حماتي كانت كل سنة تبعت معانا علبة بسكويت معينة في العيد… وفي آخر عيد قبل وفاتها كتبت جوه العلبة: “السنة دي بالذات ما تفتحوهاش.” لكن ابني فتحها. من أول ما اتجوزت أحمد وأنا متعودة على عادة غريبة عند حماتي. كل عيد. من غير استثناء. تبعتلنا علبة بسكويت صاج قديمة. نفس العلبة. بنفس الشكل. وبنفس الشريط الأحمر الملفوف حواليها. كانت تقول دايمًا: “افتحوها بعد العيد.” ولما كنا نسألها ليه… تضحك وتقول: “عشان البركة تفضل في البيت.” كنا نفتحها بعدها. نلاقي شوية بسكويت عادي. وأحيانًا ورقة دعاء. أو صورة قديمة للعيلة. أو حتى رسالة صغيرة بخط إيدها. الموضوع بقى تقليد سنوي. لحد آخر عيد قبل وفاتها. وقتها كانت تعبانة جدًا. والدكاترة كانوا بيقولوا إن حالتها صعبة. قبل العيد بيومين وصلتنا العلبة. لكن المرة دي كان عليها ورقة مكتوب فيها بخطها المرتعش: “السنة دي بالذات… ما تفتحوهاش.” استغربنا. أحمد قال: “أكيد تقصد نسيبها زي كل سنة.” وأمه توفت بعدها بأسبوع. والعلبة فضلت فوق الدولاب. محدش لمسها. ولا حد اتكلم عنها. كأننا كلنا خايفين من اللي جواها. عدى تقريبًا 8 شهور. وفي يوم كنت بنضف الأوضة. وابني يوسف، اللي كان عنده 9 سنين وقتها، طلع فوق كرسي وجاب العلبة. وقبل ما ألحقه… كان فتحها. صرخت فيه: “يوسف! اقفلها!” لكن كان فات الأوان. الغطا اتشال. والولد بص جواها. وسكت. سكت بطريقة خوفتني. خدت العلبة من إيده بسرعة. ولما بصيت جواها… لقيت حاجة ما كانتش بسكويت. ولا صورة. ولا رسالة معايدة. كان فيه ظرف أصفر كبير. ومكتوب عليه بخط حماتي: “يفتح فقط إذا كنتوا مستعدين تعرفوا الحقيقة.” بصيت لأحمد. ولقيت وشه شاحب. لأن الخط كان فعلًا خط أمه. فتحنا الظرف. وكان جواه مجموعة أوراق. وصورة قديمة جدًا بالأبيض والأسود. وصك ملكية. ورسالة طويلة. أول سطر فيها خلّى أحمد يقع على الكرسي من الصدمة. لأن حماتي كانت كاتبة: “لو بتقروا الرسالة دي… يبقى السر اللي خبيته 37 سنة لازم يطلع للنور أخيرًا.” وبعدها مباشرة… ذكرت اسم شخص مات من سنين. شخص كل العيلة كانت فاكرة إنها دفنته بالحقيقة كاملة. لكن الحقيقة… كانت مختلفة تمامًا. أحمد بص للورقة وهو مش مصدق وعينيه كانت بتتحرك بسرعة بين السطور: أحمد: مش ممكن الكلام ده مش حقيقي أنا مسكت كتفه وأنا بترعش: أنا: في إيه يا أحمد مكتوب إيه ومين الشخص ده أحمد بصلي ودموعه نزلت: أحمد: عمي إبراهيم أنا اتصدمت لأن عم إبراهيم الكل كان عارف إنه مات في حادثة قطر من 37 سنة من قبل ما أنا أتجوز أحمد بكتير وحماتي الله يرحمها كانت دايمًا تفتكره بالدموع وتقول إنه كان أطيب أخواتها أحمد كمل قراية وهو صوته بيترعش: أحمد: أمي كاتبة إن عمي إبراهيم مماتش في الحادثة عمي إبراهيم اتقتل أنا حطيت إيدي على بقي من الصدمة وبصيت على يوسف ابني اللي كان واقف خايف ومش فاهم حاجة أخدته في حضني وخرجته بره الأوضة ورجعت لأحمد بسرعة عشان نفهم الباقي الرسالة كانت بتشرح تفاصيل مرعبة حماتي كتبت بخطها: حماتي: يا ابني أنا عارفة إن الصدمة شديدة عليك بس أنا خلاص بقابل ربنا ومش قادرة أخد السر ده معايا القبر عمك إبراهيم مكانش غايب في سفر يومها عمك إبراهيم كان معاه ثروة العيلة كلها اللي باعوها في البلد عشان يشتروا بيها الأرض الكبيرة اللي إحنا عايشين من خيرها دلوقتي وصك الملكية اللي في العلبة ده هو الصك الأصلي اللي مكتوب باسمه هو لوحده أنا: طب ومين اللي قتله يا أحمد مكتوب إيه تاني أحمد وشه اتقلب تمامًا وبقى لونه أصفر زي الأموات وبص للورقة ويده بتترعش أكتر: أحمد: كاتبة إن اللي قتله هو أبويا أنا حسيت إن الأرض بتلف بيا حمايا الله يرحمه الراجل الطيب اللي كان الكل بيحلف بأدبه وأخلاقه يطلع هو اللي قتل أخوه عشان الأرض والفلوس حماتي كانت مكملة في الرسالة وكاتبة: حماتي: أبوك هددني وقتها إنه هيقتلني أنا كمان وهيحرمك مني لو نطقت بكلمة واحدة وادعى إن إبراهيم مات في الحادثة وجاب جثة مشوهة ودفنها على إنها جثته وأنا من خوفي عليك وعلى إخواتك سكت وعشت عمري كله بموت في اليوم ميت مرة وكل سنة كنت بحط ورقة أو حاجة تفكرني بالذنب والعلبة دي كانت هي صندوق أسراري اللي بشيل فيه صك الأرض الحقيقي والصورة الأخيرة لإبراهيم قبل ما يتقتل بيوم واحد أنا بصيت على الصورة اللي بالأبيض والأسود لقيت عم إبراهيم واقف وجنبه حمايا وهو شاب وكان باين في عينيهم نظرة غريبة كأن حمايا كان باصص لشنطة كانت في إيد عم إبراهيم بطمع وجشع أحمد رمى الورق على الأرض وقام وقف وهو بيزعق: أحمد: لأ مستحيل أمي أكيد كانت تعبانة في أيامها الأخيرة ومكنتش في وعيها أبويا مستحيل يعمل كده أنا وطيت ولميت الورق والصك وبصيت لأحمد بهدوء: أنا: يا أحمد الصك ده أصلي ومختوم من 37 سنة باسم عمك إبراهيم وتاريخه قبل الحادثة بيومين بس والرسالة دي مكتوبة بوعي شديد أمك كانت بتتعذب طول السنين دي وعشان كده كانت كل سنة تبعت العلبة وتقول عشان البركة تفضل في البيت كانت بتقصد إنها بتفكر نفسها بالسر عشان متنساش حق الراجل اللي دموعها مكنتش بتنشف عليه فجأة الباب خبط خبطات قوية ومرعبة أحمد بص للباب وهو مخضوض ويوسف جري علينا واستخبى في ظهري: يوسف: ماما في حد بيخبط جامد أوي بره أحمد مشي ببطء وفتح الباب ولقينا قدامنا عم أحمد الكبير عمنا توفيق اللي عايش في الشقة اللي فوقينا وكان باصص للعلبة اللي في إيدي ونظرات عينيه كانت غريبة ومش مريحة ومكنتش نظرات عم طيب أبدًا توفيق: سمعت صوتكم عالي يا أحمد في إيه وإيه العلبة القديمة دي اللي في إيد مراتك أحمد حاول يتماسك ويخبي الصدمة: أحمد: مفيش يا عمي دي علبة قديمة بتاعة أمي كنا بنظف ولقيناها توفيق دخل الشقة وقفل الباب وراه وبص للورق اللي في إيدي وقال بصوت غريب وبارد: توفيق: بس دي مش أي علبة يا أحمد دي العلبة اللي أمك كانت شايلاها طول عمرها والظاهر إنها سابتلكم فيها الأمانة اللي كانت مأمناني عليها من سنين طويلة بس شكلكم فتحتوها بدري عن ميعادكم توفيق قرب مننا خطوة وبصته كانت مرعبة ومركزة على صك الملكية اللي في إيدي أحمد رجع لورا وحط إيده قدامي عشان يحميني أنا ويوسف وبص لعم توفيق وعينيه كلها شك وصدمة: أحمد: أمانة إيه يا عمي إنت كنت عارف باللي جوه العلبة دي كنت عارف إن عمي إبراهيم اتقتل توفيق ضحك ضحكة باردة تخوف وهز رأسه ببطء: توفيق: وعارف كمان إن أبوك مش هو اللي قتله لوحده يا ابن أخويا أبوك كان خايف وإبراهيم كان عاوز ياخد الفلوس ويسافر ويسيبنا هنا في الفقر فكان لازم نتصرف أنا وأبوك كنا مع بعض ليلتها والسر ده عاش معانا السنين دي كلها وأمك كانت أضعف من إنها تتكلم بس الظاهر إنها حبت تلعب اللعبة دي لحد آخر يوم في عمرها أنا جمدت قلبي وبصيت له وبقيت أتحرك ببطء لورا وأنا ماسكة الأوراق والصك بقوة: أنا: يعني إنتو عشتوا طول السنين دي بفلوس حرام والأرض دي كلها قايمة على دم أخوكم توفيق عينيه ضيقت وبصلي بشر: توفيق: الأرض دي حقي وحق عيالي والورق اللي في إيدك ده يا بنت الناس مش هيطلع بره الشقة دي سيبوا الورق والصك وأنا هنسى إنكم عرفتوا حاجة وهتفضلوا عايشين في خير الأرض زي ما أنتو أحمد صوته علي وكان مليان غضب ووجع وعينيه دمعت على أبوه وعمه اللي افتكرهم سنين طويلة سند ليه: أحمد: لأ يا عمي مش هناخد قرش واحد حرام تاني أمي سابت العلبة دي عشان تريح ضميرها قبل ما تموت وإحنا مش هنشيل الذنب ده مكانكم الورق ده هيروح للشرطة وحق عمي إبراهيم لازم يرجع والناس كلها لازم تعرف الحقيقة توفيق ملامحه اتقلبت وبقى شكله زي المجنون وقرب بسرعة وحاول يشد الورق من إيدي وزق أحمد جامد أحمد مسك فيه وبقوا يزقوا بعض ويوسف كان بيصرخ من الخوف وأنا استغليت الفرصة وجريت بسرعة على الباب وفتحته وبقيت أصرخ في السلم بأعلى صوتي: أنا: الحقونا يا ناس يا هووووي الحقونا عمي توفيق هيموتنا صوتي هز العمارة كلها وفجأة لقيت الجيران طالعين يجروا على السلم والكل كان مخضوض من المنظر توفيق لما شاف الجيران والناس بتتفرج تراجع وخاف وبص لأحمد بنظرة كلها تهديد ووعيد وخرج من الشقة وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم ونزل بسرعة بره البيت كله أحمد قعد على الأرض وهو منهار تمامًا وكاتم دماغه بين إيديه ومش مصدق إن عيلته اللي كان بيفخر بيها طلعت كابوس بالشكل ده بعدها بيومين أحمد أخد الصك والرسالة والصورة وراح بيهم للنيابة وقدم بلاغ رسمي وأعادوا فتح التحقيق في قضية اختفاء وموت عم إبراهيم من 37 سنة وعم توفيق اتقبض عليه وبدأ يتحقق معاه في كل اللي حصل أحمد قرر يتنازل عن نصيبه في الأرض الكبيرة دي كلها ويتبرع بكل الفلوس اللي جت منها للجمعيات الخيرية والمستشفيات كأنه بيطهر اسم أبوه وأمه من الذنب اللي عاشوا بيه عقدنا في الشقة القديمة وبصيت لعلبة البسكويت الصاج اللي كانت فاضية على التربيزة أنا: تفتكر يا أحمد كدا البركة هترجع للبيت فعلاً زي ما كانت حماتي بتقول أحمد بص للعلبة وابتسم بوجع بس براحة لأول مرة من يوم ما فتحناها: أحمد: البركة عمرها ما كانت هتدخل بيتنا طول ما الحقيقة مستخبية يا سمر أمي كان عندها حق العلبة دي كانت شايلا البركة فعلاً لأنها رجعت الحق لأصحابه وفوقنا من وهم كبير كنا عايشين فيه الحقيقة مرة بس أحسن بكتير من عيشة قايمة على دم وظلم وصمت ملوش معنى