كامل الأوصاف عشق وكنان الكاتبة صفاء حسنى الفصل السابع
ضحكت عشق وقالت:
– “تاني؟ مين قالك إن حياة الناس الغنية نعمة؟! أنت غلطان… مفيش حد مرتاح في حياته يا ابني. أنا عايزة لما اتجوز أكون حرة، من غير ديون… أعرف أجهّز نفسي، وأشتغل وأساعد جوزي وأكون دعمه. ونمشي المركبة مع بعض، نبني حياتنا سوا. مش عايزة حد يشيلني ويقولي أنا عملت وأنا سوّيت، وفى المقابل تعمل أنا. مش بحب الشروط أو القيود… فهمتني؟”
انصدم كنان من تفكيرها، وحاسس إنه هو وأبوه غلطوا في اللي عملوه، وحاسس كمان إنه داخل مع عشق على حرب كبيرة… بس قبل ما يدخل الحرب دي، لازم يكون جنبها الفترة دي، وبعد ما تتخرج يسافر يتعالج، لازم أول حاجة يعالج نفسه… حرام يظلمها معاه أو يظلم نفسه. لأنه بالفعل بدأ يحس بمشاعر مختلفة… نفسه دلوقتي يضمّها لحضنه، ويقولها أنا أكون دعمك، وأمسح أي دمعة من عيونك… نفسه يمد إيده ويرفع شعرها اللي بيطير على عيونها من الهواء.
جلس كنان وهو بيتنهد، وما بين نفسه:
– “متى وقعت في الحب كده يا كنان؟ ولا مشكلتك هي الفلوس واسم العيلة؟ وأول ما تحررت منها وبقيت أيمن الشاب المكافح، مشاعرك اتحركت.”
بعد قليل، اقترب بتاع التذاكر. اكتشف كنان إنه مش معاه فلوس، لأنه تعامله كله بالفيزا.
لاحظت عشق لبخته، وافتكرت إنه أصلاً لسه جديد، وأكيد لسه ما قبضش. نادت على بتاع التذاكر واديته فلوس ليها ولـ كنان.
كان كنان بيدور على فلوس في البطاقة، قعد يدور، وفجأة شاف ورقة بـ 200 جنيه معاه. تذكر إن دي كانت آخر حاجة من أمه وهو صغير، كانت أديته ليها عيدي في العيد. شعر بالضيق وطلع 200 جنيه.
ابتسم بتاع التذاكر وقال:
– “خلاص يا ابني… حبيبتك دفعت فلوس، وكمان مش معايا فكة.”
شعر كنان بالحرج… لكن ضيّعت الحزن والحرج عشق بابتسامة حلوة، وقالت:
– “المرة الجاية أنت ادفع لي… وخلي 200 جنيه معاك لحد ما تقبض… وبعد كده تبقى تشيل 100 جنيه فكة عشرات وخمسات عشان المواصلات.”
سرح كنان في ضحكتها، وفضل ينظر لها طول الطريق، لحد ما وصلت عشق عند المستشفى ونزلت، ورفض ينزل، وقالت:
– “بالله عليك بلاش تتعب نفسك، أنا أصلاً مكسوفة أسيبك اليومين دول وأنزل الامتحان. هو عشان ده امتحان ميد ترم، بس الترم يكون يومين في الأسبوع… فأقدر أواظب ما بين الشغل والامتحان. أنت ناسي إنك بقيت سواق كنان بيه، ولا عرفته إنه هيرجع يدرس في الجامعة تاني؟ يعني هتوصل وترجع تشوف طلبات الكافتيريا، وترجع تاخده… ياه أنت صعبت عليّ من دلوقتي!”
الكاتبة صفاء حسنى
نظر كنان لعشق بصدمة، وتذكر فعلاً إزاي يعرف يجمع بين كل ده، وقال في نفسه:
– “أنا اللي جيبته لنفسي… كان لازم تقول إنك هتكون السواق. وكمان شغل الكافتيريا… إزاي أروح أقدم الطلبات؟ آه، كنت بروح وهي معايا، فكنت بتحجج عشان أكون معاها… بس كنت بتحجج بحجة إن كنان عايزين، وكنت بشوف شغلي فوق… طيب دلوقتي أقدر أظبط كل ده إزاي؟”
على ما قعد يحسب، وقع نفسه فيها.
كانت عشق نزلت، والأتوبيس اتحرك. اتصل كنان بصاحبه أسامة، وطلب منه يقابله عند محطة. فعلاً جه أسامة.
وقف أسامة في المكان اللي قاله عليه، وانصدم لما شاف كنان نازل من الأتوبيس:
– “مش معقول… كنان رفيع، صاحب شركة رفيع كول، نازل من أتوبيس؟ بجد أنا مش مصدق نفسي! أسبوع يا ابني سافرت فيه، أرجع أسمع عنك العجب من عمي إنك شغال في كافتيريا… ودلوقتي نازل من أتوبيس؟ إيه اللي حصل؟”
تنهد كنان:
– “خلصت تريقة سخيفة… يلا بقي خدنا عند الدكتور.”
سأله أسامة:
– “دكتور إيه؟ أنت تعبان؟ أنا قولت كده بردو… اللي بتعمله ده مش طبيعي.”
رفع كنان صوته:
– “أسامة، أنا مخنوق… وعلى أخرى خدني على الدكتور صحابك ده عشان يشوف لي علاج.”
ممكنش يستوعب أسامة للحظة هو بيتكلم عن إيه… دكتور مين؟ وصاحبي مين؟ وعلاج إيه؟ عشان مش فاهم.
وضح كنان بصبر:
– “دكتور الذكورة والعقم يا أستاذ… أنت نسيت ولا إيه؟”
تنحى أسامة وببلها، لأنه عارف إن كنان سليم، بس عارف إن صاحبه عمله في المقلب ده عشان يعلمه درس. مكنش عارف يقول إيه، فقال:
– “حاضر… اتصل بيه أشوفه موجود ولا لأ.” طلع التليفون يتصل.
خطف كنان التليفون منه وقال:
– “أنا عايز أتعالج ضروري… لو أدفع أقدم، ده كل ما أملك… عايز يوم ما أفكر أتجوز أكون أقدر للموضوع ده.”
ممكنش يستوعب الدكتور، وسأله:
– “مين معايا حضرتك؟ والحالة كانت إيه بالظبط؟”
خطف أسامة التليفون قبل ما تكتشف اللعبة وقال:
– “ده صاحبي كنان رفيع يا مصطفى… أنا جاي أنا وهوه، ماشي؟ وشوف لك حل… سلام.”
غلق مصطفى التليفون وهو مش فاهم حاجة. نظر قدامه، وكان والد كنان واقف قدامه وهو بيبتسم.
– “ابني طلب منك يتعالج صح؟”
هزّ رأسه مصطفى وبدأ يستوعب ورد:
– “هو أستاذ كنان ابن حضرتك اللي أنت بعت ورقه ليه؟”
هزّ رأسه الأب:
– “آه… وأنت وقتها قولت في الورق حاجة مش مظبوط، وكمان بعتهم خارج مصر ونفس الكلام.”
ابتسم مصطفى وقال:
– “عشان الورق كله مزور… وكنان كويس ومفيش فيه أي حاجة، مجرد احتقان في البروستاتا. أُوكل إليك أن تقوم بمضادات حيوية لثلاثين يوم على الأقل. لو المريض متوعك جدًا، هيحتاج يبقى في المستشفى لأخذ مضادات حيوية عن طريق الوريد. لو العدوى رجعت بعد المعالجة…”
سأل الأب:
– “والموضوع ده يعمل عجز؟”
ابتسم الدكتور:
**– “أفهمك… أعراض التهاب البروستاتا هي كالتالي:
ألم في أسفل الظهر (scrotum والشَّرج perineal)
الحاجة للتبول بشكل متكرر وعاجل
ألم أو حرقة عند التبول
صعوبة في التبرّز
ألم أثناء الانتصاب أو هزة الجماع أو صعوبة في فعل هذا
لو سبب الالتهاب بكتيري وهو أصلاً لسه في أوله، محتاج أدوية… وفي حالات قد يحتاج المريض جراحة لإزالة أي قيح من البروستاتا. الموضوع بسيط وتحت السيطرة… وابنك بخير.”**
نفس اللحظة وصل كنان وأسامة، وسمع آخر كلمة وشاف أبوه، امتزجت مشاعره ما بين الفرح إنه كويس، وما بين الغضب على الدكتور.
مسك أبوه من هدومه، وصرخ فيه:
– “أنت تلعب بي؟! أنت خلّيتني أحس بالعجز والقهر والحرج وقلة الحيلة!”
أنقذ الدكتور الأب من يد ابنه وطلب منه يهدأ:
– “يا ابني… قضاء أخف من قضاء، والرجل ما كذبش عليك… أنت فعلاً عندك التهاب في البروستاتا، ومن أعراضه بتأثر على الموضوع ده.”
نفخ كنان وقال:
– “لكن هو لسه قايل إني كويس…”
بدأ يشرح له الدكتور مصطفى وقال:
“وأنا وقتها ما كدبتش عليك، أنت مستنتيش أشرح ليك، كان كل همك تكسر أبوك، وتفهم إن ابنه عاجز، وأخد التقرير ومشيت. انتظرت ترجع لي عشان تسألني على حل، وكانك مبسوط إنّها جاءت من عند ربنا، وقولت يوم ما قلبك يدقّ وهتلاقي الإنسانة اللي تستاهل تشارك حياتك، وترجع، وقتها أوضح ليك ومدام جيت يبقي لقيتها بدليل اتصلت وطلبت تدفع كل ما تملك عشان تتعالج وتكون بصحة.”
اتنهد كنان وقال:
“أكتب لي على العلاج وشوف احتاج إيه عشان أكون كويس.”
ابتسم مصطفى وقال: “هو ده الكلام”، وجلس يشرح له كل كبيرة وصغيرة، وكل تفاصيل العلاج والخطة الطبية.
كان كنان سعيد من داخله إنه كويس، وإن المشكلة في أولها وهتتحل، وتذكر دعاء عشق وهي خارجة من الامتحان، لما قالت من قلبها:
“يارب أنقذ الدكتور كنان من المحنة اللي هو فيها زي ما أنقذني، واشفيه”
ابتسم كنان وهو سعيد، وحسّ لأول مرة إن قلبه دقّ وحب، ومش أي بنت.
استمرت عشق في امتحاناتها، وبعدها امتحانات الترم، واستمرت علاقتها مع كنان زي ما هي، مجرد رسائل مع الطعام، وكانت تهتم باللي بياكله من أكل صحي يزيد مناعته. استغربت وقتها كمية الحنان والصفاء اللي موجودين فيه، واستمر علاج أبوها لحد ما مرّت 3 شهور، وخلصت كل الامتحانات، وكانت فرحانة لأنها كانت قوية وقدّت المسؤولية.
خرجت عشق من الامتحان فرحانة، وكان كنان منتظرها كعادته أمام الجامعة بالعربية، ورفض تجربة الأتوبيس تاني، وهي كانت كل مرة تعاند، بس المرة دي كانت نفسها تطير عند أبوها وتفرحه.
وبالفعل وصلت إلى المستشفى، ودخل معها كنان المرة دي، لأنه كان ناوي يقولها كل الحقيقة. لكن عند دخولها والبحث عن أبوها، صدمت لما سمعت الخبر من المشرفين على حالته:
“البقاء لله يا بنتي، أبوكي كان في الحالة الأخيرة، والمرض اتمكن من كل جسمه، ودمر خاليه الجسم.”
سمعت الخبر عشق، ووقعت من طولها، وخطفها كنان في حضنه قبل ما تقع على الأرض، ضامها بكل قوته.
انتهى الفصل السابع
—