حكايات زهره الربيع 1
حكايات زهره الربيع 1
بدل ما أطير على المطبخ بجرية الملهوف وأحضر علب الأكل، دخلت أوضة طنط بالراحة، فتحت الستائر وخليت شمس ربنا تدخل.. وقعدت جنبه على السرير، وطبطبت على إيدها بصوت دافي:
“صباح الخير يا أحلى طنط في الدنيا.. صح النوم.”
فتحت عينيها بتفاجؤ، بصت للساعة اللي جنبها، وبعدين بصتلي باستغراب: “صباح النور يا بنتي.. انتي متأخرة عن الشغل ولا إيه؟ الساعة 7 يا ولاء!”
ابتسمت وقلت لها بمنتهى البساطة: “لا يا طنط.. أنا أخدت إجازة النهاردة، ومصطفى رايح الشركة متأخر شوية. وقلت خلاص بقى، كفاية أكل علب وميكرويف.. النهاردة أنا اللي جيعانة ونفسي أكل من إيديكي حبة فول بالزيت الحار وطعمية سخنة زي اللي بتعمليها.”
عينين طنط لمعت بلمعة غريبة.. لمعة أنا ماشوفتهاش من يوم ما جُت عاشت معانا!
قعدت بسرعة على السرير وسألتني بذهول: “بجد يا ولاء؟ انتي عايزة تأكلي من إيدي أنا؟”
“طبعاً يا طنط! هو أنا أطول؟ يلا بينا على المطبخ نسخن العيش ونعمل أحلى فطار سوا.”
في المطبخ، الموقف اتقلب 180 درجة.
بدل الهدوء والسرعة القاتلة، المطبخ بقى مليان كركبة دافية. طنط بقت هي اللي واقفة على البوتاجاز، وأنا جنبها بغسل الخيار وأقطع القوطة. مصطفى دخل علينا، وقف على باب المطبخ يبتسم، وقام حاطط الراديو على محطة “القرآن الكريم” وبعدها “أغاني زمان”..
صوت الشيخ، وصوت كركبة الصحون، وضحكة مصطفى لما طنط ضربته بالمعلقة الخشب على إيده عشان بيسرق طعمية سخنة.. الشقة فجأة بقت شبه بيت السيدة زينب! بقت حية!
قعدنا كلنا على السفرة نفطر.. وطول ما إحنا قاعدين، مصطفى يفتح حكايات، وأنا أسألها عن وصفات زمان:
“صحيح يا طنط.. هو طاجن الباميا بتاع زمان كان بيطلع مظبوط إزاي؟ أنا كل ما أعمله بحس فيه حاجة ناقصة!”
طنط فردت ظهرها، ووشها نور، وبدأت تشرح وتتكلم وتتحرك بإيدها بحماس بقالنا شهور ماشوفناهوش. كانت بتتكلم وشغف الدنيا كله في صوتها.. نسيت الملح، ونسيت الوحدة، ونسيت الهدوء المرعب اللي كان بياكل في عقلها طول الظهرية.
ولما جه وقت الظهر، ومصطفى استأذن عشان ينزل الشغل، مسكت إيد طنط وقلت لها:
“يلا بقى يا طنط.. نلبس وننزل سوا!”
بصتلي بذهول: “ننزل نروح فين يا بنتي؟”
ابتسمت وقلت لها: “هننزل نشتري طلبات البيت من السوق بنفسنا.. وبعدين نروح نعدي على طنط سعاد جارتك القديمة في السيدة زينب ونشتري ياسمين وفل.. والنهارده الغدا إحنا اللي هنطبخه سوا، مش علب ولا ميكرويف!”