حان الوصال 5

حان الوصال 5

اعتلى الأسى ملامحها، وقد اجادت تصنعه بجدارة، لتجيبه بدراما:
– انا طبعا هضطر اقولك عشان اتوسمت فيك خير، بما انك أبن عمها وطليقها سابقًا فاأكيد مش هيرضيك اللي بيحصل معاها، بهجة يا حضرة طول الوقت بتتعرض يوميا للمضايقات، من واحد بيشتغل معاها في نفس المصنع ، بيفرض نفسه وعايز يتجوزها بالعافية ، لكن هي مضطرة للسكوت عشان لقمة عيشها متتقطعش من المصنع وتضيع هي وأخواتها ..
أشتدت ملامحه بصدمة،
– مضايقات! مضايقات يعني ايه بالظبط؟
– ممصايقات يا اخينا، متعرفش يعني ايه مضايقات؟ دي بتوصل احيانا لتحرشات
– تحرشات…. انتي بتقولي ايه يا ست انتي؟ حضرتك فاهمة معنى كلامك ده ايه؟
ازعجها اسلوبه الحاد نحوها، ولكنها اخفت لتبدي تعاطفها:
– انا عارفة ان الكلام ضايقك، وعندك حق، امال اتكلمت معاك ليه؟ على العموم لو مش مصدقني، روح واتأكد بنفسك، اسأل عن واحد اسمه تيم كان زميلها في قسم التفصيل قبل ما تطلب نقلها لشغل إداري عشان تخلص منه، لكنه برضو مش عاتقها ، قابله واتكلم معاه وانت تفهم لوحدك، على العموم انا عملت اللي عليا، عن اذنك حضرتك .
قالتها وتحركت تستقل سيارتها لتعود بها وعيناها في المراَة منصبة عليه ، تراقبه عن كثب، بعدما القت برأسه جذوة الفتنة، شرار عينيه مازال مسلطًا عليها وعلامات الشك والغضب تعتلي ملامحه، تقود ببطء شديد في انتظار تحركه، والذي لم يطل كثيرا، لتتهلل اساريرها حين وجدته، يندفع عائدًا بخطوات سريعة، يبدو جليًا تحفزه، وكأنه على وشك الدخول إلى معركة،
هذه هي فرصتها في التسبب لها بفضيحة، عراك بين طليقها وحبيبها الحالي في قلب محل عملها، فتصبح علكة في الافواه، تتشوق جدا لمشاهدة رد فعل رياض، حين يرى المرأة التي اغوته وهي تتلاعب بقلوب رجال غيره.
❈-❈-❈
في لحظات قليلة
كان سامر قد وصل الى المصنع عائدًا اليه، ولكنه هذه المرة اتخذ خطواته نحو الداخل ، متخليًا عن تحفظه المعتاد ، يريد التأكد منها عن صحة ما سمعه ، وان صدق حديث الأخرى، سوف يلقن هذا التيم درسًا لن ينساه
كانت هي قد سبقته في الوصول، فراقبته من بعيد وهو يسأل ويقدم مبرراته إلى رجال الأمن كي يسمحوا له بالدخول إلى ابنة عمه، فسار معه احدهم حتى توقف به اسفل المبنى الذي تعمل به بهجة، فيأمره بالانتظار حتى صعد اليها يطلبها، فنزلت بعد لحظات قليلة بهلع عن سبب عودته .
إلى هنا ولم يعد هناك وقت للانتظار، تحركت سريعًا نحو قسم التفصيل، لتجد العمال على وشك البدء في العمل، وهذا المدعو تيم يتسامر كعادته مع صباح وبعض العاملات الاتي يتناولن معه بعض الشطائر للإفطار
دلفت اليهم تتبختر بخطواتها توجه الحديث إلى صباح، بانتقاد كالعادة حتى تجعل دخولها يبدو طبيعي:
– ما شاء الله، لساكم بتفطروا يا صباح وشيفت العمل عدى عليه خمس دقايق .
انتفضت صباح تبرر لها والطعام في فمها:
– اديكي قولتيها يا لورا هانم خمس دقايق بنفطر فيهم، وادينا هنشتغل على طول .
– اممم
زامت بفمها ثم تابعت تلقي بأمرها وتوصل ما تبتغيه:
– ماشي يا صباح، متنسيش بس تعدي عليا النهاردة عشان عايز اخد منك شوية معلومات عن التوريدات الجديدة، وعلى العموم خدي راحتك، ما هو غيرك حولها لمشاكل شخصية، انا جاية دلوقتى شوفت الست بهجة واقفة مع طليقها باينهم بيتخانفوا في قلب المصنع.
– طليق مين؟ هي بهجة متجوزة اصلا؟ انا اعرف ان كان مكتوب كتابها وانفصلت على كدة .
ردد بها تيم بعصبية في استجابة سريعة وقد ابتلع الطعم، لتصحح صباح بما تعلمه:
– ايوة فعلا كان كتب كتاب، بس هو ايه اللي هيجيب سمير هنا وهي عزلت اساسا من عندهم؟
– بتقولك بيتخانق معاها يا ست صباح ، انا رايح اشوف العيل التنح ده.
قالها متحركًا للخروج سريعًا وتبعته بالطبع صباح لتمنعه عن التهور:
– استني يا بني لما نفهم الأول.
تبعها عدد من الفتيات ليستطلعن الامر، فتطالعهم هي بمرح، غير عابئة بمصلحة العمل التي دخلت تتغنى بها فتوقفهم، بل وتحركت خلفهم بانتشاء ، لتعود إلى محلها وتراقب من علو ثمار خطتها.
❈-❈-❈
اما عند بهجة والتي كانت بحالة من التشتت وعدم الفهم، في تفسبر اندفاع الاخر وأسألته الغريبة الموجهة اليها:
– يا بهجة بسألك عن اللي اسمه تيم ده، مبتجاوبيش ليه؟
– أجاوبك اقولك ايه؟ انا اساسا مخضوضة منك ومن سؤالك عنه، تعرفه منين عشان تيجي تعمل تحقيق عنه، وليييه؟
– من غير ليه يا بهجة، انا سمعت ان الجدع ده بيضيق عليكي وعايز يتجوزك بالعافيه، انا عايز اتأكد منك قبل ما اروحله واكسر دماغه لو طلع الكلام صح.
– تشلفط مين؟ تيم مغصبش عليا في حاجة؟
– طب يعني انتي موافقة على جوازك منه؟
– يا نهار اسود ، جواز ايه بس؟ انا مقولتش حاجة، انت جيبت الحوار دا كله منين اصلا؟
في هذا الوقت وصل المذكور يجدها تبرر بانفعال، جعله يتدخل على الفور:
– مالك متعصبة ليه يا بهجة؟ هو اخينا دا جاي يضايقك في حاجة؟
وقبل ان يصدر ردها لتصرفه، سبقها سامر:
– ايه اخينا دي كمان، وانتي مين اساسا عشان تدخل ما بينا؟
– انا تميم زميلها هنا .
– يا حليوة وجايلي برجلك .
تفوه بها سامر في رد سريع ليباغته على الفور، ممسكًا بتلابيب قماشه هادرًا به، يجفله ويجفل بهجة ايضًا:
– لأ وليك عين كمان تيجي في وشي وتبجح، دا انت نهارك مش فايت .
وكانت البداية للشد والجذب والشجار بين الاثنان وبهجة الضحية تحاول الفكاك بينهم ، حتى تدخل عدد من الرجال للفصل.
فقدم هو في هذه الاثناء منتبهًا لهذا التجمع قبل ان يلج داخل المصعد، حتى اذا وصل لطابقه تلقفته لورا من وسط الطريق:
– رياض باشا انت وصلت؟
وجه لها الحديث بعصبية:
– ايوة وصلت يا لورا وشوفت المهزلة اللي تحت، انزلي وشوفي مين المسؤول عن الخناقة دي وحاسبيهم، احنا مش في شارع هنا.
– مش محتاجة اشوف يا باشا، الخناقة اصلا على بهجة.
توقف في وسط الطريق المؤدي الى غرفته، فور ان دوى الاسم بأسماعه ليلتف اليها بنبرة مخيفة مرددًا:
– الخناقة على بهجة ازاي يعني؟ انا عايزة افهم.
بقلب يرقص فرحًا في الداخل، رسمت الجدية لترد بمهنية خالصة:
– دا الكلام اللي داير يا فندم بين العمال ، طليقها السابق جاي يتخانق مع تميم زميلها بعد ما وصلو الكلام عن علاقة حب تجمع ما بين الاتنين، وانهم بيخططو للجواز.
هل رأت الجحيم بعيناه الاَن، نعم تجزم بذلك، وقد تبدلت ملامحه حتى توحشت بشكل لم يسبق ان رأته منه سابقًا على الإطلاق، وبدون ادنى استفسار اخر ، ارتد بأقدامه نحو المصعد الذي خرج منه توًا ، ليهبط مرة اخرى ويرى بنفسه، غير مباليًا بوضعه من الاساس.
– المهزلة اللي هنا دي تنفض دلوقتي فورا، والمسؤولين عن الخناقة يتحركو حالا مكتب شئون الموظفين مع مدير المكتب نفسه.
كانت هذه صيحته الجهورية، التي اصمتت الجميع وجعلت اعداد المتجمعين تنفض شيئًا فشيئًا حتى صفصفت على أصحاب الشجار، سامر والذي كان يلهث من فرط انفعاله، وتيم الذي تمزق جزء كبير من القميص الذي يرتديه وصباح تقف في الوسط كحاجزًا لعدم عودة العراك، اما بهجة فقد خارت قواها لتسقط جالسة على احدى درجات السلم الضخم الذي كانت تقف بجواره، غير قادرة على مواجهة غضبه، شاعرة بتحطمها لأشلاء لا حصر لها، وكأنها كانت تنقصها هذه الفضيحة لتصب مزيدًا من التوتر في علاقتها معه.
❈-❈-❈
داخل غرفتها التي اصبحت تلتزمها منذ ايام، في تعبير عن رفضها واعتراضها على ما تم اتخاذه من إجراءات غير عادلة في حقها من وجهة نظرها، بفضل شقيقاها اللذان استغلا ما حدث أسوء استغلال
وكأنهما كانا في انتظار الفرصة لينتقما منها،والدتها التي كانت الداعم الاول لها دائمًا اصابها الخرس وقلة الحيلة عن الدفاع عنها،
والدها الذي ركض إلى صديقه والذي بدوره لم يكذب خبر وقدم هو وابنه في نفس اليوم لقراءة الفاتحة، اللعنة على هذا الكابوس، الا يكفي احساس المهانة وما سمعته من توبيخ على لسان الضابط المسؤول وتوجيه النصائح لها لتعود عن طريقها الى طاعة الخالق، وكأنها الوحيدة من فعلت هذا الأمر، والفضل يرجع بالطبع لهذا الشيخ الغبي والذي طمع في جمالها وشبابها رغم تعامله الدائم مع والدتها، ولكن لسوء حظها حدث ذلك.
جمالها الذي اغوى الشيخ وجعل طلال الاحمق يظل متمسكًا بها رغم رفضها، لم يؤثر في الرجل الوحيد الذي ارادته
– اه يانا يا حسرتي.
تمتمت بالكلمات بصوت مسموع لنفسها، قد خسرت حتى المحاولة مرة اخرى، بعد اتصال شادي واخبار والدتها انه عرف كل شيء وغير مرحب بأي فرد يبتغي الاذية لعائلته الصغيرة وقد استرد مرة اخرى زوجته بعد ان ذهب منها السحر وشفيت تمامًا.
– يا بنت المحظوظة
– مين هي دي اللي محظوظة يا بت؟
صدر السؤال من والدتها التي عقبت به مستفهمة وهي تلج اليها.
فالتوى ثغر ابنتها لتجيب ضاربة بكفها على ظهر الاخر مرددة بحنق:
– اهي واحدة وخلاص، ناس ليها شادي وناس ليها طلال.
غمغمت الاخيرة بوضوح وصل الى درية، لتمصمص بشفتيها بعدم رضا وتجلس بجوارها على التخت مرددة:
– ايوة يا ختي، ما الدنيا صفصفت ع الرجالة ومبقاش فبها غير سي شادي، ما تصحي يا بت الهبلة، واعرفي ان بعد عملتك الاخيرة اي امل ناحية المحروس خلاص بح، يعني فوقي لنفسك وافتكري عريس الهنا اللي اتقرت فاتحتك عليه من يومين .
صاحت بها بغيظ:
– انتي بتبكتيني ياما، طب سيبي الكلام ده لولادك وجوزك، اللي فرحانين فيا وماصدقو، دا بدل ما يقفوا جمبي ويطبطبوا عليا بعد اللي حصل، فاكرين انهم هيكسروا عيني لكن لا وربنا ما هسكت بعد كدة، انا اتاخدت على ماشمي اول امبارح لما سبتهم يقروا فاتحتي على الواد الأهبل ده، بقى انااا سامية اللي امشي على الارض اخبل الناس بجمالي اتجوز ده طلااال.
صدر صوت استنكار من درية لتردف بسخرية:
– اسم الله عليكي وعلى حواليكي يا ختي، اهدي يا عين امك ومتسوقيش فيها، فرعنتك دي كانت تمشي الأول، انما دلوقتي اخوتك متحلفنلك وابوكي شايل ايده، وانا خلاص بوقي اتخرس، بعد اخوكي سمير ما فهمها، يعني لو اتكلمت بأي حرف هيفتحلي القديم والجديد وكله بسببك….. عشان لو كنتي خدتي شورتي من اولها مكنش المنيل ده طمع فيكي .
سمعت منها لتغمرها غبطة بغباء تفكيرها:
– اديكي قولتيها بنفسك، الراجل اللي طول عمره ماشي تمام معاكي، جاه ومقدرش يمسك نفسه معايا، عشان انا حلوة واستاهل حد قيمة وسيمة، مش طلال اللي مبهدل في نفسه وشكله يعر.
– يا ختييييي
تمتمت بها درية لتمسك بطرف قماش بلوزتها مرددة بنفاذ صبر:
– هتموتني في هدومي منك لله يا بت الهبلة، نقول طول تقولي احلبوه، نقول طلع ديله نجس تقولي عشان مقدرش يتحمل جمالي، طيب يا عين امك ، انا جيت ابلغك ان عريس الهنا جايلك المسا عشان يقعد معاكي النهاردة وابوكي قالي ابلغك تجهزي نفسك، كدة بقى اشوف اللي ورايا واجهزله حاجة ياكلها
قالتها لتنهض من جوارها ، فتعلق سامية باستهزاء:
– اجهز نفسي، لا كمان احط له مكياج ولا البس حاجة نضيفة، هو كان يطول اصلا
❈-❈-❈
وبداخل غرفة شئون العاملين كان الجدال المحتدم بين شقي الشجار بحضور المتشاجربن مع صباح والرجل المسؤول عن التحقيق معهم، وبهجة الجالسة على مقعدها، وكأنها في كابوس تتمنى الاستيقاظ منه؟
– حضرتك انا اتفأجات بالراجل ده وهو بينفعل على بهجة، وأدخلت عشان مش حقه اساسا يجي هنا .
– وانت اللي من حقك تضيق عليها وتتحرش بيها هو الجواز بالعافية
– الكلام دا تقوله لنفسك مش ليا، انت اللي فارض نفسك عليها وهي رافضاك
تدخلت صباح امام انهيار المسكينة، والتي فقدت النطق تقريبا ولم تعد بها طاقة للتحدث:
– ممكن انتو الاتنين تسكتو ، يمكن تفهمو، اولا يا تميم يا بني، دا يبقى ابن عمها بس، اخوه هو اللي كان متجوزها، وانت يا استاذ سامر، لازم تفهم ان كلامك كله عن تميم غلط، هو لا عمره ضيق ولا اتحرش بيها، واللي فهمك الكلام دا واحد عايز يوقع ما بينكم .
صاح سامر:
– يعني ايه؟ صاحبتها اللي بلغتني كانت بتكدب عليا؟ طب ما انا شوفت بعيني اهو، والواد ده جه واتهجم عليا .
دافع تميم عن موقفه:
– انا متهجمتش انا كنت بس بردلك عشان تحل عن بهجة، اقسم بالله هو اللي ابتدا الخناق مش انا ، قوليلهم يا بهجة.
بالطبع لم ترد، فقد فقدت الرغبة بالتحدث عن أي شيء بعد الذي حدث .
ليصدر تعقيب صباح:
– استنوا هنا، انتوا الاتنين ، انا عايزة افهم دلوقتي، مين من زميلاتها اللي بلغتك يا سامر؟
وقبل ان يجيبها جاء النداء من مدخل الغرفة من احد السعاة:
– الآنسة بهجة تحضر فوق، رياض باشا طالبها بنفسه
وكأنها كانت في انتظاره، نهضت على الفور تتحامل على اقدامها التي كانت تحملها بصعوبة ناظرة نحو الرجل تبلغه:
– ماشي يا عم إبراهيم، انا طالعة حالا .
عقب سامر :
– وهو يطلبها ليه لوحدها؟ هي متخانقتش اصلا.
– ايوة صح، لو عايز يحاسب، يحاسبنا كلنا .
قالها تميم هو الاخر، لتطالعهم بابتسامة ساخرة تملؤها المرارة وكأنها سمعت مزحه منهما، اما صباح فقد ربعت ذراعيها امام صدرها تتنهد بغيظ نحوهم قائلة:
– سيبوها في حالة بقى لحد كدة وخليكم في نفسكم، روحي يا بنتي شوفي اللي وراكي، دول مش هيفضوها سيرة النهاردة.
اذعن الأثنان لرغبة المرأة واضطرا للسكوت لتخرج بهجة، وحديث نفسها من الداخل:
– لقد اَن الأوان، فهذه هي اللحظة الفارقة في علاقتها به، والتي كانت تنتظرها من البداية وها قد جاء موعدها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *