كامل الأوصاف عشق وكنان الكاتبة صفاء حسنى الفصل السابع

كاملة الأوصاف الكاتبة صفاء حسنى الفصل السابع
رجعت عشق وسمعت المدير بيسأل:
“إيه رأيك في كل اللي حصل ده يا دكتور كنان رفيع؟”

اتصدمت عشق لما سمعت اسمه، وقالت لنفسها وهي بتحسّ بقلبها بينط في صدرها من التوتر:
“هو المدير كنان… دكتور هنا في الجامعة؟!
إيه الحظ ده؟
طيب… مش ممكن يفتكر إني مش كويسة؟ ولا يعتقد إني بغشّ؟
طب أعمل إيه دلوقتي؟ أستنى ولا أدقّ الباب؟”

قبل ما تمد إيديها وتدقّ، سمعت صوته الواثق وهو بيقول رأيه:

كنان:
“أنت صح يا دكتور… البنت واضحة عليها متفوّقة، ومش شكل بنت مستهترة.
ومادام جت ودافعت عن حقّها يبقى محتاجة فرصة تانية.
بس لو سمحت… حطّ كاميرات في كل القاعات، خصوصًا في الامتحانات، عشان محدش يتبلّى على حد ولا يغشّ.
ولو حصل غشّ… يتعاقب اللي خالف.”

ابتسم المدير وقال له وهو ماسك ضحكته:
“أول مرة أشوفك بتدافع عن بنت يا دكتور كنان!
أنا قولت إنك هتهاجمني لما أديتها فرصة… مش توافق.”

ابتسم كنان ورجع راسه لورا، وكأن جواه غصّة قديمة بتصحى:
“اتعلمت درس عمري… إني كنت غلطان، وكنت بنقم على نعمة ربنا… لحد ما زالت مني.”

بصّ له المدير باستغراب وقال:
“خير يا ابني؟ إيه اللي حصل؟ شكلك حزين.”

اتنهد كنان تنهيدة تقيلة، طالعة من وجع سنين:
“أنت عارف إني طول عمري برفض البنات في حياتي…
بسبب اللي عملته أمي مع أبويا، وإنها تخلّت عنه وقت مرضه.
ومن بعدها… صدقت إن كلهن زي بعض، وعشان قلبي مايتعلقش ببنت…
حبست نفسي في مكتب الشركة.
كنت بتابع الكل من خلال الكاميرات…
لحد ما في يوم—”

غمض عينيه، وملامحه تغيّرت فجأة… كأنه بيرجع لحدث قلب حياته.

(فلاش باك)

فتح كنان اللاب توب، وبدأ يظبط الكاميرات.
ابتدى بالممر… وباب الشركة اللي بيدخل منه الموظفين وبيمضّوا حضور وانصراف.

فجأة…
دخلت عشق من الباب.
كانت بسيطة… هادية… لكن فيها نور غريب بيشدّ النظر.

كانت بتكلم أمن الشركة وهي ماسكة شنطتها بإيد ومضايقة شعرها من وشّها بالإيد التانية:
“لو سمحت… بعد إذنك… ممكن أقابل مدير الشركة الأستاذ رفيع؟”

سألها الأمن وهو بيبص لها من فوق لتحت:
“مين حضرتك؟ نقوله مين؟”

—
ابتسمت عشق ابتسامة هادية، وملامحها البريئة كانت واضحة وهي بتقول:
“أنا بنت حسين… اللي شغّال في الكافتيريا.”

ابتسم الأمن ورحّب بيها، وسألها عن أبوها بقلق:
“هو فين عم حسين؟ ليه له يومين مش بييجي؟ المدير عيّن واحد غيره.”

نزلت عيون عشق لتحت، وبان الحزن على ملامحها وهي ترد:
“هو مريض… وأنا جاية بخصوص الموضوع ده. بالله عليك… خلّيني أقابله.”

هزّ الأمن راسه بتعاطف وقال:
“طيب، استني هنا… وأنا هكلم السكرتيرة تبلغ المدير.”

جلست عشق، وكانت قلقانة وتوترها باين على كل حركة فيها، وفضلت تدعي بين نفسها بدعاء طويل… دعاء كله رجاء وخوف وأمل:

“لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين…
يارب يقبل إني أخد مكان بابا… أنا مش عارفة هنتصرف إزاي لو رفضوا… الإيجار… ومصاريف الجامعة… ومرض بابا…
يا رب يا جميل يا رحمن رحيم… يا أكبر من الحظ والتعجيز والبعثرة… اخترلي ولا تخيرني، وكفّيني شتات العقل وحزن القلب… وعلىٰك توكلت وأنت خير وكيل…”

وكان كنان سامع كل كلمة… وكان مذهول.
أول مرة يشوف بنت تدعي بالقوة دي… بالانكسار ده… وبالقلب ده.

بعد شوية، رجع الأمن وقال:
“مستنيك… اتفضّلي.”

قامت عشق من على الكرسي، قلبها بيدق بسرعة، وتوكلت على الله ودخلت.

كنان… لحد اللحظة اللي قامت فيها… كان ساب كل شغله، وعينه معلّقة بالفيديو اللي هي قاعدة فيه.
وبعد ما اختفت من الشاشة… لقى نفسه شرود.

وبعد ما خلصت عشق كلامها مع رفيع وخرجت، ظهر الفرح على وشها… وسجدت لله على الأرض وهي خارجة.

ساعتها اتصل كنان بسرعة بـ رفيع:

كنان:
“هو أنت وافقت إن بنت حسين تشتغل مكانه؟”

رفيع – مستغرب:
“آه… أنت عرفت منين؟”

بلع كنان ريقه، وصوته اتغير وقال بتحذير خفيف:
“إيّاك تكون عامل الخطة دي عشان تلفت نظري لأي بنت… أو تدخل حد في حياتي.”

ابتسم الأب بخبث لطيف وقال:
“لا سمح الله يا ابني… أنا أعمل كده؟”

رفيع بعد المكالمة فهم… إن ابنه مركز… وإن البنت دي مش عاديّة.

تاني يوم… فتح كنان اللاب توب وقت دخول الموظفين.
ومركزش على حد… غير لما دخلت عشق مع أبوها.
فضل يتابع خطواتهم، لحد ما دخلت الكافتيريا… ورفيع وقتها ابتسم لأنه فهم إن قلب ابنه اتحرّك.

بعد ما كنان خرج من الشركة، طلعت عشق مكان أبوها عشان كان تعبان.
لبست لبس ولد وطلعت الأكل للأدوار، وبدأت توضّب المكتب وتنضّفه.

في اللحظة دي… رجع كنان.
كان تعبان… محطم… وقلبه موجوع.
دخل الغرفة وهو مش قادر حتى يقف.
قعد على الأرض… وضّم رجليه… وحسّ إن الضلمة حواليه أهون من الضلمة اللي جواه.

فتحت عشق الباب… والغرفة كانت ضلمة، والستارة مقفولة.
سمعت صوت شهقاته… فقربت منه بخوف:

“حضرتك مين؟ إزاي تقعد على الأرض كده؟”

انتفض كنان من لمستها، وزعق:
“وإنتِ مالك؟ إيه اللي جابك هنا؟!”

اتسعت عيون عشق بخضة، وقالت بهدوء:
“أسفة حضرتك… أنا عارفة إن دي غرفة المدير كنان… عشان كده سألت… لأنه خرج من شوية… لو حضرتك المدير—”

وبصوت كله رحمة قالت:
“هون عليك… الحياة قصيرة… مش مستاهلة دموع ولا ندم.
قوم اتوضّى وصلي… وادعي ربنا يفكّ كربك.”

وبدأت تقرا نفس الدعاء اللي قرأته لنفسها… وسابته ونزلت.

من اليوم ده…
كانت عشق تكتب كل يوم دعاء صغير في ورقة…
وتبعتها مع الأكل…
لحد يوم… هو اللي نادى عليها واتعامل معاها.

رجع كنان من شروده على صوت الدكتور:

“مش عايز تقول إيه اللي غيرك؟ وليه بتقول ربنا أخد منك النعمة؟”

ابتسم كنان بسخرية موجوعة:

“رحت لدكتور… أزور ورق… على أساس عندي مشكلة تمنعني من الجواز.
لكن طلعت… فعلاً ما ينفعش الجواز.
فاهم بقى ليه بقولك النعمة اللي ما كنتش مقدّرها… بقت نقمة؟
ومبقاش في خوف من أي بنت.”

كتم الدكتور أنفاسه… وكنان كمل:

“استأذن… أرجع لك بكرة أظبط الورق…
ومتنساش… متظلمش البنت.”

كانت عشق واقفة برا…
وسمعت كل كلمة.
رجعت خطوة لورا… ودموعها نزلت من غير ما تحس:

“لا حول ولا قوة إلا بالله…
طلع مريض… والبنات فاكرينه متكبر…
يا رب يشفيك يا دكتور كنان…
ويا رب تعوّضك خير…
الناس بتجري ورا المال…
وأهو… واحد غني وناجح… بس محروم يعيش طبيعي.”

دقّت عشق الباب.

المدير:
“اتفضّلي.”

دخلت، أخذت حقيبتها، وشكرته:
“شكرًا جدًا يا دكتور… إنك سمعت شكوتي.”

سألها المدير وهو شايل همّ كنان:
“قوليلي يا بنتي… لو في شاب اتقدّم لك… وعنده مشكلة صحية تمنعه يكون زوج أو أب… تعملي إيه؟”

فهمت عشق على طول إنه بيتكلم عن كنان.
وابتسمت بحزن لطيف وقالت:

“حضرتك… الطب دلوقتي متطور.
والله قادر يشفي أي حد.
ولو أنا بحب الشخص… همشي معاه لحد آخر خطوة.
لإني عندي يقين… إن ربنا خلق الداء… وخلق معاه الدواء.”

ابتسم المدير بإعجاب:
“ربنا يكملك بعقلك يا بنتي…
وأنا أشرف على امتحانك بنفسي…
اللي عندها يقين زي ده… عمرها ما تغش.”
—

خرج كنان من الجامعة… وهو مبسوط لأول مرة من زمن.
كل ما يفتكر عشق وهي بترش المية، أو وهي بتدافع عن حقّها… يبتسم.

وقال لنفسه:
“فاضل خطوة واحدة… واتأكد إنك كاملة الأوصاف… وإنك الاختيار الصح…
وإنك هتكوني معايا في مرضي قبل صحتي…
ويا رب توافق تكوني لواحد زي…”

ركب عربيته… واتصل بالسواق.

وبعد ما خلص شغله… وقف يستنى عشق تخرج عشان يطمن عليها.

ودخلت عشق اللجنة الخاصة… وحلت الامتحان الجديد… وطلعت مبسوطة جدًا إن ربنا نصرها.

وقالت في سرّها وهي خارجة:
“يارب… زي ما وقّفتني… وقف جنب دكتور كنان.”

الكاتبة صفاء حسنى

اتصدم كنان إنّها عرفت إنه دكتور، وسألها:
– “إنتِ عرفتي إزاي يا بنتي إنه دكتور؟ أنا فوجئت إنه قدّم ليّ وأنا خارج بالعربية، وطلب مني استنى عشان هيتأخر شوية… وهو رجع بالعربية.”

ظهرت ابتسامة هادية ممتزجة بحزن، وقالت:
– “أنا زيّك… حكيت له اللي حصل معايا في الجامعة، ولما رُحت للمدير، ولما نسيت شنطتي ورجعت أخدها… وسمعت باسمه. بس مكمّلتش… سمعت قدّ كده وبس.”

هزّ كنان راسه بحيرة مع نفسه:
– “يعني سمعت بس اسمي… ولا سمعت كل حاجة؟”

نادت عليه عشق، ففَاق من شروده، وقالت:
– “طيب يلا بقى نلحق الأوتوبيس عشان أوصل عند بابا… لازم أزوره قبل ما أروح.”

فعلاً طلعت الأوتوبيس، وطلع معاها كنان، وقعدت في المكان اللي بتحبه بفرحة، وقالت:
– “أنا حظّي حلو النهاردة… الكرسي ده فاضي. شوفلك إنت كرسي تاني، وجهّز فلوسك… وشوف هتنزل فين.”

ابتسم كنان وقال:
– “أنا معاكي أصلًا… مكان ما تروحي.”

ابتسمت عشق وقالت:
– “لأ طبعًا… كفاية عليك كده النهاردة. عشان بعد كده امتحاني الصبح، ولازم تكون مكاني في الشركة. يعني إنت انزل طريقك… وأنا أشوف طريقي.”

ردّ كنان وقال:
– “لكن طريقي هو طريقك… ومش هسيبِك. عشان أنا… بحبِّك.”

اتصدمت عشق أول ما سمعت الكلمة، وسألته بقلق:
– “إنت بتقول إيه؟”

تراجع كنان بسرعة وقال:
– “أقصد… زي أختي! هو في أخّ يسيب أخته؟”

تنهدت عشق براحة وقالت:
– “وقعت قلبي يا شيخ!”

سألها كنان بجدية:
– “ليه بقى؟ هو مش من حقي أحبّك… وأعجب بيكي؟”

نظرت له عشق وقالت:
– “وأنا مليش الحق أحب دلوقتي.”

استغرب كنان وسألها:
: ليه بتقولي كده؟

عشق بتبتسم ابتسامة هادية وملامحها مليانة حزن:
– “عشان أنا فقيرة، حضرتك… أنا كل حلمي أقدر أدفع إيجار الشقة اللي أوضة وصالة بدل ما أطرد منها أنا وبابا، وكمان علاج بابا. منكرش إن أصحاب شركة رفيع كول ليهم الفضل علينا في علاج بابا، بس كل قرش كان مع بابا صرفه على مرض ماما، لدرجة كنا في شقة ملك باعها من غير ما يقولها عشان يكمل علاجها لآخر لحظة، وبعد كده انتقلنا في الشقة دي. وعلى ما بدنا ناخد نفسنا من مصاريف الثانوية العامة وبدأت في الكلية، قولت أدبر نفسي واشتغلت في محل الورد بالليل عشان أقدر أصرف على الجامعة… والراتب يكفي الإيجار والنور والمية والأكل. وقعنا في حفرة مرض بابا… ومش أي مرض، ده اللعين اللي بياكل في جسمه. تقولي أحب واتجوز يا ابني؟! أنا كل حلمي يرجع بابا للبيت وأخلص الجامعة، ولو اتعينت زي ما قولت لك يبقى خير… أكمل وأنا بشتغل. بس عشان أفتح على نفسي باب حب وجواز وجهاز وحامة تنتك عليّ وتقولي أبوك مقصر… افتح لها!”

تنهد كنان وقال:
– “حيلك حيلك يا بنتي… أنتِ أحلى ما فيك إنك متفائلة، ورمي توكلك على الله. واللي يحبك يسندك، واللي نفسك تتجوزي واحد غني ينقذك.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *