صـ.ـدمه الماضي

صدمه الماضي

​قعدت على ركبتي تاني.. والبنت الصغيرة قربت مني ببطء شديد.. مدّت إيدها الصغيرة ولمست وشي.. حست بدفء الدموع اللي على خدي.

​قالت لي بصوت واطي: إنت بتعيط ليه يا عمو؟

​الكلمة قطعت قلبي.. “عمو”.. بس لمسة إيدها كانت كفاية تسوى الدنيا وما فيها.

​مسكت إيدها الصغيرة وبستها بحنان عمري ما حسيت بيه في حياتي: أنا مش عمو يا حبيبتي.. أنا بابا.. بابا اللي كان غايب وجاي يستسمحك.

​البنت بصت لأخوها، والولد قرب هو كمان.. مسكتهم الاتنين في حضني.. وحسيت لأول مرة إن الإمبراطورية اللي بنيتها بالدم والفلوس دي كلها ولا تسوى قلامة ضفر من ضوافرهم.. حسيت إن السنين اللي فاتت دي كلها كانت عذاب مالوش لازمة.. وإن القوة الحقيقية مش إن الناس تخاف منك.. القوة الحقيقية إنك تحمي اللي منك.

​رفعت رأسي وبصيت لخديجة وقلت لها: أنا ضيعتك من إيدي زمان عشان كنت فاكر الفلوس والهيبة هي كل حاجة.. بس النهاردة عرفت الكلمة اللي قولتهالي وأنا ماشي “هتعرف إنت ضيعت إيه من إيدك”.. أنا ضيعت عمري يا خديجة.

​خديجة مسحت دموعها وقالت بصوت هادي: الشروط اللي قلتها دي.. هتتنقش يا سليم.. مش هتكتم على حاجة.. والنسب هيرجع لأني مش هغضب ربنا بس بشرط.. السلاح والدم يفضلوا بعيد عن العيال دول.. لو حسيت في يوم إن شعرة منهم هتتمس بسبب شغلك.. هختفي بيهم تاني والمرة دي مش هتلاقيهم لو قلبت الدنيا.

​هزيت رأسي بالموافقة: أوعدك.. أوعدك بحياتي.

​قمت وقفت.. وبصيت لسيد اللي كان واقف عند الباب وعينيه مبلولة دموع هو كمان..

​قلت له: سيد.. تنزل فوراً تحضر الأوراق والمحاميين.. نسب العيال يرجع بكرة في الرسميات.. وما تفتحش بقك بحرف قدام أمي غير لما أنا أرجع وأفهمها بالطريقة اللي تريحها.

​سيد قال: أمرك يا بيك.

​بصيت لخديجة وحسام بصلة أخيرة.. حسام كان واقف مشدوه بس ساكت، حاسس بالمسؤولية والارتياح في نفس الوقت.

​قلت لهم: أنا ماشي دلوقتي.. وهجيلكم بكرة مع المحامي عشان نخلص أوراق النسب.. ومن هنا ورايح.. البيت ده في حمايتي وحماية رجالي.. ومحدش يقدر يمسكم بشر.

​نزلت من العمارة.. والمرة دي الأسفلت المبلول والجو المغيم ما كانوش كئيبين زي الأول.. كان في حاجة جوايا اتغيرت.. حاجة اتولدت من جديد.

​ركبت العربية.. وبصيت لفوق للشبابيك بتاعت الدور التالت.. شفت خديجة واقفة في الشباك ماسكة العيال في حضنها وبتطمني بلمحة من عينها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *