…شيئًا أبيض اللون على ما يبدو.
ارتفع جانب فمه بشبه ابتسامة قائلًا:
– شكلك لقيتيها قبلينا.
ضمتها ياسمين إليها أكثر قائلة:
– مش هديهالك.
– سيبها يا حسان.
قالها ضرغام فنظر إليه حسان بدهشة قائلًا بهمس لكي لا تسمعه ياسمين المنشغلة بالقطة:
– عمرك ما كنت بتحب القطط.
أجابه ضرغام بنفس نبرة الصوت:
– القطة دي أول ما تلاقي البوابة مفتوحة هتمشي و أنا كدا كدا مش هخليها تدخل الفيلا و هتفضل في الحديقة هنا…لو كنت أخدتها كانت هتزعل مني على الفاضي…طب و أخودها لية طالما هي كدا كدا ماشية؟
أكمل قائلًا بجدية و هو يراقب ياسمين التي تتأمل القطة بحنان بينما هي تأكل:
– بكرة الصبح مش عايز أشوفلها أثر…كل ما عليك إنك تفتحلها البوابة بس.
●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●○●
– لازم يكون ليه نقطة ضعف.
قالها حامد و هو يغلي من الغضب بينما دلفت ابنته فجأة قائلة بدون مقدمات:
– بابا هي الحفلة هتكون إمتى بقى؟…هموت و أشوف ضرغام الفؤاد دا تاني.
أجابها بصوت غاضب:
– مفيش حفلة.
أخذت تدور حول نفسها قائلة بغضب:
– مفيش حفلة…طب أنا كدا هشوفه إزاي؟…دا لسة متجوز جديد أساسًا و الوصول ليه مش هيكون سهل.
سأل ابنته التي يعلم أنها تتابع أخباره:
– متعرفيش مين مراته إللي مخبيها دي؟
– أمممممم…معرفش..بس شاكة في حاجة كدا.
– شاكة في إية؟
سألها بلهفة فأجابت بحقد:
– لما روحلته الشركة و كنا في المكتب جات بنت هادية كدا و كانت محجبة…كانت مستنياه يخلص بس هو كانت نظراته ليها مش عادية..كإنها نظرات حب مثلًا فشكيت إن هي دي مراته.
هنا اقتربت عشيقته قائلة:
– هو بيحب مراته جدًا…لو كنت سألتني كنت قولتلك من بدري.
سألها بدهشة:
– عرفتي منين؟
– مش مهم منين…المهم إن مراته نقطة ضعفه.
أومأ قائلًا:
– أعرف إسمها بس و الباقي سهل.
– ياسمين محمد عبد الكريم.
نظر إليها بدهشة فابتسمت بثقة.
قال بتوعد حاقد:
– أوعدك نهايتهم هتبقى على إيدي يا ماهيتاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *