قبل سنين

قبل سنين

​مدحت رفع راسه في الفيديو وبص للكاميرا بملامح ترجي وندم:

«نور مش مجرد بنت أنا سبتهالك.. نور شايلة جوة جسمها حتة حتة حية من بنتك “مصر”! كبد نور هو كبد بنتك.. يعني نور دي في الحقيقة، نصها بنتك ونصها بنتي! أنا ما اخترتكيش عشان يكسر قلبك يا مريم.. أنا اخترتك عشان ترجعي تضمي بنتك تاني! أنتي ما خسرتيش بنتك كليةً في الحادثة.. بنتك عايشة جوة نور!

أنا اتجوزتك وكتبت ليكي كل أملكي ورثي وبنتي، عشان أضمن إنك تاخدي حقك وحق بنتك.. وعشان تمسكي حتة من بنتك الحقيقية في حضنك. أنا عارف إن ده مش هيغفرلي ذنبي، بس أتمنى من ربنا ومنك إنك تسامحيني.. وتخلي بالك من نور.. لأنها الحتة الفاضلة من بنتك ومني.»

​الفيديو خلص.. والشاشة اسودت.

​الصمت حل في الأوضة، صمت تقيل يرعب. كنت واقفة وزي ما أكون أتردمت بالتراب وأنا حية. الشك والوجع والغضب والذهول كلهم اتخلطوا ببعض في قلبي.

​الراجل اللي حبيتة.. الراجل اللي افتكرته المُنقذ اللي رجعلي الروح.. طلع هو نفسه اللي خد مني أعضاء بنتي واستغل عجزي وغيبوبتي!

بس في نفس الوقت.. البنت دي.. البنت الصغيرة اللي قاعدة قدامي، شعرها المنكوش وعيونها البريئة.. شايلة جوة جسمها حتة من بنتي اللي بكيت عليها دم بدل الدموع!

​نور قربت مني بخوف، مسكت طرف عبايتي وقالت بصوت بترتعش فيه الدموع:

«ماما مريم.. بابا كان راجل وحش؟ هو عمل حاجة تزعلك؟ لو أنتي زعلانة مني أنا ممكن أمشي وأروح دار الأيتام زي ما الأطفال في المدرسة بيقولوا.. بس بالله عليكِ ما تعيطيش.»

​بصيت لوش نور.. نفس العيون.. نفس التدويرة.. ونفس نبرة الصوت اللي كانت عند بنتي “مصر”. الوجع كان هيشق صدري نصين.

وقع على ركبتي قدامها، وسحبتها لصدري بحضن بقوة مرعبة، حضن كنت بعوض بيه سنين الحرمان من بنتي اللي راحت. بقيت أبكي وأصرخ وأنا حاطة إيدي على جنبها اليمين.. المكان اللي فيه كبدها.. المكان اللي ينبض بالروح اللي سابتهالي بنتي.

​«لا يا نور.. لا يا حبيبتي.. باباكي ما كانش وحش.. باباكي رجعلي روحي اللي كانت ضايعة.»

​فتحنا الدفتر الأسود اللي كان في العلبة.. كان فيه مذكرات كتبها مدحت ببيانات وتفاصيل دقيقة، ومستندات نقل ملكية كل ما يملك باسمي وباسم نور بالتساوي، ورسائل اعتذار طويلة مكتوبة بخط إيده، كان كاتب في آخر صفحة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *