قبل سنين
قبل سنين
يا مريم.. الليلة اللي حادثة عربيتك حصلت فيها، أنا كنت الدكتور الجراح المسؤول عن استقبال الطوارئ في المستشفى. جوزك أحمد الله يرحمه مات قبل ما يوصل المستشفى اصلاً.. لكن بنتك.. بنتك الصغيرة “مصر” كانت لسه بتتنفس.. كانت بين الحياة والموت.»
صوتي خرج بصرخة مكتومة: «بنتي؟ بنتي ماتت في الحادثة! الدكاترة قالولي إنها ماتت فوراً!»
مدحت كمل في الفيديو، وكأنه سامع صرختي وبيجيب عليها:
«أنا كدبت عليكي يا مريم.. والدكاترة قالولك كده بأمر مني. في نفس الليلة دي، وفي نفس الساعة.. مراتي “شادية” كانت بتولد نور في الأوضة اللي جنبكم. الولادة كانت متعسرة جداً.. شادية ماتت وهي بتولد، ونور اتولدت بضمور حاد في القناة المرارية وفشل كبدي حاد. الدكاترة قالولي إن نور قدامها ساعات وتموت، إلا لو حصلت معجزة وتوفر فص كبد من طفل في نفس العمر ونفس فصيلة الدم النادرة جردًا!»
لمحة نيوز
دموعي نزلت زي المطر.. بدأت أربط الأحداث، وقلبي يتقطع حتة حتة.
مدحت مسح دموعه في الفيديو وكمل كلامه والوجع باين في كل نبرة:
«بنتك “مصر” كانت نزفت مخياً وكانت متوفية دماغياً.. طبياً، ما كانش في أمل ترجع. وفي لحظة ضعف شيطانية.. لحظة أب بيشوف بنته الوحيدة بتموت قدام عينيه ومستعد يعمل أي حاجة عشان ينقذها.. أخدت القرار الأعوج. بدلاً ما أبلغك بالوفاة الدماغية وأطلب منك التبرع.. استغليت إنك كنتي في غيبوبة صدمة بعد الحادثة، وزورت التقارير الطبية. نقلت فص كبد من بنتك المتوفية دماغياً لبنتي الرضيعة “نور”.. أنقذت نور بفص من جسم بنتك اللي ماتت!»
«يا نهار أسود!!» صرخت وأنا بقوم من مكاني، مسكت راسي بإيدي الجوز ومش قادرة أتنفس.
نور بصتلي برعب وقالت: «ماما.. أنتي بتعيطي ليه؟ بابا عمل حاجة وحشة؟»
ما قدرتش أرد على نور.. وقفت مذهولة ومصدومة وأنا بكمل بقية الفيديو.
مدحت في الفيديو نزل ردم راسه بين إيديه وبكى بحرقة:
«ستر ربنا كان مخبي السر ده.. بس ذنبي ما سابنيش. بعد الحادثة دي بسنة، ضميري أكلني.. ما قدرتش أكمل شغلانة الطب، استقلت من المستشفى وسبت كل حاجة وطفشت. وعشت حياتي كلها وأنا حاسس إن ربنا هيحاسبني على السرقة دي.. سرقت أعضاء بنتك من غير إذنك عشان أعيّش بنتي!
ومرت السنين.. لحد ما ربنابتلاني بالسرطان. ولما عرفت إن أيامي معدودة، وفهمت إن نور هتفضل لوحدها في الدنيا دي، قعدت أدور عليكي زي المجنون. كنت عايز ألاقي طريقة أرجعلك بيها حئك.. لما عرفت إنك شغالة في المستشفى، قطعت عيشي وجيتلك كمريض بسيط. ما كنتش جيلك عشان تجوزيني بس يا مريم.. أنا جيت عشان أديكي الأمانة اللي سرقتها منك!»