لما مسكت رجل الولد

لما مسكت رجل الولد

أول ما فتحت باب الشقة، كانت ريحة البيت دافية وساكتة، كأن المكان كله كان مستني اللحظة دي من خمس سنين. يوسف كان ماشي متسند على إيدي بالراحة، رجله المتجبسة بتقاوم خطواته المترددة، وعينيه بتلف في المكان بذهول وخوف مكتوم، كأنه خايف يصحى فيلاقي كل ده حلم. مشيت بيه لحد باب أوضته، الأوضة اللي فضلت مقفولة ومتحافظ على كل تفصيلة فيها زي ما سابها؛ ألعابه على الرف، سريره الصغير، وصوره وهو طفل مالية الحيطان.
أول ما شاف الأوضة، وقف عند الباب ورفض يدخل. بص للنظافة اللي جوه وبعدين بص لرجله، وسألني بصوت واطي وخايف: “هو… هو أنا ينفع أدخل هنا؟ ولا هبوظ المكان؟”. كلامه كان بيشق قلبي نصين، نزلت لمستواه ودموعي بتلمع في عيني وقلتله: “الأوضة دي بتاعتك إنت يا يوسف، اتعملت عشانك وفضلت مستنياك كل السنين دي.. ادخل يا حبيبي ولا تخاف من أي حاجة في الدنيا”.
دخل بخطوات بطيئة، قرب من الحيطة ورفع إيده الصغيرة المرتعشة ولمس صورته وهو عنده سنتين. بص للفيلم بتركيز شديد وبعدين بصلي وسألني: “ده أنا؟ إنتِ كنتِ بتحبيني أوي كده عشان تشيلي كل الصور دي؟”. قعدت جنبه على طرف السرير وضميته بالراحة وقلتله: “أنا عمري ما بطلت أحبك ولا بطلت أدور عليك، إنت كنت النص التاني من روحي اللي ضاع مني، والنهاردة روحي ردتلي”.
لكن يوسف فجأة حط إيده في جيبه، وطلع الـ12 جنيه المتنيين، ودخل إيده تحت المخدة يحاول يداريهم. بصيتله باستغراب حنون وسألته: “بتعمل إيه يا حبيبي؟”. بص في الأرض وبلع ريقه وقال: “عشان… عشان لو صحيت ولقيت نفسي بره تاني، ألاقي فلوس أشتري بيها أكل وما أجوعش”.
قلبي اتعصر من الوجع على الطفولة اللي اتسرقت منه وقسوة السنين اللي عاشها. مسكت إيده بالراحة وحطيت الفلوس جوه صندوق خشبي صغير على الكومودينو وقفلته، واديتله المفتاح في إيده وقلتله بوضوح وثبات: “البيت ده بيتك، والسرير ده سريرك، وأنا أمك اللي مستحيل تسيبك تاني. محدش يقدر يرميك في الشارع، والفلوس دي هتفضل ذكرى لليوم اللي رجعتلي فيه”.
بص للمفتاح اللي في إيده، وبعدين بص للصندوق، ولأول مرة كتافه هديت تماماً. حط راسه على المخدة الناعمة وغمض عينيه، وإيده التانية ماسكة في طرف قميصي بقوة كأنه بيتأكد إني مش هختفي. قعدت جنبه أطبطب عليه وأمسد على شعره، وأنا شايفة ملامحه بتسترخي بالتدريج ولأول مرة ينام نوم عميق من غير ما يفزع أو يترعش، وعرفت إن رحلة الشفاء الحقيقية يلا بتبدأ، بس المرة دي إحنا مع بعض ومش هفرط فيه ثانية واحدة
تمت
حكايات انجى الخطيب

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *