متسبنيش
متسبنيش
صالح بنبرة جافة وعملية: “بصي يا بنت الناس.. أنا هتبناكي وهتبقي بنتي قدام القانون، وهتعيشي في قصر وعز عمرك ما حلمتي بيه.. بس بشرط، في عريس مستنيكي، هتتجوزيه فوراً وتنفذي كل اللي نقولك عليه من غير ولا كلمة.. موافقة؟”
لم تفكر دلال مرتين. تذكرت غرف الدار الباردة، والضرب اليومي، والإهانة. رفعت عينيها العسلية وقالت بصوت مرتعش ولكن حاسم: “موافقة يا بيه.. موافقة على أي حاجة، بس مشوني من هنا ومش عايزة أرجع الدار دي تاني أبداً!”
مرت الأيام بسرعة الصاروخ، وتمت الإجراءات الرسمية، وأُعلن للجميع أن عائلة الشرقاوي استقبلت ابنتهم العائدة من الخارج. ولكن، خلف الأبواب المغلقة، كان الواقع مخزياً.
في غرفتها الفخمة، كانت دلال ترتدي فستان الزفاف الأبيض الذي بدا ساحراً عليها، لكن دموعها كانت تتساقط بصمت. لم تجد كلمة طيبة واحدة من “فايزة” أو “صالح”. بل إن العريس نفسه، “فارس النمرود”، لم يظهر في قاعة العقد، واعتذر جده بأن لديه عملاً طارئاً خارج البلاد، وتمت المراسم بوجود وكيل عنه.
دخلت “جيهان” إلى الغرفة، وكانت ترتدي فستاناً سهرة فاخراً، تنظر إلى دلال بتكبر وازدراء شديد.
جيهان بضحكة مستفزة: “مبروك يا عروسة! شايفة الفستان لايق عليكي إزاي؟ بس متعيشيش الدور أوي يعني.. الفستان ده والسرير ده وكل العز ده بتاعي أنا! أنتي مجرد عروسة بالإيجار، جبناكي من الشارع عشان تتجوزي الراجل العجوز ده بدالي عشان أنا مقبلش على نفسي كده. فاهمة يا شاطرة؟”
نزلت الكلمات كالصاعقة على قلب دلال. شعرت بإهانة شديدة وجرح عميق في كرامتها. كادت أن تصرخ في وجهها، لكنها تذكرت وجه مديرة الدار القاسي والعصا التي كانت تضربها بها. ابتلعت غصتها ونظرت إلى الأرض.
دلال في سرها: “معلش يا دلال.. كلي إهانة واشربي إهانة، بس مترجعيش للذل والضرب تاني.. عدي الأيام دي على خير.”
انتهى اليوم الكئيب، ونُقلت دلال إلى فيلا فارس النمرود الخاصة بناءً على رغبة الجد النمرود، لتبدأ حياتها الجديدة وحيدة في منزل رجل لا تعرف حتى كيف يبدو شكله!
العربية الفخمة وقفت قدام قصر “آل النمرود”. دلال كانت قاعدة ورا، سانده راسها على الشباك، ودموعها نازلة في صمت مغرقة طرحة الفرح البيضاء. الفرح اللي مكنش فيه عريس أصلاً! فارس النمرود مجاش، والكل قال إنه مسافر في شغل مهم برة مصر، والجوازة تمت بوكيل. دلال نزلت من العربية وهي بتجر فستانها بقلب مقبوض، مش عارفة المستقبل مخبي ليها إيه، بس كل اللي فكراه كلام جيهان الحفيدة الحقيقية وهي بتمشيها من قصر الشرقاوي وتقول لها: “أنتي مجرد بديلة.. يعني عروسة لقطة من الشارع عشان تنقذيني من الجوازة دي!”