الحلقة السادسة والعشرون أخطأت، نعم أخطأت حين سلمتك قلبي وأنا اعلم بمكانتي عندك. حين ضعفت فازداد تملكك حين ارتخت حصوني وسمحت لك باقتحام اسواري حين قبلت خوض معركة……… كنت أنا لست أهلًا لها. لأرفع لك الراية البيضاء الاَن؛ اعترافًا بهزيمتي ❈-❈-❈ طوال طريق عودتهم، لم يحيد بعينيه عنها، داخله غليل مستمر، من وقت التقاءهم بهذا ال……. المدعو هشام وتباسطها مع حديثه ومزاحه على اتفه الأشياء، مستغلًا الدفاع المستميت من والدته عنه، وتمسكها به، مع وجود المرأتين في زيادة للضغط عليه، ومراعاة صورته امامهم، ليظل على حالته من الغضب المكتوم، يصبر نفسه، حتى سمح لهم الطبيب المتابع لحالتها بالخروج من المشفى. ليأتي بها الاَن وتصعد هي معها حتى دثرتها في الفراش واطمئنت عليها حتى استسلمت لسلطان النوم بفعل الأدوية المهدئة ونامت. وجاء وقت انصرافها، لتجده في انتظارها في الاسفل، بهيئة متجهمة تعلمها جيدًا، كما انها لم تكن بغافلة عن احتراقه طوال الساعات الماضية. – خلاص اطمنتي عليها ونيمتيها؟ خرج السؤال بحدة واضحة، تغاضت عنها لتجيبه بنبرة عادية وهي تكمل سيرها للخارج: – اه الحمد لله، العلاج المهدئ جاب مفعوله معاها، ياللا بقى خليها ترتاح وانا اروح اشوف اللي ورايا . كانت على وشك ان تتخطاه ذاهبة ولكنها سبق ليجذبها من ذراعها بعنف ما يعتمل بصدره: – استني هنا هتروحي فين وتسبيني؟ شهقت بخضة جراء فعلته، لتجد ظهرها التصق بالجدار من خلفها، وهو امامها بهذا القرب، وبصدر يصعد ويهبط بعنف، جراء تسارع الانفاس بداخله، وبصوت بدى كالفحيح: – بتهزري وتضحكي مع دكتور الغبرة يا بهجة، وانتي عارفة كويس اني لا بطيقه ولا بطيق انك تردي عليه من الاساس . تمالكت الشجاعة امام هجومه لترد بالمثل: – وايه اللي يخليك مطيقهوش؟ ولا هو عمل ايه اساسًا عشان انا مردش عليه لو كلمني ولا هزر باحترام معايا ؟ – بلاش تستفزيني يا بهجة. صاح بها بانفعال أشد، حتى خشت هي المواصلة لتصمت امام ثورته: – يعمل ما يعملش انتي لا تردي ولا تستجيبي لهزاره، واللي عليكي تسمعي الكلام ومن غير مناقشة….. ليه عايزة توصليلي انك مش فاهمة ولا حاسة بالنار اللي بتقيد جوايا امام اي حد يبصلك ولا يكلمك لغرض انا عارفه كويس بنفسه…… مية مرة اقولك اني راجل ، وافهم في نظرة الراجل اللي قدامي كويس اوي. تبسمت بسخرية حين التمست الضعف في كلماته الاخيرة ، لتقارعه بالمنطق: – لا واصلني اللي انت حاسه كويس اوي على فكرة، بس انا للي عايز افهمك، ان من حق الدكتور اي حاجة من اللي قولت عليهم ، مدام في إطار الاحترام والادب….. طول ما هو شايفني متاحة ومش مرتبطة، مش يمكن قصده شريف…. قاطعها ضاغطًا بكفه التي حطت على رقبتها، وقد كان فاقد السيطرة: – اخرسي يا بهجة بدل ما اخلص عليكي، انا على اخري. توقفت برهة امام عنفه لتردد بعد ذلك بصوت تهدج بألم : – وانا قولت ايه غير الحقيقية، عايزه لو سأل عن حاجة تخص الهانم اعمل نفسي معرفش وانا اقرب واحدة ليها، انا الجليسة لنجوان هوانم لو تاخد بالك يعني؟ – خلاص يبقى بلاها. نزلت ذراعيه لتضمها هذه المرة مردفًا برجاء: – بلاها الشغل هنا ولا هناك يا بهجة، انتي تفضلي في مكانك ملكة وانا مستعد اعوضك باللي انتي تطلبيه. – بس انا مقدرش ابعد عن نجوان. – يعني ايه؟ جاء تساؤله بصدمة، لتجيبه هي: – يعني انا خدته عهد على نفسي افضل مراعياها الفترة دي لحد اما يجي ميعاد البعد الحقيقي، ساعتها امشي ع الاقل وانا شبعانة من حنيتها ومطمنة عليها. – البعد الحقيقي بتاع ايه؟ بدا امامها متناسيًا تمامًا لما يؤرق نومها ويمنع عنها الراحة، لتفيقه من غفلته، تنزع ذراعيه عنها مرددة: – الافتراق المنتظر ما بينا يا باشا، ولا انت نسيت ان جوازنا مرتبط بمدة معينه ومش جواز طبيعي. قال الاخيرة بحدة تقصدها، حتى اثارت شياطين رأسه، ترا الجنون يتراقص داخل عيناه، متوقعة رد فعل عنيف منه، على الرغم من انها قالت الحقيقة، ولم تخطيء بشيء، لتأتي النجدة من مدخل الباب، حيث صدح صوت دخول احد الأشخاص، لتظهر امامهم الدادة نبوية بخطواتها اللاهثة من أجل الاطمئنان على رفيقتها، فتقع عينيها عليهما، وتفاجأ بهذا الوضع المريب، بهجة ملتصقة بالحائط وهو الذي كان قريبًا بوقفته منها ، تراجع على الفور بخطوتين يبادر المرأة بأسئلته: – مدام تعبانة، جيتي ليه بس يا دادة؟ – ما انا مجيتش وراها المستشفي، قلبي واكلني عايزة اشوفها بعيني. رددت بها المرأة ولكنها لم تغفل عن لمحة الارتباك التي طغت عليه، ولكنه تدارك سريعًا يعود لطبيعته الباردة، أما بهجة والتي بدت بثبات التي لا يعنيها شيء، فقد تحدثت بنبرة واثقة: – كويس انك جيتي يا دادة، هي كدة ساعة وهتصحى بعد ما ينتهي مفعول المهديء ان شاء الله، ياريت تتعشي معاها وتفتحي نفسها ع الأكل، هي أكيد هتقوم جعانة. اومأت المرأة تجيبها بابتسامة مودة، تظهر ثقتها بها: – من عيوني يا حبيبتي، روحي انتي ارتاحي، أكيد تعبتي اليوم كله. – فعلا يا دادة…. تعبت اوي . قالت الأخيرة بنظرة خاطفة بطرف عينيها نحوه، لتتخذ طريقها الى الذهاب مباشرةً، وظل هو ثابتًا محله، يراقب انصرافها بتجهم، وبداخله شيء لا يستطيع تفسيره، شعور يبدو…. وكأنه تلقى صفعة منها ❈-❈-❈ عاد من عمله يتجه بخطواته السريعة مباشرة نحو الطابق الاعلى حيث جنته ومصدر الراحة في حضن زوجته وصغيره؛ الذي اشتاق الى مداعبته بشدة، لكن وقبل ان يصل إلى الدرج استوقفه الاضاءة الخافتة داخل الردهة القريبة من غرفة والدته ، ليتفاجأ بشبحها على احد المقاعد التي كانت جالسة عليها، بصمت تام دون أدنى حركة وكأنها تمثال شمعي فاقدًا للحياة. على الفور غير اتجاهه نحوها يحادثها بقلق: – مساء الخير، مالك يا ماما قاعدة هنا في الضلمة لوحدك ؟ سمعت بهيرة ولم ترفع رأسها اليه إلا بعد برهة من الوقت، بملامح ازدادت تجعدا وعينان ذابلتان، يطل منها ضعف ابعد ما يكون عن شخصية والدته القوية دائمًا، والمتعجرفة في بعض الأحيان. اهاله مشهدها، ليسقط على الكرسي المجاور لها يتابع استفساره عن السبب الذي أدى بها الى ذلك: – ماما انتي ايه اللي جرالك؟ في حاجة تعباكي طيب ولا حد زعلك؟ خرج صوتها اخيرًا بنبرة خافتة يتخللها الحزن الشديد – خالتك كانت عندي النهاردة يا مصطفي. سألها بعدم تركيز – خالتي مين؟ ابتسامة غريبة لاحت بثغرها وهي تخبره: – خالتك نجوان يا مصطفى، ما هي فاقت ورجعت لعقلها من تاني ، متعرفش انت المعلومة دي؟ – انتي بتتكلمي جد؟ خالتي رجعت لعقلها من تاني! انا مش مصدق، معقول دا حصل وانا معرفش، معقول يا يا ماما انتي مش بتهزري معايا صح؟ ردد بها يظهر حماسه الشديد، لتعقب هي بشيء من ضيق: – ايوة يا مصطفى خالتك اللي كنت بتحبها اكتر من أمك رجعت من تاني. – ايه اللي بتقوليه دا يا ماما بس؟ اينعم انا بحب خالتو نجوان، بس مهما كانت معزتها يعني، عمرها ما هتبقى أغلى منك طبعا لم تقتنع بإنكاره، فتاريخ الأخرى معه ومع كل من أحبتهم هي يثبت العكس، لقد كانت مستحوزة على حب الجميع، كل من يراها يقع بعشقها حتى الرجل الوحيد الذي اردته هي وكان من نصيبها، اولادها منه ، حتى الخائن زوجها، ايضًا كان يعشقها ولولا لحظة ضعف امام امرأة بجمال ناريمان لكانت استمرت زيجتها به وسعادتها معه، اما هي فقد كانت الخاسرة دائمًا امامها. ضربت بالعصا على الارض بعنف تأتي باللوم عليه: – خالتك اول ما فاقت للدنيا، فاقت عليا ، جاية تحاسبني على ترميم القصر ومضايقة اني عايزة احوله لجمعية خيرية، ما هو انت لو كنت اشتريت نصيبها من ابنها كنت قدرت اواجهها بقلب مليان، لكنك فضلت تماطلني وادي النتيجة. اهتزت رأسه بعدم استيعاب، معبرا عن استيائه: – ماما انتي بتقولي ايه؟ زعلانة عشان خالتو رجعت لعقلها من تاني وبتدور على حقها…. لا وبتأنبيني كمان ان منفذتش رغبتك، هو انتي مش فرحانة لرجعتها؟ معقول لقاءك بيها بعد السنين دي كلها وهي مغيبة عن الواقع كان كلام ع القصر وخناق على تحويله لجمعية…… صمت برهة يحدق بالملامح المغضنة بشيء غير مفهوم، ان كان غضب شديد او حزن، ليسترسل بعاطفة الاشتياق الشديد لها: – مغلبكيش الحنين تحضنيها يا ماما؟ تسمعي لكلامها اللي بقالنا سنين محرومين منه؟ لا تنكر في قرارة نفسها انها بالفعل تاقت لكل ذلك وبشدة، ولكن شيئا ما منعها، ذلك الشيء الذي يجعلها دائمة التحفز امامها، فيسيطر على انفعالاتها معها، ولكنها ايضًا تشعر بالغيرة في كل يتفوه به ابنها الاَن. – خلاص يا مصطفى، اديك عرفت ان والدتك قلبها قاسي حتى على اختها الوحيدة، استريحت دلوقتى. قالتها تشيح بوجهها عنه الى الجهة الأخرى، وبكبرياء لا تتخلى عنه، فنهض عن مقعده يردد بأسف من خلفها: – مش مهم انا، المهم انتي يا ماما اللي تستريحي. قالها وتحرك متابعًا طريقه، ليذهب من امامها، ويتركها في تلك الحالة التي ترفضها من داخلها ولكنها لا تستطيع السيطرة عليها، الحزن! ❈-❈-❈ في قسم الشرطة وداخل غرفة رئيسه، كان يتلقى الاَن التوبيخ منه بعد الخطأ الذي اوقع نفسه به: – دي عملة تعملها يا عصام، كان لازم تنبهني من البداية وابقى على علم، بتنفذ وتخطط مع نفسك، فاكرني نايم على وداني ومش عارف بعيونك هناك، طب اهو بتسرعك دا كان سبب لهروبه، استريحت كدة بقى؟ غلبه الحماس يردد بتصميم ووعيد: – لا طبعا مستريحتش ولا هستريح غير لما اجيبه واحطه في الحجز بإيدي، دا عهد عليا يا فندم ولا يمكن هتخلى عن تنفيذه. عض امين على نواجزه، يكتنفه الغضب الشديد من أفعال تلميذه، رغم تقديره للحالة التي يمر بها ، ولكنه لا يستطيع التهاون مع شيء قد يضره ، ولن يسمح، ليصمت برهة يدور حول مكتبه حتى جلس على المقعد، يضع قدما فوق الاخرى يأمره: – طب وان قولتلك شيل ايدك وسلم القضية لظابط تاني غيرك. رد بالرفض سريعًا: – اسف يا فندم مش هقدر ، القضية قضيتي وحقي وحق مراتي مش هتنازل عنه، حتى لو اضطريت اخلع البدلة الميري والبس مدني. بانفعال شديد وقد اخرجه عن طوره المتماسك، ضرب على سطح المكتب بهدر به: – وتضيع مستقبلك يا غبي، انت بتفكر ازاي يا بني آدم انت؟ تنهد بعنف يُقر غير ابهًا بأي شيء: – تقدر تعتبرني كدة بالفعل يا فندم، غبي… لكن برضو مش هتخلى عن طريقة تفكيري اللي مش عجباك، وع العموم القرار في إيدك تقدر تعاقبني باللي سيادتك تشوفه صح، وانا مش هعترض. لقد حسمها ولا سبيل لإقناعه، يُقدر ان معه الحق، ولكنه ايضًا يخشى اندفاعه، وصفة الانتقام التي تغلغلت به، لن يستطيع السيطرة عليها بعد ما حدث، سوى بالنيل من هذا الفاسد. ليعض على شفته السفلى بغيظ شديد يأمره. – امشي غور من وشي يا عصام، امشي ياللا . بابتسامة مسترة قام الاخير بتأدية التحية يجيبه بطاعة: – تمام يا فندم. قالها وتحرك ذاهبًا على الفور من امامه، يتركه في تخبطه والبحث في خطة بديلة للقبض على الفاسد الاخر الان . ❈-❈-❈ بداخل المنزل الصفيحي، صار يضرب بقدميه كل ما تقع عليه عيناه – ابن الكلب كان قاعد مستنيني ومتربصلي ، وديني ما هحله من دماغي، دا انا ابقي مرا لو سيبته، بقى انا، انا ابراهيم ابن الورداني انط من ع الحيطة زي الحرامية، ولولا كوم الرمل كانت رجلي راحت فيها، وكل ده بسبب مين؟ بسبب الواد الطري ده توجه بالاخيرة نحو هذا المدعو عزوز والذي كان متكئًا على الجدار بهدوء منقطع النظير ، يمسح بأظافره على سترته الجلدية المهترئة، ليرد بشيء من السخرية: – طب براحة يا عم الجامد، حتتين العفش اللي عمال تكسر فيهم دول معنديش غيرهم، انا ابويا مش عطار كبير زي جنابك، انا ابويا معرفش طريقه اصلا. كز على اسنانه ليهجم عليه بقبضتيه ممسكًا بياقتي سترته، وبفحيح ووعيد يعبر عما طرأ برأسه: – ما هو انا لازم احط غلبي في حد دلوقتي، ومقدميش غيرك، ليه بقى؟ عشان حركة النهاردة تثبت ان الظابط ده عنده عيون هنا، في محمية الزفت بتاعتكم، الخيانة عند مين يا عزوز؟ صاح الاخير يدفع ذراعيه عنه، يظهر وجهه الحازم امامه: – لا يا حبيي اصحي وفوق لنفسك، مش عاجبك العيشة هنا ولا شاكك في حد فينا، يبقى مع السلامة وطريقك أخضر، ما انا مش هتحمل تهزيقك ولا عنطزتك دي واسكتلك، دا انا ادب صباعي في عينك، انت مش كاسر عيني بحاجة، لا عنيا دا العكس، هنا مش امك اللي مدلعاك ولا ابوك اللي رمى طوبتك. بذهول شديد ردد بعنجهية يسبه: – انتي بتعلي صوتك عليا يا ابن الكلب. – كلب ياكل مصارينك. صاح بها عزوز ليتجه نحو الباب يفتح على مصراعيه يطرده بطول ذراعه: – والباب اهو يفوت جمل، ياللا غور كدة ووريني عرض قفاك. شرع ابراهيم بالتحرك والخروج بالفعل، ولكن الاخر استرسل يذكره: – بس خليك فاكر، اللي بيخرج من هنا ملهوش راجعة، والمعلم الكبير معندوش ياما ارحميني في اللي يخرج عن طوعه بعد ما خلاص عرف سره. ابتلع ريقه بخوف حتى برزت تفاحة ادم بحلقه، ليردد بدفاعية: – بس انا مش هتكلم ولا اطلع سره، ولا انت ناوي تقلبه عليا يا عزوز ، ما انا عارفك واطي. ضحك المذكور باستخفاف: – ماشي انا واطي يا بن الأصول وسيبتلك انت التربية العالية، ع العموم الباب اهو مفتوح قدامك لو عايز تمشي، وانا جيبتلك الناهية، اما بقى لو هتعقل وتشغل عقلك كله برضو لمصلحتك، انا ماشي بقى عشان خلتني حرقت معاك كتير، عن اذنك بقى يا بن الورداني. سحب نفسه وخرج على الفور، بعدما القى بالتهديد الذي يكبله ويقيده عن الاعتراض، وقد غرزت اقدامه في منطقة ألا رجوع . ❈-❈-❈ دلفت المحل الذي اصبح مزدحمًا بعدد الرواد مما اثبت لديها نجاح الفكرة ، بروح الحماس التي صارت تجدها من اشقائها في ممارسة العمل المحبب به، لتطفو السعادة على ملامحها وهي تتابع حركتهم بنشاط في مخاطبة الزبائن او الاشراف على العاملين معهم، لتلوح بكفها نحو شقيقتها جنات والتي كانت تدون طلبات احدى الطاولات، ثم واصلت نحو شقيقها الذي كان مندمجًا مع احد اصدقائه في مناقشة امر ما، لتقترب وتجلس بالقرب منه، حتى اذا انتهى التف اليها يعطيها انتباهه: – اهلا بالبرنسيس، اتأخرتي يعني يا بيبة، هي نجوان هانم لسة تعبانة؟ أومأت بهز رأسها: – لا الحمد لله اتحسنت طبعًا، بدليل ان الدكتور كتبلها على تصريح خروج، بس طبعا عايزة متابعة لان الانفعال مش كويس عشانها، وهي النهاردة اتعصبت اوي . – ليه حصل ايه؟ سألها باستفسار فجاء ردها بإرهاق: – يا عم سيبك بقى، اللي حصل حصل، حمد لله ربنا سترها وان شاء الله ياخد بإيدها، المهم دلوقتي البت عائشة فين؟ مش شايفاها يعني معاكم؟ تبسم يلتف بجذعه للخلف، ليشير بذقنه الى أحد الزاويا البعيدة يجيبها: – اهي قاعدة هناك مع ابن عمتك شادي . – شادي. انتبهت بالفعل لوجود المذكور، لتستقيم بجسدها عن المقعد الذي كانت تجلس عليه في استعداد للتحرك نحوه: – ودا من امتى هنا؟ – من يجي نص ساعة، سأل عليكي ولما عرف انك مش موجودة اضطر يستناكي. – يا نهار ابيض طب مش تقول من الصبح . قالتها بحرج لتتوجه نحوه مباشرة، والذي ما ان انتبه اليه نهض يستقبل مصافحتها: – شادي باشا مشرفنا، المحل نور بحضورك. يا عم. تبسم يتلقى مجاملتها بمودة: – المحل نور بأصحابه، ربنا يجعلها عتبة خير ، انا شايف ان البداية مبشرة. – بجد عجبك؟ سألته بلهفة، ليسارع بطمأنتها وعيناه تدور في الأجواء: – بسم الله ماشاء الله، حاجة تفرح، وانا مش بقول كدة مجاملة على فكرة. – ربنا يطمن قلبك تمتمت بها بارتياح، لتنضم للجلوس معه ومع عائشة التي سارعت بسؤالها – طمنيني على نوجة، عاملة ايه دلوقتى؟ انا كان نفسي اجي المستشفى، بس محدش فيهم رضي يوصلني من اخواتك. قالتها بحنق طفولي اثار ابتسامة بثغر شقيقتها، وانتباه شادي الذي ضاقت عيناه بتساؤول: – نوجة دي….. الهانم اللى حضرت الافتتاح، صح ولا انا غلطان؟ اومأت رأسها بموافقة ليتابع باستدراك: – ووالدة…..! توقف بمغزى فهمت عليه، لتتوجه نحو شقيقتها تخاطبها: – نجوان هانم روحت بيتها وهي زي الفل دلوقتي، استني بس على ما تصحى من نومها وليكي عليا اتصلك بيها تكلميها بنفسك، مبسوطة يا ستي؟ – مبسوطة اوي. تلقفت عائشة ردها بحماس، لتصرفها شقيقتها بعد ذلك وتختلي هي بالجلوس مع ابن عمتها، حتى يتمكن من الحديث معها براحة. – انا قومت عائشة عشان عارفاك، وحاسة ان عندك كلام عايز تقوله. تنهد بضيق يستجيب لمصارحتها: – صح يا بهجة مع اني كنت جايلك في موضوع تاني يخصني بس بصراحة في حاجات تجبر الواحد انه يعترض، انا مش فاهم انتي ازاي قابلة تشتغلي عند والدته جليسة وفي نفس الوقت تبقي مراته، هو قابلها ، انتي راضية ازاي؟ تقبلت نقده بصدر رحب، لتجيبه؟ – هو مش قابل، انا اللي مُصرة، لأني بحبها، بحبها اوي، بالظبط زي عائشة كدة اللي متعلقة بيها . زفر بتعب سائلًا لها: – طب وبعدين؟ اخرتها ايه يا بهجة؟ الوضع ده لا يمكن يستمر على كدة. – ما هو مش هيستمر اصلاً كادت ان تبوح بها امامه ولكن امسكت لسانها لتجيد الرد عليه بالتهرب وبابتسامة تتصنعها: – يا سيدي سيبها على الله، محدش عارف بكرة كاتب ايه؟ المهم خلينا في موضوعك انت؟ هي مراتك عاملة ايه الاول؟ تبسم معجبًا بمراوغتها: – وبقيتي تعرفي تحوري كمان يا بهجة، ع العموم ماشي يا ستي مش هزنق عليكي، ولو ع الموضوع اللي عايزك فيه، فهو مرتبط بسؤالك عن مراتي . – مالها مراتك؟ اعتلى تعابيره اضطراب واضح ليحسم بقوله: – عايزة اكلمك عن حاجة حساسة يا بهجة، يمكن الاقي عندك حل، بس قبل ما انطق بحرف طالب السرية منك. رددت على الفور بقلق انتقل اليها: – سرك في بير طبعا يا بن عمتي، اتكلم وانا اكيد هفهمك ان شاء الله. ❈-❈-❈ – انا جيت يا عم الشيخ صدح صوتها في داخل الغرفة التي تمتليء برائحة البخور الكثيفة، بعدما لبت دعوته وأتت بالفعل في ذلك اليوم الذي كانت تظنه إجازة، ولكنها اكتشفت غير ذلك ، حينما رأت عدد قليل جدا من الزبائن، يبدو ان لهم وضع خاص مع الرجل ليستثنيهم في هذا اليوم مثلها. حتى انها انتظرت دورها لتدخل اليه الاَن وتلقي التحية، فيلتف اليه برزانته المعهودة يشير الى المقعد المقابل له كي تجلس عليه دون صوت، أذعنت بطاعة تجلس مكان ما اشار اليها، بلهفة اعتلت ملامحها، تطالبه على الفور بعدم الصبر الذي يميزها به: – هاا يا شيخ، حضرتلي المطلوب، انا مش عايزة اعوق عشان بقوا يزنقو عليها . تبسم يمسح بأصابعه على اللحية الطويلة مرددًا: – يا سلام عليكي يا سامية، مفيش فايدة فيكي، الاستعجال عندك حاجة غريبة ابتلعت ريقها بيأس مرددة: – خلاص يا سيدنا مش هستعجل، هسكت واستنى اهو . عاد لابتسامته الغريبة لينهض مسمتعًا بطاعتها، فيغير جلسته، منتقلا الى الكرسي الاقرب اليها، ثم فتح كفه يده نحوها يأمرها: – هاتي ايدك كدة يا سامية. اذعنت بتردد تعطيها كفها ليقبض عليها داخل يده ثم رفع الأخرى ممسكًا بقلم ليدون بها على ظهر كفها عدد من العلامات التي لم تفهمها لتسأل بعدم فهم : – اي ده يا سيدنا؟ رفع رأسه اليها قائلًا: – مش انتي نفذتي كل اللي المكتوب في الورقة اللي عطيتهالك مبروكة المرة اللي فاتت ولا نقصتي منها حاجة؟ اجابت على الفور: – كل والله يا سيدنا، ما نقصت ولا حاجة منهم. بابتسامة جانبية ردد خلفها : – خلاص يا سامية، يبقى الدور عليا انا دلوقتي، سيبني اكمل، ولا انتي عايزة توقفي؟ ورغم تعجبها الشديد لهذه العلامات الغير مفهومة، إلا ان الإجابة صدرت منها بالموافقة وبدون ان تشعر: – كمل يا سيدنا. ❈-❈-❈ – يا نهار اسود عمل. تمتمت بها بجزع وبصوت واضح خرج على غير ارداتها، ليسارع هو الى تنبيهها: – وطي صوتك يا بهجة، انا كنت منبه عليكي من الاول بإيه بس؟ ابتعلت تتذكر تحذيره، لتخفض صوتها في التعبير عن صدمتها: – متأخذنيش يا شادي، بس انا اتخضيت والله. ردد بسخرية من خلفها: – انتي اتخضيتي من مجرد السمع، امال انا ومراتي نعمل ايه؟ دا احنا شوفنا الويل يا بهجة، من اول ما العمل الشيطاني اشتغل علينا، ولحد ما لقيناه بالصدفة، اقسم بالله مسكته في ايدي ومكنتش مصدق، ولا مستوعب ان حاجة زي دي تحصل معايا انا واهل بيتي ، انا راجل ماشي في حالي اذيت مين عشان يردلي كدة؟ حسبي الله ونعم الوكيل. ردد بها بحرقة شعرت بها لتسأله بفضول: – طب وعرفتو تتصرفو ازاي بعد ما اكتشفتوه؟ – جيبنا شيخ ازهر يا بهجة، راجل مشهور عنه السمعة الكويسة والقوة، هو اللي ادانا التعليمات نتصرف ازاي معاه وساهم في علاج مراتي بالقرآن. – طب وصبا عاملة ايه دلوقتي؟ – لو هنقارنيها بحالتها من اسبوع ، يبقى فرق السما من الارض، الحمد لله على كل حال، بس انا مش هسكت يا بهجة عن اللي عمل معايا كدة، ولازم اكشفه واخليه عبرة، المهم اعرفه، وعشان كدة شددت على الجماعة محدش فيهم ينطق بحرف؛ – طب انت شاكك في حد؟ ظهرت الإجابة بوضوح تعتلي ملامحه، في الرد عليها: – بصراحة اه، اصلها واحدة بس اللي كانت بتدخل في غيابي انا ومراتي عن البيت غير اختي رحمة، ودي طبعًا بعيدة عن الشك. – مين؟ – سامية بنت عمك. توقع المفاجأة، توقع اعتراض منها، توقع دفاع عنها، اي شيء غير هذا البرود في تلقيها الشك منه في اقرب الناس اليها بصلة الدم، مما زاد من شكه: – بهجة هو انتي كنتي عارفة ان البنت دي ماشية في الكلام ده؟ رغم عدم رغبتها في البوح، إلا ان اضطرت للإجابة تفصح عن السر الذي تحفظه بقلبها، علًه يأخذ احتياطه كما فعلت. – انا معرفش سامية تعمل كدة ولا لأ يا شادي، لكني مستبعدتش عشان والدتها هي السبب الرئيسيي لتطفيشنا من البيت، بعد ما اتأكدت، وشوفت بنفسي الدليل، زي اللي انت مسكته في ايدك. سمع منها ليردد بحرقة: – يا ولاد ال…….. استغفر الله العظيم يارب، هي الناس دي متتعرفش ربنا، وانتي ازاي متقوليليش؟ – ويعني لو كنت قولتلك كنت هتعمل ايه يا شادي؟ المهم خليك انت في نفسك دلوقتي، والله انا لو بإيدي لاحبس مرات عمي وشيح الشوم اللي بينفذلها، قادر ربنا ينتقم منه. – هو انتي تعرفيه؟ سألها بتحفز وانتباه شديد، ليجدها تجيبه ببساطة كادت ان تتسب له بأزمة قلبية: – ما هو مفيش غيره يا شادي، الزفت اللي ساكن في الشارع اللي ورانا، دا راجل مربي سمعته ع النصب والدجل ولاقي من امثال مرات عمي كتيرر. ظل لمدة من الوقت يطالعها بصمت وفقط، يكبح لسانه ع الانفعال عليها، لا يصدق الهدوء الذي تتحدث به في امر كهذا، شيء بمثل تلك الإهمية لا يقبل ابدا التهاون به، ليعود لعقله مقررًا بداخله التصرف بعمليه، ممسكا بهاتفه: – قوليلي اسمه بالكامل يا بهجة بدل ما اتشل منك طالعته يأتي بأحد الارقام يتصل عليها، لتسأله بعدم تركيز: – طب وانت مالك بإسمه، وبتتصل بمين اساسا؟ لوح بقبضته امامها يضغط عليها بشدة، ثم يخبرها حتى تكف عن الجدال: – هتصل بواحد معرفة في الداخلية، يخلص تاري بالقبض ع الراجل النصاب دا وفورًا، اما عن مرات خالي وبنتها فدول ملهمش دخلة عندي تاني، اللي يمشي في الكلام ده، حتى الكلام معايا متحرم عليه . ❈-❈-❈ مسطحة على الارض امامه، مستسلمة استسلام تام اليه، وهو يتابع بكتابة الأحرف الشيطانية على بشرتها ، والتي غيبتها عن الواقع واصبحت في عالم اخر لا تعلمه كان قد انتهى من ذراعيها والجزء الاعلى من جيدها، يواصل على ساقها بتركيز تام، رغم تشتيته احيانا من أفعالها، وقد اشتعلت بها الرغبة تمسح بكفيها وتناظره باستجداء، ليتبسم لها بتسلية: – حاضر يا سامية هريحك خالص، بس نخلص بقى عشان منبوظش الشغل، ويبقى ارتباطنا للأبد . وهذا ما كان برأسه ان تصبح ملك طاعته، حتى لو نفذ اليها رغبتها، يساعده جهلها على ذلك، هي وغيرها، هو لم يذهب اليهم، هم من أتو اليه، إذن فعليهم بدفع الثمن ، بوعيهم او بدون، في كل الحالات واحد، الم يعرفون من البداية هو مع من يتعامل؟! وصل لأسماعه فجأة بعض الاصوات الغريبة من خارج الغرفة، وقبل ان ينهض ليستكشف الامر وجد الباب يدفع بعنف للداخل، ويدلف عدد من رجال الامن، فصدر التعليق باستغراب من اولهم: – انت بتهبب ايه يا بني أدم انت؟ ❈-❈-❈ مساءً وحينما وضعت رأسها على الوسادة من اجل النوم، نظرت بهاتفها الذي اهملته عن عمد منذ عودتها من هناك، حتى لا تشغل بالها، او يحركها احساس الذنب كما حدث الاَن وقد رق قلبها لسماع صوته عبر الهاتف، تبًا. اصبحت تعرف بنوبة غضبه ساعة التجاهل، ولكنها ايضًا لم تغفر له حتى الاَن موقف الصباح، إهدار كرامتها من قبل هذه المرأة المتعجرقة واهانتها امامه. تعرف انها لا تملك الحق في عتابه بفضل هذا الاتفاق اللعين ولكنها ايضًا لا تستطيع التجاهل او التغاضي، نفسها العزيزة والتي كانت سبب بلاءها في الماضي، حينما وقفت امام عمها والمدعو زوجها على الورق، للقبول بربع حقها من ميراث والدها . هي ايضًا ما تمنعها الاَن من الرد عليه، او ادعاء شيء من المصالحة لا تستطيع الشعور به، أذن فليحدث ما يحدث. عند خاطرها الاخيرة، ابعدت الهاتف الصامت منذ ساعات، لتضعه على الكمود في الناحية البعيدة عن نومها، تغطي عليه بإحدى الوسادات الصغيرة حتى لا يزعجها اضاءة الهاتف بورود المكالمات التي لا تتوقف. فتعتدل بجانبها بعيدًا عن جهته وتشد الغطاء حتى رأسها، ولتنعم بنوم هانئ قريرة العينين ❈-❈-❈ وفي الجهة الأخرى، كان هو كالموقد سريع الاشتعال، لا يكف عن محاولات الاتصال بها للمرة التي لم يعد يذكرها بعد ، بغيظ شديد، يضغط على الشاشة التي تأذت بعض الشيء لعنفه، وهو يردد بالسباب، وبرغبة قوية لتعنيفها ردًا على هذا التجاهل، من هي لتتحداه؟ لابد ان يعاقبها حتى لا تفعلها مرة اخرى، ولكن كيف يفعل وهي لا تستجيب حتى على رد الرسائل . زمجر بغضبه يلقي الهاتف بطول ذراعه، ثم ينهض عن التخت الذي يتقلب عليه منذ اكثر من ساعة بدون أدنى فائدة للنوم، وقد طار منه النوم والراحة بسببها. كم ود لو يملك السلطة الاَن لدفع باب منزلهم وسحبها من شعرها وبداخل غرفتها، لتذعن بالاسف امامه قبل ان يقرر بعقابها، ولكن كيف يفعل؟ شد بأصابعه على شعر رأسه للخلف حتى كاد ان يخلعه من منبته، هذه اول مرة يقابل بهذا التجاهل، لقد كان غرضه من البداية استرضائها، ولكن بفعلها ذلك حولت كل طاقته نحوها للعكس، ليضرب بكفه على ذراع المقعد متمتمًا بوعيد: – ماشي يا بهجة ماشي، انا ان ما كنت اربيكي ع الحركة دي ما بقاش انا . اغمض عينياه قليلًا يتذكر معناته منذ قليل مع النوم ، بفضل التفكير بها وقد احتلت رأسه، ليدفع تلك الاباجورة ذات الاضاءة الخافتة بيده على الارض بعنف مردفًا بحديث نفسه : – لكن انام ازاي دلوقتي انا؟ انام ازاي؟ ❈-❈-❈ في اليوم التالي صباحًا وقد استيقظ مؤخرًا عن ميعاده اليومي، بفضل التفكير الذي استولى على معظم ليلته بالأمس، حتى انه حاول استغلال الوقت بالعمل، ولكن بفضل ضياع التركيز منه، لم يستفيد بشيء فلم يطال النوم سوى قرابة الفجر لينال منه تعب السهر ، فيأتي الاَن الى مقر عمله متأخرًا في سابقة لا تحدث ابدا سوى بالانشغال بأعمال اخرى، بملامح مكفهرة، اَثار السهر وضحت جليًا عليها، ليدفع باب المصعد بعنف، ثم يغادر بخطواته السريعة منه نحو الجهة التي لم يمر بها إلا نادرًا، فيتحرك متوجها مباشرة نحو مكتب الأرشيف والذي ما ان طل بمدخله حتى اثار الرهبة بقلب الرجل العجوز والذي كان اولهم في الانتباه عليه، ثم ردد يستقبله، امام دهشة الجميع وزهولهم: – رياض بيه! اهلا اهلا يا فندم نورت المكتب. دلف بخطوتين داخل الغرفة، موزعًا ابصاره على الجميع ثم توقفت عليها بنظرة واضحة، لتستدرك لجلوسها وحيدة خلف مكتبها الصغير، وقد وقف الثلاثة الباقين احترامًا له ورهبة، فتضطر بارتباك شديد، تجبر اقدامها التي تيبست من الصدمة للوقوف مطرقة رأسها امامه، شاعرة بنصل سهام عينيه تخترقها، رغم محاولات الثبات التي يدعيها مخاطبًا الرجل: – اهلا يا عبد الفضيل، ايه الاخبار؟ جاء رد الرجل سريعًا بقلق: – الاخبار فل وعال العال يا فندم، والشغل ماشي زي الساعة، بس دي اول مرة تشرفنا حضرتك، في حاجة. تبسم بخفة يجيبه باقتضاب لم يريح الرجل: – مفيش أي حاجة يا عبد الفضيل اطمن. توقف ينقل بطرف عيناه نحوها يلقي امره اليها : – تعالي ورايا يا بهجة عايزك . قالها ثم التف بقدميه للخارج، بدون أدنى تفسير مما اجبر الجميع على التساؤول حتى عبد الفضيل الرجل المسالم: – بهجة، هو انتي عملتي ايه؟ عشان الراجل يجي يطلبك بنفسه؟ – ودا يعرف اسمها منين اساسًا ولا صفتها؟ قالتها احد المرأتين من زميلاتها، لتضيف عليها الأخرى بقلق: – دا شكله ميطمنش يا بهجة، اوعي تكوني غلطتي يا منيلة تخسري وظيفتك كتمت زفرتها تسارع في التوضيح لهم وهي تتحرك للذهاب: – يا جماعة لا كدة ولا كدة، انا بشتغل عند الست والدته اصلا، تلاقيه بس هيسألني عنها. قالتها وهي تسارع بخطواتها للخروج حتى تتجنب المزيد من الاسئلة والتي ازدادت اشتعالا بخروجها. ❈-❈-❈ أما عنها، فقد اصطدمت ابصارها به فور خروجها من الغرفة، تتفاجأ بوقفته متحفزًا وهذه الحدة التي تطل من عينيه نحوها، غير ابهًا بفضول الموظفين بالنظر اليه، ولا بهيئته المتجهمة ليغمرها التوتر الشديد وهي تقترب منه، قائلة بأدب جم : – افندم حضرتك. عض على شفته بغيظ شديد، يحجم نفسه عن افعال كثيرة يود التعبير بها عما يكتنفه نحوها، حتى وصلها صوت انفاسه الخشنة ليأمرها كازًا على اسنانه: – ورايا ع المكتب حالًا. تمتم بها ثم استدار بقدميه يسبقها بتغطرس وكبرياء، جعلها تغمغم بسخرية من خلفه: – وكان لزمتها ايه الوقفة بقى؟ فاكر نفسه هيخوفني؟ سحبت شهقيًا طويلا تتبعه، ثم تجسر نفسها بالدعاء.: – انت المعين يارب. ❈-❈-❈ انتبهت لورا على قدومه لتنتفض واققة باحترام في استقباله: – صباح الخير يا رياض باشا. – صباح النور، بهجة جاية دلوقتي حالًا، خليها تدخل ورايا على طول. قالها على عجالة قبل ان يفتح باب مكتبه، ويختفي بداخله، فتتسمر هي بعدم استيعاب: – بهجة مين؟ هو انا سمعت صح؟ – بهجة انا. انتبهت لورا لصاحبة الصوت، تجدها امامها، وبابتسامة صفراء لها: – معلش يا لورا مضطرة ادخل على طول ، اصل رياض باشا طالبني حالًا. بذهول تام، تطلعت الاخيرة في اثرها، غير قادرة على منعها، لتتركها، تتجه نحو الغرفة وتفتح بابها، وكأنها داخل منزلها، ثم تدلف اليه، لتسقط هي على كرسيها بقهر تشعر به: – يا بت ال……. ❈-❈-❈ أما بداخل الغرفة وفور ان ولجت اليه، ذهبت الشجاعة ادراج الرياح، وذلك الاستخفاف الذي اتخذته منهجًا منذ الأمس في التعامل معه، ليحل محلهم الخوف والرهبة. وقد تمثل امامها كطاقة من الشر لابد من الحرص والحذر التام في التعامل معها، العروق النافرة ، وهذه الملامح المشتدة، وعيناه….. تبًا، منذ متى كانت حمراء؟ ليقترب نحوها ببطء فهد بري في التعامل مع فريسته ، قائلا بهدوء ما يسبق العاصفة: – بتصل عليكي من امبارح فوق المية مرة، وانتي تتجاهليني يا بهجة ومتعبرينيش. حاولت ابتلاع رمقها الذي جف في حضرته، لتدعي زيفًا برأئتها: – انااا يا رياض؟ ازاي بس؟ حينما برقت عينيه بخطر نحوها، وازدادت ملامحه قتامة، استدركت على الفور لضعف موقفها، لتسارع على الفور بالتوضيح: – انا اصلي ما شوفتش الرنات، روحت ع البيت وكنت هلكانه من تعب، يدوب أكلت لقمة سريعة مع اخواتي في الكافيه،… وبعدها مشيت ع البيت على طول، حتى نسيت التليفون في الكافيه، والصبح قومت ع الشغل، ما شوفتش الرنات غير قبل ما تدخل عليا تناديني بالظبط. مواصلا تحقيقه، يجاري كذبتها؛ – والتليفون بقى فضل قاعد في الكافيه؟ وانتي مسألتيش تاني عنه؟ ولا حد من اخواتك نبهك على اتصالي بيكي يجي خمسمية مرة . – هما مش كانو مية من شوية قالتها بداخلها قبل ان تلحق بباقي تبريرها: – التليفون كان معمول صامت ، دا غير اني مسجلالك من غير اسم، هيعرفوا ازاي ان انت اللي بتتصل؟…… شهقت بصرخة كتمتها على الفور حتى لا يخرج صوتها ، وقد باغتها فجأة يقبض على ساعديها، ضاغطًا: – بلاش تحوري وتلعبى معايا يا بهجة، الحركة اللي اتعلمت امبارح دي لا يمكن اعديهالك، سمعاني؟ اصابها الفزع حتى ندمت بداخلها على الاستهتار بغضبه، ولكنها كانت معذورة، لينهار تماسكها امام حدته: – براحة يا رياض، دراعي هيتخلع منك . رق قلبه لضعفها ولكن حريق صدره كان اقوى من أي شيء، ليستمر بضغطه، حتى سالت دموعها امام عينيه، لترتخي ذراعيه عنها، وتتلف حولها في ضمة قوية يهددها بصوت خشن، يدعي الحزم: – بس بقى بلاش عياط ، عشان انتي اللي استفزتيني أصلًا: ظلت على وضعها للحظات، يمسح على ظهرها وراسها حتى استكانت قليلًا، وقد شدد ذراعه حولها، ونسي الوضع والمكان، عكسها هي، وقد استدركت سريعًا، لتسحب نفسها من ضمته اليها بهدوء، وتبعد ذراعيه عنها، فعقب هو باندهاش: – في ايه؟ جاء ردها برسمية تذكره: – ميصحش حضرتك، لو حد دخل علينا المكتب كدة فجأة هيقول ايه؟ انا لازم احسب حساب لسمعتي برضو. – سمعتك! – ايوة سمعتي، مش كفاية اسئلة الزملا ليا في المكتب قبل ما اجيلك، اللحق بقى اخلقلهم قصة يمكن يقتنعوا، عن اذنك بقى. قالتها وتحركت ذاهبة ليوقفها بحدته: – استني هنا هتبرري لمين؟ وهما مالهم اصلا، ثم انا كمان ملحقتش اقعد معاكي. ردت بوداعة ويدها حطت على مقبض الباب: – الكلام دا تقولو انت حضرتك، لكن انا ملزمة اني اخاف على صورتي قدام الناس، عن اذنك بقى عشان لو اتأخرت اكتر من كدة كمان، برضو الكلام هيكتر اكتر. سلام . ❈-❈-❈ انتهت اسراء من اعداد عبوة الحليب لاطعام طفلها ، واتجهت نحو الشرفة، حيث تركته مع والده، لتتوقف امام مشهدهم. زوجها الذي كانت تعده فاقد الاحساس والشعور، يضم طفله اليه بحنو، يهدده برقة بالغة، ربما تأثرا بمرضه، ولكنه يفعل، ليتها لمست هذا الجزء به منذ البداية، تعرف انه لم يكن سيئًا، ولكنه كان ضعيف الشخصية امام والديه، وحين اراد التمرد؛ بدأ بها ، ولكنه عاد الاَن وهذا هو المهم. – نام الواد؟ توجهت بالسؤال كي يلتف اليها، ليؤميء لها بعيناه كي لا يصدر صوتًا ويزعجه، – وانا اللي حضرتله الرضعة، ياللا بقى . تمتمت بها، لتضع عبوة الحليب على الطاولة، ثم تتقدم بهدوء وتتناوله منه بخفة، فاقترب وجهها منه حتى كادت ان تصطدم انفها بذقنه، لولا انتباهها، لتلتقي عيناها بخاصتيه، يطالعها بنظرة ما لاول مرة تجدها منه، حتى نزلت عيناه على باقي تفاصيل وجهها ، ثم تتوقف على ثغرها، وقد اختلطت انفاسه بأنفاسها، بلحظة لم تكن متعمدة منها او منه. ولكن يبدو أنها قد أتت بأثرها عليه، ليقترب منها، ودنى امام صمتها وربما توقها لذلك، وما كادت ان تعانق شفتيه شفتيها، حتى انتفضا الاثنان على صوت صراخ يأتي من الأسفل، بالتحديد من منزل والديه. نهض كي يرهف السمع من الشرفة ليتأكد من صح ظنه ، فيردد بجزع: – الصوت جاي من تحت ، شكل البت سامية والواد سامر شابطين في بعض، بس دي بتصرخ صريخ جامد ، دا هيخلص عليها دا ولا ايه؟ – انا رايح اشوفهم الحيوانات دول هيجبولنا الفضايح. قالها وتحرك ذاهبًا من امامها، لتتابع اثره حتى خرج يصفق الباب من خلفه، ثم يصلها صوت ركضه على الدرج، فيخرج صوتها اخيرا بإحباط: – يعني هما حبكت يتخانقوا دلوقتي؟ …. جات الحزينة تفرح. رواية حان الوصال الحلقة السابعة والعشرون نزل الدرج سريعًا يدفع الباب بكتفه بعدم انتظار لطرقه ولا بقرع الجرس، فأصوات صراخها كانت تشق الأذان بصورة فاضحة، يرافقها صيحات جهورية لسامر ووالديه في الجدال معه لتخليصها من يده كما رأى بأم عينيه فور ان اقتحم عليهم، ليجد المشهد امامه. شقيقه كالمجنون بهيئة اجرامية لم يعهدها عليه قبل سابق ابدًا، ممسكًا بالحزام الجلدي يضرب به في الهواء نحوها، يريد أن يصل اليها، وقد كان والديه يمثلان حاجز بينها وبينه لعدم الفتك بها، على الرغم من تمكنه منها عدة مرات، وهذا ما ظهر على هيئتها التي افزعت شقيقه، ولكن غليله لم يهدأ بعد. – ايه يا حيوان اللي انت عامله في اختك ده؟ وانتو ازاي سيبتوه يعمل فيها كدة؟ قالها يلتقط شقيقته ويضمها اليه بين ذراعيه، فالتف الثلاثة وتوقف سامر يضحك بسخرية متهكمًا نحو والديه: – دا جاي يسألني بعمل فيها كدة ليه؟ البيه قاعد في شقته وميعرفش الدنيا اللي اتقلبت حوالينا، وسيرتنا اللي بقت على كل لسان بسببها. – سيرتنا اللي بقت على كل لسان! ردد بها سمير يدفع شقيقته عنه يوجه لها السؤال بتوجس: – الواد ده بيقول ايه يا بت؟ هببتي ايه يا سامية. انتفضت تتراجع عنه برعب ان تأخذ دورها منه ايضًا لتردد بهذيان: – والله ما كنت بوعيي، والله ما كنت بوعيي . انتفض امامها بأعين جحظت بارتياب صارخًا بها، وقد ذهب ظنه لما هو أفظع من خلف كلماتها: – الله يخرب بيت ابوكي، عملتي ايه يا بت؟ صرخت درية هذه المرة تتمسك به شارحة بلهفة: – يا بني مش اللي في بالك، الموضوع حاجة تانية خالص، بس حظها زفت واخوك كمان مزودها، الله يخرب بيتكم فضحتونا . جاءها الرد من سامر: – أحنا برضو اللي فضحناكي ياما، ثم حظ ايه بالظبط ايه اللي بتتكلمي عنه، بتك لولا البوليس ما دخل ونجدها من ايد النجس ده اللي عامل فيها شيخ، الله اعلم عمل كان يعمل معاها ايه؟ ادي اخرة الدلع يا ماما ، ادي آخرة الدلع يا بويا. خرج صوت خميس مدافعًا عن نفسه: – وماله ابوك يا خويا، واحدة طويلة وشحطة، يعني عارفة الصح من الغلط، هقعد قبالها انا بقى، واعد عليها خطواتها، امال امها لازمتها ايه؟ – ما كفاية بقى يا خميس، هو انت اللي عليك امها امها، خلفتها لوحدي انا بقى؟ – بااااااااس كانت هذه صرخة سمير الذي تشتت عقله بالذهول مما يسمعه، دون توضيح جيد لمغزى ما يتحدثون فيها، ليلقي نظرة نحو شقيقته التي جلست بزاوية وحدها تنتحتب وتبكي، ليستطرد بغضبه: – انا عايز اعرف دلوقتي بتتكلمو عن ايه بالظبط وتشرحولي بهدوء . ❈-❈-❈ عادت معه هذه المرة في السيارة، بعد لقاءهم في عش الزوجية، وقد تصالحا ونسيا في غمرة الوصال زعل الأمس وقلق الغد، هي ليست غافلة حتى لا تعرف بمقدار عشقها في قلبه، حتى وان كانت تجربتها الاولي في الحب، وحتى وهي لم ترى من الرجال غيره حبيبًا، هو فرحتها الحقيقية وسر عذابها ايضًا، كانت معه في السيارة، كفها الصغير داخل قبضته يرفعها اليه اثناء القيادة كل لحظة ويقبل ظهرها، وكأنه يطمئن نفسه دائما بوجودها معه. كان قد اقتربا من منزل والديه، ف انتبهت تذكره: – رياض وقف هنا، لحد من الحراس يشوفنا . فاجأها بإصراره: – لا انا هدخل وانتي معايا وفي داهية الحراس . شعرت بشيء من السعادة كانت تكبتها من الداخل، حتى لا تظهر لهفتها امامه، وتتركه يكمل احاديثه المستمرة: – شوفي بقى، انتي تحاولي تلاقي صرفة وتسبيلي نفسك لو حتى يومين، نفسي يا بهجة أختلي بيكي عن العالم كله، اللحظات اللي بنخطفها دي مبقتش تكفيني، انا عايزك على طول معايا. – وايه مانعك؟ همت ان تتفوه بها ولكنها وعدت نفسها الا تنطق بها ابدًا ، فلابد ان تأتي المبادرة منه. توقفت السيارة داخل محيط المنزل، لتترجل هي وتسبقه: هروح انا اشوف مدام نجوان على ما روحت انت ركنت العربية في الجراج اومأ لها بعيناه وتحرك مغادرًا، لتتخذ هي طريقها نحو المنزل، وبداخلها امل ينمو نحو إمكانية تغيره، لتدلف داخل المنزل فتُزهل بضحكات نجوان التي كانت تصدح بصوت عالي جعلها جعل الفضول يتأكلها، لتتبع الصوت حتى وجدتها في وسط البهو تحمل طفلا ما، وبرفقتها رجل شديد الهيبة ومعه امرأة…… ينتابها الاحساس انها رأتها قبل ذلك في التلفاز؟. – تعالي يا بهجة، انتي هتفضلي واقفة مكانك. كان هذا صوت نجوان التي انتبهت اولهم عليها ، لتدعوها بفرح: – تعالي يا قلبي متتكسفيش، دا ابن اختي مصطفى احب الناس على قلبي، ودي مراته الممثلة المشهورة. – عرفتها مدام نور . قالتها بهجة مشيرة بسبابتها نحوها، وقد تأكدت من صدق حدسها، فضحكت الأخرى تؤكد لها بلطفها المعتاد: – ايوة انا هي يا ستي، عرفتيني ع الطبيعية؟ اقتربت منها بلهفة تصافحها: – طبعا عرفتك على الطبيعة، دا أنتي قمر على الشاشة وعلى الحقيقة، انا في خيالي مكنتش اتخيل انك بالجمال ده . تتحدث بعفوية جعلتها تتقبلها بمحبة، فتعلق نجوان وتعرفها لهم: – دي بقى بهجة يا جماعة، اجمل بنوتة تشوفوها هنا، يعني تعتبرها بنتي اللي مخلفتهاش. – يا نهار ابيض للدرجادي قالها مصطفى لتمتد يداه نحو بهجة قائلا بتقدير: – دا احنا كدة نحسدك يا ست بهجة، محدش يقدر ياخد المكانة دي في قلب خالتو الا اذا كان غالي اوي . – وأغلى مما تتصور قالتها نجوان لتمسكها من كفها وتجلسها بجوارها ، مما اخجلها في التعامل معهم وكأنها واحدة منهم، فتواصل بطريقتها لأدماجها معهم: – شايفة يا بهجة، شايفه الأمور ده، يبقى ابن مصطفى ونور، ايه رأيك بقى؟ جميل زيهم، صح. ❈-❈-❈ أما عنه فقد بدت ان المفاجأة لم تكن سارة له على الإطلاق، وهذا ما ظهر على ملامحه التي انكمشت فور ان وقعت عينيه على أبن خالته رجل الاعمال النجيب، مع زوجته الممثلة المشهورة وبهجة تحمل طفلهما وكأنها……. – مساء الخير. صدرت منه التحية بصوت خشن لفت انظار الجميع اليه، لتلتقط نظرته نحوها بلهفة قابلها بجمود وهو يتقدم نحو ابن خالته يرحب به وزوجته قبل ان ينضم مجبرًا للجلوس معهم، – منور يا مصطفى، مفاجأة مكنتش اتصورها بصراحة. لاح في نبرته شيء ما لم يريح والدته، فجاء رد الاخير بسجية: – مفاجأة ليه يا اخينا؟ اينعم انا مشغول اربعة وعشرين، بس دا ميمنعش اني ان اخلق الوقت عشان اجي واطمن على خالتو بعد ما عرفت برجوعها لينا، ولا ناسي بمعزتها عندي؟ استمر بطريقته وابصاره تتجه نحو بهجة كل لحظة بضيق شعرت به: – لا طبعا انسى ازاي؟ ما هي كمان بتحبك ❈-❈-❈ انتهى سامر من سرد ما حدث، ووصف الخزي الذي شعر به اثناء ذهابه إلى قسم الشرطة لاستلامها، وقد كانت في حالة من الاوعي تُمكن أي شخص حتى لو بدون عقل ان يستغلها، ولكن الله كان رؤوف بهم وجاءت معه سليمة في كلمات وجيزة ولكنها كانت كفيلة لتجعل الدماء تصير كاللهيب في عروق الاخر، وبصدمه يستشعرها كمطرقة حطت على رأسه ليستفيق من حال الامبالاة التي يتخذها منهجًا امام صلف والديه معه في اي قرار يريد تنفيذه، لينتفض فجأة نحوها وقد ظلت على جلستها في زاوية الغرفة تبكي وتنتحب دافنة رأسها في ركبتيها التي تضمهما بذراعيها. ليقبض على ذراعها يهدر بفحبح : – رايحة عند الراجل الوسخ دا ليه يا سامية؟ – اااه صدر صوت توجعها ليزيد بضغطه امام صمت الثلاثة وقد نال منهم الاجهاد: – رايحة تعملي عمل يا بت؟ ومين اللي عرفك على سكته من الاساس؟ قولي، صرخ بالاخيرة لتنتفض والدته على أثرها ، وقد لاحت من ابنتها نظرة نحوها فهم منها الإجالة ، ليتوجه بالكلمات المقصودة: – طب انا هعيد تربيتك من اول وجديد يا سامية، واللي مقدرش عليه ابوكي وامك، هقدر انا عليه أن شاء، وابقى الاقي حد فيهم يعترض وانا اسف يعني؟ ردد خميس من خلفه بسخرية خالية من اي مرح: – وانا هعترض ليه يا حبيبي؟ اعمل اللي انت عايزة ، انا خلاص حطيت صوابعي في الشق منكم كلكم، جاتكم البلا، دا انتو تقصروا العمر. سمع ليلتف نحو والدته بتحدي ونظرات كاشفة: – وانت ياما، ليكون عندك اعتراض بعد اللي حصل؟ – هو انت ناوي تعمل فيا ايه؟ صرخت سامية تسبق والدتها، والتي جاء ردها ببعض الجدال رغم توترها من تلميحاته: – ايوة صحيح، انت عايزاني اقول امين من غير ما اعرف هتعمل في البت ايه؟. تبسم يجيبها بمكر؛ – مش حاجة وحشة والله ياما، الواد سامر ماسك ايده من الوجع من كتر ما ضربها، انا بقى هقصر المسافات واجوزها، حتى الحمد لله العريس جاهز مش محتاجين تعب . وقبل ان يصدر السؤال من كلتاهما اردف يجيبهم: – طلال ابن عم منعم صاحبك يا بابا . صرخت سامية بالرفض امام جزع والدتها: – نهار اسود، اللحقيني ياما، دا عايز يجوزني للبرمشاجي، اللي لا شكل ولا هيئة. . وعلى عكس المتوقع تلجمت درية ليست بقادرة على دعمها او الرفض، عكس خميس الذي تهلل وجهه، وانتقض يستغل الفرصة: – حلو اوي يا سمير، اهم حاجة يفتح بيت وهو ناصح في الحتة دي، انا هروح ابلغ منعم يفرح ويحددو ميعاد اللي هيجوا فيه. قالها خميس وهرول من جوارهم لتصرخ سامية: – اللحقي جوزك ياما، دا ماصدق، الواد دا مبيطقهوش وربنا ما بطيقه. – اخرصي يا بت مسمعش صوتك خالص، دا انتي تبوسي ايدك وش وضهر لو هو رضي بيكي. صدرت الصيحة من شقيقها سامر بحزم جعل درية نفسها تنكمش على نفسها، اما سامية فلم يتبقى لها سوى معاودة الندب تلطم على خديها بحسرة على ضياع الحلم لينقلب إلى كابوس طلال ❈-❈-❈ داخل السيارة التي تقلهم للعودة إلى المنزل، كان الحديث الدائر بينهم، لتعبر زوجته عما تشعر به بعفويتها كالعادة: – انا فرحانة اوي يا مصطفى بزيارة طنت نجوان ورجوعها لينا، بسيطة وطيبة وبتحبك وبتحبني في نفس الوقت يا مصطفى. ضحك مرددًا خلفها بمشاكسة: – فرقت معاكي اوي دي يا نور، انها بتحبني وبتحبك، والله انا كمان محبتكيش من شوية. تبسمت بحرج لتلكزه على ذراعه موضحة: – بطل غلاستك دي يا مصطفى، انا قصدي مش بتتعالى ، ما انت عارف نظرة مامتك الطبقية ليا، حتى وانا نجمة كبيرة وليا جمهوري استاء بالفعل لقولها، ولعلمه التام انها لم تكذب، ليتخلى عن عبثيته مبديًا اعتذاره: – معلش يا قلبي، هي كدة اعملها انا ايه؟ – لا يا سيدي متعملش حاجة، ما انا خلاص اتعودت بقى، المهم خلينا في ابن خالتك ده، انا كنت حاسة انه مش طايقنا. عاد للضحك مرة اخرى مرددًا بسخرية: – حاسة بس، طيب ما هو فعلا مش طايقنا؟ توقف يسحب نفسًا قويًا ليردف بجدية: – رياض ابن خالتي وانا اكتر واحد عارف باللي في دماغه، هو متخطاش الماضي اللي انا كنت جزء منه، لذلك أنا دايما بديله العذر، اللي مر بيه مكانش قليل، هو يستاهل الحب، بس لو يدي لنفسه الفرصة ويشيل العقد اللي مكلبشاه ساعتها هيرجع انسان تأني خالص. صمتت زوجته تستوعب الحديث، وتوافقه الرأي، فأتت فجأة صورة بهجة بذهنها لتقول بلهفة: – على فكرة انا لاحظت حاجة غريبة النهاردة، نظرات رياض للبنت القمورة جليسة طنت نجوان مكنتش طبيعية، مش عارفة ليه دخل في قلبي احساس كدة لما لقيته مركز فيها – قصدك انه يكون بيحبها ولا معجب بيها؟ مطت شفتيها، توضح بعينيها انها لا تستبعد، مما جعله يردف بما شعر به هو الاخر: – تصدقي عندك حق . ❈-❈-❈ بداخل المكتب كان معطيًا ظهره، واضعًا يده في جيب بنطاله، ينظر من خلال الحائط الزجاجي إلى الحديقة بوجوم تام حينما دلفت اليه حاملة فنجان القهوة الذي تكلفت تصنعه بيدها لتأخذها حجة وتراه، بعد اختفاءه كل هذا الوقت منذ مغادرة مصطفى عزام وزوجته المنزل . – القهوة اللي بتحبها . قالتها برقة لم يعيرها اهتمامًا وقد التف اليها بوجه ممتقع الملامح وغضب غير مفهوم، يحدجها بنظرة نارية وكأنها قامت بجرم ما، ليلقي بنظرة خاطفة نحو القهوة فيجلس زافرًا بصوت عالي انفاس قوية، ليزيد بداخلها التوجس حتى عبرت عنه: – ممكن افهم انا زعلتك في ايه بالظبط عشان ابقى فاهمة بس؟ أجاب بعد فترة من الصمت: – ومين قالك اني زعلان، شوفتي ايه عليا يخليكي تفتكري كدة؟ لم تحتمل مراوغته في الحديث ، لتنفعل هاتفه به: – رياااض بلاش اسلوب اللف والدوران معايا، انا مش غبية عشان مفهمكمش، انت متغير من ساعة ما شوفت ابن خالتك والممثلة المشهورة مراته مع مدام نجوان، شكلك كان واضح عليه اوي انك مخنوق، بسبب خلافات بقى ولا مشاكل قديمة، لكن انا ايه ذنبي….. – بتشيلي ابنهم ليه؟. اجفلها بها مقاطعًا بحدة جعلتها تقطب بعدم فهم: – وفيها ايه يعني؟ دي مدام نجوان كانت فرحانة بيه اوي وهي اللي شيلتهولي؟ – وانتي ليه تجاريها؟ هي فرحانة عشان دا ابن الننوس الغالي حبيب العيلة كلها، انتي ليه قعدتي معاهم اصلا؟ ادخل انا الاقيكي شايلة لولد وكأنك ما بينهم…… قطع فجأة ليصلها المعنى على الفور، فشخصت ابصارها بصدمة مرددة: – قصدك خدامة؟ شايلة ابنهم وكأني الخدامة بتاعتهم . – اخرصي يا بهجة، انا مقولتش كدة . نهرها كي تتوقف، ولكنها لم تبالي لتواجهه بتحدي: – لأ مش هخرص عشان انا مش غبية عشان مفهمش قصدك، بس لعلمك بقى، انا مزعلش منها دي ولا تهمني، انت بقى مش متحمل مجرد الفكرة، يبقى نفضها سيرة من اساسه، وانت تقطع من الخدامة اللي هتعر الباشا ابن الباشا. نهض من جلسته لينفض عنه الذهول الذي اكتنفه بسماع حديثها القوي، وازدادت عيناه اشتعالا نحوها ليقبض على ذراعها مرددًا بتحذير: – بطلي كلامك المستفز يا بهجة، انا على اخري اصلا، ومش حمل اي تفسير سخيف منك، ولا عايز ارتكب جناية بسببك. نفضت ذراعه عنها لتقارعه بغضب: – بلاش انا تفسيري السخيف يا باشا، وقولي انت عن السبب الحقيقي لقلبتك، انا عايز اسمعك اهو قول. ظل على جموده في الصمت لتكرر في طلبه بانفعال: – كذب كلامي بقى واقول اني فهمت غلط، مستني ايه يا باشا؟ اخرج تنهيده من صدره، طاردًا دفعة كبيرة من الهواء، ليتحرك من جوارها عائدًا نحو مكتبه يتكلم بصوت يتخلله الألم: – انا اللي جوايا كتير يا بهجة، وانتي لا يمكن هتفهميني. ردت بعدم رضا تجلس امامه: – ليه بقى؟ شايفني مبفهمش؟ رمقها بحنق قائلًا: – الموضوع مش زي ما انتي فاهمة، الحكاية ان في تفاصيل كتير انتي متعرفهاش، تفاصيل عدى عليها سنين كتير، كتير يا بهجة. بشبه ابتسامة لم تصل لعيناها عقبت : – وانت بقى هتفضل حابس نفسك جوا السنين دي؟ الدنيا كل يوم في حال، واللي النهاردة كويس معاك ، من الجايز بكرة تلاقيه وحش، والعكس كمان، المهم اللي احنا فيه دلوقتي. حديثها كان به شيء من المنطق لكنه لم يقتنع به، ليأتي رده بتقليل: – انتي بتقولي كدة عشان دنيتك محدودة، ما شوفتيش نص اللي انا شفته، مش بقولك مش هتفهميني . نهضت من امامه تردد بيأس احتل معالمها، وقد فاض بها منه: – عندك حق، انا فعلا مش فاهماك ولا عمري هفهمك يا رياض. قالتها وخرجت على الفور تتركه في وحدته، يصارع ذكرياته القديمة، في تلك الحقبة اللعينة بعد ان انهى دراسته الجامعية في الخارج وأتى إلى هنا مع والدته، ليستقرا مع والده الذي سبقهم قبلها بسنوات في تأسيس مصنع الملابس والازياء الحديثة حلم حياته، فيحتك هو بالعالم الواقعي هنا المخالف تمامًا عما نشأ عليه. عالم المظاهر المبالغ فيه، مال واعمال وعائلة ارستقراضية يختلف تمامًا عما نشأ عليه مع والدته المتواضعة لدرجة السذاجة رغم اصلها النبيل، والده الذي كان يعده قدوة اكتشف مع الوقت سفاهة معظم قرارته، والتي كانت تكلفه الكثير من خسارة الأموال. على العكس تمامًا مع زوج خالته الهمام وابنه النجيب، نجاحات متتالية دون توقف، يعرف بها القاصي والداني، انجازات تتغنى بها بهيرة في كل اجتماع او مناسبة وفي المقابل فشل والده المستمر في إدارة مصنعه، حتى قرر المساعدة بالعمل معه كي يصبح له ذراع يمنى كمصطفى عزام ووالده، ولكن اكتشف مع الوقت المصيبة الحقيقية لتأخر الرجل ، تلك الأفعى التي كانت تشغل عقله بعشقها وأنوثتها الطاغية، يصرف عليها ببذخ، غير مراعيًا لفرق العمر بينها وبينه، مما تسبب له في العديد من الخسارات، الشد والجذب والخلافات المستمرة معه خشية وصول الأمر إلى تلك الغافلة والهائمة بعشقه، محاولاته في كشف هذه الأفعى، والتي غلبته بمكرها حتى خلقت ضغينة بين الاب وابنه واضعة بعقله تلك الفكرة التي لم تخطر له على بال ، انه يحاربها من أجل الحصول عليها لنفسه. كان احمقًا لا يعرف بأساليب النساء، ليظل متخبطًا لا يعرف وجهة صحيحة يستند عليها، حتى جاءت القاسمة بحادث السيارة وما تلاها من فضائح تصب المزيد عليها ، قصتهم اصبحت علكة بين الافواه لتظهر الفرق الشاسع ما بين الأسرة الملتزمة والناجحة ، وبين اسرته الفاشلة . ايام سوداء لن ينساها ولن تنمحي من ذاكرته، ولكنها خلفت في قلبه جروحًا لن تندمل، رغم النجاحات التي حققها، ليكون ندًا للأخر حتى وثروته لا تصل لنصف ما يملك ولكنه اثبت نفسه، رجل ناجح وأسرة مستقرة وزوجة…….. توقف عند الاخيرة يغلق على عينيه بتعب، فقد وقع في نفس الفخ، ومع ذلك يأبى الخروج منه. ❈-❈-❈ منذ تلقيه اتصال صديقه ضابط الشرطة يخبره عن الوضع بعد القبض على الشيخ الدجال، ثم ذكره لاسم ابنة خاله والحالة التي وجدت عليها ساعة القبض على هذا المدعي، شيء مخزي جعل الغضب يتصاعد داخله، وشيء يتعدى الأسف الاف مرات، لما تعرض نفسها لهذه الإهانة؟ لما الاذية له ولزوجته؟ ومن اجل ماذا ينسى المرأ دينه بالاتفاق مع الشيطان فيخسر الدنيا والآخرة؟ ظل شادي لفترة ليست بالقصيرة يصلي ويتضرع إلى الله بالمغفرة والحفظ له ولعائلته حتى اذا انتهى وذهب إلى والدته قص عليها جميع ما حدث: – شوفتي بقى يا ماما، عشان انا من الاول كنت شاكك وسبحان الله لما جيت اتأكد انكشف كل شيء، انا مش بأنبك والله، لأنه كله بإيد ربنا، لكني عايز اعرفك بس ان سبب بلاء الطيبين في الدنيا دي هي طيبيتهم . – سامحني يا بني، انت فعلا عندك حق في كل اللي قولته، ربنا يهديها،،قد صدمتي فيها، قد زعلي عليها ، دي مهما كان بنت اخويا وعرضها يمسني. لن يلوم والدته على تعاطفها مع تلك الملعونة، فهو ايضًا اكتنفه هذا الشيء ورغم قهره منها ومن بجاحتها ووقاحتها، إلا انه يفضل لها الستر دائمًا . – انا قايم اشوف مراتي يا ماما، هي اكيد قلقانة من قلة اتصالي بيها من الصبح . قالها ونهض يهم بالخروج ولكن والدته أوقفته: – واد يا شادي، مش كفاية كدة بقى ورجعها، ومدام عرف السبب بطل العجب. تبسم يجيبها بتأكيد: – هيحصل يا ماما، ما انتي قولتيها بنفسك، معدتش في سبب يمنع والحمد لله. تمتم بالاخيرة وذهب، نحو من ما ملكت فؤاده، واشتياقًا يحرق صدره إلى رؤيتها، ألا وقد حان الوصال اخيرا بعد الهجران وعذابه. ❈-❈-❈ كأمواج متلاطمة يعلو بها الى عنان السماء مرة، ثم وعلى حين غفلة منها، يهبط بها سريعًا في العمق حتى يكاد ان يغرقها، كم ودت ان تصل معه إلى بر يريحها او حتى بدونه لو استحال الأمر، ولكنه لا يعطيها فرصة، تبًا له من أناني. دفعت الباب لتكمل السهرة مع اخوتها داخل محل الكافيه الذي اصبح مقرهم الاساسي الان، نظرا للعمل به ، ولأنه ايضًا مكان جيد للترفيه وقعت عينيها في البداية على شقيقها الذي يتعامل بجدية مع احد الزبائن، حتى همت ان تنادية او تلفت نظره، ولكنها تفاجأت تبصر اعز صديقاتها امامها وكأنها كانت في انتظارها لتهرول اليها متمتمة بإسمها : – صفية . ❈-❈-❈ خرج بها اخيرا بعد فترة طويلة من الانشغال بقضية عمره، قرر اليوم اخذ استراحة محارب، يريح عقله قليلًا من التفكير ، ويرفه عنها، شاعرًا بذنب اهماله لها في الفترة الأخيرة، على الرغم من عدم شكواها، مما زاد من تقديره لها. ليسألها فور الجلوس على طاولة تجمعهما وحدهما بذلك المطعم المختص بتلك اللقاءات . – قوليلي بقى يا أمنية؟ عجبك المطعم؟ ردت بابتهاج يعتلي تعابيرها: – اوي، عجبني اوي، إضاءة هادية ومزيكا جميلة، اقدر اسميه عشاء رومانسي ده يا عصام؟ – انتي لسة هتسألي يا أمنية؟ ولا انتي مش مصدقة اصلا ان جوزك يطلع منه الحاجات دي؟ قالها بعفوية ليجد الرد على ملامحها المتبسمة، فيردف معبرا عن استيائه: – اما صحيح ستات غدارة، عاملين زي القطط تاكلو وتنكروا – أحنا يا عصام. تمتمت بها ضاحكة ليستطرد هذه المرة متغزلا: – طبعا عشان حلوين وليكم حق. اعجبها اطراءه فتابعت بغريزة الأنثى تريد المزيد: – يعني شايفني حلوة يا عصام؟ تناول كفه يدها يقبل ظهرها مجيبًا: – دا انتي قمر مش حلوة وبس، انا عارف اني مقصر معاكي كتير، وانتي متحملة وساكتة، لا بتنكدي ولا بتشتكي، اوعي تفتكري اني مش واخد بالي منها دي، دا انا ابقى راجل غبي لو مقدرش قالها بامتنان وصل اليها لتعقب بما زاد من سعادته: – بعد الشر عليك يا حببي من الغباء، زي ما انت مقدر ، انا كمان مقدرة، لا يمكن ازيد على همومك، ربنا يخليك ليا، كلمتينك دول معناهم كبير اوي عندي وربنا العالم قبل يدها مرة اخرى قائلًا بانتعاش: – دا انتي اللي تستاهلي الدنيا كلها تحت رجليكي، شوفي بقى، انا قابض وجيبي مليان النهاردة، اطلبي اللي انتي عايزاه، وشاله ما حد حوش . ❈-❈-❈ في تلك الزاوية المظلمة، والتي يقوم بها بدوره في الاستلام والتسليم مع الزبائن المعروفين لديه، كان عقله منصبًا في التركيز مع هذا الفتى، الذي لا يتوقف عن اللعب في الهاتف بيده، وقد سمع عنه الكثير وعن مهاراته في الاختراق وأشياء كثيرة . تقدم يتخذ مقعده بجواره، ليفتح معه حديثًا: – بيقولوا انك شاطر اوي في التليفونات وبتعرف تهكر اي حساب يا عويضة. رد الفتى باعتزاز: – طبعا امال ايه، انا مفيش حاجة تصعب عليا، وبكرة تسمع عني لما تلاقيني بهكر حسابات بنوك، انا ماشي في السكة دي وهوصل – يعني على كدة تعرف تهكر اي حساب أدلك عليه؟ رد الفتي بحماس، وقد اشتعلت رأسه بالتحدي: – دلني ع الحساب اللي انتي عايزه يا عم إبراهيم وانا بعون الله هعرف . – طب قولي ازاي؟ سأله بفضول ، ليجيبه على الفور: – مش مستاهلة تعب، هو لينك تبعته عن مسابقة مثلا ولا حاجة تغري صاحبها بفتحه، المهم نعرف راجل ولا ست عشان نقدر نحدد اللي اهتمامات الزبون وعلى هذا الأساس نشتغل يا باشا . نالت الفكرة استحسانه، وقد شعر بفائدتها قبل ذلك مع والدتها، فما باله لو صارت التجربة معها، يبدو ان التسلية ستكون افضل بكثير في الايام القادمة، ليقترب منه يغريه بعرضه: – طب شوف بقى، لو عرفت تهكر الرقم اللي هكتبهولك دلوقتي، ليك عليا الفين جنيه تاخدهم كاش ايه رأيك بقى – دا الفل الفل يا عم إبراهيم، هاني الرقم اللي انت عايزه وانا هشتغل عليه يوماتي لحد ما اجيب قراره. ❈-❈-❈ لم تحبذ الجلوس معها داخل المحل المزدحم، رغم كم المرح والفرح الذي يغمرها به، بمشاهدة اشقائها وحماسهم في العمل، إلا ان حالتها المزاجية هذا اليوم جعلتها تتلقف لقاء صديقتها كالغريق، لتسحبها معها على الفور وتأتي بها الى هنا داخل المنزل، فتختلي بها بعيدا عن الجميع في جلسة داخل غرفتها، يستعدن ذكريات المراهقة وجلسات النميمة والأحاديث اللذيذة، ولكن اليوم كان حديثهم في شيء آخر، ذلك الذي اتعبها وارهقها بكثرة التفكير فيه: – يعني ايه يا بهجة؟ انا عايز افهم اكتر منك، بيحبك ولا ما بيحبكيش؟ ردت بما تأكد في قلبها: – لو عندي ذرة شك واحدة بس انه مببحبنيش، عمري ما كنت هقعد ولا استمر معاه ثانية واحدة تاني . – ولما انتي متأكدة اوي كدة يا حبيبتي من حبه ليكي، تقدري تقوليلي ميعلنش ليه؟ في الضلمة بحبك وبموت فيكي ، وفي النور لا سوري معرفكيش، انا اسفة في صراحتي يا بهجة . تبسمت متقبله نقدها : – لا والله ما ازعل منك، عشان عارفة ومتأكدة بصحة كلامك، بس اعمل ايه؟ ما هو ده سبب تعبي معاه يا صفية، ساعات بحس انه في احتياج شديد ليا ودا اللي بيقيدني اخد موقف شديد معاه، وساعات تانية بكرهه واكره جوازنا واكره الظروف اللي اجبرتني على جوازي منه والدنيا كلها . تنهدت صفية بياس، شاعرة بحجم المعاناة التي تعيشها صديقتها، وبداخلها تريد مساعدتها بأي صورة. – طب واخرتها يا بهجة تبسمت بسخرية تعقب: – تصدقي نفس السؤال ده اتسألته من شادي ابن عمتي، لدرجادري انا موضوعي شاغلكم . ردت صفية بجدية: – جدا يا بهجة وانتي عارفة بكدة، وبتكابري وبتهزري، صمتت تنتظر ردها والذي جاء بعد برهة: – انتي قولتي بنفسك اني بكابر وبهزر، لكن اكيد مش هفضل كدة كتير، ان كان قلبي النهاردة في مساحة انه يحن، فتأكدي يا صفية ان المساحة دي يوم عن يوم بتضيق، والحل اكيد في ايده هو يا نستمر في النور، يا كل واحدة يروح لحاله، وانا شايفه ان الميعاد قرب اوي – ميعاد ايه؟ – ميعاد تحديد المصير يا صفية، انا وعدت نفسي من زمان اني لا يمكن هطلبها منه، ان مكانش يعلنها هو من نفسه يبقى بلاها احسن وكل واحد يروح لحاله. ❈-❈-❈ سحبها من يدها، لتدلف بخطوات مترددة داخل المنزل الذي كان عشها السعيد في أيام زواجها الأولى به، تبتلع ريقها بتوتر يصل اليه، ليواصل حثها بالمزاح والمشاكسة: – روقت ومسحت ورشيت المعطر وخليت البيت فلة، بصي بقى كويس، وقولي ايه رأيك في شطارتي؟ ضحك وجهها الصبوح، لتشرق في قلبه انتعاشًا واملا في عودتها لطبيعتها، صبا الجميلة الساحرة، والتي صارت تطوف بعيناها على ارجاءه تتبسم بمرح، تخفي من خلفه بعض الرهبة التي مازلت تستوطن داخلها، نتيجة ما مرت به في الفترة الصعبة لزوجها به. تبتلع ريقها وتجاريه في المزاح: – حلو ومش بطال يا مستر، بس يجي منك صراحة يعني مكدبش – يجي مني؟ اومأت رأسها تذكره بشقاوتها المحببة: – امال يعني اكسفك واطلع العيوب، ما نخليها يجي منك احسن. سحب شهيقًا طويلًا يتخلى عن اتزانه، وقد غلبه اشتياقه ليضمها فجأة ويرفعها عن الأرض مرددًا بلوعة: – اااه يا صبا، وحشتيني وحشتيني، حاسس قلبي هيوقف من فرحتي بروجعك شددت هي ايضًا بذراعيها، تبادله بدموعها: – وانت كمان يا شادي، ويمكن اكتر والله، أنا روحي اتردلتي برجوعي ليك . – يا قلب حبيبك انتي. شدد يعصرها بين ذراعيه، وهي تبادله، تستمد منه الدفء، تستمد منه امانها الذي افتقدته بابتعادها عنه اخرجها بعد فترة ليست بالقليلة ليكوب وجهها بين كفيه، يتأمل ملامحها الجميلة متغزلا: – وحشني اوي عيونك الحلوة دي يا صبا، انام بعد ما اشبع من البص فيهم، وأصحى على نورهم، اللي أدفى من نور الشمس، في بعدك لا كنت بعرف انام ولا كان ليا نفس أصحى، كل الايام واحدة وملهاش طعم في غيابك. سالت دماعاتها مرة اخرى لتردد برجاء: – كفاية يا شادي، انا كدة والله هكره نفسي . – لا يا ست تكرهي نفسك دا ايه؟ دا احنا ما صدقنا. قالها ليجذبها من يدها يتابع بمزاح: – انا بقول نأجل كلامنا شوية، تسلمي على ماما، وبعدها نكمل ونكره بعض براحتنا. استسملت له لسحبها حتى دلف بها الى داخل غرفة والدته، والتي فور ان رأتها، فتحت ذراعيها لها تتلقفها في احضانها، تعبر عن اسفها: – سامحيني يا بنتي، غبائي هو السبب في كل اللي حصلك . – خرجت من احضانها تنهاها: – لا خالتي متجوليش كدة، دا في الاول والاخر نصيب، مش ذنبك انك اَمنتي لاجرب الناس ليكي، العيب ع اللي يستغل ومراعاش القربة ولا صلة الرحم، وعلى رأي شادي، الطيبة في الزمن ده بجت بلاء على صاحبها، اومأت المرأة توافقها الرأي، لتتبادل معها حديث قصير ، قبل ان تخرج مع زوجها تتوجه إلى غرفة النوم التي كانت في بعض الأيام، تمثل اسوء كوابيسها. مما ارتد بأثره الاَن على خطواتها التي ثقلت رغم تشجيع نفسها والحماية في زوجها الذي كان يصله احساسها ، حتى اذا دلفت داخلها تفاجأت بخلوها من الأثاث ، لتلتف اليه سائلة بإجفال : – اوضة النوم فين يا شادي؟ – اتصرفت فيها . قطبت عاقدة حاجبيها بعدم فهم: – نعم! لم يزيد في الحديث، ولكنه باغتها، ليقوم بإخراجها متوجهًا بها إلى غرفة اخرى، فتحها امامها لتفاجأ بغرفة نوم جديدة ومختلفة عن السابقة بل واجمل، تطالعها بانبهار وقبل ان تسأل، وجدته يجيب استفسارها: – شوفي يا ستي انا اتصرفت في القديمة واتبرعت بيها، محبتش يتبقى اي ذكرى وحشة تفكرك باللي حصل، عايزها تبقى صفحة وانطوت ما بينا يا صبا، ايه رأيك فيها بقى؟ عجبتك؟ – جوي ، عجبتني جوي تمتمت بها ضاحكة وقد ذهب عنها القلق وحل محله الإعجاب التام، تتأمل كل ركن بالغرفه، خزائن الملابس المتلئة بملابسها وملابسه، اشيائها النسائية العديدة من مستحضرات تجميل وعطور ارتصت بنظام على تسريحة المراَة، وفراش التخت المرتب، ليصدر تعقيبه على الآخير : – معلش بقى، كنت عايز اعمل قلوب وحاجات بالورد الاحمر والشموع بس بصراحة معرفتش، حسيته هيبقى مسخرة، روحت لميتهم في الكيس اللي هناك ده، اهو جمب الدولاب . وأشار بسبابته نحو احد الأركان، لتهتف هي به، وقد بلغت مشاعرها العنان: – شااادي – نعم وما كاد ينهيها حتى وجدها تلقي بنفسها على صدره وتضمه بقوة: – بحبك جوي يا شادي ردد من مستوى طولها بلهجة تشوبها السخرية: – بحبك جوي، هي دي اللي ربنا قدرك عليها يا صبا. نزعت ذراعيها عنه قائلة بعدم فهم؛ – امال انت عاوز ايه؟ مال نحوها يجيبها بعملية، مقتطفًا ثغرها بقبلة قوية جامحة، بادلته تستجيب بشوقها اليه، ليرفعها بين ذراعيه بعد ذلك متوجهًا بها نحو التخت مغمغمًا: – عرفتي بقى باللي انا عايزه، والله وهنعيد أمجاد شهرنا عسلنا من تاني يا صبا. رواية حان الوصال الحلقة الثامنة والعشرون تتبع الأمل وتدفعك غمغامة العشق على مواصلة الصبر. حتى وانت ترى بأم عينيك نهاية الطريق الذي تسير فيه؛ تكذب عينيك. تغلق أذنيك عن سماع النصائح. تعطي أعذار وتكتم على غصتك. فتعيش على الوهم لكن مهما طال تحملك ثق ان لحظات الانفجار سوف تأتي لا محالة فهي ابدًا لا تكون من فراغ . ❈-❈-❈ قامت صباحًا تؤدي روتينها اليومي في اعداد الإفطار ثم ايقاظ اشقائها لتتناول معهم احب الوجبات في هذا الهدوء من الصباح، قبل الذهاب الى عملها والذي كانت تتجهز له في هذا الوقت . تلف حجابها بالطريقة العصرية والذي بدأت تتكيف عليها لتتناسب مع الملابس التي اصبحت مع التركيز هذه الأيام تجيد اختيارها، لتليق مع منصبها كامرأة عاملة على مكتبها في وظيفة يتمناها عدد لا بأس به من الشباب انتهت من اللمسات الاخيرة لتهم بالذهاب، وقبل ان تتناول حقيبتها، دوى هاتفها بتلك الرسالة اليومية منه، لتبتسم وهي تقرأ بتأني الكلمات. – (( صباح الجمال على الملكة المتوجة على عرش قلبي ))…… (( مستنيكي في عيشنا الجميل النهاردة متتأخريش)) وضعت يدها على موضع قلبها تسمع لصوت الخفقات التي تضرب داخل صدرها بقوة، بقدر ما تسعدها كلماته، بقدر ما يتعبها السؤال، إلى متى؟ لتسحب شهيقًا ناظرة إلى السماء متمتمة بتضرع إلى الخالق: – يارب . بعد قليل خرجت إلى أشقائها لتأخذ مجلسها وسطهم، تتناول لقيمات صغيرة وسريعة، فتشاركهم المزاح: – براحة الدنيا مطارتش يا بيبة، الأكل لازم ياخد وضعه علقت بها عائشة تشاكسها، فتستجيب لها ضاحكة، لتقول: – خلاص كبرتي يا شبر ونص وهتشوفي نفسك علينا. – سبيها يا بيبة تعيش الدور، دا انتي لو تشوفي عمايلها كمان في الكافيه، دي بتعاملنا كأننا شغالين عندها . قالتها جنات، وعلق ايهاب هو الاخر: – ايوة بقى متفكرنيش، انا لولا بقول لاصحابي انها اختي الصغيرة، لكانوا قفشوا هما كمان وسابوا الشغل من تحكماتها عليهم، مش فاهم انا، بتجيب الجبروت دا منين؟ والمصحف ما هي واصلة لحد صدري حتى . ضحك الثلاثة لينالوا الرد من عائشة: – يا حبيبي انا طولي مناسب لسني، انت اللي سارح لفوق بشكل غريب عن البشر، العيب فيك يا بابا . قالتها لتعلو الضحكات مرة اخرى حتى نهضت بهجة، تقبل وجنة شقيقتها بعجالة قائلة: – ولا تزعلي يا قلب اختك، انتي تؤمري وتتأمري، وهما اللي شغالين عندك، وجزاء للواد ابو طويلة ده، هو اللي هيلم الباقي من الاكل دلوقتي، والبنت الناعمة اللي جمبه هتغسل المواعين. صاحت جنة معترضة: – طب وانا ايه ذنبي يا عم؟ هو شايف نفسه بطوله، انا نعومتي بقى ضرتكم في ايه؟ قالتها بدلع جعلت عائشة ترفع طرف شفتها بغيظ زاد من تسلية اشقائها، لترد بهجة: – اهو كدة بقى ، عشان تخشني شوية بدل المياصة اللي انتي فيها دي يا ناعمة، بنات اخر زمن . تحركت بعد ذلك ترفع حقيبتها لتغادر ولكن اوقفها إيهاب يخبرها: – صحيح يا بيبة نسيت اقولك، الواد عصام صاحبي بلغني امبارح ان بنت عمك سامية اتخطبت للواد طلال ابن صاحب ابوها. – مين طلال….. تمتمت بها، لتتذكر سريعًا، فهتفت بأعين متوسعة: – اللي كان مسمي نفسه شيكاغو المنطقة. ضحك يؤكد لها: – هو بعينه والله، سبحان الله كانت اكتر واحدة تتريق. ❈-❈-❈ أما هو فقد خرج إلى والدته التي استيقظت باكرًا لتسقي بيدها الورود في الحديقة ، تذكره بعادتها قديمًا، والدته الجميلة والبهية، ليتها تعود لطبيعتها معه ايضًا: – هتفضل تبصلي كدة كتير؟ توجهت له بالسؤال تظهر له انتباهها لنظراته المصوبة نحوها منذ البداية ، ليأتي رده بابتسامة رائقة: – معلش بقى، سحرني مشهد الهانم وهي بتسقي الزرع بإيديها، حاجة كدة يسجلها فنان متمكن في لوحة تشبه جمالك، صباح الجمال يا نجوان هانم . تبسمت ساخرة رغم إعجابها بإطراءه: – وبقيت تعرف تقول كلام حلو كمان يا بن حكيم ، على العموم مرسي . ذكرها لاسم والده كانت له إشارة ليست جيدة على الإطلاق ليزوم بفمه قائلًا: – اممم ، على العموم يا نجوان هانم انا عبرت باحساسي ساعة ما شوفتك، الجمال بيجبر العيون تبصله وتعجب بيه. فغرت فاهها بابتسامة غير مفهومة لتقول: – عندك حق الجمال دا شيء رائع، انا نفسي حسيت بإحساسك ده لما قومت وطليت على ازهاري، كنت مشتاقة اوي أراعيهم واهتم بيهم، لأنهم يستاهلو ، الوردة بتحب اللي يراعيها، وتفرح باللي يفرح بيها فتزيد جمال على جمالها، وتعيش اكتر كمان. قطب مستغربًا لتعبيرها الاخير، حتى هم ان يسأل عن مقصدها، ولكنها تجاهلت لتذهب بخرطوم المياه نحو جهة اخرى من حوض الزهور.. ليضطر في الاخير ان يذهب يمط شفتاه بعدم فهم. ❈-❈-❈ وصلت إلى مقر عملها، لتقع عينيها على أبن عمها سامر واقفًا في إحدى الزوايا وكأنه في انتظارها، ليتوفق برؤيتها ولأول مرة منذ انتقالها إلى منزل اخر، وتتقابل عينيها بخاصتيه، لقد علمت من صباح بمجيئه إلى هنا عدة مرات للسؤال عنها ولكنه كان يرجع خالي الوفاض دون الحصول على معلومة مفيدة، اختفى بعد ذلك حتى ظنته نسي ان لها ابناء عم من الاساس، ولكنه ها قد عاد، وعلى عكس ما توقع بهروبها من امامه، فاجئته هذا اليوم لتقترب بخطواتها نحوه تبادره بحديثها؛ – ايه الحكاية يا بن عمي، لتكون مستني؟ ولا جاي تسأل على حل. تبسم بعدم تصديق انها هي من جاءت لترحب به، وامتدت كفه يتلقى مصافحتها بلهفة، ويجاري مزاحها: – والله انتي ادرى باللي جيت كذة مرة اسأل عليها، وانتظرت كمان بالساعات وبرضو مقدرتش اشوفها، وكأنها بتختفي زي الزيبق من قدامه تبسمت بحرج تتقبل عتابه : – معلش بقى هي جات كدة، بس اكيد يعني لو شوفتك في وشي زي النهاردة، مكنتش هتهرب منك ولا من الكلام معاك، انت برضو في الآخر أبن عمي وانا ما شوفتش حاجة وحشة منك. تنهد بارتياح وقد اسعده كلماتها، ليعبر عما يكتنفه من الداخل: – متعرفيش يا بهجة كلامك ده بيأثر فيا ازاي؟ انا عارف انك شايلة يا بنت عمي وليكي حق، ولذلك انا مرديتش أضيق عليكي ولا ازعجك ، حتى لما عرفت بعنوان بيتكم والكافيه، فضلت ان اطمن من بعيد لبعيد ، لحد ما القلوب تصفى ، مع ان كان نفسي أحضر افتتاح الكافية واتعزم زي شادي ورحمة عيال عمتي. رمقته بدهشة: – يا نهار ابيض، يعني انت كنت حاضر يوم الافتتاح، طب ليه مجتش يا سامر، طب والله كنا هنرحب بيك لاحت بزاوية ثغره ابتسامة باهتة يخبرها: – انا عارفك هترحبي بيا، بس كنت هبقى زي الضيف يا بهجة، وارجع اقولك برضو ان مش عاتب عليكي ، لا انتي ولا اخوتك كان يتحدث بسجية معاتبًا وهي تقبلت عتابه ترضيه بكلمات رقيقة ومحسوبة في حديث سريع دار بينهم قبل ان تدخل لنوبة عملها، غافلين عن نفس خبيثة توقفت بسيارتها بمسافة بعيدة إلى حد ما، ولكن تمكنها من الرؤية جيدا والتقاط الصور ايضًا، ربما أتت من خلفها بفائدة؛ تتحين الفرصة لها منذ وقت طويل تراقب وتجمع المعلومات، في انتظار هفوة ولو صغيرة منها، تساعدها لتتقدم في تنفيذ ما تريد. وظلت محلها حتى انصرف الاثنان، كل إلى وجهته، بهجة إلى مقر عملها في المصنع، اما هو فقد اتخذ طريقه في الجهة المعاكسة للمغادرة، قادت سيارتها تتبعه حتى انعطف في طريق اخر مختصر قليلًا قبل ان يصل إلى العمومي، فواصلت حتى اقتربت منه تبطء من سرعتها، ونادت من نافذة السيارة. – انت يااا يا اسمك ايه؟ يا حضرت ياااا. انتبه اخيرًا ليلتف نحوها ويشير بسبابته نحو صدره: – انتي بتكلميني انا – اه بكلمك، ممكن خدمة لو سمحت؟ اضطر للتوقف لينتظرها حتى توقفت بمكان جيد إلى حد ما للوقوف بالسيارة ثم ترجلت منها تقابله في وقفته متحدثة بلطف ورقة تتصنعها: – اسفة لو خضيتك، بس انا بصراحة لما شوفتك واقف مع بهجة زميلتي في المصنع، شدني الفضول عشان أسألك، هو انت تبقالها ايه بالظبط؟ قطب مستغربًا السؤال : – انا ابقالها أبن عمها، بس انتي ليه يشدك الفضول يعني عشان تعرفي بصفتها ايه عندي؟ تحفزت كل خلاياها لتواصل بمزيد من التأكيد: – يعني انت أبن عمها اللي كان كاتب كتابه عليها؟ او طليقتلك بمعنى أصح. لا يعلم ما الذي طرأ برأسه وقتها؟ ربما الارتياب،، ربما التوجس، ولكنه وجد نفسه ينطقها وبدون تفكير: – اه انا في حاجة بقى؟ انتعش داخلها حتى كادت ان يظهر على ملامحها، وقد تيقنت انها أصابت هدفعا بعد اعترافه بما كانت تتمنى، لتتمالك فرحتها مذكرة نفسها بالطرف الاخر والذي تضعه احتياط لوقت استعماله في خطتها وها قد أتى وقته، فترتدي ثوب المسكنة في الرد عليه: – انت ليه حضرتك متعصب عليا؟ انا بسألك لغرض جوايا، اصل بهجة دي بتصعب عليا اوي، ونفسي بجد الاقي اللي يساعدها في محنتها، بس انت شكلك معندكش وقت ، او يمكن هي عايزة تخبي عليك، انا آسفة…… – استني هنا صدرت صيحته فور ان استدارت عنه، ليلتف مقابلا لها ، وقد أشعلت رأسه بقولها: – انا عايز اعرف بالظبط بتتكلمي عن ايه؟ بنت عمي انا مالها ؟ وايه المحنة اللي هي فيها . اعتلى الأسى ملامحها، وقد اجادت تصنعه بجدارة، لتجيبه بدراما: – انا طبعا هضطر اقولك عشان اتوسمت فيك خير، بما انك أبن عمها وطليقها سابقًا فاأكيد مش هيرضيك اللي بيحصل معاها، بهجة يا حضرة طول الوقت بتتعرض يوميا للمضايقات، من واحد بيشتغل معاها في نفس المصنع ، بيفرض نفسه وعايز يتجوزها بالعافية ، لكن هي مضطرة للسكوت عشان لقمة عيشها متتقطعش من المصنع وتضيع هي وأخواتها .. أشتدت ملامحه بصدمة، – مضايقات! مضايقات يعني ايه بالظبط؟ – ممصايقات يا اخينا، متعرفش يعني ايه مضايقات؟ دي بتوصل احيانا لتحرشات – تحرشات…. انتي بتقولي ايه يا ست انتي؟ حضرتك فاهمة معنى كلامك ده ايه؟ ازعجها اسلوبه الحاد نحوها، ولكنها اخفت لتبدي تعاطفها: – انا عارفة ان الكلام ضايقك، وعندك حق، امال اتكلمت معاك ليه؟ على العموم لو مش مصدقني، روح واتأكد بنفسك، اسأل عن واحد اسمه تيم كان زميلها في قسم التفصيل قبل ما تطلب نقلها لشغل إداري عشان تخلص منه، لكنه برضو مش عاتقها ، قابله واتكلم معاه وانت تفهم لوحدك، على العموم انا عملت اللي عليا، عن اذنك حضرتك . قالتها وتحركت تستقل سيارتها لتعود بها وعيناها في المراَة منصبة عليه ، تراقبه عن كثب، بعدما القت برأسه جذوة الفتنة، شرار عينيه مازال مسلطًا عليها وعلامات الشك والغضب تعتلي ملامحه، تقود ببطء شديد في انتظار تحركه، والذي لم يطل كثيرا، لتتهلل اساريرها حين وجدته، يندفع عائدًا بخطوات سريعة، يبدو جليًا تحفزه، وكأنه على وشك الدخول إلى معركة، هذه هي فرصتها في التسبب لها بفضيحة، عراك بين طليقها وحبيبها الحالي في قلب محل عملها، فتصبح علكة في الافواه، تتشوق جدا لمشاهدة رد فعل رياض، حين يرى المرأة التي اغوته وهي تتلاعب بقلوب رجال غيره. ❈-❈-❈ في لحظات قليلة كان سامر قد وصل الى المصنع عائدًا اليه، ولكنه هذه المرة اتخذ خطواته نحو الداخل ، متخليًا عن تحفظه المعتاد ، يريد التأكد منها عن صحة ما سمعه ، وان صدق حديث الأخرى، سوف يلقن هذا التيم درسًا لن ينساه كانت هي قد سبقته في الوصول، فراقبته من بعيد وهو يسأل ويقدم مبرراته إلى رجال الأمن كي يسمحوا له بالدخول إلى ابنة عمه، فسار معه احدهم حتى توقف به اسفل المبنى الذي تعمل به بهجة، فيأمره بالانتظار حتى صعد اليها يطلبها، فنزلت بعد لحظات قليلة بهلع عن سبب عودته . إلى هنا ولم يعد هناك وقت للانتظار، تحركت سريعًا نحو قسم التفصيل، لتجد العمال على وشك البدء في العمل، وهذا المدعو تيم يتسامر كعادته مع صباح وبعض العاملات الاتي يتناولن معه بعض الشطائر للإفطار دلفت اليهم تتبختر بخطواتها توجه الحديث إلى صباح، بانتقاد كالعادة حتى تجعل دخولها يبدو طبيعي: – ما شاء الله، لساكم بتفطروا يا صباح وشيفت العمل عدى عليه خمس دقايق . انتفضت صباح تبرر لها والطعام في فمها: – اديكي قولتيها يا لورا هانم خمس دقايق بنفطر فيهم، وادينا هنشتغل على طول . – اممم زامت بفمها ثم تابعت تلقي بأمرها وتوصل ما تبتغيه: – ماشي يا صباح، متنسيش بس تعدي عليا النهاردة عشان عايز اخد منك شوية معلومات عن التوريدات الجديدة، وعلى العموم خدي راحتك، ما هو غيرك حولها لمشاكل شخصية، انا جاية دلوقتى شوفت الست بهجة واقفة مع طليقها باينهم بيتخانفوا في قلب المصنع. – طليق مين؟ هي بهجة متجوزة اصلا؟ انا اعرف ان كان مكتوب كتابها وانفصلت على كدة . ردد بها تيم بعصبية في استجابة سريعة وقد ابتلع الطعم، لتصحح صباح بما تعلمه: – ايوة فعلا كان كتب كتاب، بس هو ايه اللي هيجيب سمير هنا وهي عزلت اساسا من عندهم؟ – بتقولك بيتخانق معاها يا ست صباح ، انا رايح اشوف العيل التنح ده. قالها متحركًا للخروج سريعًا وتبعته بالطبع صباح لتمنعه عن التهور: – استني يا بني لما نفهم الأول. تبعها عدد من الفتيات ليستطلعن الامر، فتطالعهم هي بمرح، غير عابئة بمصلحة العمل التي دخلت تتغنى بها فتوقفهم، بل وتحركت خلفهم بانتشاء ، لتعود إلى محلها وتراقب من علو ثمار خطتها. ❈-❈-❈ اما عند بهجة والتي كانت بحالة من التشتت وعدم الفهم، في تفسبر اندفاع الاخر وأسألته الغريبة الموجهة اليها: – يا بهجة بسألك عن اللي اسمه تيم ده، مبتجاوبيش ليه؟ – أجاوبك اقولك ايه؟ انا اساسا مخضوضة منك ومن سؤالك عنه، تعرفه منين عشان تيجي تعمل تحقيق عنه، وليييه؟ – من غير ليه يا بهجة، انا سمعت ان الجدع ده بيضيق عليكي وعايز يتجوزك بالعافيه، انا عايز اتأكد منك قبل ما اروحله واكسر دماغه لو طلع الكلام صح. – تشلفط مين؟ تيم مغصبش عليا في حاجة؟ – طب يعني انتي موافقة على جوازك منه؟ – يا نهار اسود ، جواز ايه بس؟ انا مقولتش حاجة، انت جيبت الحوار دا كله منين اصلا؟ في هذا الوقت وصل المذكور يجدها تبرر بانفعال، جعله يتدخل على الفور: – مالك متعصبة ليه يا بهجة؟ هو اخينا دا جاي يضايقك في حاجة؟ وقبل ان يصدر ردها لتصرفه، سبقها سامر: – ايه اخينا دي كمان، وانتي مين اساسا عشان تدخل ما بينا؟ – انا تميم زميلها هنا . – يا حليوة وجايلي برجلك . تفوه بها سامر في رد سريع ليباغته على الفور، ممسكًا بتلابيب قماشه هادرًا به، يجفله ويجفل بهجة ايضًا: – لأ وليك عين كمان تيجي في وشي وتبجح، دا انت نهارك مش فايت . وكانت البداية للشد والجذب والشجار بين الاثنان وبهجة الضحية تحاول الفكاك بينهم ، حتى تدخل عدد من الرجال للفصل. فقدم هو في هذه الاثناء منتبهًا لهذا التجمع قبل ان يلج داخل المصعد، حتى اذا وصل لطابقه تلقفته لورا من وسط الطريق: – رياض باشا انت وصلت؟ وجه لها الحديث بعصبية: – ايوة وصلت يا لورا وشوفت المهزلة اللي تحت، انزلي وشوفي مين المسؤول عن الخناقة دي وحاسبيهم، احنا مش في شارع هنا. – مش محتاجة اشوف يا باشا، الخناقة اصلا على بهجة. توقف في وسط الطريق المؤدي الى غرفته، فور ان دوى الاسم بأسماعه ليلتف اليها بنبرة مخيفة مرددًا: – الخناقة على بهجة ازاي يعني؟ انا عايزة افهم. بقلب يرقص فرحًا في الداخل، رسمت الجدية لترد بمهنية خالصة: – دا الكلام اللي داير يا فندم بين العمال ، طليقها السابق جاي يتخانق مع تميم زميلها بعد ما وصلو الكلام عن علاقة حب تجمع ما بين الاتنين، وانهم بيخططو للجواز. هل رأت الجحيم بعيناه الاَن، نعم تجزم بذلك، وقد تبدلت ملامحه حتى توحشت بشكل لم يسبق ان رأته منه سابقًا على الإطلاق، وبدون ادنى استفسار اخر ، ارتد بأقدامه نحو المصعد الذي خرج منه توًا ، ليهبط مرة اخرى ويرى بنفسه، غير مباليًا بوضعه من الاساس. – المهزلة اللي هنا دي تنفض دلوقتي فورا، والمسؤولين عن الخناقة يتحركو حالا مكتب شئون الموظفين مع مدير المكتب نفسه. كانت هذه صيحته الجهورية، التي اصمتت الجميع وجعلت اعداد المتجمعين تنفض شيئًا فشيئًا حتى صفصفت على أصحاب الشجار، سامر والذي كان يلهث من فرط انفعاله، وتيم الذي تمزق جزء كبير من القميص الذي يرتديه وصباح تقف في الوسط كحاجزًا لعدم عودة العراك، اما بهجة فقد خارت قواها لتسقط جالسة على احدى درجات السلم الضخم الذي كانت تقف بجواره، غير قادرة على مواجهة غضبه، شاعرة بتحطمها لأشلاء لا حصر لها، وكأنها كانت تنقصها هذه الفضيحة لتصب مزيدًا من التوتر في علاقتها معه. ❈-❈-❈ داخل غرفتها التي اصبحت تلتزمها منذ ايام، في تعبير عن رفضها واعتراضها على ما تم اتخاذه من إجراءات غير عادلة في حقها من وجهة نظرها، بفضل شقيقاها اللذان استغلا ما حدث أسوء استغلال وكأنهما كانا في انتظار الفرصة لينتقما منها،والدتها التي كانت الداعم الاول لها دائمًا اصابها الخرس وقلة الحيلة عن الدفاع عنها، والدها الذي ركض إلى صديقه والذي بدوره لم يكذب خبر وقدم هو وابنه في نفس اليوم لقراءة الفاتحة، اللعنة على هذا الكابوس، الا يكفي احساس المهانة وما سمعته من توبيخ على لسان الضابط المسؤول وتوجيه النصائح لها لتعود عن طريقها الى طاعة الخالق، وكأنها الوحيدة من فعلت هذا الأمر، والفضل يرجع بالطبع لهذا الشيخ الغبي والذي طمع في جمالها وشبابها رغم تعامله الدائم مع والدتها، ولكن لسوء حظها حدث ذلك. جمالها الذي اغوى الشيخ وجعل طلال الاحمق يظل متمسكًا بها رغم رفضها، لم يؤثر في الرجل الوحيد الذي ارادته – اه يانا يا حسرتي. تمتمت بالكلمات بصوت مسموع لنفسها، قد خسرت حتى المحاولة مرة اخرى، بعد اتصال شادي واخبار والدتها انه عرف كل شيء وغير مرحب بأي فرد يبتغي الاذية لعائلته الصغيرة وقد استرد مرة اخرى زوجته بعد ان ذهب منها السحر وشفيت تمامًا. – يا بنت المحظوظة – مين هي دي اللي محظوظة يا بت؟ صدر السؤال من والدتها التي عقبت به مستفهمة وهي تلج اليها. فالتوى ثغر ابنتها لتجيب ضاربة بكفها على ظهر الاخر مرددة بحنق: – اهي واحدة وخلاص، ناس ليها شادي وناس ليها طلال. غمغمت الاخيرة بوضوح وصل الى درية، لتمصمص بشفتيها بعدم رضا وتجلس بجوارها على التخت مرددة: – ايوة يا ختي، ما الدنيا صفصفت ع الرجالة ومبقاش فبها غير سي شادي، ما تصحي يا بت الهبلة، واعرفي ان بعد عملتك الاخيرة اي امل ناحية المحروس خلاص بح، يعني فوقي لنفسك وافتكري عريس الهنا اللي اتقرت فاتحتك عليه من يومين . صاحت بها بغيظ: – انتي بتبكتيني ياما، طب سيبي الكلام ده لولادك وجوزك، اللي فرحانين فيا وماصدقو، دا بدل ما يقفوا جمبي ويطبطبوا عليا بعد اللي حصل، فاكرين انهم هيكسروا عيني لكن لا وربنا ما هسكت بعد كدة، انا اتاخدت على ماشمي اول امبارح لما سبتهم يقروا فاتحتي على الواد الأهبل ده، بقى انااا سامية اللي امشي على الارض اخبل الناس بجمالي اتجوز ده طلااال. صدر صوت استنكار من درية لتردف بسخرية: – اسم الله عليكي وعلى حواليكي يا ختي، اهدي يا عين امك ومتسوقيش فيها، فرعنتك دي كانت تمشي الأول، انما دلوقتي اخوتك متحلفنلك وابوكي شايل ايده، وانا خلاص بوقي اتخرس، بعد اخوكي سمير ما فهمها، يعني لو اتكلمت بأي حرف هيفتحلي القديم والجديد وكله بسببك….. عشان لو كنتي خدتي شورتي من اولها مكنش المنيل ده طمع فيكي . سمعت منها لتغمرها غبطة بغباء تفكيرها: – اديكي قولتيها بنفسك، الراجل اللي طول عمره ماشي تمام معاكي، جاه ومقدرش يمسك نفسه معايا، عشان انا حلوة واستاهل حد قيمة وسيمة، مش طلال اللي مبهدل في نفسه وشكله يعر. – يا ختييييي تمتمت بها درية لتمسك بطرف قماش بلوزتها مرددة بنفاذ صبر: – هتموتني في هدومي منك لله يا بت الهبلة، نقول طول تقولي احلبوه، نقول طلع ديله نجس تقولي عشان مقدرش يتحمل جمالي، طيب يا عين امك ، انا جيت ابلغك ان عريس الهنا جايلك المسا عشان يقعد معاكي النهاردة وابوكي قالي ابلغك تجهزي نفسك، كدة بقى اشوف اللي ورايا واجهزله حاجة ياكلها قالتها لتنهض من جوارها ، فتعلق سامية باستهزاء: – اجهز نفسي، لا كمان احط له مكياج ولا البس حاجة نضيفة، هو كان يطول اصلا ❈-❈-❈ وبداخل غرفة شئون العاملين كان الجدال المحتدم بين شقي الشجار بحضور المتشاجربن مع صباح والرجل المسؤول عن التحقيق معهم، وبهجة الجالسة على مقعدها، وكأنها في كابوس تتمنى الاستيقاظ منه؟ – حضرتك انا اتفأجات بالراجل ده وهو بينفعل على بهجة، وأدخلت عشان مش حقه اساسا يجي هنا . – وانت اللي من حقك تضيق عليها وتتحرش بيها هو الجواز بالعافية – الكلام دا تقوله لنفسك مش ليا، انت اللي فارض نفسك عليها وهي رافضاك تدخلت صباح امام انهيار المسكينة، والتي فقدت النطق تقريبا ولم تعد بها طاقة للتحدث: – ممكن انتو الاتنين تسكتو ، يمكن تفهمو، اولا يا تميم يا بني، دا يبقى ابن عمها بس، اخوه هو اللي كان متجوزها، وانت يا استاذ سامر، لازم تفهم ان كلامك كله عن تميم غلط، هو لا عمره ضيق ولا اتحرش بيها، واللي فهمك الكلام دا واحد عايز يوقع ما بينكم . صاح سامر: – يعني ايه؟ صاحبتها اللي بلغتني كانت بتكدب عليا؟ طب ما انا شوفت بعيني اهو، والواد ده جه واتهجم عليا . دافع تميم عن موقفه: – انا متهجمتش انا كنت بس بردلك عشان تحل عن بهجة، اقسم بالله هو اللي ابتدا الخناق مش انا ، قوليلهم يا بهجة. بالطبع لم ترد، فقد فقدت الرغبة بالتحدث عن أي شيء بعد الذي حدث . ليصدر تعقيب صباح: – استنوا هنا، انتوا الاتنين ، انا عايزة افهم دلوقتي، مين من زميلاتها اللي بلغتك يا سامر؟ وقبل ان يجيبها جاء النداء من مدخل الغرفة من احد السعاة: – الآنسة بهجة تحضر فوق، رياض باشا طالبها بنفسه وكأنها كانت في انتظاره، نهضت على الفور تتحامل على اقدامها التي كانت تحملها بصعوبة ناظرة نحو الرجل تبلغه: – ماشي يا عم إبراهيم، انا طالعة حالا . عقب سامر : – وهو يطلبها ليه لوحدها؟ هي متخانقتش اصلا. – ايوة صح، لو عايز يحاسب، يحاسبنا كلنا . قالها تميم هو الاخر، لتطالعهم بابتسامة ساخرة تملؤها المرارة وكأنها سمعت مزحه منهما، اما صباح فقد ربعت ذراعيها امام صدرها تتنهد بغيظ نحوهم قائلة: – سيبوها في حالة بقى لحد كدة وخليكم في نفسكم، روحي يا بنتي شوفي اللي وراكي، دول مش هيفضوها سيرة النهاردة. اذعن الأثنان لرغبة المرأة واضطرا للسكوت لتخرج بهجة، وحديث نفسها من الداخل: – لقد اَن الأوان، فهذه هي اللحظة الفارقة في علاقتها به، والتي كانت تنتظرها من البداية وها قد جاء موعدها. لا تستهين بامرأة قد يراها البعض ضعيفة لصفتها انثى ولا يعلمون ان قوتها تكمن في ضعفها. تمتلك الشجاعة ولكن تنقصها الحكمة بعض الأحيان في اتخاذ القرار. قادرة على الاستغناء ولكن قلبها الضعيف هو من يقيدها. فهذا سبب كبوتها. ولكن حينما يتحول هذا القلب إلى عدو ويتعارض مع كرامتها…. تستطيع الدعس عليه مهما أوجعها الألم. ❈-❈-❈ صعدت اليه في الطابق الذي يجمع غرفتها مع زملائها من جهة، والجهة الأخرى تضم غرفة مكتبه مع مديرة مكتبه الخاص والتي فور ان التقت عينيها بخاصتي بهجة، وقفت تستقبلها بابتسامة منتشية، وكأنها كانت في انتظارها، وها قد حققت مبتغاها ولم يبقى الا اللمسة الأخيرة، ليتها تجد الوسيلة لترى ماذا سيحدث بينهما الاَن داخل الغرفة المغلقة: – اهلا يا بهجة، متأخرتيش يعني. رمقتها بهجة بشك وتعجب لهذه الحفاوة التي تستقبلها بها، ولكن صرفها سوف حالتها المزاجية عن التركيز معها، لتتمتم ردًا لها بفتور: – ياريت كمان تدخليني على طول، ومتخلنيش انتظر. – لا يا حبيبتي تنتظري ليه؟ ادخلي حالا اهو. قالتها لتتقدمها وتفتح لها باب الغرفة، تنبه الاَخر لوجودها: – بهجة يا رياض باشا. اتخذت طريقها تتطلع نحوها باسترابة، قبل ان تلج الى داخل الغرفة الضخمة، وينغلق عليهما بابها. فتجده جالسًا خلف مكتبه، بسكون تعرفه جيدًا، ذاك الذي يسبق العاصفة، عاقدًا حاجبيه بتعبيرات مشتدة، يتبع خطواتها بأعين ضيقة ونظرات تضيف اليها الرهبة، وربما تفسيرات أخرى…. سوف تتأكد منها الاَن، لتسحب شهيقًا قويًا داخلها، فتقف مرفوعة الهامة امامه قائلة برسمية: – اتفضل حضرتك طلبتني. طفى على ملامحه شيء من الإجفال تأثرًا بثباتها، ثم ما لبث ان يعود لجموده لينهض عن كرسيه قائلًا؛ – اه فعلا حضرتي طلبك، ما هو شيء طبيعي يعني، لما الواحد يعرف عن موظفة عنده انها اتسببت في خناقة كبيرة لرب ألسما، بين اتنين، واحد منهم كان طليقها اللي مكتوب كتابها عليه، والتاني زميلها اللي كانت عشمته بجوازه منها….. ولا ايه يا….. مدام بهجة. شدد في الاخيرة بشكل ملحوظ وهو يجلس على طرف المكتب امامها، فيكن مقابلا لها، مربعًا ذراعيه، بنظرات رغم هدوئها لكنها قادرة على حرق من امامها، ولكن هل سيظنها ستخاف؟ بعدما ظهر من طريقته، انه قد حكم بالظاهر، ولم ينتظر نتيجة التحقيق، لتقارعه بحدة معقبة على كل ما سبق، وتذهله بجرأتها: – اولا مش هعلق على كلمة مدام دي لان انا فعلا مدام وانت الأدرى، اما بقى عن الاتهامات التانية ف انا مقبلهاش، لأني وبكل بساطة معملتش حاجة غلط، لا علقت تميم في غرامي ولا كان ليا دخل باللي وقفت ابن عمي في الشارع تبخ له بكلام عن تحرش زميلي بيا في العمل، يعني رد فعله لما يجي يتخانق معاه طبيعي جدا. – طبيعي جدًا ردد بها من خلفها كازًا على اسنانه رغم احتفاظه بهذه اللمحة من البرود يحجم نفسه بصعوبة أن لا ينفجر بها، فيردف بسخرية وصوت بدى كالفحيح، وقد اعماه الغضب والغيرة الشديدة حتى تشوهت الصورة بكاملها امامه: – طبيعي ان ابن عمك اللي كان كاتب كتابه عليكي يقف لك كل يوم عند المصنع ويستناكي حتى بعد طلاقك منه، ولا التاني اللي حاطط عينه من زمان وانتي عارفة، يتخانق عشانك ويجازف بعمله عشان خاطر عيونك. على صوت انفاسه وصدره يصعد ويهبط امامها ليكمل بما شطر قلبها لنصفين، وقد لاح بعقله صورة الأخرى، تلك الملعونة التي شتت اسرته الصغيرة وتسببت له بالماَسي والندوب التي لم يشفى منها حتى الآن: – هما لو لقيو منك وش خشب يا هانم ولا رفض قاطع، كان هيفضل جواهم الأمل ويستانوكي، ولا يكونش دا قصدك من البداية والغبي اللي قدامك كان عايش في وهم انك بتحبيه؟ صدمها، لا لم تكن صدمة، هذا شيء تعدى الكثير والكثير، هذا صوت قلبها التي تسمع أنينه الاَن، كيف له ان يتحول هكذا للصورة البشعة؟ لقد حكم عليها دون ان يسمع منها او يرى ما يثبت برائتها، ايتوقع ان تعترف بخطأها ام تترجاه كي يصدق دفاعها عن نفسها ، لا والله لن يحدث بقوة لم تعرف أتت من أين، ابتلعت غصتها كي تنهي كل شيء: – انا شايفة انك كونت الفكرة وبتتكلم على أساسها، ومدام انا وحشة كدة في عينك وظهرت على حقيقتي قدامك، انا بقول يبقى كفاية كدة احسن . انتفض مستقيمًا بجسده فور سماعه لكلماتها، لتزداد ملامحه قتامة، وخطا يدور حولها كالفهد بخطوات بطيئة تبث بقلبها الرعب، قبل ان يسألها بلهجة هادئة خطرة – قصدك ايه بكفاية؟ كملى وقفتي ليه؟ ابتعلت تشجع نفسها على مواجهته، علُها تحل نفسها من هذا الاتفاق الخانق، لتركز ابصارها به دون خوف: – مش محتاجة اكمل يا باشا احنا اتفاقنا كان على مدة محددة وكل واحد يروح لحاله، وافتكر يعني الكام شهر دول كانوا اكتر من المدة اللي كان عليها اتفاق….. توقفت باضطراب يعصف بها، مع انتباهها لهيئته الغير مبشرة على الإطلاق، تستطرد بتردد: – انا عايزة اسوي حاجتي في الشغل، وامشي بقى واروح لحالي، المحل عندنا محتاج اللي يراعيه، وانت كمان يا باشا اكيد هتلاقي غيري كتير… – يعني عايزة تقولي انك شبعتي ومعدتيش محتاجة خلاص؟ وطبعا حالك ده اللي هو ابن عمك، او المغفل التاني، ما هم الاتنين قاعدين مستينيك؟ تمتم بها، وقد ضاقت عينيه، ليباغتها فجأة قابضًا بكفيه على ذراعيها يضغط بعنف، هادرَا : – وليكي عين تقوليها في وشي يا بجحة، دا انت باينك اتهبلتي ولا عقلك طار منك، ولا نسيتي انا مين؟ وصفتي ايه بالنسبالك اصلًا؟ صرخت بدورها: – لأ منستش، بس انت كدة كدة هتسبني، فيها ايه بقى لما اتجوز ابن عمي ولا غيره؟ ولا انا يعني هفضل من بعدك مترهبنة؟… – بمزاجي، انا اللي احدد إمتى النهاية، وفي الوقت اللي انا عايزه. صاح بها بأعين يكسوها الحمار، وبصورة ادخلت الرعب في قلبها، ليُضيف بشراسة اختلفت تمامًا عن طببعته الهادئة لدرجة البرود احيانًا: – انا صاحب الكلمة العليا ، وانا اللي احدد ان كان في نهاية ولا لأ من اساسه، لان انا اللي اشتريت وانتي قبلتي، فاهمة معنى الكلام ده؟ ولا محتاجة افهك اكتر؟ حاولت نفض قبضتيه عنها لتضيف مما زاد من هياجه: – لا مش محتاجة افهم، لأني تعبت ومعدتش قادرة، ابقى مراتك وحبيبتك في الضلمة، لكن في النور لا، غيرة وشك وفرض أوامر من غير تقدير لوضعي ولا لصورتي قدام الناس ولا اللي ممكن يظنوه فيا، بتتهمني ان معشمة الاتنين، ما انا لو لقيتك معترف بيا كزوجة محدش فيهم اصلا كان هيبصلي اصلا، انا بقى اللي بقولك زهقت، وخلينا نخلص من اللعبة البايخة دي، ارجع يا باشا للوسط بتاعك وشوف اللي تناسبك فيهم، وسيب بهجة تلاقي برضو اللي يناسبها. – دا انا اموتك احسن، ولا اسيبك تروحي لحد غيري . قالها وقد ازداد جنونه، ليهزهز جسدها بعنف زاد أضعاف، عقله يرفض استيعاب كلماتها من الاساس: – عمرك ما هتكوني لحد غيري يا بهجة وكأنها شجرة يقتلعها من جذورها ، لم ينتبه أنه تمادى إلا حينما سقطت منه, ليتلقفها على صدره بهلع مرددًا: – بهجة، مالك يا بهجة؟ انا اسف يا قلبي اني اتعصبت عليكي حملها بين ذراعيه حتى سطحها فوق الكنبة الجلدية في جانب الغرفة، يحاول افاقتها، يربت على كفها ووجنتها بخفة: – بهجة، قومي يا بهجة، قومي يا بهجة متخلنيش اكره نفسي ارجوكي. حينما ظلت على وضعها، انتفض من محله يركض إلى لورا مناديًا بجزع كي تأتي وتفيقها، فترى بأم عينيها ضعفه وخوفه، وترقبه بلهفة حتى فتحت عينيها على اثر الرائحة القوية للعطر التي اخترقت حواسها، فتهلل وجهه: – هي كدة بتفوق صح؟ بغيظ شديد اغلقت على زجاجة العطر تبعدها عنها قائلة: – ما هي فتحت عيونها اهي، يبقى اكيد فاقت يعني؟ وهي ايه اللي خلاها اغمي عليها اصلا؟ – تعبت ووقعت من طولها يا لورا، محصلتش معاكي قبل كدة، قومي قومي من جمبها خليها تاخد نفسها: – اجيبلك دكتور يا بهجة؟ استعادت وعيها جيدًا تنتبه على سؤاله، وراسه اعلاها بشيء بسيط ، وتلك المتعجرفة ترمقها بمقت وغل، لتحاول النهوض بجذعها متحاملة على ألمها الجسدي والنفسي: – انا كويسة والحمد لله هتف مشيرا بكفيه يحاول منعها: – لا استني يا بهجة، انا طلبت الدكتور وزمانه على وصول ردت بجمود ورسمية: – متشكرة حضرتك، دول اكيد شوية ضعف مش مستاهلة قلق. حطت بقدميها على الارض، بعد ان ابتعدت عنها لورا، والتي اصبحت تمثل حاجزًا بينهما، حتى لا تمكنه من الاقتراب منها في كل محاولة منه نحوها : – يا بهجة استني، انتي مش قادرة تصلبي طولك ردت بإباء وقوة: – لا اطمن يا رياض باشا، انا لو اتهزيت في وقفتي، برجع اثبت بسرعة عشان مقعش، لان عارفة ان محدش هيسندني غير نفسي، عن اذنك . – طب استني هوصلك. قالها يتراجع سريعًا نحو مكتبه فيتناول سلسلة المفاتيح من فوقها لتلحقه لورا على الفور تذكره: – واجتماعك مع العملا، انت وكارم بيه هتعمل فيه ايه؟ – يتأجل يا لورا صدرت منه بدون تفكير، لتثير على ثغرها ابتسامة ساخرة لم تصل لعينيها: – وانا مقبلش يا رياض باشا انك تعطل نفسك، حمد لله رجليا شيلاني ومش محتاجة مساعدة حد. قالتها بهجة وتحركت تغادر من امامه على الفور، غير قادرًا على اللحاق بها، بعد احراجه امام لورا التي تحدثت بعملية: – انا رايحة اجيبلك الملفات المتأخرة، حضرتك من الصبح ماشتغلتش على اي ملف فيهم، عن اذنك. زفر بقنوط ، يلقي المفاتيح من يده، ثم يرفع الهاتف إلى اذنه طالبًا سائقه: – عم علي، اسمعني كويس . ❈-❈-❈ اما عنها فقد اتخذت طريقها للذهاب على الفور من الباب الخلفي، متجنبة المدخل الرئيسي وما يتبعه في المرور على صباح والأثنان المتشاجران، واي فرد قد يعرفها في المصنع، حتى العم علي الذي وكل بتوصيلها، دخل بنفسه ليأخذها ويخرج بها، ولكن حينما لم يجدها اضطر للسؤال عنها حتى وصل الامر إلى صباح، والتي ضربت بكفها على صدرها بهلع خوفًا من اختفائها المفاجيء، فخرجت تتخذ طريقها للذهاب إلى منزلها ومعها ابن عمها، حتى ود تميم ايضًا الذهاب معهم ولكن منعه الحرج وجلافة سامر الذي كان وشك ان يقتله حينما تفوه عارضًا الامر ❈-❈-❈ امام المراَة وقد تصدرت بجسدها امامه، تتمايل بشقاوة وتغير بلفات الحجاب الذي كانت تتعمد فرده كل لحظة بمشاكسة لهذا الواقف خلفها يبحث عن جزء ولو بسيط يهندم من خلاله ملابسه، حتى فاض به من أفعالها: – يا بنتي بقى اهمدي، عايز اشوف القميص مظبوط ولا مش متنيل، مش شايف حاجة خالص التفت اليه تستمر في تمايلها: – وانا اعملك ايه يا مستر شادي؟ حد جالك تنجي مراية صغيرة في أوضة النوم الجديدة ، كنت بحبحها حبتين واخترت مراية كبيرة. اقترب يميل نحوها بغيظ لا يخلو من مرح في كل مرة تناكفه بأفعالها: – ابحبحها برضو! دا على اساس اني جايبها قطع، مش اوضة كاملة، انت ناوية تجنينيني معاكي صح. ضحكت بغنج: – انا برضو يا مستر، عشان بس بنصحك، ليكون الراجل صاحب محل الموبيليا ضحك عليك واستخسر . ضغط على كفها فزادت ضحكتها ليعلق بابتسامته الرزينة هو الآخر: – لا هو فعلا ضحك عليا، بس انا بقبل بمزاجي، عندك مانع يا بنت ابوليلة؟ ولا تدفعي احسن وتسدي عن جوزك. تدللت تلف ذراعيها حول عنقه ، وتشب على قدميها مرددة بدلع : – لااا انت جوزي وحبيبي وكل حاجة، بس عند الدفع معرفكاش، – طبعا وارثة النصاحة من ابو ليلة . اومأت برأسها تقول: – انا كنت دلوعة ابويا ، يعني عيبة في حقك لو مجلعتنيش انت زيه. – كمان، مش بقولك ناصحة، قالها ليقبل الوجنتين ثم يرفعها من خصرها ويحتضنها مردفًا بعشق: – ادلعي على حس جوزك يا قلبي واعملي اللي انتي عايزاه، ربنا ما يحرمني منك ابدا يارب – ولا منك يا حبيب جلبي . قالتها تتشبث به هي الأخرى، تأوه بلوعة؛ – ااه يا صبا، بحبها اوي منك والله يا جلب جلبي انتي، وشكلنا كدة مش رايحين الشغل النهاردة اللي متأخرين عنه اساسًا. – انت اللي ماسك فيا مش انا – والله انزلها لتفك ذراعيها عن عنقه، عارضًا بخبث: – ايه رأيك نضم أليوم دا كمان اجازة على الكام يوم اللي فاتوا؟ وناخده كله برا، نتفسح ونعمل كل حاجة نفسنا فيها. اهتزت بكتفيها تدعي عدم الاكتراث، ثم تحذره: – والله انت حر، بس استلقي وعدك بعد كدة مع المدير نفسه، دا هيشد في شعره منك. ضحك يتناول هاتفه: – طب احنا نعمل تيست اختبار نشوف هيسمح، ولا ناخدها من قاصرها ومنجيبش سيرة من اولها.. توقف ينتبه إلى ورود اتصال برقم غريب ، جعله يجيب على الفور حتى يعرف بهوية المتصل: – الوو مين معايا؟…… مين؟ صباح اللي مع بهجة في المصنع؟….. هي بهجة حصل لها حاجة؟ ❈-❈-❈ انتهى اخيرًا من الاجتماع الذي استغرق ساعات، مرت عليه بعذاب التفكير المستمر وعدم التركيز في اي بند، مما الزم كارم للتصرف بحنكته مع العملاء معظم الاوقات، ليأتي الان تعقيبه: – ايه يا عم رياض؟ انت تقريبا مكنتش معانا خالص النهاردة؟ اوما يجيبه بضجر: – انا فعلا مكنتش مركز معاك، دا غير ان كنت عايز أاجله اساسًا، وندمت اني منفذتش قراري. – ندمت! تمتم بها كارم بدهشة يراقبه ينهض من جواره، فيبتعد عنه ويهاتف احد الأشخاص، ثم ما لبث ان يصله الصوت بعصبية: – ازاي يعني موصلتهاش؟….. وكمان متعرفش راحت فين؟……. انت بتتكلم في ايه يا عم علي…… لا في بيتها ولا عند أخواتها؟ ازاي يعني؟ طب اقفل طيب وانا هشوف بنفسي. انهى المكالمة سريعًا وبعصبية ليتفاجأ بكارم بجواره يسأله بقلق: – هي مين اللي اختفت، مش طنت نجوان خفت على حسب علمي؟ طالعه بصمت ليتحرك ذاهبًا من امامه يحادث الآخرى : – ايوة يا صباح طمنيني على بهجة. – بهجة! تمتم الاسم من خلفه بعدم تصديق، مستندا بجسده على الطاولة يردف محدثًا نفسه: – ياااه ، هي لدرجادي البنت أكلت عقلك يا رياض؟….. يا نهار ابيض، دي حاجة ولا في الخيال. ❈-❈-❈ في منزل خميس وقد كان حاضر الان يرحب بعريس ابنته وزيارته الأولى بعد قراءة الفاتحة، يحتفي به بمبالغة كعادته, متجاهلا صوت الهاتف الذي كان يدوي صامتًا في جيب سترته – يا أهلا وسهلا، نورتنا يا غالي يا بن الغالي، واد يا طلال بلغ ابوك اني زعلان منه، مجاش ليه الراجل ده معاك النهاردة. تبسم المذكور وعيناه تذهب نحو الجيب الذي كان يضوي امامه كل دقيقة: – تشكر يا عم خميس، بس هو كان هيجي على فكرة انا بصراحة اللي منعته، متزعلش مني، اصل لا مؤاخذة يعني، انا جاي النهاردة اقعد مع عروستي يجي هو بقى يقعد وسطنا عزول! قطب يتطلع اليه بازبهلال شاعرًا بأنه حديثه فيه تلميح نحوه، صرف عن رأسه الفكرة حينما قدمت زوجته حاملة صنية العصائر والحلوى، ترحب هي الأخرى بطريقتها: – يا أهلا يا أهلا بعريس بنتي، شرفت وأنست. تناول منها الصنية يضعها امامه على الطاولة الصغيرة التي تتوسط الجلسة يرد بطريقته؛ – تشكري يا حماتي، بس مكنش له لازمة التعب. ضحكت تأخذ جلستها على الكرسي المجاور لزوجها: – تعب ايه يا حبيبي بس؟ هو انت هتسمي العصاير وحبة الكيك دي تعب. تناول كوب العصير يرتشف منه،، موجهًا سؤاله نحو الاثنين: – تسلم ايدك يا حماتي بس هي العروسة فين؟ ولا انا جاي اخد قعدتي معاكم؟ – هاا تمتمت بها مجفلة لفجاجة السؤال، ولكن انقذها خروج ابنتها من الاحراج، لتردف مشيرة نحوها: – اهي، العروسة جات اهي، عشان متقولش يا عم ان جاي تقعد معانا وبس. قابل مزاحها ببرود قائلًا: – لا ازاي بس يا حماتي؟ دا انتو الخير والبركة. قالها ووقف يستقبل عروسه تلك التي صارت تتمايل وتتبختر بخطواتها امامه عن قصد، هو ليس بغافل عنه، فيستغل بمكره، يمشطها من رأسها والنصف الحجاب الذي يكشف اكثر مما يغطي من رقبتها وشعرها، زينة وجهها والمساحيق التي لا تتخلى عنها ابدًا، ثم هذا الفستان الضيق يجسم جسدها بالكامل، حتى ما ترتديه بقدميها البيضاء في ذلك الحذاء الذي يظهر الأظافر المطلية في الامام بصورة تثير الإعجاب. ليتنهد واضعًا كفه فوق صدره ، والتي امتدت بعد ذلك نحوها فور ان اقتربت: – يا مسا الجمال، أهلا يا عروستي عبست بوجهها لترفع طرف كفها بتعالي، تبتغي ان تلامس كفه بقرف ولكنه كان الأسبق ليطبق على كفها بضغطة اجفلتها لتبرق عينيها بخضة نحو والديها الذان تطلعها اليه مزهولان وهو يسحبها من يدها التي مازال ضاغطًا حتى كاد ان يجلسها بجواره على نفس الاَريكة، ولكنها تشبثت في الأرض تنزع يدها عنه لتجلس على ابعد كرسي منه، ترد بصوت يتخلله الضيق: – منور يا طلال. عض على شفته بغيظ لفعلها، ليحط جالسًا محله يفرك بكف يده على فخذه زافرًا: – ومالوا ما هو نورك برضو يا عروستي. بملامح مكشوفة، تعبر عن ضجرها اشاحت بوجهها عنه، ليواصل الفرك بكف يده على فخذه متوجهًا بالحديث هذه المرة نحو درية: – ايه يا حماتي، انا سمعت انك محضرالي عشا للمرة الثانية يربكها بجرأته، لتنهض على الفور مرددة باضطراب: – اه يا بني امال ايه؟ دا انا عملالك عشا ملوكي، ثواني هشوفه على النار. تحركت ذاهبة نحو المطبخ وقبل ان يتفوه خميس بكلمة من خلفها، سبقه هو: – ما تشوف التليفون اللي شغال يرن عليك من الصبح دا يا عم خميس، لتكون حاجة ضرروي، ولا ناس محتاجينلك.. – نااس محتاجنلي! تمتم بها خميس يكتنفه احساس غريب، ان هذا الولد يعرف بهوية المتصلة، لينهض هو الاخر مرددًا بتلعثم: – اا عندك حق يا بني، انا هروح اشوف مين. – خد راحتك يا عم خميس. قالها بصوت عالي جعلها تطالعه بذهول، غير مستوعبة الاريحية التي يتحدث بها وكأنه صاحب المنزل، ليصدمها مرة أخرى بنظراته الفجة نحوها، يمسح بلسانه على طرف شفته السفلى، يزيد من دهشتها، ويقفز فجأة تجده على الكرسي المجاور لها، مرددًا: – عاملة ايه يا عروسة بقى؟ إلى هنا وتمالكت تنفض عنها الدهشة لتنهره بتكبرها المعهود: – ايه في إيه؟ ما تظبط كدة يا عمنا، انت فاكرها زريبة….. ااه صدر تأوهها الاَخير بعدما امتدت يده نحوها يقبض على لحم ذراعها ضاغطًا عليه بعنف محذرًا: – لأ اصحي يا بت كدة ومتقليش أدبك، طولة اللسان دي ما تمشيش معايا، يعني تأدبيه من نفسك لاقصهولك فغرت فاهها بصدمة سرعان ما استفاقت منها تحاول نزع يده من على ساعدها: – اوعي ايدك دي عني لاصوت…. قطعت مرغمة، حينما حطت كف يده الأخرى على جانبي فكيها يضغط على الوجنتين قائلًا بفحيح: – لأ فوقي لنفسك يا بت وحسك دا ميعلاش عليا، انا واخدك انقاذ موقف بعد فضيحتك مع شيخ الهم، ولا انتي فاكرة الكلام مطلعش وهيئتك كانت ازاي ساعة ما طب عليكي البوليس، انا مش هحقق معاكي، بس انتي لمي نفسك يا حلوة وبلاها النفخة الكدابة دي عشان مقلبش عليكي، انا صاين الود كدة وداخل بقلبي. يعني انتي كمان تراعي. شخصت ابصارها لتتجمد امامه بصورة كادت تضحكه: فرفع كفيه الاثنان عنها ليردف بنعومة لا تليق به: – معلش يا قلبي ان كنت خضيتك كدة من اول قعدة لينا مع بعض لوحدنا، بس انتي برضو لازم تاخدي بالك في الكلام معايا، ما هي الواحدة لازم تحترم راجلها عشان يحطها في عنيه ولا ايه؟ ❈-❈-❈ اما عند اشقائها في منزلهم، وقد حل القلق على الأربعة بوجود صباح وسامر الذي لم يغادر محله منذ أتى، بعد بحثه عنها مع المرأة وعدم الحصول على نتيجة وافية حتى تجعلهم يغادرون مطمئنين، مما اجبرهم على الانتظار الان، لعلمهم الأكيد انها حتى لو تخلت واستغنت عن الجميع فهي لن تترك اخوتها ابدا دون ان تطمئنهم. – الساعة داخلة دلوقتي على سابعة المسا، انا بدأت اخاف على بهجة لتكون حصل لها حاجة تفوهت عائشة بالكلمات تعبر عن خوفها، لتنهرها على الفور جنات: – تفي من بوقك يا عائشة، بلاش تفولي على اختك بحاجة وحشة – يا جماعة انا مش بفول والله، بس قلقانة. ردت صباح والتي انتابها الندم : – يقطعني يا بنتي، انا اللي خوفتك، دلوقتي تتصل وتطمنا عليها. تدخل سامر هو الاخر والذي اكتنفه نفس الاحساس ؛ – مش انتي بس يا ست صباح انا كمان غلطان، يا جماعة هي اكيد مضايقة من موقف الصبح، بس انا والله بضرب نفسي بجزمة قديمة، اني مشغلتش عقلي واتحكمت في عصبيتي ساعتها عشان أميز، لكن وربنا البت اللي لبستني العملة دي ما هسيبها، ولازم اربيها على عملتها معايا . اشاح ايهاب بوجهه عنه مغمغمًا بضيق: – واحنا مش هنخلص بقى من أذيتكم، حتى بعد ما عزلنا وبعدنا عنكم ورانا ورانا . عقب سامر بحرج: – عندك حق يا ايهاب، والله ما هلومك، على العموم يا بن عمي انا هطمن بس على بهجة وبعدها مش هتشوفوا وشي تاني . دوى هاتف صباح بالرقم الذي تعلم هوية صاحبه، فزفرت بضحر، لتنهض مستنئذونة للرد عليه: – عن اذنكم يا عيال هرد على التليفون بس . وتحركت تبتعد بمسافة كافية كي تجيبه: – ايوة يا باشا عرفت حاجة تطمنا. – الله يخرب بيتك يا صباح، افهم من سؤالك ده انها لسة مرجعتش، هتكون راحت فين بس؟ – معرفش احنا دورنا كتير وفي الاخر قاعدين في بيتها هنا نستنى اهو. وصله صوت زفرة قوية منه ثم قال بعصبية: – ماشي يا صباح، بلغيني اول ما تيجي او تسمعي اي خبر عنها، وانا برضو مش ساكت وبدور عليها. انهت معه المكالمة لتعود إلى جلستها مع المجموعة، فتتذكر سائلة: – صحيح يا عيال، ما اتصلتوش ليه بنجوان هانم، مش يمكن تكون عارفة عنها حاجة. ❈-❈-❈ وفي جهة اخرى استيقظت من غفوة نومها الاختياري، لتجد نفسها داخل مكتب صديقتها المظلم، فتستنتج بمرور الوقت: – يا نهار ابيض، انا شكلي اتأخرت اوي في نومتي . ارتدت حذائها وخرجت بوجهها الناعس تغمغم مع نفسها : – يا لهوي عليا لتكون صفية مشيت وسابتني في المكتب….. – لا يا اختي انا قاعدة ومستنياكي هنا. اتجهت نحو مصدر الصوت لتجدها جالسة في الردهة الخالية من الزبائن، بحضور شادي وزوجته ، والمفاجأة كانت نجوان.، والتي تبسمت تفتح ذراعيها وتتلاقها: – ايه يا بهجة، حتفضلي واقفة مكانك كدة كتير. تعالي في حضني يا قلبي . رواية حان الوصال الحلقة التاسعة والعشرون اصطف سيارته بتلك الزاوية المظلمة، والتي تمكنه من الرؤية الجيدة لمحيط منزلها، حتى يتثنى لها ان يراقب ويتابع جيدا اثناء انتظاره لمجئيها، وذلك بعد تعب وبحث مضني، حتى اهتدى تفكيره لأن يقف هنا بسيارته، لعلمه الأكيد وكما قالت صباح، انه أن تخلت عن الجميع لن تترك اخوتها. لقد مرت عليه ساعات من القلق ، كادت ان توقف قلبه، وهو يدور بالسيارة وينتقل من مكان إلى مكان، حتى المنزل الذي يجمعها معه، ايضًا ذهب اليه، رغم استحالة الفكرة إعتمادًا على غضبها منه، ولكن غباء تفكيره وحالة التشتت التي كان بها جعلته يرجح ذلك بعد يأس تمكن منه كما يحدث الاَن، وقد احترقت اعصابه، وتمكن منه الاجهاد بجلسته خلف المُقود، يريد الإطمئنان عليها، تلك التي سلبت روحه، وجعلته هائمًا بها رغم كل عقده والأفكار التي نشأ عليها وبنى عليها خططه، لكن تحديها اليوم جعله يفقد السيطرة ويلعنها ويلعن ضعفه في التمسك بهاء، يطمئن عليها أليوم، ثم يحاسبها ، نعم فهو لن يفوت ابدًا كلماتها، وحتى هذا الغياب لن يمرره دون عقاب، هي من أخطأت وتسببت بفضيحة لها في قلب المصنع نتيجة تهاونها. اعتدل فجأة وانتبهت كل حواسه مع خروج احد الأشخاص من منزلها، دقق النظر والصورة تتضح رويدًا رويدًا حتى تأكد من رؤيته، هذا الاحمق ابن عمها الذي كان يتشاجر صباحًا مع تميم، ضاقت عينيه بغضب متعاظم وهو يتأمله، كم ود ان يخرج اليه ويحطم عظامه كي يقطع عنه أي امل في العودة اليها مرة اخرى، زفر ينفض رأسه غير متقبلا لفكرة انتمائها ولو على الورق لرجل غيره، هو زوجها الأوحد ولن تكون لأحد غيره الا بموتها… انتفض لخاطره الاخير يتناول هاتفه ويضغط على رقمها، وحين لم يجد ردًا كعادتها منذ ساعات، بدل على الفور يتصل بصباح، الوحيدة التي يعلق عليها اماله الان، انتظر قليل حتى اجابته، ليصرخ بها: – وبعدين يا صباح، لسة برضو مفيش اي اخبار؟ انا مسبتش حتة مروحتهاش ودورت فيها. – لا يا باشا، ما انا عرفت هي فين دلوقتي حالا؟ اصلها اتصلت باخواتها وبلغتنا . – بتتكلمي جد يا صباح؟ يعني اطمنتي عليها وسمعتي صوتها. لم تخفى المرأة المحنكة لهفته الشديدة عليها، لتتأكد من ظنها بعشقه الجارف لها، تشفق عليه رغم عتبها وغضبها الشديد منه فتسارع في طمأنته: – ايوة هي عند واحدة صاحبتها، طلبت مني اني اقضي الليلة معاهم عشان هي هتبات عندها. سمع منها لتتحول نبرته من القلق الشديد، إلى غضب يقارب الهياج وهو يصيح بها؛ – نعم، تبات فين؟ هي اتجننت دي ولا ايه؟ يعني انا سايب شغلي ومصالحي، والدنيا كلها عشانها، عشان في الآخر تبلغك انتي بالهبل ده، خليها ترد عليا يا اروحلها البيت عند صاحبتها واللي يحصل يحصل. حاولت صباح التخفيف من حدته رغم غيظها الشديد منه: – يا رياض باشا، هي قالت انها تعبانة ومش قادرة تكلم حد، أخواتها نفسهم قدرو حالتها، وقبلو بغيابها عنهم الليلة عشان واثقين فيها وعارفين انها مش هتبعد كدة من فراغ ولا دلع . قالت كلماتها الاخيرة بقصد فهم عليه جيدا، لتفحمه عن المواصلة، ويكظم غضبه بصعوبة زافرا بخشونة: – ماشي يا صباح، هصبر واتحمل الليلادي وأما اشوف اخرتها ولا اخرة الزعل ده ايه؟ ماشي . قالها وتحرك اخيرًا يدير محرك السيارة للذهاب، وفمه يغمغم بالكلمات الحانقة، لا يعجبه هذا الفعل ولا بتلميح صباح وكأنه هو الجاني، على اساس أنها لم تكن هي سببًا في كل ما يحدث: – حتى صباح كمان بتوجه لك انتقادها يا رياض بس بشكل غير مباشر، انا مش فاهم انا كان عقلي فين ساعة ما صارحتني بعلم الست دي، غير التانية صاحبتها الست المحامية، يا ترى قولتي لمين تانية يا بهجة؟ ❈-❈-❈ حينما تغلبك قسوة العالم، ولا يتبقى لك إلا قلب يحتويك، فاعلم أنك لن تكون خاسرًا ابدً. #بنت الجنوب في تلك الجلسة التي كانت تجمعهم حولها ، ورغم مرور اكثر من نصف ساعة إلا أنها لم تتركها حتى الاَن، مازالت تضمها وما زالت تربت على ظهرها وتمسح على ظهرها بحنان ، لتثير زهول الجميع وفضولهم ايضًا، ليتحدث شادي عما يعتريه: – بصراحة انا مش فاهم لحد الآن، طيب يا مدام نجوان ما دومتي عارفة من الاول بموضوع جوازهم، ليه متكلمتيش مع ابنك وواجهتيه عشان يعلن جوازهم. تبسمت له بصمت، ليأتي الرد من بهجة التي خرجت من حضنها تجيبه بنبرة يتخللها التأثر: – مكانتش تعرف يا شادي، دي معرفتش غير قريب اوي مني. – لا كنت اعرف من الاول يا بهجة . قالتها نجوان لتجذب انتباه الجميع نحوها، فتردف بتنهيدة من العمق: – انا والدة رياض، يعني اكتر واحدة تعرفه، زي ما كمان حب بهجة اتغلغل في قلبي من قبل ما حتى ما استعيد وعيي كويس، مش عارفة دا يتسمى ايه، بس انا دايما عندي احساس ان سبب تعافيا الاساسي هو بهجة نفسها،، او يمكن قصتها مع رياض، هتقولولي ازاي؟ هقولكم معرفش – اكيد عشان انتوا الأتنين قلوبكم صافيه زي بعض. قالتها صبا لتلعق بهجة التي تأثرت بقولها: – لا طبعا مفيش اصفى من قلبها، بس انا برضو مش فاهمة، انتي بتقولي انك عرفتي قبل ما انا اقولك، ازاي طيب؟ تبسمت نجوان بثقة: – والله انتي غلبانة اوي يا بهجة، يعني مفكرة عم علي الراجل العجوز دي هيقدر يخبي عني خصوصا لما ازن عليه، دا كان ناقص نبوية كمان تعرف، رياض مكشوف اوي، يمكن انتي متاخديش بالك، عشان مش انتي اللي مربياه تدخلت صفية بإعجاب: – والله دا من حظ بهجة، انها تلاقي ناس طيبة تحس بيها، وهي برضو تتحب وتستاهل والله واحدة زيك رغم ان ابنك عايزة القرص، متزعليش مني قالتها بجدية اثارت ضحكات الجميع ليضيف عليها شادي: – معلش الايام جاية يا حضرة الافوكاتو كتير، اصبري على رزقك . – ليه هتعمل ايه؟ صدرت من بهجة بقلق رغم ادعائها غير ذلك، لتكن اجابته بصمت مبهم، ولكن زوجته لطفت تطمأنها: – متجلجيش يا بهجة، ابن عمتك مالهوش في الاذية، هو آخره يقرص وبس. اومأت رأسها رغم عدم اقتناعها، لتتذكر فجأة سائلة: – صحيح انا معرفتش انتوا اتلميتو ازاي على بعض: – تبادل الجميع النظرات مع الابتسام ليأتي رد نجوان اولهم: – شغلي مخك يا بهجة، عم علي مفيش حاجة تخفى عليه، وبالتالي متخفاش عليا انا كمان، فقال شادي: – انا بقى تعبت شوية في اللف والبحث، بس لما افتكرت صفية قولت اسألها عنك يمكن تعرف مكانك لقيتها بتبلغني بوجودك معاها في المكتب، توقف برهة ثم واصل بحرج ؛ – مراتي صراحة كانت معايا ساعة ما سمعت المكالمة، أصرت تيجي عشان هي كمان تطمن انتو عارفين بقى دماغ الصعايدة. تبسمت بهجة تتغزل بصبا التي انتابها الخجل من كلماته: – ومالهم الصعايدة يا عم، ما هم حلوين وجدعان، عايز ايه تاني ، دا انت ربنا كرمك بيها والله.. بادلتها صبا تعبر عن امتنانها: – دا انتي اللي جمر وبدر البدور كمان، انا والله جلجت جدا وكان نفسي اطمن عليكي، بس انتي كنتي عايزة دكتور يفحصك ويشوف حالتك. – لا انا كويسة والحمد – وعرفتي منين؟ توجهت بها نجوان نحوها، لتستطرد بجدية: – لازم دكتور يشوفك يا بهجة، ونطمن عليكي منه. – ويعني هيكون فيا ايه بس؟ اكيد شوية ضعف . قالتها بهجة لتنتبه على نظرات ذات مغزى موجهه نحوها، فهمت عليها لتنفي على الفور؛ – لا يا جماعة انا عاملة حسابي كويس من اول يوم،… ودا طبعا لانه مرسيني على الوضع من اوله. قالت الأخيرة ببعض الحرج، غافلة عن تأثير كلماتها على من لم يعلم بالحقيقة كاملة الا الان، ليعتريه الغضب على الفور قائلًا : – معنى كدة انه كان رافض الاولاد من الاول يا بهجة. استدركت لتبرر بتلعثم: – لا يا شادي…… اصل هو يعني… ااا احنا مجيبناش سيرة الاولاد من اساسه والله، بس انا كان لازم افهمها لوحدي،…. انهت تطرق رأسها بحزن، مما اجبره على عدم المواصلة، فقالت نجوان: – متقلقوش يا جماعة، كله هيتصلح ان شاء الله، بس احنا برضو لازم نطمن، مفيش حاجة مضمونة، بكرة الصبح بإذن الله، هاخدك ونروح على المستشفى نعمل فحصوات كاملة – مستشفي ايه؟ تسائلت لتفاجأها الأخرى بردها: – المستشفى بتاعتنا يا بهجة، عند الدكتور هشام ❈-❈-❈ في اليوم التالي صباحًا وداخل غرفة مكتبه حيث النقاش الدائر مع شريكه في إحدى الأمور الخاصة بالعمل، وقد كان امامه بحالة يرثى لها، تعب الأمس والقلق والتفكير المستمر، والذي منعه حتى من احذ القسط الكافي من النوم، حتى يستعيد نشاطه والتركيز في هذه الامر الذي يتم النقاش حوله، حتى فاض بالاخر ليلقي الملف الورقي من يده على سطح المكتب بإهمال معبرا عن اعتراضه: – مش معقول يا رياض، انا سابع مرة اعيد البند اللي عايزين نتفق عليه قي الصفقة، وانت ولا هنا خالص. تحمحم يستعيد ذهنه ، ليجلي حلقه مبررًا بأسف: – انا اسف يا كارم معلش، دماغي بس مشغولة بحاجة كدة، مضيعة التركيز مني ، رد الاخر بتشكك؛ – حاجة برضو، رياض انا مش عايز أتدخل في امورك الشخصية احترامًا لخصوصيتك، والتعتيم اللي بتفرضو عليها، بس كدة لو هتوصل للضرر في الشغل، يبقى لازم انبهك – قصدك ايه؟ توقف برهة ثم ما لبث ان يجيبه بمكاشفة: – قصدي انت فاهمه كويس اوي يا رياض، ومن غير ما تفتكر اني متطفل او متعمد التدخل في شئونك، انا تقريبا فاهم اللي انت فيه والقصة اللي بتحاول تداريها عن الجميع ودا حقك، بس الشغل يستاهل التركيز…. توقف يسحب شهيقًا مطولا ويخرجه ثم نهض يلملم أوراقه متابعًا: – انا بكلمك كصاحب يا رياض، وبعرض عليك للمرة التانية حتى لو انت رافض….. الوحدة مفيش ابشع منها….و انا تحت امرك في اي وقت تحتاجني فيه انهى كلماته وتحرك مغادرًا على الفور، وظل هو على جلسته ينظر في أثره بشرود دام لحظات، وصفه عن الوحدة محقًا فيه تمامًا، وهو لم يكره شيء اكثر منه، ولكنها كتبت عليه، حتى الوحيدة التي احتوته وانتشلته من هذا الإحساس الشنيع تتسرب من بين يديه الان، ويبدو انها هي ايضًا تريد تركه، ولكن هذا ابدا لن يسمح به؟ عند خاطره الاخير، تناول هاتفه على الفور يجري اتصالا، كي يعرف منه اخر الاخبار: – ايوة يا عم علي…… مظهرتش برضو بهجة؟……… مستشفى ايه بالظبط؟ وليه؟………. بتقول مين؟ الدكتور هشااام……. خرجت صيحته الاخيرة بصوت عالي، يختم مع الرجل، ثم ينهض سريعًا، متناول اشياءه، استعداد للخرج، وقبل ان يتحرك نحو الباب وجدها تدلف اليه حاملة على يدها بعض الملفات قائلة: – مستندات المورد الجديد للخامات يا فندم اللي كنت طالبه من شوية.. التف اليها يضع الهاتف بجيب بنطاله، يرد على عجالة واقدامه تتخذ طريقها نحو الذهاب: – أجليهم بعدين لما ارجع . هتفت تلحق به مندهشة: – بس انت كنت طالبهم بسرعة عشان متأخرين على الدفعة الجديدة….. توقفت فجأة ، وقد اكتشفت انها تحدث نفسها، بعد ذهابه السريع من امامها، وكأنه يركض ليلحق القطار، لتسقط بجسدها على الكرسي خلف مكتبها، واحباط ثبط عزيمتها عن المواصلة، وافقدها الحماس بعدما نبت بداخلها الأمل مرة اخرى بعد أحداث الأمس، وهذا الشقاق الذي صار بعلاقته بهذه الملعونة التي تقف حاجزًا بينها وبينه. ❈-❈-❈ بداخل المشفي وقف العم علي مسافة بعيدة خارج المشفي، يتابع ولوجهم داخل المشفي، بمرافقة الطبيب الذي استقبلهم، وقد كان على علم بحضورهما من نجوان التي هاتفته مسبقا، وكالعادة فمه لا يتوقف عن الحديث ابدا: – اول ما اتصلتي وبلغتيني انك جاية المستشفى تعملي فحصوات، قررت ااجل محاضرتي في الجامعة واكون في شرف استقبالك. تبسمت نجوان تتقبل لطفه بامتنان شديد: – مرسي اوي يا دكتور على زوقك، بس احنا مش عايزين نأخرك اكتر من كدة على طلابك. – مجاتش على نص ساعة يعني، المهم نطمن عليكي يا نجوان هانم، وانتي يا بهجة، مش ناوية بقى ترجعي لكليتك تاني؟ انا شايف انك شطورة واكيد هتعدي وتتفوقي كمان صمتت قليلًا بتفكير ، وكأنها تذكرت شيئًا تائهًا منها، ثم نقلت بابصارها نحو نجوان، تستدرك لسبب مجيئها اليوم، ف انتظار معرفة النتيجة التي ستتوقف عليها اشياء كثيرة بعد ذلك، فتأتي اجابتها اخيرًا بيقين: – ان شاء الله يا دكتور، مهما كانت الأسباب اكيد راجعة. ❈-❈-❈ خرجت من منزلها وذلك الحبس الإجباري داخله اخيرا، لترا نور الشارع بعد انقطاع دام ايام، عقب حادثة الدجال وقسم الشرطة، ثم خطبتها من هذا الاحمق الذي يظن انه سيفرض كلمته عليها، ويطوعها، وكأنه يستطيع بالفعل، لقد هاودت شقيقيها ووالديها حتى تمتص غضبهم، لكنها عازمة ان تعود لطبيعتها المتمردة رويدا رويدا ، ولن تستلم لهذا العته…. – ازيك يا حلويات شهقت متنتفضة ترتد بأقدامها للخلف، وقد اجفلها بقطع الطريق عليها، يتصدر امامها بجسده، ليشملها بنظرة وقحة، دارت علي جسدها من اعلى لأسفل متفحصًا هيئتها المتأنقة بمبالغة كعادتها، ليردف: – الصلى على النبي، كدة العروسة رايحة فين بقى من غير ما تبلغ خطيبها. ارتفع طرف شفتها العليا باستنكار عبرت عنه: – نعم، هو انت كمان عايزني ابلغك بالخطوة اللي اخطيها برا البيت، ولا انت شكلك صدقت انك خطيبي بجد وهتفرض الأوامر وانا انفذ. ضحك باستهزاء يرفع السيجارة التي ببن أصابعه إلى فمه، ثم ينفث دخانها في الهواء دون تعليق، مما زاد من استفزازها لتهم بالتحرك مغادرة، ولكنه باغتها يقبض على كفها يعصرها بيده قائلًا: – على فيين يا حلوة؟ هو انا اديتك الإذن عشان تمشي؟ حدجته بزعر تحاول نزع قبضته عنها مرددة: – سيب ايدي يا جدع، انت اتجننت، بقولك سيب ايدي، لاصوت والم عليك الناس. واصل استهزائه غير مباليًا يرد: – هما فين الناس دول، بصي كدة يا حلوة حواليكي ، لو لقيتي واحد فيهم بس يتجرأ يدخل ولا يفاتحني، يبقى ليكي كلام عندي، انا شيكاغو المنطقة يا بت، محدش يقدر يقربلي ، وانتي المدام بتاعتي يعني تخصيني ومطلوب منك تحترمي . تطلعت حولها بالفعل، لتجد الجميع مشغول فيما يخصه، ولا احد يلقي حتى بنظرة نحوهما، لتصدر صوت استهجان بفمها تحاول نزع يدها التي اطبق عليها بقوة: – مدااام ! يا عم هو انت شارب ولا ايه بس ع الصبح؟ ولا يمكن مش عارف تفرق بين قراية الفاتحة وكتب الكتاب، دي ايه النصايب اللي بتحل علينا د هذه المرة زاد بضغطه فكادت تشعر بطقطقة العظم ، حتى اوجعها بشدة يتمتم محذرًا لها: – لما اقول مراتي، معناها انه امر مفروغ منه، وع العموم انا برضو هعجل بكتب الكتاب والدخلة على طول، مش هستني تأجيل عشان يبقى رسمي. نست الألم لتطالعه بزعر ، لا تحتمل حتى التخيل، فدفعها للخلف ينزع كفها التي تخدرت من الألم حتى لم تعد قادرة على فردها جيدًا يامرها بتهديد: – اخلصي ياللا روحي ع البيت ، وما شوفش وشك في الشارع تاني غير بعلمي يا شوف حكايتك ما خواتك وهما اللي يتولوا المهمة بقى لحد ما توصلي بيتي. جمدتها الصدمة حتى انها لم تتحرك سوى بعد ان عاد يهدر بها: – اتحركي ياللا، انتي لسة هتتأملي في جمالي، ياللااا انتفضت على اثر الاخيرة، لتبدي رفضها وتمردها، ممسكة بكفها التي اصبح يزيد به الألم – دا لما تشوف حلمة ودنك يا شيكاغو، والنعمة ما انا ساكتالك، ولا هخليك تنول غرضك، برقت عينيه لها بشر جعلها ترند باقدامها مغادرة، لتواصل بغمغمة كانت تصل اليه: – قال اتجوزو قال، دا انا انتحر احسن ولا اتجوزك، وديني ما انا ساكتة، هخلي ابويا يشوف صرفة معاك، هو انا رمية ولا رمية ظل محله يتابعها بابتسامة منتشية، غير ابهًا لكل هذيانها، عيناه تطوف عليها من الخلف بتفحص لا يكتفي منه، ليتنهد مستعيدًا توازنه ، ثم يرفع الهاتف يضغط على زر الاتصال بأحدهم، حتى اذا اجابه، تغيرت نبرته على الفور: – الوو يا ابو سمرة عامل ايه يا غالي؟ والننوس الصغير اخباره ايه دلوقتي………. ربنا يعفي عنه يارب…. مش عايز ازعجكك يا حبيبي، بس انا كان عندي طلب، ممكن تعتبرها شكوى من عشمي فيكم يعني……… تشكر يا حبببي، انا بس بشهدك، يرضيك عمايل اختك معايا……. احكيلك على السريع وانت تحكم بنفسك. ❈-❈-❈ اما في منزل خميس والذي لم يجد امامه مكانًا امانًا سوى المرحاض، بعيدًا عن أعين درية، ليتحدث في الهاتف مع زوجته الجديدة، يتقبل عتابها عليه بعد هجرها لأسابيع: – كدة برضو يا خميس، تطفش وتقول عدولي يا راجل، هو انا لدرجادي هونت عليك؟ ولا يمكن معجبتكش كمان، ما انا عارفة حظي. وصله صوت بكاءها المصطنع ليسارع في ترضيتها: – لا يا صفاء متقوليش كدة، دا انتي تعجبي الباشا، بس انا بصراحة خايف اجيلك، ملقيش بعدها حق المواصلة اللي ارجع بيها، متزعليش مني، بس انا المرة فاتت ضيعت حق نقلة كاملة من بضاعة الوكالة، على الاكل والشرب بس عندك. قال الأخيرة بتحسر عبست له ملامحه، لتجاريه بنعومتها: – انا معاك انك صرفت كتير المرة اللي فاتت، بس احنا كنا عرسان جداد يا خميس، والعريس بيصرف ويكع دم قلبه عشان يدلع مراته، ولا انت كمان مستخصر فيا اللقمة. – لا صفاء مش مستخصر فيكي اللقمة، دا انتي تاخدي عيني وانا على قلبي زي العسل، بس انتي بتقولي العريس يصرف على عروسته، انما انا كنت بصرف على عروستي، وعيال عروستي وعيلتها كلها، كان ناقص بس اجيب الناس اللي في الشارع ياكلوا معانا صبح وليل، وياريت اكل عادي، انما دي كلها حاجات من اللي تدبح القلب، إشي لحوم وفراخ واكل جاهز وفواكه من كل صنف ولون، وضع كفه على صدره يواصل بحرقة: – انا قلبي بيوجعني لحد دلوقتي على فكرة من الفلوس اللي ضاعت ومش قادر انسى . تنهدت تزيد من نعومتها: – خلاص يا خميس متجيبش المرة دي لحمة واكل جاهز، انا هنبه على العيال يلمو نفسهم وان شالله حتى مياكلوش خلاص عشان يعجبك – مياكلوش ليه يا صفاء؟ وهما في غيابي يعني مش بيلاقوا اكل؟ تجاهلت الرد على سؤاله، لتواصل بلهجة لائمة: – انا حاساك يا خميس بتتحجج عشان متجيش وخلاص، على العموم ماشي يا ابن الناس انا عملت اللي عليا، هو انا هبوس على ايدك يعني عشان تجيني، انت حر بقى، ان شالله حتى لو عايز تطلقني طلقني انا معنديش مانع، بس ياريت تديني كل حقوقي، ما هو انا مش متجوزاك عشان تهجرني – لا لا استني يا روح يا قلبي، طلاق ايه بس وكلام فارغ، هو انا اقدر استغني عنك يا قلبي ولا احنا لحقنا اساسًا نشبع من بعض . – قول لنفسك – خلاص انا هحاول اجيلك في أقرب وقت يا صفصوفتي. سمعت منه لتطلق ضحكتها المائعة، ليهلل ببلاهة: – يالهوي على جمال ضحتك، سمعيني تاني . ليظل لمدة من الوقت في هذا الحديث معها، حتى خرج أخيرا، ليفاجأ بصراخ ابنته في وسط الصالة: – ماعيزاهوش، النهاردة تفسخو خطوبتي منه، سامعة ياما، النهاردة تفسخوا الخطوبة. عبس خانقًا لتدللها المستفز، حتى كاد ان يعنفها، ولكن سبقه ابنه سمير الذي ولج فجأة داخل المنزل بغضبه: – حسك عالي ليه يا بت ؟ انتفضت تتلاقاه بعاصفتها: – اتفضل يا سي سمير، عشان تفرح قوي، اختك اتهانت كرامتها في نص الشارع ، ولا أكن مقطوعة من شجرة، البيه الفتوة اللي خطبتوني ليه، اتصدر قدامي يمنعني اعدي ولا اروح مشواري، بص شوف ايدي كان هيكسرهالي شااايف. تطلع نحو كف يدها التي جعلتها امامه، يتفحصها بتقليل: – مالها ايدك؟ ما هي سليمة اهي ، لا فيها اتكسرت ولا اتعورت ولا حتى فيها خدش، ولا انتي عايزة بس تلاقي حجة. شخصت ابصارها وفغرت فهاها تردد بقهر: – انا يا سمير عايزة اتبلى، بقولك مانعني اعدي…… – مانعك تعدي ونبه عليكي متنزليش غير بإذنه بعد ما قليتي أدبك عليه، يعني مغلطش فيكي. شهقت ضاربة بكف يدها على صدرها مرددة بمظلومية: – اناا اللي قليت أدبي عليه، هو لحق يشتكيلك يا سمير وانت كمان صدقته وبتكدبني. عقب على كلماته ببساطة: – اه اصدقه واكدبك، لأنه هو برغم كل عيوبه، لكنه بيحترم الرجالة وبيقدرهم، انما انتي معندكيش عزيز يا غالية توقفت عن الدفاع وقد الجمتها كلماته، لتتجمد بصدمة فتولت والدتها الرد، تلطف مع ابنها الذي اصبح لا يطيق لها كلمة: – يا بني بس هو مكانش حقه يعمل كدة معاها، البنت مش حمل…… – بتك كبيرة وتتحمل كل حاجة ياما. قالها بمقاطعة حادة وشرار عينيه يرسل العديد من الرسائل الغير مطمئنة لها، ليجبرها على الصمت في كل مرة تحدثت معه في أمر ما، فيزداد التوجس داخلها والخوف ايضًا، ليتابع بقوة جديدة على شخصيته التي يعرفونها : – بعد اذن ابويا طبعا، هو خد مني الإذن عشان يجي هو وابوه ويحددوا معانا معاد الفرح، اصله جاهز ومستعجل، واحنا كمان مش قليلين صرخت تعود لشراستها: – فرح مين يا عنيا؟ انا قولت هفسخ خطوبتي منه الواد العرة ده، يعني لا جواز ولا دياولو تجاهل خميس وكأنه لم يسمع شيء يجيبه: – يجوا وقت ما يجوا ان شالله حتى النهاردة انا معنديش اي مانع، ياللا بس اللي يشيل. قالها وتحرك ذاهبًا نحو غرفته، لتصيح من خلفه: – يبقى هموت نفسي يا بابا، عشان تستريحوا مني كويس يا سي سمير. تبسم بسخرية يتحرك للمغادرة هو ايضًا يردد لها: – ياللا يا اختي، بس اتشطري وأعمليها بجد، تبقي ريحتي ووفرتي كمان. ❈-❈-❈ دلف بخطواته السريعة داخل المشفي، يبحث بعيناه عن الاثنتان، يتوعد لهذا الطبيب بكسر رأسه ان رأه يتحدث معها، يحمل طاقة من الغضب قادرة على الفتك يالجميع، وسيكون سعيدًا جدا أن افرغها في هذا المتحذلق، سأل عنها احدى الممرضات، حتى دلته على مكان وجودهما في إحدى حجرات الكشف، ذهب على الفور ليقتحم الغرفة فجأة فيجفل الاثنتان بحضوره المفاجيء، وطاقة من الغضب تشع من كل خليه بجسده، ليصفق الباب بعنف ويصبح امامهما، عيناه تقدح شررًا بغضب عاصف، يتنقل بأبصاره بينهما بصمت مهيب انكمشت بهجة على نفسها، وقد استطاع بهيئته ان يبث بداخلها الرعب، عكس والدته والتي تطلعت به، تستقبله بتحدي وكأنها كانت في انتظاره: – مش عيب واحد في مركرك ويقتحم الغرفة على اتنين ستات كدة وفي مكان عام، حتى على الاقل راعي الأصول يا بن حكيم. تعمدها المقصود بذكر والده زاد بقلبه الشك، ليميل برأسه نحوها مضيقًا عيناه يردد خلفها: – اَه ابن حكيييم، في كل مرة تفكريني بأسم الوالد ببقى متأكد ان قصدك من وراها حاجة، ودا اللي عايز اعرفه – تعرف ايه؟ همست بها بتسلية زادت من حنقه ليهدر فاقد السيطرة، موجهًا ابصاره نحو بهجة: – الهانم اللي طفشانه من امبارح وانا مش عارف لها طريق، بلف وادور في كل حتة، عشان اكتشف دلوقتي انها هنا معاكي، ليه يا ست بهجة؟ ردت بحدة مشجعة نفسها على مواجهته: – بالعقل كدة، في اؤضة الكشف وفي مستشفى، تفتكر بعمل ايه يا باشا؟ – يعني مش جاية مع ماما عشان الدكتور الزفت؟ ولا انتي فعلا تعبانة يا بهجة. قال الاخيرة بلهجة ظهر بها القلق لتعلق نجوان بسخرية مقارعة له: – ويخصك في ايه تعرف ان كانت تعبانة ولا مش تعبانة؟ دا غير انه اساسًا كل تصرفاتك دي مش مفهومة، بتعمل معاها كدة ليه يا رياض؟ هي صفتها ايه بالظبط عندك؟ طفى شي، من الارتباك يعلو ملامحه، يطالعها بتردد دام لحظات، ثم يستدرك لفداحة أفعاله، فقد اعمته الغيرة للمرة الثانية، بعد مكالمة العم علي وذكر اسم هذا الطبيب المستفز، ولكنه ايضًا ليس غبيًا حتى لا ينتبه لتلك الإشارات التي تثبت علمها بالأمر: – هي اللي قالتلك صح؟ توجه نحو بهجة مردفًا بحدة: – كان لازم افهمها لوحدي اختفائك المفاجيء، ثم ظهورك دلوقتي معاها، شكلي انا اللي كنت غبي وسطيكم، بس اعرف بقى، هي قايلالك من امتى؟ اكتفت بهجة بالصمت تدعي عدم الاكتراث ، لتتولى نجوان مهمة الرد: – المهم اني عرفت وخلاص ، ودلوقتي بقى بتصرف بحكم مسؤليتي عن البنت المسكينة دي، عشان متتظلمش لو في حاجة جاية في السكة شخصت ابصاره فجأة باستيعاب لمغزى كلماته ليهتف: – قصدك انها ممكن تكون حامل؟! ظهر بنبرته شيء من الهلع اغضب بهجة لتعلق بابتسامة ساخرة خالية من اي مرح: – للأسف لسة متأكدناش يا باشا، في انتظار نتيجة التحاليل. اومأ رأسه بتفهم وعلامات القلق احتلت معالمه، لتنتهزها فرصة نجوان في سؤاله: – واضح ان مكنتش عامل حسابك لشيء مهم زي ده، ووارد جدا حدوثه، السؤال بقى، لو النتيجة طلعت ايجابية، يا ترى تصرفك هيبقى ايه؟ بدى عليه التوتر، وعيناه تتنقل بحيرة فيما بينهما، مما ازعجها بشدة، فقطعت على الفور لحظات الصمت بينهما ، لتسبقه الرد باعنزاز: – اطمن يا باشا، ومتزعجش نفسك انا في الحالتين عاملة حسابي. – يعني ايه مش فاهم؟ ردت بحدة: – يعني ماتشلش هم، انا من اول يوم في جوازي منك وانا مش حاطة اي امل على الاستمرار . امتقعت ملامحه فجأة وانتفخت اوداجه بغضب شديد، يتقدم نحوها مرددًا بتساؤول: – يا سلاام وان شاء الله بقى الحلوة حاطة أملها على مين؟ تصدرت امامه نجوان تمنعه عنها؛ – أوقف مكانك هنا اياك تقربلها، والاحسن انك تخرج اساسا، انت ايه اللي جايبك اصلا؟ جادلها يتشاجر معها، اما بهجة فقد غمغمت بذهول ، تستعجب رد فعله: – دا ماله ده؟ هو انت تنسى وتفتكر على مزاجك؟ ردد بغيظ: – اه يا بهجة، انا بنسى وافتكر على مزاجي، ومش هسمحلك تتجوزي حد غيري طول ما انا عايش . همت تثور به مستغلة دفاع نجوان، ولكن منعهم قدوم إحدى الممرضات واستئذانهم في الدخول: – نتايج التحاليل يا فندم امرتها نجوان بالاقتراب لتتناول منها النتائج، ثم تصرفها لتطلع عليها امام ترقب الاثنان، حتى رفعت الورقة امامهم قائلة: – النتايج سلبية اخرجت بهجة زفرة ارتياح مرددة بالحمد تنتشله من شروده، ليعود لحدته في الحديث: – شايفك انبسطي اوي، لدرجادي مش عايزة اي حاجة تربطك بيا. – دا مجنون ولا ايه؟ تمتمت بها لتتناول حقيبتها وتخرج مغادرة على الفور، دون الرد عليه، ليهم هو بملاحقتها، ولكن والدته منعت تجذبه من ذراعه: – رايح فين قلبي؟ الدكتور منبه انها تريح، وتبعد ان اي شيء يوترها ولا يعصبها، بعد تعب امبارح، يعني خليك مكانك يا حبيبي تجمد يتطلع لاثرهما واختفائهما من امامه بعدم استيعاب، ليدفع الكرسي بقدمه باستدراك، يتوعد قبل ان يحرك اقدامه ويتبعهما: – ااه ودا تلاقيه بقى دكتور الهم بتاعك ما انا عارفه، وديني ما انا سايبه، ماشي يا بهجة، ماشي يا نجوان هانم. رواية حان الوصال الحلقة الثلاثون ساكنة هادئة، لا يتوقف فمها عن التبسم اليهم، تجاهد لإخفاء ما بداخلها، ولا تدري انها مكشوفة حتى امام عائشة الصغيرة والتي كانت تتابعها الاَن من نافذة الغرفة التي تجمعها هي وجنات، تتمعن النظر بها وهي جالسة على الارجوحة بتلك الحديقة الصغيرة خاصتهم، لتعبر عما تشعر به نحو شقيقتها: – هي بيبو فيها ايه يا شروق؟ معقول قعادها من الشغل مأثر فيها كدة؟ تحركت جنات بالفرشاة التي كانت تمشط بها شعرها لتتوقف خلفها، وتطالع الجهة التي تنظر بها، فتُشاركها هي الأخرى حيرتها: – والله ما اعرف يا عائشة، بس هي أكيد عشان اتعودت على الحركة والاختلاط بزملأها، بالظبط كدة زي الجامعة عندي، لما اغيب كام يوم بشتاق لاصحابي اوي، دا تخميني يعني. عقبت عائشة على كلماتها؛ – طب ولما هي بتحب الشغل اوي كدة، سابته ليه فجأة؟ ايه اللي بخلي بني ادم يسيب الحاجة اللي بيحبها؟…… أكيد في حد ضايقها؟ مطت جنات شفتيها، لتتوقف فجأة عن لملمة شعرها الذي كانت على وشك ان تعكصه كدائرة قبل ان ترتدي الحجاب وقد ظهر على ملامحها القلق: – هي قالت انها عايزة تستريح بعد ربنا ما وسعها علينا شوية، لكن مجابتش سيرة ان حد ضايقها….. ولا يمكن موقف أبن عمك السبب لما اتخانق. – اكيد يا جنات، ولا انتي ناسية انها سابت الشغل من يوميها؟ قالتها عائشة لتزفر الأخرى بضيق وغيظ: – منهم لله في اي حتة يحطو فيها رجليهم يجيبولنا الفقر ❈-❈-❈ اما عنها، وقد كانت في هذا الوقت تنظر لهاتفها الذي يصدح بجوارها بنغمة اتصاله بها، بجمود تام، لم تعد تحسب العدد او حتى تكلف نفسها بغلق الهاتف، تكتفي فقط بكتم الصوت وتتركه حتى يتوقف. رغم اشتياقها الموجع اليه، ولكن نفسها العزيزة تأبى التنازل، لقد قررت وانتهى الأمر، وعليه هو ان ينهي الاتفاق. سحبت شهيقًا طويلا بعد انتهاء محاولاته الصباحية في الاتصال بها، فرغم القوة الزائفة التي تتحلى بها، إلا أنها لا تنكر ضعفها، الابتعاد عن محيطه هو اسلم الحلول لها وأحسنها، فإن كان هو يتعذب في هجرها مرة، تتعذب هي اضعاف . انتبهت ترسم ابتسامة جميلة على محياها، فور ان ابصرت خروج أشقائها من المنزل واقترابهم منها، ليبادرها ايهاب بغزله المعتاد: – الجميل اللي قاعد على المرجيحة ومستكنيص، يا جامد انت يا رايق . زاد اتساع ابتسامتها كي تجاريه: – اه يا عم وما روقش ليه؟ فاضية بقى، لا شغل ولا مذاكرة ولا جامعة . قالت الأخيرة متوجهه بنظرها نحو جنات التي بادلتها الابتسام، اما عائشة فقد خطت نحوها لتجاورها الجلوس على الارجوحة، وتضمها دون استئذان تعبر بعاطفتها: – ما تيجي معانا الكافيه تهيصي وتشغلي نفسك، بدل القعدة هنا لوحدك ضحكت بارتباك، لتقبل اعلى رأسها وقد شعرت بشيء من الحزن في نبرتها: – يا بنتي ما انا باجي عندكم، بس مش لازم اقعد اليوم كله، ما انتي عارفاني محبش الدوشة. – ايوة بس الوحدة مش كويسة عشانك للمرة الثانية تربكها، اللهذه الدرجة هي مكشوفة امامهم: – يا قلبي مفيش وحدة وانا معاكم وانتو مالين الدنيا عليا، جيبتي منين الكلام الكبير ده بس؟ كالعادة حولت الحديث إلى مزاح معهم، تدعي ان امورها بخير ولا ينقصها اي شيء، وهم يتصنعون التصديق. ❈-❈-❈ اما عنه وقد خرج من غرفته متوجهًا إلى مائدة الطعام ، حيث كانت والدته تتحدث وتضحك مع نبوية ، اثناء تناولها الطعام بشهية، وكأنها عادت في العمر عشر سنوات للخلف، ولم تمر بتلك الفترة القاسية ولا ذهب عقلها من الاساس ثم عاد، فلم تنتبه لوجوده او انها كانت تقصد ذلك لا يعلم. ليتحمحم بخشونة وضيق، يلفت انتباه السيدتين اليه، فاستقبلته هي بابتسامتها الرائقة: – صباح الفل يا رياض، عامل ايه يا قلبي . طالعها صامتًا باندهاش ثم توجه إلى نبوية متوجهًا لها بلطف: – معلش يا دا دة ممكن تخلي حد من الشغالين يعمل لي فنجان قهوة. – من عنيا يا حبيبي. قالتها نبوية وتحركت على الفور، ليسحب هو أحد المقاعد يجلس عليها بتجهمه وانعقاد حاجبيه، يحدق بها بصمت ابلغ من الكلمات، فتحدثت هي تدعي عدم الفهم: – القهوة على الريق غلط على صحتك، كلك اي حاجة تسند بيها نفسك احسن . تهكم بضيق لا يخفيه: – كتر خيرك يا نجوان هانم، انا تقريبا اتعودت على كدة بقالي سنين – غريبة، مع انك كذا مرة تفطر معايا في الايام اللي فاتت . – كان مزاجي رايق، اما دلوقتي بقى هيجي منين المزاج؟ كادت ان تبتسم ولكن استطاعت التمالك لتواصل تناول طعامها ببرود زاده حنقًا، ليلطم بكفه على سطح الطاولة فجأة بنفاذ صبر: – على فكرة بقى انا محدش يلوي دراعي، وعايزك بس تبلغي الحلوة اللي انتي معصياها عليا انها تعمل ما بدالها، لأني اخر ما هزهق هسيبها ومش هسأل فيها تاني، عشان تسوق الدلال براحتها. – تحلت بالثبات الانفعالي حتى لا تستجيب لاستدراجها من قبله، تعلم تمام العلم كذب كل حرف ينطق به، والاثبات هو حرقته في الحديث، لتعقب هذه المرة ببرائة: – انا شايفة انك متحامل جدا على فكرة، انا ايه دخلني بينك وما بينها، انا اخري اتصل على البنت عشان اطمن عليها وعلى صحتها وبس كدة، مليش انا دعوة بالامور الشخصية اللي تخصكم. – يا سلام تمتم بها بعدم تصديق ليردف: – طب سؤال بقى، مادومتي مبتدخليش في الأمور الشخصية اللي ما بينا، بتتصلي عليها ليه ولا تروحي بيها على الدكاترة؟ هي مش سابت الشغل عندك؟ – وانت ناسي انها مرات ابني؟ قالتها سريعًا بمكر يطل من عيناها، لينفث دخان من فتحتي انفه واذنيه يجر المقعد للخلف وينهض بغضبه من امامها، فلم تعد لديه طاقة كي يتحمل مراوغتها . ❈-❈-❈ في منزل مجيدة والتي كانت تهدهد الطفل الصغير بحنان يثير الاندهاش نظرا لحزمها المعروف في تربية ابناءها، ولكن يبدو ان الأحفاد لهم وضع اخر ، هذا ما شعر به ابنها الأكبر فور ان وقعت عينيه عليها بعد خروجه من غرفته ليشاكسها كعادته: – يا صباح الفل على حضرة الناظرة اللي حتة عيل مطلع عنيها. التفت اليه عابسة قائلة: – وماله يا حبببي، يطلع عيني براحته وعلى قلبي زي العسل، حبيب سته ده. قالتها لتطبع قبلة كبيرة على الوجنة المكتنزة لتستفزه هو الاخر ويأخذ نصيبه من الصغير بالقبلات والمداعبة: – ستو بس، وعمو كمان، دا الباشا بتاعنا ده. فرحت مجيدة لتربت على ظهره مرددة: – حبيبي ربنا يخليلك بنتك انت كمان، وتخاووهم انت واخوك ، انا عايزة البيت يتملي عيال، ومعرفش اعدي من وسطيهم . قهقه ضاحكًا: – ليه يا ماما، هو احنا هنعمل فريق كورة، ما تهدي على نفسك يا ست مجيدة، انتي ملاحقة على الجوز دول عشان نجيبلك تاني. – ملكش دعوة الاحق ولا ملاحقش، انت عليك تخلف وبس. – اخلف وبس. قالها يقبل جبهتها، ليعطيها الطفل ثم تسائل: – امال ابوه وأمه فين؟ مش شايفهم يعني. عدلت من وضع الطفل على ذراعها تجيبه: – راحو يقابلو المسؤول في شركة جاسر الريان عشان الشغل الجديد ما بينهم، ربنا يوفقهم يارب ويفتحلهم باب رزق . تناول كف يدها يقبل ظهرها، مرددًا بإعجاب: – حبيبتي يا ماما، وانتي ربنا يكرمك دايما على روحك الحلوة دي، والله انتي حما مفيش زيك . – يا خويا في زيي كتير مين قال بس، المهم انت مراتك مصحيتش لسة تيجي تفطر معايا؟ جاء صوت لينا من الخلف بهيئة ناعسة: – لا يا ماما انا صحيت، بس هفطر معاكي وارجع تاني لسريري، عشان هموت وأنام، بنت ابنك طلعت عيني والله. قالتها وتحركت صوب المطبخ على الفور، ليعبس هو من خلفها مغمغمًا: – بنت ابنك، على اساس أنها مش امها، ما هي شبها اصلا وزنانة زيها . لكزته والدته بخفة على ذراعه حتى لا تصل كلماته إلى الأخرى، فجاء صوت زوجته من داخل المطبخ: – سمعاك يا آمين. ضحكت مجيدة فعلق هو بهمس: – ودانها تجيب دبة النملة لكزته مرة اخرى حتى يكف، فتدعوه للذهاب: – طب يا اخويا طرقنا كدة وروح على شغلك ، مش ناقصين خناق على أول اليوم. لتدفعه بيدها ويتحرك هو متمتمًا باعتزاز: – عشان خاطرك بس يا أمي، ما انتي مش حمل صداع على أول الصبح بخناقاتنا اللي مبتنتهيش – اممم زامت بها ضاحكة تتابعه خارجًا ، فتتذكر فجأة وتوقفه قبل ان يصل إلى الباب: – آمين مقولتيش صاحبك عصام اخباره ايه دلوقتى مع مراته؟ اجابها مبتهجًا قبل ان يخرج إلى عمله: – فل يا ست الكل، ربنا يبعد عنهم ولاد الحرام . – اللهم أمين يارب، وما يفرقهم عن بعض ابدًا. رددت بها من خلفه بتضرع ❈-❈-❈ لم توقظه اليوم، حتى كاد ان يتأخر لولا صوت المنبه الذي جعله ينتبه لتأخر الوقت، فنهض سريعًا يأخذ حمامه اليوم ويستعد للذهاب إلى عمله بارتداء ملابسه الاَن على عجالة، ليهتف عليها هذه المرة كي يوقظها – أمنية هتفضلي نايمة لحد امتى؟ انا نازل على لحم بطني مفطرتش لقمة. بصوت ناعس بالكاد يخرج حاولت الاعتدال بجذعها تستجيب بأسف بعدما نظرت هي الأخرى على شاشة الهاتف: – معلش يا عصام انا آسفة….. هقوم…. دلوقتي…. اقترب منها بقلق: – مالك في ايه؟ انتي تعبانة؟ اومأت بوجه شاحب تضغط باسنانها على شفتها السفلى بألم : – يعني مش عارفة كدة، بس حاسة نفسي مش مظبوطة وضهري. – ماله ضهرك؟ تفوه بالاخيرة يجاورها على الفراش بفزع: – حاسة بإيه في ظهرك بالظبط؟ ايه اللي حاصل معاكي حاولت التخفيف حتى لا تثير جذعه: – متقلقش اوي كدة، هو اكيد من شغل البيت مش اكتر. – وانتي تجهدي نفسك في شغل البيت ليه يا أمنية بس؟ استغفر الله العظيم يارب تمتم بانفعال وهو يحاول بحرص ليعيدها للتسطح وقد بدأ الألم جليا على ملامحها، متابعًا بحنق: – مش فاهم انا لازمتها ايه الشيل والحط والتعب أساسًا ، ما انا كفاية لقمة أكلها وخلاص، ونظافة الشقة اي حد يقوم بيها، وياللا بقى بلاها الشغل خالص النهاردة صارت تغمض عينيها من الوجع، تدعي زورا انها جيدة: – يا عصام بلاش الخوف، انا بس اشبع نوم واشرب حاجة سخنة، تعملهالي امي أو رؤى، اي واحدة فيهم هتجري جري اول ما اتصل بيها، روح انت على شغلك. زفر بغضب ليتناول هاتفه من فوق الكمود مرددًا: – اروح شغلي ازاي يعني وانت بالشكل ده؟ ما يتحرق الشغل يا ستي، انا هتصل على عبير اختي تروح معانا على الدكتور اللي انتي متابعة معاه، مسمعش كلمة تاني اومأت هذه المرة بضعف، غير قادرة على الجدال، ليستطرد هو اثناء اتصاله على شقيقته: – مش قادرة تتكلم ولا تعدل ، وتقولي اشرب حاجة سخنة، الله يسامحك يا أمنية…… الوو يا عبير صباح الفل. ❈-❈-❈ وصل الى المبنى الذي يضم القسم الإداري للمصنع، وقد كان متحجهًا نحو غرفة مكتبه، فذهبت ابصاره تلقائيًا نحو الجهة التي تضم مكان عملها، كم تمنى ان تخلف ظنه اليوم وتأتي فيتصادف برؤيتها كما كان يحدث في الايام السابقة، وكم يتشوق للتحدث معها، ضاربًا بعرض الحائط نظرات الجميع وهمزاتهم، لكنه لم يجرأ على فعلها، والان جاء الوقت ليحرم من هذه الميزة ايضا. تنهد يسحب شهيقًا طويلا ثم يطرده، عله يساعد في تهدئة السعير الذي يشتعل داخله، ليفاجأ بخلو المكتب وللمرة الأولى يحدث غياب لورا، فيجد صباح جالسة في الانتظار، لتقف احتراما له، مما دفعه ليقترب منها سائلا بفضول: – ازيك يا صباح، هي لورا مش موجودة. نفت له بتحريك رأسها: – لأ يا رياض باشا، انا بقالي ساعة في انتظارها، عشان اديها البيانات اللي كانت طلباها مني امبارح. اومأ بهز رأسه متوجهًا نحو غرفته: – اكيد عندها سبب قوي يأخرها، استني شوية وهي هي يستحيل تغيب اصلا إلا اذا كان عندها سبب قوي،…… تطلعت اليه باستفسار حينما وجدته يتوقف فجأ ويلتف اليها: – في حاجة يا رياض باشا؟ انتظر قليلًا بتردد لكن سرعان ما حسم يجيبها: – كنت عايز أسألك على اخبار صاحبتك اللي سابت الشغل من غير سابق إنذار….. هي عاملة ايه دلوقتي تعقد حاجبيها بتفكير قليلًا حتى وصلها المعنى: – انت قصدك على بهجة يا رياض باشا؟ دي بنتي اللي مخلقتهاش مش صاحبتي. – امممم زام بفمه يقلب عينيه بسأم، مغمغمًا داخله: – انتي تقولي امها ونجوان تقول مسئوليتي، عملتو حزب تقووها عليا يا ولاد ال……. – بتقول حاجة يا رياض باشا؟ زفر بخشونة يحدجها بنظرات نارية عكس الطريقة اللطيفة التي يتحدث بها وهذه الإبتسامة الصفراء: – مبقولش حاجة يا صباح، بس يعني اللي بتقولي عليها بنتك دي، مش واجب برضو تسلم شغلها وتخلي طرف، بدل ما تقطع مع الكل وكأنها صاحبة حق. ها قد وصل بها الى ما يبتغيه، وهي لن تصمت ابدًا عن إخراج ما في قلبها : – طب ما هي فعلا صاحبة حق، واللي حصل كان لعبة وسخة القصد بيها التسبب بفضيحة ليها، لا تميم ولا حتى ابن عمها كمان أخلاقهم بالفجر ده عشان يتخانقوا على واحدة ست في مكان عملها، لكن الفتنة تولع بلاد في بعضها. اهتزت رأسه باستهجان تام يردد مجادلَا: – انتي بتقولي ايه يا صباح؟ هو ابن عمها دا لو محترم كان جالها لحد هنا اصلا ولا وقف لها في الشارع، وهي مطلقة منه ولا مفسوخ خطوبتهم، ولا تميم دا كمان…. صفته ايه ده عشان يقف له ويتخانق عليها. لم تفقد المرأة هدوءها، رغم الانفعال الشديد داخلها لتعمده رمي التهم بدون وجه حق، لتفند له بروية: – اولا يا سعادة الباشا ابن عمها ده ميبقاش طليقها، دا يبقى اخوه اللي كان جاي يسأل عن بنت عمه ويطمن عليها بعد ما عزلوا مرة واحدة من غير اسباب، وتميم بقى….. – استني هنا. قاطعها بحزم ، ليستوعب ما تخبره به، ليردف بانفعال: – ولما هو مش طليقها؟ ايه اللي جابه يتخانق هنا؟ ثم إن بهجة مقالتش….. حدقته بأعين تفيض باللوم: – هي بهجة لحقت تقول اي حاجة يا باشا، انا قولتلك من الاول ملعوب واتعمل يوقع الاتنين في بعض، واحدة الله…… يسامحها، وقفت سامر في نص الشارع تبلغته ان فلان الفلاني بيتحرش ببنت عمه في محل عملها وعايز يتجوزها بالعافية، يعني شيء طبيعي انه يجي ويتخانق، ونفس الأمر مع تميم ، ما هو مش هيسكتلوا يعني حالة من الجمود اصابته، ليظل على وقفته بصمت مهيب يدير بعقله الكلمات حتى اذا تكلم اخيرًا: – متعرفيش مين هي الست دي؟ مطت شفتيها بعدم معرفه تقول بكلمات مقصودة: – الله اعلم، بس أكيد يعني اللي تعمل كدة يبقى ليها مصلحة في تفريقكم عن بعض، وتكون من اهل المصنع نفسه وعارفة وفاهمة كل اللي بيحصل فيه قالتها وعينيها اتجهت تلاقئيًا نحو مكتب لورا الفارغ، لتسحب ابصاره هو ايضا نحوه، ربما يجد الإجابة وحده ودون جهد منها. ❈-❈-❈ مقيدة اليدين والقدمين، حتى فمها لا تقدر على إخراج صوت منه، وقد كمم بلاصق يمنع شفتيها حتى عن التحرك ، لا تملك الا ان تزوم بفمها، تحاول المقاومة ، بالضرب بكفيها الاثنان الموثقان في ذلك المكان الضيق الذي انحشرت به، داخل سيارة قديمة الطراز على ما يبدو من هيئتها وطريقة السير على الطريق التي اتعبت ظهرها. لا تدري كيف أتت إلى هنا، ولماذا؟ تتذكر فقط خروجها بالسيارة صباحًا بتأنقها المعتاد لتذهب إلى عملها ، وقد قطعت معظم الطريق، ولم يتبقى الا جزء قليل، يفصله عن المصنع سوى شارعين تقريبًا، وقد اضطرت للتوقف في احدهم، حينما تعطلت سيارتها فجأة وبدون سابق انذار ، فترجلت كي تعلم السبب في ذلك الوقت، لتكتشف انفجار إحدى إطارتها وكأنه نتج عن عمل تخريبي، كادت ان تعلمه، لولا تلك الذراع الغليظة التي طوقتها من الخلف، وقبل ان يخرج صوتها بالصراخ كانت هناك يد كبيرة تحط على انفها بمادة غريبة اخترقت حواسها، فلم تعي بشيء بعدها، سوى بعد وقت طويل لتجد نفسها في هذه المساحة الضيقة، وأحد ما او ربما أكثر، يقودن بها الى جهة ما لا تعلمها. ليتها تجد هاتفها لتتصل بأحدهم لنجدتها، او ربما يشعر بغيابها الآخر، فيأتي وينقذها، يا ليت ❈-❈-❈ انتهت من أعمال المنزل، بعدما رتبت الغرف وأعدت الطعام لإخواتها، ولم يبقى شيء سوى الذهاب الى المرحاض كي تنعش نفسها بالمياه، قبل ان ترتدي ملابسها وتخرج إلى اخوتها بداخل محل الكافيه، تذهب بالطعام وتقضي معهم بقية اليوم، كما يحدث يوميا منذ آن اتخذت قرارها بترك العمل وكل شيء يربطها به حتى إشعار آخر. اتجهت إلى الخزانة لتخرج منها الملابس التي سوف تبدل بها، وما همت بتناول إحدى القطع حتى صدح صوت جرس المنزل، لتقطب باستغراب، فهذا ليس ميعاد اخوتها ولا احد يأتي من المجموعة التي تعرفها سوى بعد الاتصال اولا . لتتناول حجابها تغطي على شعرها، متجهة لاستكشاف هوية من يزورهم في هذا الوقت، وما ان وصلت لباب المنزل وشرعت بفتحه حتى توسعت عينيها بإجفال، لتهم بغلقه مرة اخرى، ولكن الاَخر لم يسمح لها فقد أوقفه بكف يده: – عايزة تقفلي في وشي يا بهجة؟ تشبثت تمنع اندفاع الباب للداخل مبررة: – اصلك بصراحة فاجأتني، دا غير ان مينفعش اصلا تيجي، حد من خواتي لو طب دلوقتي، ساعتها هقوله ايه؟ جاء رده بانفعال: – بلاش حوارات وكدب، اخوتك التلاتة حاليًا ف الكافيه، ومستنينك تروحيلهم بالغدا، وتقضي باقي اليوم معاهم. اترتخت يداها وقد فاجأها بمعرفته الدقيقة لتفاصيل يومها، لتعبر عن اعتراضها: – يعني انت بتراقبني يا رياض؟ استغل هفوتها ليدفعها للداخل ويلج معها، ثم يغلق الباب عليهما، فخرجت شهقتها برعب: – ايه اللي انت عملته ده؟ انت ازاي تقفل علينا احنا الاتنين، عايز تعملي مشاكل يا رياض؟ لم يتمكن من الرد، وقد تشتت برؤيتها ونسي كل وعيده، يتمعن النظر اليها باشتياق قاتل، ترتدي ملابس اقل من العادية، عبارة عن بيجامة قطنية بنصف كم ، وشعرها المعكوص في دائرة اعلى رأسها غير مرتب، وقد تبعثرت خصلاته على وجهها ورقبتها، كيف لامرأة بهذه الهيئة، وغير مهندمة على الإطلاق ان تسلب عقل رجل مثله؟ ولكن الإجابة واضحة، فهي بهجة، من تمكنت من تغير كل خططه ويبدو انها غيرته هو شخصيًا. – هتفضل باصصلي كدة كتير وانت ساكت؟ تمتمت بها بأنفاس لاهثة، فحالها هي ايضًا لم يكن اقل منه، ولكنها تدعي القوة حتى لا تضعف امامه وهو خير من يستغل ذلك. تقدم خطوة ارتدت لها خطوتين للخلف، ليهتف بها بحنق: – يا سلام، عفريت بقى ولا حرامي هيخطفك – لا دي ولا دي، بس برضو انت ملكش داخلة هنا جيت ليه يا رياض؟ على صوتها في الاَخيرة حتى استفزته ليباغتها بقطع المسافة الفاصلة بينهم بخطوتين فقط، فيدفعها للخلف نحو الجدار الذي ارتطم ظهرها به، لتجد نفسها محاصرة بين ذراعيه، بملامح غاضبة، لكن وهج بندقيتيه ترى بهما عكس ذلك، فخرج صوته بتحشرج: – عايز اعرف دلوقتي اخرة البعاد دا ايه؟ بصدر يصعد ويهبط بتسارع الأنفاس بداخلها تمكنت ترد بتحدي: – قول لنفسك. مال مقربًا وجهه منها حتى لفحت انفاسه بشرتها الرقيقة: – قصدك ايه يا بهجة؟ وضحي اكتر تبًا له، يعلم بحجم تأثيره عليها، ولكنها ابدًا لن تضعف لتبتلع ريقها قائلة: – مش محتاجة تفسير، من بعد آخر موقف وانا قررت انها خلصت على كدة، اتفاقنا خد اكتر من وقته كمان . همس غير مباليًا: – انتي خدتي القرار لوحدك يا بهجة من غير ما ترجعيلي، يعني مفيش اتفاق بيتحل الا بموافقة الطرفين. وبرد فعل غير متوقع، دفعته فجأة بكفيها على عظام صدره تبعده عنها، وقد آثار بكلماته جنونها: – لأ بقى ينفع…… ولا انت فاكرني هقعد تحت امرك ومزاجك ساعة ما تعوزني تلاقيني وبس على كدة، وعشان ما انت اشتريت في البداية، ابقى انا جاريتك العمر كله. قالتها بقصد واضح وصل اليه، تذكره بحديثهما القاسي داخل غرفة مكتبه، لتتغضن ملامحه باستياء من نفسه؛ – دي كانت لحظة عصبية يا بهجة، وانا بعترف اني غلطت بس كمان انتي مقولتيش ولا فهمتيني حقيقة اللي حصل، اي واحد في مكاني أكيد كان هيتجنن. – وانت ادتني فرصة قالتها بأعين التمعت فيها الدموع تردف بألم: – انت خدتني غسيل ومكوى، تعرفني مكاني كويس اوي في حياتك… – انا اسف تمتم هامسًا بها بصدق وضح جليًا في نبرته، ليقترب منها يكوب وجهها بين كفيه ويقبل اعلى رأسها عدة مرات، جعلت تلك العبرات تنساب من مقلتيها، وتخونها الشجاعة الزائفة بضمة حانية منه.فيشدد عليها بذراعيه يغمرها بدفئه، يعيدها إلى موطنها الرحب، وتعيده هو إلى انسانيته التي لا يشعر بها الا معها. طال العناق وتعددت القبلات على رأسها ونزولا إلى بشرتها حتى تبقى فقط ثغرها والذي ما انا لامسه بشفتيه حتى انتفضت تصدح برأسها اشارات الخطر لتنزع نفسها عنه، ترفض الخنوع امام سطوة عشقها له، وفي لحظات بسيطة ملكت زمام أمرها لترمقه بغيظ قائلة: – رياض امشي تجمد محله بعدم استيعاب بعدما فاجئته بفعلها، لتعيد عليه الأمر مرة اخرى: – رياض بقولك امشي، ليه رافض تقدر موقفي، كل ده بيضرني، حس بيا يا أخي زفر يطرد دفعة كبيرة من الهواء المشبع بإحباطه ، فقد عادت به إلى نقطة الصفر مرة ثانية بعدما شعر بقرب الوصول إليها. – ماشي يا بهجة همشي دلوقتي، بس ممكن لما اتصل بيكي بعد كدة تردي عليا . اومأت تجيب بمراوغة تعكس ردها بوضوح: – ماشي هشوف – ماشي هشوف ردد بها من خلفها بيأس، لا يريد الضغط عليها، مقدرًا غضبها منه، ولكن اقدامه لا تطيعه على التنفيذ، ليجفلها بقوله: – طب ممكن طلب قبل امشي . قلبت عينيها بسأم: – اطلب يا رياض، ولو في أيدي مش هتأخر أكيد . – هو في ايدك طبعا يا بهجة، دي حاجة بسيطة خالص، انا من الصبح ما حطيتش لقمة في بقى، كل الاكل طعمه وحش وانتي مش معايا، نفسي في اي حاجة من ايدك، وحشني اوي اكلك يا بهجة. – نعم تفوهت بها بعدم استيعاب، ليقابل قولها ببرائة: – جعان والله ما بهزرش ❈-❈-❈ استيقظ منتفخًا بغبطة تغمره، بعد قضاءه ليلة أخرى ممتعة مع زوجته الجديدة، خالية من الازعاج، بدون اطفالها ولا والدتها ولا اي فرد من عائلتها، لقد كانت له وحده ولم يتكلف حتى ربع المصروفات التي دفعها المرة الماضية. – ايه رأيك بقى يا خمسينو يا روح قلبي، مبسوط؟ تمتمت بها زوجته العزيزة بعدما اجلسته حول طاولة الطعام، ليتناول معها وجبه الإفطار التي اعدتها منذ دقائق. امسك كف يدها يقبل ظهرها يردد بسعادة غامرة: – اوي اوي يا صفصف، شعور ان اصحى افتح التلاجة الاقيها متعبية بخيرات الله معرفتش قيمته غير هنا، وبسبابته أصبح يشير على اطباق الطعام مردفًا: – الجبنة دي من اول امبارح، ولا طبق الفول والمربي والفاكهة، كل دول بقالهم يومين زي ما هما مجرالهمش حاجة، يدوب بينقصو لقمتي ولقمتك وانا وانتي اكلنا عصافيري وأكمل بضحكة مرحة بادلته إياها على مضض لتعقب: – عشان تعرف ان شرياك ويهمني راحتك، مش زيك تغيب وتقول عدولي. زام بفمه: – اممم ما خلاص بقى يا صفاء، هفضل اصالح فيكي لحد امتى؟ انا من هنا ورايح هتلاقيني راشق عندك كل يومين، انت بس استمري كدة ضحكت بسخرية : – استمر في ايه؟ قصدك يعني اسرب عيالي كل مرة عند اختي، يبقي شخشخ انت جيبك يا حبيبي وانا اسربهم يوماتي كمان – اشخشخ تاني يا صفاء؟ هتف بها، يتوقف عن مضغ الطعام بإجفال فواصلت هي: – ايوة امال ايه؟ ولا انت فاكر بيت اختي مفتوح سبيل لعيالي، ياكلو ويشربوا عندها بلوشي ، ليه ؟ دا حتى المسكينة ملاقياش اللي توكل نفسها . – امال بقالهم يومين عندها بياكلو طوب، في ايه يا صفاء؟ ردت تبسط الأمر امامه: – لأ يا حبببي ما انا اديتها كل الفلوس اللي كانت باقية معايا من قبض الشهر ده من معاش امي ونفقة طليقي، يعني انا دلوقتي على فيض الكريم، وانت يا غالي هتعوضني. ابتلع رمقه بارتياب: – اعوضك عن ايه بالظبط يا صفاء؟ ردت بانفعال: – يعني تديني اللي اكمل بيه الشهر يا خميس جرالك ايه؟ بقولك قبضي كله خلص عشان اهيئلك الجو الهادي اللي انت عايزه، ولا انت زي القطط تاكل وتنكر. – انا برضو يا صفاء اللي باكل وانكر زفر بقلة حيلة امام تسلطها وقد رأى بعينيها نظرة غير مريحة على الإطلاق، ليردف باستسلام : – قصره…. عايزة كام يا صفاء؟ فردت كفيها الاثنان امام عينيه تلوح بهم، ليخمن بعدم تصديق : – عشر الاف يا صفاء. صاحت مصححة: – عشر الاف دا ايه في الدنيا الغلا دي؟ عشرين الف يا غالي . انتفض كالملسوع ناهضًا من امامها: – ايه؟ عشرين ، ليه هتأكلي قبيلة، دول كلهم خمس عيال وامك وعمامك اللي بيطبو في اوقات غير مناسبة تنهدت بضجر رافعة حاجبها بشر: – الله اكبر في عينك يا خميس وبلاش تنبر على العيال، انا مش جايباك وسطيهم عشان تحسدهم، صلي في قلبك كدة يا حبيبي واسمعني كويس ، انت جوزي، يعني من واجبك تصرف عليا ، وانا من واجبي اصرف على عيالي واعوضهم، واخد بالك منها دي، ولا يكونش فاكرني كمان هرميهم عشان جمال طلتك… اهو دا اللي ناقص. صدرت كلماتها الاخيرة بشيء من الازدراء لم يعجبه، ولكن التلميح الصريح وصل اليه، ليفهم منها جيدا غرض زواجها به، هي امرأة صريحة ولن تحتمل زوج مثله دون مقابل ابدًا، اذن فعليه الدفع. – ماشي يا صفاء، هديكي فلوسك، بس استني عليا لما اجيلك المرة الجاية، النهاردة مسافر لكتب كتاب بنتي بكرة ، والفلوس اللي طالباها مش معايا نصهم حتى – اتصل بأي حد يبعتلك على رقم الكاش، مش صعبة هي – هو انت عرفتي كمان رقم الكاش يا صفاء. مصمصمت بشفتيها تقارعه: – لا انت فاكرني جاهلة، لا يا حبيبى دا انا واصلة لحد خامسة ابتدائي. ❈-❈-❈ يأكل بتأني وتلذذ، عينيه لا تفارقها، مستمعًا بارتباكها، وهي تأتي وتذهب ، تهزهز قدميها بعصبية، في انتظار انتهائه، حتى انفجرت به: – وبعدين بقى، الوقت بيعدي يا رياض واخواتي ممكن كدة يقلقو عليا، امتى هروحلهم بالغدا؟ وضع إحدى القطع بفمه وكأنه لم يسمع منها: – الله يا بهجة، طعم المحشي من ايدك يجنن، في حياتي ما دوقت زيه لا من ايد الشغالين ولا في اي مطعم روحته، بتعمليه ازاي ؟ رددت خلفه بعدم اسنيعاب: – يا نهار اسود ، بقولك اتأخرت على اخواتي، تقولي طعم المحشي . اللقى بنظره نحو الساعة التي يرتديها على رسغه قائلًا: – بس الساعة لسة مجاتش تلاتة، يعني لسة الغدا يكاد ان يجلطها ببروده، لترد بغيظ: – ما هو يدوبك على ما اجهز يا رياض، عايز استحمى واغير هدومي، امتى هلحق أعملهم دول؟ وضع قطعة صغيرة من لحم الدجاج داخل فمه، ليرد بمكر وهو يلوكها ببطء: – طيب وما تجهزي وتغيري هدومك ولا تستحمي حتى، انا قاعد مستنيكي، هو انا غريب عنك. هذه المرة فاض بها لتصرخ به: – والمصحف يا رياض ان ما قومت دلوقتي وروحت…… قطعت مجبرة حينما حطت كفه على فمها ليمنعها عن المواصلة يهمس بتحذير: – صوتك يا قلبي لو طلع، ممكن حد يسمعك في الشارع، عايز الناس تقول ايه؟ كان وجهه قريبًا، قريبًا جدًا ، وذراعيه، واحدة تلتف حول كتفيها والأخرى تكمم فمها او على الأصح، على شفتيها بقصد واضح في عينيه الخبيث اللئيم لتنفضه عنها سريعًا تصيح بتشنج ولكن بصوت اخف حدة: – اطلع برا يا رياض، لا هصوت والم عليك الناس اللي في الشارع، واللي يحصل يحصل بعد كدة . رفع كفيه امامها باستسلام حتى تخفف من انفعالها؛ – حاضر والله حاضر، بس متتنرفزيش…… همشي…. قالها ولم يتحرك، لتظل على وضعها يكتنفها الارتياب ، حتى اجبرته على الابتسام يشاكسها وهو يتناول إحدى القطع من الطبق الذي اكل نصفه: – طب سؤال بس قبل ما امشي، هو انتي ليه عمرك ما عملتيلي الصنف ده، رغم انك طبختيلي كذا مرة، وانا برضو كنت باستطعمهم، بس بصراحة دا يتفوق على الجميع. كالعادة يستدرجها كي ترد بعفويتها: – انا كنت بحاول اجاري الاصناف اللي انت متعود عليها، انما دا محشي كرمب، يعني اكله شعبية بامتياز، اش عرفني ساعتها كان هيعجبك ولا لأ. تناول واحدة أخيرة ليمسح كفيه ببعضهما مرددًا: – دا مش عاجبني وبس، دا انا بقيت بعشق حاجة اسمها البلدي…… توقف لبرهة بعدما شعر بارتخاء تعابيرها؛ – كنت وحشاني اوي يا بهجة ، فوق ما تتصوري، على العموم انا ماشي مش هزعجك اكتر من كدة. تحرك بأقدام ثقيلة ليلقي اخر كلماته: – هصبر عليكي عشان مقدرش على زعلك يا بهجة، لكن مش هسيبك أبدا ❈-❈-❈ اخيرا توقفت السيارة، لترفع رأسها بترقب، ترهف السمع مع اهتزازاها بترجل احدهم منها، ثم صوت الاقدام التي تدعس على الارض الحجرية، حتى توقف ، ليفتح غطاء الصندق الخلفي للأعلى، فيطل عليها هذا الوجه المألوف، متبسمًا بشر: – اممم ايه رأيك بقى؟ مفاجأ صح؟ جحظت عينيها بذهول، حتى اذا نزع الاصقة من فوق شفتينا بعنف جعلها تصرخ من الألم قبل ان توجه السباب نحوه: – انت شكلك مجنون يا بني ادم انت، قبل ما تخطفني محدش قالك انا مين؟ – امال يعني جايبك عمياني يا حلوة؟ قالها ثم دنى فجأة يرفعها بين ذراعيه حتى عدلها على كتفه يحملها عليه، فيصبح رأسها للأسفل، متبسمًا بسخرية: – دا انا جايبك لقضاكي، عشان تفكري بس تعلبي تاني مع حد زيي، صرخت تحاول المقاومة: – العب مع مين يا حيوان انت؟ وايه المكان اللي انت جايبني فيه ده؟ والله شكلك بتلعب في عداد عمرك . ضحك غير ابهًا ليسقطها فجأة على الارض ، غير مكترثًا لألمها، يخرج مفتاح كبير، ويدخله في مغلق الباب الضخم، ليوضح لها:، عشان تعرفي بس اني مش هامنني اي تهديد منك، بصي واحفظي الاماكن، اول حاجة سجلي اسم اليافطة، مخزن المعلم خميس الراوي، ومحسوبك يبقى ابنه – سامر الراوي. بقلم امل نصر