قبل سنين
قبل سنين
روايات_مشيره_محمد
إيديا كانت بتترعش، العلبة الخشب الصغيرة دي كان ملمسها بارد زي التلج. نور كانت واقفة بصالي بنظرات أكبر من سنها بكتير، نظرة فيها حيرة وذهول يقطعوا القلب. لما فتحت الغطا، ما لقتش مجوهرات، ولا فلوس، ولا حتى رسالة غرامية كاتبها راجل لمراته وهو بيموت.. جوه العلبة كان في فلاشة (USB)، ودفتر مذكرات غلافه جلد أسود قديم ومتهالك، وتحتهم كارت مستشفى أصفر بهتان.
مسكت كارت المستشفى.. كان كارت استقبال الطوارئ الخاص بالمستشفى المركزي في مدينتنا، ومكتوب عليه تاريخ قديم أوي.. نفس التاريخ ونفس اليوم ونفس الساعة اللي خسرت فيها جوزي وحبيبي “أحمد” وبنتي الصغيرة “مصر”!
قلبي بدأ يدق بصوت عالي لدرجة إن نور قربت مني وحطت إيدها الصغيرة على ركبتي وهي بتقول ببرود طفولي يقشعر البدن:
«بابا قالي قبل ما يروح عند ربنا: “لما يفيض بيكي الشوق وتفتكري إن ربنا ظلمك، افتحي الفلاشة دي يا مريم.. هتفهمي إن اللي بيحصل في الدنيا مش صدق.”»
«نور.. إنتي فاهمة بابا كان بيقصد إيه؟» سألتها بصوت مخنوق ومكتوم، والدموع مالية عيني.
نور هزت رأسها بالرفض وقالت: «بابا قالي مالمسش الفلاشة، وقالي إنتي بس اللي ليكي حق تشوفي اللي عليها. وقاللي كمان أقولك: سامحيني يا مريم.. أنا ما كانش قدامي خيار تاني.»
جسمي كله كان بيتصرخ بالخوف. مشيت بخطوات تقيلة ناحية الشاشة في الصالة، حطيت الفلاشة في التلفزيون وسحبت نور في حضني. إيدي كانت بتتفاض وأنا بضغط على زرار التشغيل. ظهر على الشاشة فيديو.. فيديو مصور بالكاميرا الرقمية بتاعة المستشفى، التاريخ المسجل أسفل الشاشة كان نفس ليلة الحادثة الأليمة!
المكان كان غرفة العمليات العناية المركزة.. ومدحت ظهر في الفيديو! بس ما كانش المريض المهدود اللي شفته في أواخر أيامه.. كان واقف بطوله، بس وشه اصفر وزي الجثة، لابس بالطو طبيب استشاري!
شهقت بصوت عالي ومسكت في دراع أريكة الصالة:
«مدحت؟! مدحت كان دكتور؟! إزاي؟ هو قالي إنه كان شغال موظف إداري بسيط!»
في الفيديو، كان مدحت بيتكلم وهو بيبص للكاميرا مباشرة، وعيونه دموعها نازلة بغزارة، صوته كان بيرتعش وهو وبيقول:
«مريم.. لما تشوفي الفيديو ده، هكون أنا تحت التراب، وهتكوني إنتي خدتي نور في حضنك. أنا عارف إنك مصدومة.. وعارف إنك بتسألي نفسك دلوقتي: الراجل ده مين؟ وليه كدب عليا؟