متسبنيش
متسبنيش
1
أنا أتجوز ده؟ ده تلاقيه مكركب وعنده تمانين سنة وبيكح تراب! لا يا بابا.. الموت أهون لي، أنا هانتحر وأخلصكم من عيشتي!”
صرخت “جيهان” بهذه الكلمات وهي تجري في ردهات القصر الفخم، ممسكة بزجاجة دواء مجهول، بينما يركض خلفها والدها “صالح” وهو يلهث ممسكاً ببطنه، وخلفه الخادمات في مشهد أشبه بفيلم كوميدي قديم.
في صالون القصر الفاخر، كان الجد “مكرم” يجلس بهيبته المعتادة، يرتشف قهوته في هدوء قاتل، غير آبه بالصراخ الذي يملأ المكان. عاد صالح إلى الصالون وارتمى على المقعد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.
صالح وهو يمسح عرقه: “الحقني يا بابا.. البنت هتضيع مننا! جيهان قفلت على نفسها الأوضة وحالفة لتشرب السم لو غصبتها على الجوازة دي! أبوس إيدك كلم النمرود وشريكك، وقوله نلغي الفكرة دي خالص.. البنت فاكرة إن حفيده (فارس) راجل عجوز مكركب زينا!”
الجد مكرم وضع الفنجان ببطء ونظر لابنه بنظرة حادة: “تلغي إيه يا غبي؟ ده اتفاق عمري أنا والنمرود! شركة (الشرقاوي والنمرود) لازم تفضل في إيد العيلة.. وجيهان هي حفيدتي الوحيدة اللي باسمي، لازم الجوازة دي تتم!”
صالح بقلة حيلة: “طب والعمل؟ البنت هتموت نفسها.. وأمها برضه مش موافقة على بهدلة البنت.”
لمع بريق ذكي وماكر في عيني الجد مكرم، واعتدل في جلسته قائلاً بصوت منخفض: “خلاص.. جيهان مش عايزة؟ مش هنجبرها.. احنا نجيب بنت من دار الأيتام، نتبناها رسمي باسمك، ونقول للناس كلها إنها بنتك التانية اللي كانت عايشة برة ومسافرة، ونجوزها لفارس!”
في تلك الأثناء، دخلت “فايزة” والدة جيهان، وكانت قد سمعت الجملة الأخيرة. التفتت بسرعة وقالت بلهفة: “والله فكرة يا عمي! ده حل عبقري! كده نحمي بنتنا جيهان من الجوازة دي، وفي نفس الوقت نرضي شريكك، والبت اليتيمة دي تكسب ثواب وتعيش في عز!”
توجّه صالح في اليوم التالي إلى إحدى دور الأيتام البعيدة. كانت الأجواء هناك كئيبة، وفي زاوية من زوايا المطبخ، كانت تقف فتاة في مقتبل العمر، تدعى “دلال”. كانت دلال آية في الجمال رغم ثيابها البسيطة؛ بشرة بيضاء ناصعة كالحليب، وعينان واسعتان بلون العسل، وشعر بني فاتح يتدلى على كتفيها. كانت تتعرض يومياً للضرب والمعاملة القاسية من مديرة الدار.
جلس صالح مع مديرة الدار التي استدعت دلال. نظرت الفتاة الأرض بخوف، متوقعة عقاباً جديداً.