الفصل ١ـ٥ جن جنونها ٢

الفصل ١-٥ جن جنونها ٢

6
هنا يمكنك أن ترى أن إيمان كانت تحب مراد دائما !
ماذا توقع بعد الذي فعله معها على الدرج !
لقد كان غليظا معها و لأول مرة يقسو عليها هكذا بيده يعترف بأنه قد آذاها عندما أمسكها بقوة قاصدا إيلامها إنه نادم أشد الندم و يجب أن يعوض عليها هذا و يعتذر منها
إنها حبيبته
زوجته
أم أولاده
إنها سلاف …
مش هاتتعشي معايا .. قالها أدهم متسائلا حين شاهد زوجته تضع صحن واحد أمامه على مائدة العشاء
بدون أن تنظر إليه جاوبته بجفاء
لأ. مش جعانة.. لما تخلص نادي عليا عشان أشيل الأطباق
و جاءت لتمضي متجهة إلى غرفة النوم فقام عن مقعده معترضا طريقها فتوقفت مجبرة بينما يقول بصوته الهادئ ملطفا الأجواء بينهما
أنا مابعرفش أحط لقمة في بؤي منغيرك و انتي عارفة. حتى الغدا تحت معاهم اتظاهرت إني باكل. أقعدي يا سلاف و كلي معايا. من فضلك !
سلاف بنفس الجفاء
لو قعدت مش هاكل. هاقعد عشان انت عايزني أقعد بس
أجفل متنهدا بثقل و قال
يعني بجد مش جعانة
هزت رأسها نفيا فهز كتفيه مدمدما
طيب. خلاص شيلي بقى العشا. أنا كمان مش جعان. بس ممكن تحضري حاجة خفيفة أبقى أنزلها لمراد يتعشى بيها !
توقع أن تتراجع عن موقفها لتجعله يجلس و ينهي عشاؤه كما اعتادت أن تفعل دوما و هذا ما كانت تقف لبرهة مترددة بشأنه لكنها على عكس توقعاته أخذت تجمع الصحون و تتجه بهم إلى المطبخ ثانية …
توتر أدهم الآن و قد شعر بفداحة ما فعله لها أراد أن يصلح ما بينهما بل أن عليه أن يصلحه الليلة و قبل أن يبزغ نهار جديد و إلا سيصعب نسيانه
ذهب أدهم إلى غرفة نومهما و انتظرها هناك لكنها تأخرت و خيل إليه بأنها لن تأتي فقام و بحث عنها في الشقة حتى وجدها في غرفة الأطفال تهم بالأستلقاء إلى جوار ابنها الأوسط في سريره المتسع لفرد آخر إذ أن الصغير لا يحبذ النوم بجوار أحد و لا حتى إخوته فقط أمه التي يعطيها هذا الامتياز …
سلاف ! ..هتف أدهم مدهوشا
إلتفتت نحوه في لحظة فانزلق روبها الحريري عن كتفها بنعومة رشقته بنظرة زاجرة و مشت ناحيته قائلة بصوت مائل للهمس
وطي صوتك. الولاد يصحوا !!
تجاهل ما قالته و أمسك بيدها شدها إلى الخارج و أغلق الباب على الصغار أسندها إلى الجدار و استجوبها بجدية
لما خاېفة الولاد يصحوا. إيه دخلك عليهم.. ماحصلتنيش على أوضتنا ليه
لا تزال متحاشية النظر إليه و قالت
أنا هنام الليلة دي جمب نور
أدهم باستنكار تنامي جمب نور و بالنسبة لي أنا. شفاف قصادك !!
نور محتاج لي أكتر انت عارف إنه اليومين دول حساسية جسمه مضايقاه
يسلام طيب ما أنا كمان محتاج لك بردو. ماينفعش تقسمي وقتك بيني و بين الولاد. الولاد إللي سايبك ليهم طول النهار !!!
سلاف بعناد انت عارف الولاد دايما في أولوياتي
تضرج وجهه بحمرة الغيظ في هذه اللحظة و أمسك غضبه بجهد ثم قال بحدة
طيب أنا عايزك يا سلاف. و حالا !
بدون أن تنبس بكلمة أطرقت برأسها و مشت أمامه وصولا إلى غرفة النوم خلعت الروب القصير و بقيت الآن بالقميص الرقيق اسلتقت أمامه فوق الفراش و ظلت ترنو إليه فقط
رفع أدهم حاجبه معقبا على أفعالها
إيه ده !
ردت ببديهية قلت عاوزني . أهو.. أنا قدامك
ببساطة كده !
أمال فاكرني هاتمنع عليك و أبقى ناشز يرضيك أبقى ناشز !
عض أدهم على شفته و كظم غيظه بصعوبة فهو يعلم تلك اللعبة التي تلعبها معه و كم يكره و بشدة ما تنوي أن تمليه عليه كعقۏبة فليس هناك ما هو اسوأ أن تمسح له بالتقرب إليها دون أن تبادله شيئا هي التي دائما ما تذوب بين ذراعيه و لكنها قادرة على أن تتحول إلى البرود التام إن أرادت أن تعاقبه
و لطالما كان هذا أقسى و أصعب عقاپ يتلقاه منها …
سلاف بلاش الطريقة دي قلت لك 100 مرة.. مش واخدة بالك إني بحاول أصالحك
تقلدت البرودة نهجا في كلامها و هي ترد عليها بينما تلف خصلة شعرها الشقراء على سبابتها
أنا ماطلبتش مصالحة منك يا أدهم.. عمري ما طلبت !
شد على قبضتيه مواصلا طمر الڠضب بدواخله و ارتأى أن يبتعد عنها قليلا حتى يتمكن من تهدئة أعصابه و التفكير في سبيل أكثر لطفا إليها.. أخذ نفسا عميقا و قال
استغفر الله العظيم.. بصي. أنا هانزل أودي العشا لمراد. راجع لك بسرعة ان شاء الله.. و هانشوف ماشي. ماشي يا سلاف. ماشي !
و ظل يردد آخر كلمة و هو يمضي إلى الخارج بينما بقيت مكانها تضحك في صمت و تقسم بينها و بين نفسها بأن تضاعف العقاپ له هذه المرة كما ضاعف هو قسوته عليها …
مضى وقت ليس بقليل و هما يقفان قبالة بعضهما بلا حراك هكذا كصنمين خاليان من الحياة بعد أن طرحت عليه سؤالها ران الصمت تماما بينهما حتى شاهد مراد وجهها يعتصر ألما… لطالما كانت نقطة ضعفه
أن يرى الوهن يتلبسها هي بالذات
لم يتحمل أكثر من ذلك و أفسح لها لتدخل مغمغما باسراع
ادخلي يا إيمان. ادخلي بسرعة !
كان يخشى أن يقبض عليهما بأي لحظة لذلك سمح لها بالدخول فقد بدا أنها بصدد إحداث ڤضيحة لو لم يحتوي الموقف بسرعة ولجت إيمان بخطى وئيدة و هي تضم شالها الأسود إلى صدرها بينما يغلق مراد الباب بعدها مباشرة
في منتصف الشقة الخاوية وقفا الآن وجها لوجه يحدق كل منهما في عيني الآخر محاولا قراءة أفكاره.. إلى أن تشجع هو و كسر الصمت أولا
أنا جيت و أنا فاكر إني مش هالاقيكي هنا. ماسمعتش بخبر مۏت جوزك غير من خالتي. و عرفت إنك رجعتي تعيشي هنا تاني.. و الله لو كنت أعرف ماكنت آ …
ماكنتش ورتني وشك صح ! .. قاطعته بعدائية سافرة
عدائية ورات خلفها كم حبها و سهدها و عڈابها كانت قشرة تهدد في أي لحظة بالانكسار… تابعت إيمان باسلوب هجومي
كويس إنك لسا فاكر عملتك. أنا كنت بدأت أشك إن إللي حصل بينا ده كان في خيالي أنا و بس.. لما مشيت و سبتني بمنتهى البساطة بعد ما …
إيمان أرجوكي ! .. هو الذي قاطعها هذه المرة بإشارة من يده
لكنها لم تأبه و واصلت بشراسة و قد إتقدت عيناها
إيه مش طايق تسمع عندك ضمير لسا يا راجل.. ده انت حتى ماطلعتش ندل و بس. لأ طلعت كداب كمان. مش كانت حجتك لما سبنا بعض إنك مسافر تكمل تعليمك برا إللي عرفته أنا بعدها إنك ماسفرتش و لا حاجة و كملت الجامعة هنا عادي ..
و أضافت كأنما حلت عليها الصدمة لأول مرة
كدبت عليا.. خدعتني !!!
رغم حقيقة ما تقول إلا أنه إنبرى للدفاع عن نفسه بغلظة
لأ يا إيمان أنا ماكدبتش عليكي و لا خدعتك.
أنا فعلا كملت الجامعة هنا. لكن بعدها علطول سافرت و درست برا فوق إللي درسته هنا. إنتي عارفة إن شهادات العالم التالت مش معترف بيها في أوروبا. و أنا كنت ببني مستقبلي. ماكنتش سامح لأي حاجة تعطلني و ماكنتش شايف غير كاريري و كياني. انتي أكتر واحدة كنتي عارفة أحلامي
و انت قضيت على أحلامي أنا ! .. تمتمت بصوت متهدج أثقلته دموعها الحبيسة
عماني حبي ليك. نساني نفسي و ربي. سلمت لك نفسي بارادتي و وقعت عشان بحبك.. تعرف. ساعتها و لآخر لحظة كنت مديالك الأمان. كنت متخيلة إني حتى لو رميت نفسي تحت رجليك انت لا يمكن تخون ثقتي فيك. كنت مطمنة جدا و مستنية تفوق و تعتذر لي و تقول لي إنك مش هاتسبني و لا تتخلى عن حبنا.. لكن أنا إللي فقت من أوهامي على غدرك بيا. و بعدين ندالتك لما مشيت و لا بصيت وراك حتى.. انت دمرتني يا مراد !
انسحق فؤاده بتواطؤ دموعها مع كلماتها عليه كان هذا موطن ضعفه بالتحديد لهذا السبب و قبل إثنى عشر سنة هو لم يستطع السيطرة على مشاعره عندما غدر بها كما قالت و وقعا على الرغم من أنه فعل ذلك الإثم مرارا منذ بلوغه و حتى قبل زواجه بفترة لكنه لم يستطع أن يغفر لنفسه جرها معه إليه
تزوج و عشق على أمل أن ينساها و ينسى ما فعله بها في لحظة طيش لكن ها هي تذكره و ها هو يكتشف بأنه لم يزل أسير جريرته في حقها …
إيمان ! .. تحدث مجددا بلهجة خاضعة كأنما يرجو لو يركع أمامها و يطلب العفو
مافيش كلام ممكن يوصف مشاعري ناحيتك سواء زمان أو دلوقتي. انتي غالية أوي عندي. و الحقيقة إنك مش لوحدك إللي اتعذبتي.. أنا مقدرتش أسيطر على نفسي ليلتها. كنت صغير و مش دارك. إيمان انتي عارفة ان اتربيت في مجتمع متحرر. أنا من يوم ما اتولدت و أنا عايش برا مع أبويا وأمي. أصلي عربي و مسلم و عارف تعاليم ديني. بس ڠصب عني اتطبعت بطباع ناس تانية.. انتي عارفة أول علاقة عملتها في حياتي كان عندي كام سنة.. 15 سنة. تخيلي. شهيتي للعلاقات من النوع ده إتفتحت من بدري أوي. و ماكنش في حدود طول ما كنت عايش برا. كان شيء عادي جدا و اتعلمت إنه سهل و مسموح بيه طالما في قبول بين الطرفين.. و لما رجعت و شوفتك و قربنا من بعض و حبيتك. كنت عاوزك أقرب ليا من مجرد علاقة حب سطحية. كنت عاوز أحبك بالطريقة إللي اتعلمتها لأنها الطريقة الوحيدة إللي بقدر أعبر بيها عن حبي. ماكنتش قابل إنك دايما تبعديني عنك و مش موافقة حتى إني ألمسك بأي شكل.. وهمت نفسي إني ممكن أستغنى عنك و أسيبك عادي. بس أنا كنت خلاص غرزت فيكي يا إيمان. كنت وقعت في حبك و ماتأكدتش من ده مية في المية غير لما بعدت عنك بجد.. سامحيني يا إيمي !
كانت مستغرقة في تفاصيل ما يروي عليها تائهة بين كلماته و معانيها حتى فرغ.. ردد لسانها باستنكار بينما دموعها تسيل
انت لسا هاتكدب ما اتخليت عني و عرضتني للڤضيحة أنا و أهلي إللي هما أهلك.. لسا بتقول بتحبني !!
علا صوتها المكتوم في صدرها بقدر من الانفعال ما جعله يتمرد لوهلة على تعاطفه نحوها خاصة و هي تبدي كل هذا القدر من البغض و الحقد عليه …
إنتي ليه محملاني الغلط كله لوحدي
أمال أحمله لمين انت استغليت ضعفي و حبي ليك !!
زفر بقوة و بدا كأنه مضطر أن يواجهها بالحقيقة …
أنا ماعملتش
حاجة ڠصب عنك ! .. قالها مراد دون أي أثر للندم
لو كنتي بينتي ذرة رفض واحدة عمري ما كنت غصبتك يا إيمان.
انفعلت و تسارعت أنفاسها و هي تحملق فيه بشراسة إذ ذكرها بالنصف الآخر من قصتها الأليمة و الذي لم تطلع أحد عليه أبدا غير زوجها الراحل حتى كانت تخشى التفكير فيه بينها و بين نفسها …
نكأ الچرح الغائر مرة أخرى و احتقن وجهها بشدة أخافته أطلت دموع الڠضب و الخزي من عينيها و هي تثور ۏجعا من أعماقها
لآخر لحظة كنت فاكرة إني حبيتك بجد.. بس تعرف. كنت غلطانة.. أنا ماحبتش غير سيف. سيف إللي رغم إني اعترفت له بالحقيقة قبل الجواز من يأسي و كرهي لنفسي. و كنت مستعدة لأي عقاپ.. ماعملش معايا أي حاجة. قبلني زي ما أنا.. مش زيك انت. ماكنش زيك. انت اصلا مافيش حد زيك… انت أكتر ندل و جبان عرفته في حياتي.. انت خطيتي و غلطة عمري كله يا مراد !!!
حملق فيها مصډوما و هو يعلق
إنتي بتهرجي صح قولي إن ده مش بجد.. إنتي اعترفتي لجوزك بإللي حصل بينا يا إيمان !!
لم يكن يصدق الحماقة التي اقترفتها لكن أكدت له ثانية و الدموع ملء عينيها
أيوة اعترفت له. أمال كنت عاوزني أخدعه و أخليه يتحمل غلطة غيره انت فاكرني زيك !
هز رأسه مشدوها و ردد
إنتي مچنونة. ليه عملتي كده ليه حولتي حياتك و بإيدك لچحيم.. كان ممكن تبدأي من جديد !!
ابدأ من جديد .. عقبت بشبه صړاخ و قد أغضبتها كلماته بشدة
انت صاحي لكلامك هو انت واحد كنت اعرفه فترة و سيبنا بعض. انت من دمي و ډبحتني. نهشتني و إدتني ضهرك و مشيت.. انت خاېن !!!
لم تعطه فرصة ليستوعب فداحة فعلته على ضوء اتهاماتها و إذ نناهى لسمعه صوت جرس المصعد بالخارج تحرك بسرعة البرق و شد ذراعها بقوة و دار حول نفسه إلتصق ظهرها بصدره و حپسها بين ذراعيه و كمم فمها الباكي بكفه الآخر
سكن كليا و بقى ينصت فقط …
لحظات و سمع جرس الباب يدق مرتين.. صمت.. ثم دق مرتين
تسارعت نبضات قلبها بينما تصبب جبينه عرقا و هو يستمع إلى الصوت المنبعث من الخارج و الذي لم يكن سوى صوت أدهم محدثا نفسه
شكله نام و لا إيه.. الله يكون في عونه أكيد ماحطش منطق بعد السفر ده كله في يوم واحد !
و أرهف مراد السمع أكثر ليتبين بأن خطوات أدهم قد ابتعد بل أنه استقل المصعد و اختفى من الطابق نهائيا الآن فقط أفلت مراد أسيرته من بين ذراعيه و غمغم معتذرا بارتباك
أنا آسف.. بس انتي لازم تنزلي حالا. احنا ماينفعش نشوف بعض اصلا يا إيمان. كل حاجة بينا انتهت
لم تتحرك قيد أنملة فارتاب و استدار ليقف في مواجهتها دنى برأسه لينظر في وجهها جيدا …
إيمان.. انتي كويسة. إيمان مالك !!!
ارتفع رأسها رويدا رويدا حتى تشابكت نظراتيهما و رمقته بنظرة أفزعته من داخله ثم قالت و هي تمسح دموعها بظاهر كفها دون أن يرف لها جفن
أنا بكرهك.. وعد مني يا مراد. أنا هاحفرك من جوايا.. شكرا
ليك. عشان انت إنهاردة و أخيرا ادتني أهم سبب عشان أمحيك من حياتي… شكرا !
لم يكاد يأتي بأي فعل حتى رآها و قد إلتفتت و انطلقت كالرياح العاصفة مغادرة إياه هذه المرة و دون أن تنظر وراءها تماما كما فعل هو بها من قبل !………………………………………………………………………………………………………………………… !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
7
قلت لي ذات مرة ماذا علي أن أفعل لتكوني لي.. دعني أخبرك بهذا إذن لقد كنت دائما لك و لكن معك… لن أكون أبدا!
_ إيمان
حل الصباح و لأول مرة يبيت كلاهما متخاصمان فقد نفذت سلاف ما برأسها و عاقبته لكنه هذه المرة لم يقع في شراكها كليا لم يشأ أن يتقرب إليها ليلة أمس حتى لا تقابله بالجفاء و البرودة تحمل أن يطبق جفونه و يغفو دون أن تكون بين ذراعيه مثل كل ليلة و قرر أن يحل ما بينهما حين يستقيظا
و لكنها لم تكن بجواره الآن و قد فتح عيناه و لم يجدها في فراشه خمن فورا بأنها ذهبت إلى الصغار تثاءب أدهم و هو ينفض عنه الكسل في الحال أطفأ المنبه و قام مرتديا خفيه مضى رأسا إلى الحمام أولا أدى روتينه الصباحي و توضأ ثم خرج و عاد إلى غرفته أثناء مروره بالرواق سمع قهقهات صغاره و أمهم فابتسم
و بعد فرغ من صلاته خرج و عرج عليهم بغرفة الأطفال ليجد سلاف قد أطعمتهم و ألبستهم ملابس غير التي ناموا فيها _ كعادة كل يوم _ و ها هي تنهي تمشيط شعر طفلها الأوسط كانوا جميعهم آية في الجمال و بهجة لنظره فمكث مكانه دون أن يصدر صوت يراقبهم و هو يبتسم بحب و مودة
حتى صړخ طفله الأصغر بسعادة عندما لاحظ وجوده قام عن قوائمه و مشى كما يسير طائر البطريق وصولا إليه …
ب ب بآااااااااااااااععع !
انحنى أدهم بلحظة و حمله بين ذراعيه هاتفا
حبيب بابا. روحي. صباح الفل يا نور عيني !
كانت قافيته الشهيرة دائما في محلها متناغمة مع اسم طفله نور.. احتضنه و قبله دون أن يحيد بعينيه عن زوجته التي ما زالت تعامله بجفاف و بل أزادت عليه التجاهل فلم يجد بدا من إتخاذ الخطوة الأولى كعهده سار ناحيتها حيث كانت تجلس فوق كرسي صغير و تضع في حجرها الصغير آدم تضع له المرطبات العطرية الخاصة ببشرة الأطفال …
نور عامل إيه إنهاردة. حساسيته هديت .. تساءل أدهم بصوته الهادئ الرزين
جاوبته سلاف دون أن تنظر إليه
كويس على دراعك أهو. العلاج إللي مشي عليه كان سريع الحمدلله
تمتم إثرها الحمدلله. الله يعافيه و يحفظه هو اخواته
و قبل الصغير مرة أخرى ثم أنزله على قدميه و إلتفت لأمه
عايزك يا سلاف من فضلك !
ردت بصوتها الناعم الطبيعي و لكن باللهجة اللا مبالية نفسها
حاضر. هاخلص مع الولاد بسرعة و هاروح أحضر لك الفطار. مسافة ما تغير هدومك هايكون جاهز
أدهم بصرامة أنا مش عايز فطار. أنا عايزك.. حالا !!
و أدار لها ظهره فورا عاد أدراجه إلى غرفة النوم و انتظرها هناك و هو يقف مستعرضا محتويات خزانته لم تمر دقائق إلا و أتت إليه في الحال كما أمرها …
نعم !
انبعث صوتها ناعما من خلفه فلامسه بنفس ذات النعومة و جعله تواقا أكثر إليها تنهد أدهم و إلتفت نحوها.. كانت تقف أمامه بمنتهى الأريحية كما لو أنها لم تضايقه أبدا مم استفزه
لكنه كظم غيظه من جديد و تحدث برفق
تعالي يا سلاف.. قربي عندي
أطاعته و مشيت إليه وئيدا حتى وقفت قبالته تطلعت إليه بشجاعة فظل فقط ينظر إليها لبضع لحظات دون كلام تنهد من أعماقه و هو يرفع كفه ليحط به جانب وجهها قائلا بلطف
هانوصل لفين يا سلاف في كل مرة نختلف فيها. ليه الخلافات بتاخد أكتر من قيمتها. بدل حبنا.. ليه مش هو إللي يتغلب على عنادك. ليه بتتعمدي تقسي كده و أنا عمري ما قسيت عليكي !
رفعت حاجبيها و رددت بذهول
لأ بجد. و الله.. انت عمرك ما قسيت عليا يا أدهم انت بتكدب يا دكتور أمال إللي عملته فيا إمبارح على السلم ده كان إيه !
عبس بتأثر متمتما
ماكنش قصدي. إنتي عارفة.. أنا في الأساس مابستحملش أشوف فيكي أي سوء. إزاي ممكن تفكري إني آذيكي يا سلاف !
بالفعل أقرت بصدق قوله فهو الوحيد من بعد والديها و جدتها المرحومة الذي حملها حرفيا في قلبه و عاملها بأبوة في المقام الأول قبل أن يكون زوجها و لكن لا يمكنها أن تتغافل أيضا عن عما فعله ليلة أمس كان جديدا و لا تريده أن يتكرر حتى و لو كان بدون قصد …
كانت ستقول له ذلك لكنه استبقها بالقول
و بعدين اسلوبك كله غلط. يعني إيه تفرضي عليا عقۏبة كل ما تحصل بينا مشكلة أنا دايما بحاول أحل معاكي أي حاجة و إنتي كالعادة بتعندي. ليه بتعملي معايا كده. بتبقي مبسوطة لما كل واحد فينا يكون في طرف. ده بيعجبك.. ردي من فضلك يا سلاف !!
كان السأم المرير يجلل قسماته الوسيمة بشكل أنساها ڠضبها منه محيى كل شيء و لم يبقى أمامها سواه أثار حقيقته بداخلها و ماذا يعني لها زوجها أدهم يمثل لها الهواء الذي تتنفسه قلبها ينبض لأجله و لا تتخيل حياتها بلاه
جاءت ردة فعلها مندفعة.. حيث شبت على أطراف أصابعها و تعلقت بعنقه و مقبلة إياه بكل حبها و شوقها الدائم إليه …
طفا تجاوبه معها في اللحظة نفسها أخيرا ذاب الجليد و ألقت أسلحتها أسرع مم توقع هذه المرة كان بينهما تلهف وصب رغبة سافرة… و لكن !
الولاد !!! .. غمغمت سلاف بين قبلاتهما
همس لها أدهم بأنفاسه الرطبة الساخنة
أنا مش نازل طول النهار. و ماما مش هاتقول حاجة. دلوقت أكلمها تاخدهم عندها و نقضي الوقت ده كله لوحدنا.. إيه رأيك
توردت خجلا و هي تبتسم ثم قالت على استحياء
أوكي. حطهم في العربية بتاعتهم و نزلهم في الأسانسير.. و أنا. أنا هاخد شاور بسرعة و أرجع لك
ابتسم بدوره و قال بحماسة و هو يستل هاتفه ليحدث أمه
تمام. بس لو اتأخرتي عليا إنتي حرة. هاجي لك ناخد الشاور سوا !
لم تستطع تمرير مزحته الجدية كما تعلم ضحكت بانطلاق و شقاوة و ركضت بسرعة من أمامه أما هو و قد استعاد إشراقة وجهه و نشاطه زفر بارتياح شديد و مضى مسرعا ليحضر صغاره للنزول إلى جدتهم …
كان عبء ثقيل عليه أن يلتقي بها مجددا و خاصة بعد مواجهة البارحة
مرة أخرى مدى غبائه حين قرر العودة إلى هذا البيت كان قد قطع صلته به مثلما قطعها معها منذ تلك الليلة لكنه تحامق و عاد.. ما الذي توقعه
ألن يأتي ذلك اليوم الذي يتواجها فيه
يا له من أبله حقا
و ها هو يكرر نفس الخطأ و يذهب إلى حيث هي بقدميه …
صباخ الخير يا خالتو !
ارتاح كثيرا لأن التي قابلته عند
باب الشقة هي خالته و ليست هي
استقبلته أمينة بابتسامة ملء وجهها و دعته فورا للدخول
صباح الفل يا حبيب خالتك. خش يا حبيبي. أنا كنت لسا هاطلع أشوفك صحيت و لا لأ. الفطار جهز خلاص ..
لبى مراد دعوتها و دلف مطرقا رأسه تحسبا و قلقا من لقاء إيمان.. لكنه دحض مخاوفه عندما علا صوت خالته متجهة إلى رواق الغرف
الله يخليك يا مراد يا حبيبي تقف بس
عند الأسانسير تقابل ولاد أدهم و تجيبهم على هنا على ما أدخل أصحي إيمان !
و كأنه طوق الإنقاذ صاح من مكانه
أكيد حاضر يا خالتو. طالع أهو
و هرول إلى الخارج ثانية ليأتي لها بصغار أدهم الثلاثة فتح باب المصعد حين وصل إلى الطابق فإذا بالصغار متراصين بجوار بعضهم داخل عربتهم العريضة استقبلهم مبتسما و أسند الباب بقدمه ريثما يتمكن من إدارة العربة ليخرجهم
و قد نجح في وقت وجيز دفع بهم على مهل للداخل و هو يتأملهم لأول مرة مرددا بحبور و حنين للشعور الذي يفتقده بشدة
الله أكبر. ما شاء الله. ما شاء الله !
و أجفل فجأة حين عادت خالته راكضة شاحبة الوجه …
إلحقني يا مراد !!
فزع مراد من حالتها و سألها من فوره
إيه حصل إيه !!
أمينة بهلع كبير
إيمان مش في أوضتها لا هي و لا لمى. و دولابها فاضي.. إيمان سابت البيت ! ………………………………………………………………………………. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
8
هربت لأنك لو بقيت أمامي أكثر فإني أخشى أن يغويني شيطاني و أخطئ من جديد هربت لأنني ما زلت أحبك !
_ إيمان
طالع مراد خالته مشدوها للحظات قبل أن يدفعه عقله للحديث أخيرا
يعني إيه سابت البيت هي متعودة تمشي فجأة كده !
هزت أمينة رأسها نفيا
لأ يابني طبعا. إيمان عمرها ما عملتها !!
طيب إيه العمل دلوقت. أكلم أدهم ينزل يدور عليها ! .. و هم بإخراج هاتفه ليجري الاتصال
استوقفته أمينة فورا
لأ ماتتصلش بأدهم. سيبه ماتزعجهوش.. أنا هاكلمها الأول
و استدارت باحثة عن هاتفها الخلوي سرعان ما وجدته فوق طاولة جانبية أمسكت به و عبثت فيه لحظات ثم وضعته على أذنها و انتظرت
لم يطول إنتظارها إلا و صاحت ملتاعة
إيمان… إنتي فين يابنتي روحتي فين يا إيمان ردي عليا…. إيه و إيه إللي وداكي عند راجية.. طيب إزاي تمشي كده منغير ما تقولي لحد… لأ يا إيمان إللي عملتيه مايصحش أبدا. أقول إيه لأخوكي لما يسأل عنك… طيب هاترجعي إمتى.. ماشي يا إيمان. ماشي !
و أقفلت الخط معها مطلقة تنهيدة عميقة …
نظرت إلتفتت نحو مراد ثانية و قالت
الحمدلله على الأقل اطمنت عليها ..
تساءل مراد بتردد
خير يا خالتو حصل إيه
خير.. قامت الصبح بدري على رسالة من عمتها راجية. أم المرحوم سيف أبو لمى. كلهم كان نفسهم يشوفوها هي و البنت وحشينهم. ف لمت هدومهم و راحت تقعد لها كام يوم عندهم
طيب الحمدلله طلع الموضوع بسيط ! .. علق مراد مرتاحا و تابع بضحك متوتر
أنا كنت مفكرها مشيت بسببي يعني
أمينة ببلاهة متعمدة
و هي هاتمشي بسببك ليه يا مراد !
تندى جبينه و هو يجاوبها هاربا بعينيه من نظراتها الثاقبة
يعني. ممكن تكون مش واخدة راحتها في وجودي.. و عندها حق بصراحة. أنا ماكنش ينفع أطب عليكوا كده و أقلب نظام البيت !
إرتفعت زاوية فمها و هي ترد بشيء من التهكم
بتتكلم كأنك حد غريب عننا. أنا فاكرة إنك انت و إيمان كنتوا قريبين من بعض في يوم من الأيام …
و هنا نظر مراد إليها أجفل مرتبكا بادئ الأمر لكنه ما لبث أن قال بثبات متكلف
صحيح. كنا صغيرين و بتربط بينا صداقة قوية.. و لحد إنهاردة. إيمان غالية عليا أوي
تنامى صمت سحيق بينهما لدقيقة كاملة لم يتخلى مراد عن هدوئه إلى أن دعته أمينة بآلية و هي تدنو من عربة الصغار لتحررهم و ينطلقوا في أرجاء الشقة
طيب يلا على السفرة. الفطار لو استنى أكتر من كده مش هايتبلع.. و أنا عارفاك. بتحب الحاجة طازة. فريش يعني
تأكدت من سلامة الصغار الثلاثة ثم مشيت أمامه فتبعها وصولا إلى حجرة الطعام أشارت إليه ليجلس على رأس المائدة ففعل و جلست هي إلى جواره بدأ كليهما في تناول الفطور و انتظرت أمينة بتمحيص مدروس حتى ابتلع بضعة لقيمات كافية ليستقبل حديثها التالي …
قولي صحيح يا مراد ! .. تكلمت أمنية بلطف و هي تصب له فنجان الشاي
انت صحيح ناوي ترجع مراتك
توقف مراد عن المضغ ثوان ثم قال و هو يرفع ناظريه إليها
و الله يا خالتو أنا جاي لأدهم مخصوص عشان كده. أنا عملت غلطة كبيرة أوي لما طلقتها.. بس لسا عندي أمل. و أيوة.. عاوز أرجعها. أنا بحبها !
احتقن وجهها بالډماء في هذه اللحظة سيطرت على أعصابها بجهد و قد جمدت أصابعها حول دورق الشاي الخزفي استرعى ذلك إنتباه مراد.. لكنه آثر الصمت
و فجأة وضعت أمينة كل شيء من يدها ثم أسندت ذقنها إلى يديها و هي تصوب نحوه نظراتها الآن …
لما انت بتحبها أوي كده. إيه إللي جابك لحد هنا تاني كان ممكن تطلب أدهم يجي لك. ليه تيجي لحد هنا و تخلي إيمان تعيش خيبة الأمل تاني !
حدق فيها مصعوقا و قال بصعوبة
إنتي. إنتي عارفة يا خالتو
أمينة بحدة طبعا عارفة.. عارفة كل حاجة من زمان يا مراد !!!
تضاعفت صډمته و شخصت عيناه على الأخير إنتابه الخرس تماما بينما تعاود الحديث قائلة
من أول يوم و بنتي عمرها ما دارت عني حاجة. قالت لي إنها بتحبك من أول يوم يا مراد. و إنك انت كمان بتحبها حسب قوالتك ليها.. و تعرف سيبتكوا ليه على كده لأن ثقتي في بنتي مالهاش حدود. و متأكدة دايما إنها لا يمكن تعمل حاجة غلط أبدا.. بس تعرف بردو أنا طلعت غلطانة. لأن إللي حصل بينكوا زمان ده كان لعب عيال. و كان لازم أفهم إنه مش هايوصل لأي حاجة غير حسرة و ۏجع قلب بنتي.. و انت فوق إللي عملته راجع تكمل عليها. و أنا إللي فكرت إنك عقلت و رجعت عشانها !!!!
استغرقه الأمر كله بعض الوقت ليدرك مقاصد خالته بوضوح و قد تبين له بأنها لم تكن تعني بأنها تعلم ما جرى بينهما لا زال السر محفوظا و لا أحد يعلمه سوى هو و إيمان و زوجها الراحل العلاقة الحمېمة التي أقاماها في لحظة طيش… لا زالت طي الكتمان !!
يا خالتو أنا عمري ما خدعت إيمان ! .. غمغم مراد و الخجل يتآكله
لم يستطع النظر بعيني خالته الآن و هو يكمل
زي ما قلت لك كنا صغيرين. و أنا حبيتها بجد و الله.. و لسا بحبها. لكن طريقنا اختلف من زمان. أنا و إيمان ماينفعش نمشي سكة واحدة. و ده في الأصل سبب إنفصالنا. إحنا طول عمرنا مختلفين !
ظلت أمينة ساكنة لبرهة تتمعن
كلماته ثم أومأت متقبلة قراره الأخير و نتيجة محاولتها معه لأجل ابنتها و قالت بهدوء
ماشي يا مراد.. إللي تشوفه طبعا. و مقدرش أقول غير ربنا يوفقك في حياتك مع أي واحدة تختارها.. انا بردو أبقى خالتك. في مقام أمك يا حبيبي …
ثم قامت فجأة هاتفة
أقعد انت كمل فطارك. أنا هاروح أشوف على ولاد أدهم
و لكنه استبقاها مسرعا
لحظة واحدة يا خالتو من فضلك …
قام بدوره عن المائدة و أتى ليقف أمامها عبس مطرقا برأسه و هو يقول بصوت أجش
أنا كده كده مش مطول هنا. و ماشي إنهاردة بعد القاعدة إللي اقترحها أدهم.. كلمي إيمان و قوليلها ترجع البيت. أنا عارف إنها مشيت بسببي… عن إذنك !
و لم ينتظر ردها ولى هاربا بسرعة …
بضاحية ما بمدينة القاهرة …
يصل عثمان البحيري إلى العنوان الذي بعثه إليه صديقه برسالة مقتضبة يجد صالح ينتظره أسفل البناية المتواضعة
ما إن رآه يترجل من سيارته حتى مضى صوبه مسرعا و هو يهتف
أخيرا وصلت.. أنا واقف ملطوع هنا بقالي ساعتين و شوفت الزفت مراد و هو طالع. كنت هارتكب چريمة لولا مسكت نفسي
يغلق عثمان سيارته وهو يرد عليه ببروده المعهود
ياريت بقى تمسك أعصابك أكتر عشان لسا التقبل جاي. أنا ماكنتش عايزك في القاعدة دي أصلا. ف ماتخلنيش أندم .. و مشى نحو بوابة البناية
تبعه صالح مغمغما بغيظ
إنت شايفني عيل صغير ماشي هاسيبك إنت تتكلم و أما نشوف أخرتها !
عثمان بضجر شاطر. ورايا بقى من سكات !
دقيقتان و كانا قد وصلا إلى الطابق الأخير حيث صارا أمام غرفة مشيدة بالطوب و الحجارة يكسوها طلاء مريح للبصر و يتوسطها باب خشبي مصقول غامق لونه
كان الباب مفتوحا عن آخره لكن عثمان لم يرى شيئا خلفه مجرد ضوء أصفر مشع بالداخل فسار للأمام يجاوره صالح حتى صارا عند الباب تماما …
دق عثمان عليه و هو يمد رأسه مستطلعا …
سلام عليكوا ! .. صاح عثمان بصوته القوي
آتاه صوت رجولي أجش على الفور
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.. اتفضلوا !
مد عثمان ساقه و ولج و هو يحث صالح على إتباعه رفع نظراته مستكشفا ليرى صديقه و رجلا آخر وجهه غريب عليه لا يعرفه إطلاقا لكنه بدا سمحا و إمارات الورع تتجلى على ملامحه العذبة الهادئة.. كانا يجلسان أمامه فوق آريكة صغيرة بنهاية الغرفة الأشبه بغرفة مكتب أنيق و قديم الطراز فتوقف عثمان عند نقطة معينة و أشار لصالح ليقف هو الآخر
تطلع عثمان إلى صديقه الجالس هناك على بعد خطوات منه عابس الوجه متوترا و تساءل بجمود و هو يشير لذلك الشخص الغريب الذي يجلس إلى جواره
مراد باشا ! ممكن أعرف مين الأستاذ
و هنا يرد الرجل ذو الوقار و الرصانة المٹيرة للإعجاب نيابة عن مراد المتأهب للإڼفجار كبركان بأي لحظة
أنا الشيخ أدهم عمران.. إتفضل يا أخي لو سمحت. كنا في إنتظارك !
في هذه اللحظة تبادل كلا من عثمان و صالح النظرات و قالا في صوت واحد
شيخ !!!
جحظت عيني إيمان و هي تستمع إلى كلمات أمها كابحة إنفعالها لكي لا يسمعها أحد في الخارج
إزااااااي تعملي كده يا ماما.. مين قالك تقولي كده لمراد !
يعني كنتي عاوزاني أعمل إيه. وأنا شايفاكي مقهورة و بالذات لما جه. قلت أحاول مرة أخيرة يابنتي.. على الأقل عشان ربنا مايحاسبنيش عليكي
إنتي عارفة عملتي إيه إنتي رميتي إللي باقي من كرامتي في الأرض. حرام عليكي يا ماما
ماتكبريش الموضوع يا إيمان بقى. ماحصلش حاجة. كانوا كلمتين و راحوا لحالهم.. خلاص. بصي المهم دلوقتي تاخدي بعضك انتي و بنتك و ترجعوا دلوقتي حالا. لسا أخوكي أدهم واخده و راحوا المضافة بتاعة أبوكي. أخوكي سأل عليكي و قلت له بتزوري عمتك. مش هاينفع يرجع مايلاقكيش هنا !
دق باب غرفتها المخصصة فاضطرت لقطع المكالمة و استدارت و الدموع ملء عينيها الواسعتين
فإذا بها تجد مايا أمامها.. مايا شقيقة سيف و عمة صغيرتها لمى …
إيمان ! .. هتفت مايا بعفوية
يلا الغدا جاهز
أومأت لها إيمان و قالت بصوت أبح
حاضر يا مايا جاية وراكي
قطبت الأخيرة حاجبيها و هي تشير ناحيتها بذقنها
إنتي معيطة و
لا إيه يا إيمان !
لم تنكر إيمان.. لكنها اختلقت كڈبة و هي تكفكف دموعها بظاهر يدها
أيوة. شوية.. أصلي افتكرت سيف الله يرحمه. وحشني أوي يا مايا !
تأثرت مايا كثيرا و دلفت إليها بدون مقدمات عانقتها و شاطرتها حزنها المفتعل متمتمة بحزن شديد
إنتي عارفة كل ما بيوحشني بعمل إيه ببص في عيون لمى. و بحضنها جامد. لمى حتة من سيف يا إيمان.. لمى هي سيف. مش بيقولوا إللي خلف مامتش !
تنهدت إيمان بحرارة و ابتعدت عنها مايا.. ابتسمت لها و دعتها ثانية
يلا عشان الغدا. كلنا ماستنيينك !
بادلتها إيمان الابتسامة و قالت
حاضر.. بس أنا مضطرة أمشي بعد الغدا علطول. لازم أرجع البيت
مايا باحباط ليه كده بس يا إيمان.. هو لحقنا نشبع منكوا
إيمان متأسفة معلش يا مايا. ماما تعبت و سلاف كلمتني من وراها.. لازم أكون جمبها !
جلس كلا من عثمان و صالح إلى مقعدين متجاورين بينما يجلس مقابلهما ذلك الرجل المهيب ذو اللحية السوداء الكثة المشذبة بعناية و مراد الذي ما زال صامتا حتى الآن و لم ينطق بحرف …
هذا السكون الثقيل قد بدأ يوتر الأجواء حتى أن بعض تململ أصاب صالح و شعر بأنه قاب قوسين أو أدنى من فقدان سيطرته على نفسه.. إلا أن صوت المدعو أدهم سرعان ما برز قالبا موازين الجلسة إلى صالحه فقط …
منورين مكاني المتواضع يا سادة ! .. قالها أدهم بصوته القوي مزيدا الترحيب بضيوفه
رد عثمان التحية بنفسه و نيابة عن إبن عمه الغضوب
بنورك يا دكتور أدهم. متشكرين أوي على حسن إستقبالك لينا و خاصة إننا أغراب عنك
أدهم معاتبا بحليمية
عيب تقول كده يا أستاذ عثمان. مراد ده يبقى إبن خالتي حتى لو مش بنشوفه إلا كل كام سنة مرة .. و ضحك مكملا
و حضرتك تبقى صاحبه و صديق عمره زي ما حكالي. يعني تقريبا بقيت مننا و علينا زي ما بيقولوا
صحح كلامك يا أدهم من فضلك ! .. صاح مراد بحدة فجأة
تركزت الأنظار عليه ليتابع بنفس الإسلوب
الصداقة دي كانت في الماضي و خلاص خلصت.. أنا صحابي رجالة. مش ژبالة و أنجاس زيه !
يتمالك عثمان أعصابه بصعوبة عندما سمع هذا الكلام يخرج من فم صديقه المقرب لأول مرة بينما يلتفت أدهم نحو مراد موبخا
مراد ! إحنا قولنا إيه القاعدة دي إتعملت عشان نحل الموضوع مش نعقده و نجرح في الناس كده منغير ما نفهم كل حاجة كويس
مراد بسخرية إنت فاكر إن ده بيتجرح ده أبرد من لوح التلج. ده يجيبلك شلل و إنت قاعد صلى عالنبي يا أدهم إنت ماتعرفوش أدي
أدهم بهدوء عليه الصلاة و
السلام.. يا سيدي طبيعي ماعرفوش و إنت تعرفه أكتر مني عشان صاحبك. بس لازم نتكلم و نتناقش بالمعروف. دي مش طريقة يا مراد إهدا عشان تفهم
يقطب مراد جبينه بشدة مغمغما
أنا مش طايقه. مش طايق أي حاجة تيجي من ناحيته. و مش عارف يا أدهم إنت صممت على القاعدة دي ليه ده واحد قذر عايش طول عمره في نجاسة و قرف و ماستبعدش أبدا إنه يكون غوى بنت عمه و إنهم إستغفلوني هما الإتنين
في هذه اللحظة لم يستطع صالح كبح نفسه أكثر فقفز واقفا لينقض على مراد بلمح البصر فيكيل له الضړب و اللكمات العڼيفة …
يهب على الفور كلا من عثمان و أدهم للحؤول بينهما و رغم أن ذلك كان صعبا بادئ الأمر خاصة و أن مراد إستطاع أن يتغلب على صالح في لحظة و كاد ينال منه.. ألا أن عثمان حال دون ذلك و أمسك بتلابيب إبن عمه و إجتذبه پعنف صائحا
تعالى هنا ! إنت إتجننت إثبت. إرجع مكانك و إوعى تتحرك سامعني يا إما تنزل تستناني تحت !
يتراجع صالح مذعنا لأمر عثمان.. لكن ما زال غضبه يتفاقم فيدس يده يجيب سترته و يخرج قارورة الكحول الفضية التي يحملها دائما و بدون مقدمات يفتحها و يفرغ منها بقوة داخل جوفه …
بنفس اللحظة أدهم يترك مراد بعد أن ضمن سيطرته على نفسه يلتفت فيرى صالح يتجرع هذا الشيء فتجحظ عيناه و هو يصيح بلهجة مھددة
إنت بتشرب إيه يا بيه
أبعد صالح القارورة عن فمه لينقل نظراته بينها و بين ذاك الذي أطلق سؤاله الساذج بالنسبة إليه ثم يرد بمنتهى البساطة
تيكيلا !
خمړة !!! .. هدر أدهم پغضب شديد
براااااا. إطلعوا براااااااا كلكوا !!!
حاول عثمان أن يهدئ أدهم عبثا لم يستطع التفاهم معه إذ كان مصمما على طردهم و بدا أن لا نقاش سيجدي معه.. ورغم شدة إضطراب عثمان إلا أنه أصر ألا يخرج من هنا إلا بالحل النهائي فهداه عقله إلى تصرف يرضي مضيفهم
ليلتفت نحو إبن عمه بوجهه المحتقن ڠضبا يدفع به إلى خارج الغرفة بطريقته الھمجية ليخفف من ڠضب أدهم عليهم.. و هكذا طرد صالح و أمره بالبقاء في الأسفل ريثما يهبط إليه ثم عاد إلى المجلس الصغير و قال و هو يعدل هندامه الذي تشعث كليا إثر هذه الفوضى
إللي إنت عايزه يادكتور أدهم.. ماتزعلش نفسك. صالح مشي خالص. ممكن بقى نتكلم في المفيد أنا سامع !
أغمض أدهم عيناه مطلقا زفيرا مشحونا و قال بجفاف شديد
أستغفر الله.. بص يا أستاذ عثمان. إنتوا بصراحة ماتشجعوش على أي نقاش. لسا ردود أفعالكوا هوجاء و طايشين و ده ماينفعش. إذا كنت إنت و لا إبن خالتي إنتوا الإتنين غلطانين !
عثمان بصلابة أنا مش جاي أسأل مين الغلطان يا دكتور. أنا جيت عشان حضرتك كلمتني و قولتلي جايز الموضوع يتحل.. أنا عايز أعرف بقى هايتحل إزاي
صمت أدهم قليلا يستجمع عقلانيته كاملة ثم أشار نحو مراد قائلا
البيه ده لسا بيحب بنت عم حضرتك و عايزها و ندمان على إللي عمله. سيبك من كلامه ده. أنا متأكد من إللي بقوله هو بس كان رافض يصارحني عشان رجولته ناقحة عليه أوي !
عقد عثمان حاجبيه ممعنا النظر بكلماته تطلع إلى صديقه فوجده يجلس نفس الجلسة المتوترة و منكمشا على نفسه بطريقة مضطربة …
بعد تأمله لبرهة بدأ يقتنع بأقوال أدهم نوعا ما لكنه عاد يقول له بجدية
الكلام ده جميل. و من ناحيتي أقسملك بالله إن مافيش حاجة حصلت بيني و بين بنت عمي و إنها طول عمرها زي أختي. و طبعا رجوعها لمراد شيء هايبسطنا و يريحنا كلنا.. بس إزاي يا دكتور !!
أدهم بجدية مماثلة
ده إللي كنت عاوزك فيه.. مراد زي ما قولتلك رافض يصارحني. هو قالي إنه طلقها أكتر من مرة. بس بيلف و يدور عليا مش عايز يقولي كام مرة بالظبط
3 مرات يا دكتور ! .. أجابه عثمان بصرامة
عبس أدهم قائلا بلهجة متشددة
متأكد !
أومأ عثمان متأكد
و هنا ساد صمت مريب فتململ مراد قلقا و رغما عنه تطلع نحو أدهم منتظرا رده.. فلم يجعله ينتظر طويلا …
كده يبقى الموضوع منتهي !
مراد بتوتر يعني إيه منتهي يا أدهم !!
نظر أدهم له و قال بصوته القوي
يعني خلاص متحرمة عليك يا مراد. لازم محلل.. و المحلل عندنا في الدين لو بغرض الرجوع للزوج الأولاني محرم لقول النبي صلى الله عليه و سلم لعڼ الله المحلل والمحلل له
طيب ما هو زواج المحلل مش محرم يا دكتور ! .. قالها عثمان مستفهما
إلتفت أدهم إليه ليكمل موضحا
في ناس كتير بتعمل كده. أعتقد إنه شيء مكروه في الدين لكن مش محرم !
رفع أدهم حاجبيه مدهوشا من تفكيره و جداله حتى بعد أن آتاه بالبينة …
أراد أن يبرهن له أكثر على صحة كلامه لكنه أمسك بآخر لحظة و عوض ذلك قال بغلظة
حتى لو ده ينفع.. أعتقد مافيش راجل يقبلها على نفسه !
عثمان بتساؤل يقبل إيه بالظبط الجواز و مين الزوج و لا المحلل !!
أدهم بحدة الإتنين. و بعدين ده مش مجرد جواز على ورق.. شروط المحلل عشان ترجع للزوج الأول ماتطلقش حتى يذوق عسيلتها و تذوق عسيلته.. ده حديث عن النبي بردو
مراد بقلق أكبر
يعني إيه الكلام ده يا أدهم !!!
نظر أدهم إليه من جديد و فسر له بمنتهى الصراحة
يعني المحلل ده لازم يدخل عليها يا رايق عشان ترجعلك !
جحظت عيني مراد پصدمة و ما لبث أن نقل ناظريه نحو عثمان و كأنه أخيرا يناشده الحل و المساعدة …
إلا أن عثمان لم يكن هنا أبدا كان يفكر بعمق… بمسألة حساسة جدا للغاية ! …………………………………………………………………………………………………………………………………………………….. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
9
لا تنظري هكذا أرجوك تحطمين قلبي بدموعك.. هي ما لا أتحملها!
_ مراد
كانت حجته للفرار بعد أن أوصل ابن خالته عند المنزل أنه ينقصه بضعة أغراض سيذهب لشرائها بشكل عاجل و رغم أن القصة التي اختلقها لم تنطلي على أدهم.. لكنه عرف بأن الأخير يريد أن يتخذ مساحة و يبقى بمعزل و لو قليلا
و هو ما يحق له خاصة بعد كل ما جرى طوال الأمسية الصعبة عسير عليه أن يدرك بأن المرأة التي أعجب بها و اختارها بمحض إرادته و جعلها زوجته من بين عشرات الفتيات حتى أنه فضلها على المرآة الوحيدة التي أحبها من أعماقه و لبث سنوات يقنع نفسه بالعكس لماذا
لأنها استسلمت له لأنها منحته كل شيء مرة واحدة و من دون تردد قال في نفسه ما فائدة الزواج.. إن كان قد أخذ ما يريد من دونه !
ما فائدة أن يرتبطا و هما قد ارتبطا بالفعل.. حتى و لو تمت العلاقة بينهما مرة… لكنه نالها و انتهى
الفاكهة المحرمة لقد حقق مآربه و تذوقها ما حاجته لامتلاكها و قد امتلكها.. تلك كانت مبرراته.. كان مقتنع بها لكن هل لا
يزال !
لقد وجد نفسه فجأة في الخلاء مجردا من كل أسلحته و دفاعاته بعد أن تخلت عنه الأخرى التي إلتمس فيها السلوى و العشق أيضا.. اتضح بأنها لا تحبه أبدا… لقد أقتص القدر لحبيبته الوحيدة منه بفعلة زوجته التي طعنت رجولته في الصميم لقد أخذت بثأرها بالفعل ليتها تدرك ذلك !!
يتوقف مراد أمام حانة شهيرة بوسط المدينة ترجل من سيارته و أغلقها بضغطة زر ثم مضى نحو الواجهة المضيئة الملونة دلف إلى الداخل و هدفه واضح و محدد من البداية لن يذهب إلا و هو يترنح من الثمالة …
بقيت واقفة خلف باب غرفتها الموارب تستمع إلى حديث أخيها و والدتها بالغرفة المجاورة كانت ترتجف لشعور غريب لا تفهمه يعتمل بصدرها …
يعني خلاص ماعادي في رجوع
رجوع إزاي بس يا أمي. ما قلت لك طلقها 3مرات. مافيش رجوع.. هو بقى لازم ينسى الموضوع ده و يشوف حاله
يشوف إيه يابني انت أصلك مش
عارف.. بيحب مراته يا أدهم
طليقته. طليقته يا أمي.. أنا عارف إنه بيحبها. و عارف إنها صعبة عليه. لكن خلاص السهم نفد. و دي حدود الله. لازم يقتنع و يشيلها من دماغه نهائي
طيب هو فين ماجاش معاك ليه !
وصلني و قال هايلف شوية بعربيته يجيب شوية حاجات. أنا طبعا عارف إنه مخڼوق و محتاج يروح عن نفسه. عشان كده سيبته يعمل إللي عاوزه.. هايروح فين. شوية و هايرجع ماتقلقيش
أمه كلمتني إنهاردة.. مش عارفة تكلمه خالص !
كلميها طمنيها. إن شاء الله ربنا هايصلحه.. أنا حاسس بكده
إلهي يسمع منك يا أدهم
طيب يا حبيبتي.. أنا طالع بقى. ألحق الولاد قبل ما يناموا. اليومين دول متعلق بيهم شويتين زيادة و بيوحشوني
لا يا واد.. هما بردو إللي واحشينك. عشان كده سربتهم عندي الصبح.. عليا أمك يا أدهم !!
جرى إيه بس يا أمي.. بلاش إحراج. و ياستي أيوة الولاد و أمهم واحشني علطول.. بحبهم
الله يبارك لك فيهم يا حبيبي و مايحرمهمش منك أبدا.. ماشي يا قلبي. يلا تصبح على خير …
توارت إيمان مسرعة حين سمعت خطوات أخيها أطفأت ضوء غرفتها و بقيت تنتظر ريثما غادر الشقة كلها تنفست الصعداء و أشعلت مصباح خاڤت الإنارة ثم مضت بخطوات ثقيلة نحو الفراش جلست بجوار صغيرتها النائمة كالملاك في بيجامتها القرمزية الرقيقة.. ابتسمت و هي تمد كفها لتمسح على شعرها الناعم بحنان
و بغتة أتى على خاطرها حديث مايا اليوم.. تذكرت كلماتها التي تشير إلى شدة تشابه الطفلة لمى بأبيها الراحل سيف… كانت واثقة من هذا كثيرا !
لكن.. حتما إن مايا مخطئة فالصغيرة لا تشبه أباها البتة بل الحقيقة أنها تشبه مراد !!!!
رغم أنه ليس والدها و أنها ولدت بعد حاډثة أمها معه بتسعة أعوام زمن طويل.. لكن للغرابة أنها تحمل ملامحه أكثر عينيه الرماديتين لونه البرونزي تمويجة شعره الناعمة و تعبيرات وجهه حين يضحك و حين يغضب
كان شيئا عجيب لو تزوجت بعد ذهابه مباشرة لظنت أن طفلتها منه هو و ليس من سيف الذي على قدر عشقه له قد أذاقها ألوان و سجايا العڈاب النفسي و الجسدي في آن واحد …
انتبهت إيمان لدموعها الجارية على خديها عندما تناهى إلى سمعها صوت موتور سيارته كفكفت دموعها بظاهري يديها بسرعة و قامت قفزت صوب النافذة و تطلعت من وراء الستار فإذا به يخرج من سيارته متعثرا في خطاه كان يتكئ قليلا بيديه على باب السيارة المغلق و كأنه يختبر إتزانه.. ثم رأته يمشي للداخل و اختفى
لا تنكر إنقباضة قلبها عليه إذ لأول مرة تراه على هذه الحالة لا تعلم به أهو متعب أم ماذا
و في ظرف آخر غير الذي رأته كانت لتفعل ما برأسها أيضا كانت لتذهب عنده و تظهر الشماتة به إنه يستحقها بعد ما فعله بها.. أخيرا صار معه نفس الشيء
أخيرا ها هو يتألم و يعاني كما عانت و لا تزال تعاني
بدون تفكير سحبت إيمان غطاء رأسها و الشال الأسود الذي تتدثر به خارج غرفتها في خضم هذا البرد القارس ثم مثل المرة الفائتة خرجت بخطوات صماء …
يجب أن تحمد الله كثيرا و تشكره على تلطفه بها بالرغم من الكبائر التي اقترفتها و لكن يبدو أنها تتطهر منها بمۏت ابنها البكر و مفضلها سيف.. ثم بمرضها الذي أبقاها طريحة الفراش بمشفى للأمراض العقلية لمدة عامين كاملين
صحيح أنها شاخت كثيرا بالنظر إلى عمرها و لكنها بصحة جيدة حتى لو كان الحزن قد غيرها و جعلها أكثر انعزالا و انطوائية
دق باب غرفتها و قد كانت تقرأ في المصحف الخاص بها أنهت الآية التي تقرأها ثم أغلقت دفتي الكتاب الشريف و هتفت و هي تنظر جهة الباب
ادخل !
إنفتح الباب ليدخل ابنها الشاب مالك مبتسما
نعم يا ماما. مايا قالت لي إنك عايزاني أول ما وصلت !
أشارت راجية برأسها
تعالى يا مالك. اقفل الباب وراك و تعالى
فعل ما طلبته منه و جاء ليجلس أمامها على طرف السرير دنى منها أولا و قبلها على خدها متمتما
اخبارك إيه يا حبيبتي.. وحشتيني
غضت راجية الطرف عن مداعبته الودودة و سألته مباشرة
كنت فين كل ده برا يا مالك
كنت قاعد على القهوة مع اصحابي. كان في ماتش إنهاردة عشان كده اتأخرت شوية
انا بسألك ! .. قالتها بابتسامة عطوفة
مش بحقق معاك. أنا بطمن عليك يا حبيبي.. بقيت راجل و ملو هدومك. بس في نظري هاتفضل ابني الصغير
بادلها الأخير نفس الابتسامة و حنى رأسه ليطبع قبلة على يدها ثم عاود النظر إليها و قال
ماما انتي تعملي إللي يعجبك. اسألي حققي.. براحتك يا حبيبتي
تنهدت و هي تمسح بيدها الأخرى على رأسه …
في موضوع مهم عايزاك فيه.. موضوع متعلق بحياتي يا مالك
اختفى كل مظهر من مظاهر الاسترخاء من وجهه ليحل العبوس الكامل و يسألها بصوت أجش بعد ذلك
خير يا ماما.. إتكلمي من فضلك !
كان يرتقي الدرج من دون المصعد هذه المرة على أمل أن يشعر پألم في جسمه المتثاقل عوض آلام روحه كان يذرف الدموع لأول مرة بحياته يشعر بالهزيمة الضياع.. و أنه بلا مأوى
هكذا وصولا إلى الشقة التي منحه إياها أدهم مؤقتا و لكن المفاجأة غير المتوقعة في هذه الساعة أن يراها هنا في انتظاره.. على ما يبدو …
إيمان ! .. نطق اسمها بأحرف غائمة
كانت صورتها تهتز أمامه بينما اشتد قلقها عليه فالنظر إليه من على قرب يظهر مدى حالته المزرية و لعلها لم تفهم ما أحل به و هي ترى تلك الزجاجة الشفافة بيده …
بتعملي إيه هنا !
بدا لها صوته غريبا كشكله لكنه كان يترنح يمنة و يسرى كان و كأنه معرض للسقوط و كان قلبها رهن إشارة منه لا يمكنها أن تراه بحاجة لمساعدتها و تعرض عن هذا مطلقا …
انت كويس يا مراد مالك تعبان و لا إيه
كانت في صراع بداخلها أتهب لمساعدته أم تلتزم السكون تفاديا للكوارث المحتملة !!
و
لكن رده العڼيف صدمها كليا
و انتي مالك بيا. حد قال إنك الدادة بتاعتي. امشي من وشي يا إيمان !
و أستل مفتاح الشقة من جيبه و دسه أمام نظراتها المصډومة بالقفل فتح الباب و ولج ثم تأهب ليغلقه بوجهها لكنها دفعته بكفها و دخلت رغما عنه أغلقته من ورائها و وقفت قبالته عاقدة ذراعيها أمام صدرها
تنظر إليه شزرا بينما ينظر إليها بمزيج من السخط و الألم …
عايزة مني إيه يا إيمان .. سألها مراد بغلظة
أنا شبعان حوارات و مش حمل ضغط منك إنتي كمان. مش هايكون حلو لا ليا و لا ليكي و أنا بحذرك !!
قست ملامحها الآن و هي تقول بحدة
مانخليش دماغك دي تسافر بيك يا مراد.. أنا مش جاية أتمسح فيك. أبدا.. أنا جاية أفرح. و أشمت فيك
حدجها بنظرة تتأرجح بين الذهول و الڠضب فأومأت مؤكدة بتشف
أيوة.. جزاء ما عملت فيا و سيبتني. إتعمل فيك نفس الفصل.. و لسا يا مراد. و لا كنت مفكر إنها هاتعدي كده ده ربنا اسمه العدل !!
كان يصغي إليها و لا يزال غاضبا و بحركة أجفلتها فجأة رمى بطول ذراعه بقنينة المشروب فاصطدمت بالحائط و لطخته بسائل أحمر قان
إنتي جاية تحاسبيني على غلطة حصلت من 13 سنة .. إيه.. متخيلة إنها غلطتي بس إنتي كمان شريكتي في الغلط ده. إنتي سبتي لي نفسك برضاكي يا إيمان …
احتقن وجهها پالدم و هي ترفع يديها تصك أذنيها مغمغمة بصړاخ
اسكت.. اسكت !!!!
لم يستمع لها و أضاف بنظرات مسعورة تدعم لهجته الغليظة
ليه مارفضتيش ساعتها. ليه سبتي نفسك للنهاية. لآخر لحظة. المفاجأة إللي إنتي نفسك مش عايزة تعترفي بيها.. إنتي إللي كنتي عايزة كده. الراجل بيفهم لما واحدة بتنده له. و إنتي يا إيمان. إنتي كل شبر فيكي كان پيصرخ باسمي و أنا لبيت.. إنتي إللي ضعفتي مش أنا
تسرب النشيج من بين شفاهها و هي تنوح و تسيل دموعها الساخنة بغزارة
حرام عليك.. كفاية… أسكت !!
بقي صدره يعلو و يهبط و قد شعر بوخزة من الأدرنالين تندفع من معدته لبقية أعضاؤه فقال بلهاث و هو يتحرك صوب باب الشقة ليغلقه بالقفل
أنا هاثبت لك مرة تانية.. إن إللي حصل كان بارادتك. أنا هاثبت لك إنك مش الضحېة زي ما إنتي واهمة نفسك !
إتسعت عيناها هلعا في هذه اللحظة عندما فهمت قصده و قرأت نيته في عينيه.. و إذ سد منفذ الهرب أمامها
إنها هالكة لا محالة !!!!!
مستحيل يا ماما.. مش معقول عايزاني أتجوز إيمان عايزاني أتجوز مرات سيف أخويااا !
كاد حديث أمه أن يصيبه بالجنون لا زال غير واثق من أنها طلبت منه ذلك بالفعل.. حتى أكدت عليه
أيوة عايزاك تتجوز إيمان أرملة أخوك سيف.. و هاتتجوزها يا مالك
أراد أن يفتح فمه ليحتج لكنها قاطعته بصرامة
اسمعني و ماتقاطعنيش.. إيمان مش بس كانت مرات أخوك. دي كمان أم بينته. حتة منه. لمى.. و إيمان مش كبيرة. دي لسا شابة و صغيرة. مهما تقول عايشة لبنتها و مش بتفكر في الجواز مسيرها في يوم تميل. ما هي مش هتحارب طبيعة ربنا. و خصوصا مع زن أمها و أخوها. يرضيك بنت أخوك يربيها راجل غريب أنطق !
مالك بصلابة يا ماما دي افتراضات من دماغك. فات خمس سنين على مۏت سيف. لو إيمان كانت بتفكر في الجواز كانت عملتها من مدة. و انتي عارفة عدد الرجالة إللي اتقدمو لها و مراكزهم. لكنها رفضت !!!
مش في وجود مراد.. ابن خالتها !
هكذا ألقت بالكارت الرابح أمامه تنفست بعمق و هي تراه يقطب جبينه متسائلا و قد أثارت نخوته
مراد ابن خالتها مش فاهم يا ماما عايزة تقولي إيه !!
شرحت له ما كانت تفطن إليه منذ زمان
من سنين طويلة. كنت انت لسا صغير. و كانت خالة إيمان و جوزها و ابنهم إللي طول عمرهم عايشين برا مصر عاملين زيارة لبيت خالتك. قعدوا فترة في ضيافتها و إيمان كانت طالبة و مراهقة. إللي شوفته و حسيته إنها كانت متعلقة بابن خالتها.. و إللي أكد لي لما شوفتهم مرة مع بعض ماشيين في الشارع و بيديها وردة. كان شغل عيال وقتها. بس
أنا مش ضامنة الظروف دلوقتي !
طيب حتى لو فرضنا إللي بتقوليه.. هو فين سي مراد ده. أنا عمري ما سمعت عنه أصلا و مش فاكره خالص
و أنا بكلم أمينة أطمن عليها إنهاردة. قالت لي إن مراد ابن اختها رجع و أدهم مقعده في شقتنا إللي في البيت
احتقن وجهه و صاح منفعلا
نعم.. و إزاي يعمل حاجة

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *