سلمى فضلت واقفة مكانها، والصورة بتترعش في إيدها. «جدي الحقيقي؟» ياسين قرب منها. «إنتي متأكدة؟» هزت راسها. «أنا شفته وأنا صغيرة... بس كانوا بيقولولي إنه مات قبل ما أفتكر شكله.» أمها خرجت من الغرفة، وأول ما شافت الصورة، وشها اتغير. «مين اداكي دي؟» سلمى رفعت الصورة. «لقيناها قدام الباب.» أمها أخدت نفس طويل. «كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.» ياسين سألها: «إنتي عارفة إنه عايش؟» أم سلمى قعدت على الكرسي. «أيوه.» سلمى قربت منها. «ليه ما قولتيليش؟» «لأن أبوكي الحقيقي كان بيحاول يوصلك ليه من سنين.» «ومين كان بيمنعه؟» أمها بصت للصورة. «جدك نفسه.» سكت ياسين. «يعني إيه؟» «الراجل اللي في الصورة مش ضحية.» أم سلمى قالتها بصوت واطي. «هو اللي بنى الإمبراطورية كلها.» سلمى قالت: «بس أمي قالت إن فؤاد كان السبب.» «فؤاد كان مجرد أداة.» ياسين مسك الصورة. «مين كان بيحركه؟» أم سلمى رفعت عينيها. «أبوك الحقيقي.» سلمى اتجمدت. «سامح؟» «أيوه.» «بس سامح مات.» أمها هزت راسها. «سامح مات من سنين.» ثم أشارت للصورة. «لكن الراجل ده... مش أبوكي.» ياسين بص للصورة تاني. «أمال مين؟» أم سلمى قالت: «اسمه جابر الشناوي.» ياسين اتصدم. «جابر؟» «جدك.» سلمى قربت. «وليه كان مستخبي؟» أمها قالت: «لأن جابر كان عايز يملك كل حاجة. ولما سامح حاول يوقفه، جابر دمر حياته.» ياسين ضغط على الصورة. «يعني جدي هو اللي قت/ل أبويا؟» «لأ.» سكتت أم سلمى. «سامح مات بسبب خطة جابر، لكن الشخص اللي نفذها كان شخص قريب منه جدًا.» سلمى قالت: «فؤاد؟» «لأ.» «محمود؟» «لأ.» ياسين قال: «مين؟» أمها بصت له. «أنا.» سكت البيت كله. سلمى شهقت. «إنتي؟» أمها دمعت عينيها. «أنا اللي سلمت سامح لمحمود.» ياسين رجع خطوة. «ليه؟» «لأن جابر كان ماسكك.» «أنا؟» «أيوه. كنت طفل، وكان مهدد يق/تلك لو ما نفذتش أوامره.» ياسين بص للأرض. «يعني إنتي كنتي بتحاولي تنقذيني.» «أيوه.» «وسامح؟» «سامح عرف قبل موته إني مضطرة أعمل كده.» سكتت. «وقال لي كلمة واحدة.» «إيه؟» «أنقذي ياسين مهما حصل.» سلمى حضنت أمها. «ليه عيلتنا كلها كانت عايشة في كذب؟» أمها قالت: «لأن الحقيقة كانت أخطر من الكذب.» في اللحظة دي، سمعوا صوت عربية بتقف قدام البيت. ياسين قرب من الشباك. «في حد نازل.» رجل كبير في السن نزل من العربية. كان ماسك عصاية. وشعره أبيض. سلمى قربت من الشباك. «ده هو.» ياسين بص لها. «جابر؟» هزت راسها. «أيوه.» الباب خبط. مرة. واتنين. أم سلمى قالت: «ما تفتحوش.» لكن صوت الرجل جه من بره: «أنا مش جاي أؤذيكم.» ياسين رد: «أمال جاي ليه؟» «جاي أدي حفيدتي المفتاح رقم 2.» سلمى قربت من الباب. «إنت تعرفني؟» «أنا عارفك من أول يوم اتولدتي.» «ليه ما جيتش لي؟» «لأن وجودي كان هيق/تلك.» ياسين قال: «ولو كنت فعلًا خايف عليها، ليه ظهرت دلوقتي؟» سكت الرجل. ثم قال: «لأن اللي كان بيحميني مات.» ياسين فتح الباب بحذر. جابر كان واقف قدامهم. بص لسلمى. ولأول مرة، عينيه دمعت. «أمك شبه أمي.» سلمى قالت: «وأنا شبه مين؟» «شبه سامح.» ياسين سأله: «فين المفتاح؟» جابر أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه. «مش هديهولك إلا لو وعدتني بحاجة.» «إيه؟» «لما تعرف الحقيقة كاملة، ما تكررشي نفس أخطاء عيلتنا.» ياسين قال: «قول الحقيقة الأول.» جابر ناوله المفتاح. «المفتاح ده بيفتح خزنة في البنك.» سلمى قالت: «أي بنك؟» جابر ذكر اسم البنك. ياسين اتفاجئ. «ده البنك اللي كانت بتتعامل معاه شركة الدمنهوري.» جابر هز راسه. «جواه وثيقة واحدة.» «إيه هي؟» «الوثيقة اللي تثبت إن فؤاد ماكانش صاحب الشركة أصلًا.» سلمى قالت: «أمال مين؟» جابر بص لها. «أنتي.» سلمى سكتت. «الشركة من يوم تأسيسها كانت باسم أمك، وبعدها اتنقلت ليكي.» ياسين قال: «يبقى كل اللي حصل كان عشان ياخدوا ملكيتها.» «أيوه.» جابر بص لسلمى. «لكن الوثيقة دي مش أهم حاجة.» «إيه الأهم؟» «في نفس الخزنة تسجيل.» ياسين سأل: «تسجيل لمين؟» جابر قال: «لتسجيل أول اجتماع بين فؤاد ومحمود.» «وفيه إيه؟» «اعترافهم إنهم ماكانوش لوحدهم.» سلمى قالت: «مين كان معاهم؟» جابر بص لها. «الشخص اللي كان بيمول كل حاجة.» «مين؟» جابر سكت. ثم قال: «رجل اسمه عادل منصور.» ياسين عقد حاجبيه. «رجل أعمال؟» «أكبر من كده.» «إزاي؟» «هو الشخص اللي كان بيشتري الشركات بعد ما أصحابها يموتوا أو يختفوا.» سلمى قالت: «يعني كل اللي حصل كان جزء من شبكة؟» جابر هز راسه. «أيوه.» وفجأة... سمعوا صوت فرامل قوية قدام البيت. ثم زجاج اتكسر. جابر بص ناحية الشباك. «لقونا.» ياسين وقف. «مين؟» جابر رد: «رجالة عادل منصور.» سلمى مسكت المفتاح. «هنعمل إيه؟» جابر ابتسم للمرة الأولى. «هنروح البنك.» ياسين قال: «دلوقتي؟» «دلوقتي.» أم سلمى قالت: «بس البنك هيكون مراقب.» جابر رد: «عشان كده مش هنروح من الطريق المعتاد.» فتح بابًا صغيرًا خلف المكتبة. ظهر ممر سري. سلمى بصت له بدهشة. «الممر ده موجود من إمتى؟» جابر قال: «من وقت ما عيلتكم كانت بتبني القصور... كانت بتبني معاها طرق للهروب.» بدأوا يمشوا. وفي الخلف... كان رجال عادل يقتحمون البيت. وقبل ما يختفي جابر في الممر، وقف لحظة وقال: «سلمى.» «نعم؟» «لما نفتح الخزنة... ممكن تكتشفي إن الشخص اللي وثقتي فيه طول عمرك هو أصل كل المصايب.» سلمى بصت لياسين. «مين؟» جابر قال: «مش هقولك.» ثم أغلق الباب. وبعد دقائق، وصلوا لسيارة قديمة مخبأة تحت مبنى مهجور. ركبوا. ياسين شغل العربية. سلمى كانت ماسكة المفتاح بقوة. لكنها لاحظت حاجة. كان فيه رقم محفور عليه. «2.» وبجانبه... اسم واحد. «مريم.» سلمى همست: «مريم؟» أمها بصت للمفتاح. وشها شحب. «ده اسم... أختي.» ياسين ضغط على الفرامل. «أختك؟» أم سلمى قالت: «أختي اللي اختفت من تلاتين سنة.» جابر بص لهم من المقعد الخلفي. وقال: «هي ما اختفتش.» ثم أضاف: «هي كانت أول واحدة تدخل الشبكة.» سكت الجميع. وسلمى فهمت إن المفتاح رقم 2 مش هيفتح خزنة بس... ده هيفتح سر العيلة كله. حكايات شروق خالد وصلوا قدام البنك قبل الفجر بدقائق. جابر كان ساكت طول الطريق، وكأنه بيحسب كل خطوة. سلمى بصت له. «إنت متأكد إن الخزنة لسه موجودة؟» «الخزنة موجودة.» «والوثيقة؟» «لو محدش وصل لها قبلكم، أيوه.» ياسين نزل من العربية. «يبقى ندخل.» لكن جابر مسكه من دراعه. «استنى.» «في إيه؟» «لو لقيت مريم جوه... ما تثقش فيها.» أم سلمى بصت له بصدمة. «إنت متأكد إنها عايشة؟» جابر قال: «أنا متأكد إنها أخطر واحدة في العيلة.» دخلوا البنك من باب جانبي كان جابر يعرف مكان مفتاحه. وصلوا لقبو الخزائن. سلمى حطت المفتاح رقم 2 في قفل صغير. سمعوا صوت طقة. الباب اتفتح. في الداخل كانت خزنة واحدة. فتحتها. كان فيها ملف أسود، فلاشة، وصورة قديمة. سلمى أخذت الصورة. كانت لامرأتين صغيرتين. واحدة أمها. والثانية امرأة تشبهها تمامًا. على ظهر الصورة مكتوب: «مريم وسعاد... قبل أن تبدأ الحرب.» أم سلمى قربت. إيديها بدأت ترتعش. «دي أختي.» ياسين فتح الملف. أول ورقة كانت عقد ملكية. ثم شهادة تحويل أسهم. ثم صفحة أخيرة. قرأها بصوت منخفض: «المالك المستفيد الحقيقي: سلمى سعاد الشناوي.» سلمى حطت إيدها على فمها. «كل ده باسمي.» جابر قال: «أيوه.» ياسين أخذ الفلاشة. «ودي؟» «التسجيل.» قبل ما يشغلوها، سمعوا صوت باب القبو بيتقفل. ياسين لف بسرعة. «مين؟» صوت امرأة جاء من الظلام. «أنا.» ظهرت امرأة في الخمسينات. سلمى بصت لها. كانت نفس المرأة الموجودة في الصورة. أمها شهقت: «مريم!» المرأة ابتسمت. «وحشتيني يا سعاد.» جابر رفع س/لاحه. «ابعدي عنها.» مريم ضحكت. «لسه بتخاف عليا يا جابر؟» سلمى بصت لها. «إنتي كنتي فين كل السنين دي؟» «ببني إمبراطورية.» «إنتي اللي كنتي بتحركي فؤاد؟» «فؤاد كان مجرد موظف صغير.» ياسين قال: «ومحمود؟» «موظف تاني.» «وحسام؟» «واحد من رجالنا.» سلمى قالت: «ورامي؟» مريم ابتسمت. «رامي كان غلطة.» سلمى اتجمدت. «إيه؟» «أنا اللي خليته يختفي.» جابر قال: «كفاية يا مريم.» «إنت مالك؟» «أنا اللي كنت فاكر إنك هتتغيري.» مريم بصت له ببرود. «التغيير للضعفاء.» ثم نظرت إلى سلمى. «لكن إنتي... عندك حاجة أنا محتاجاها.» «إيه؟» «اسمك.» سلمى ما فهمتش. مريم قربت. «الورث الحقيقي مش الفلوس.» «أمال إيه؟» «السيطرة.» فتحت الفلاشة على جهاز موجود في القبو. ظهر تسجيل قديم. كان فيه رجال أعمال وسياسيين بيتكلموا عن شركات وأراضي وتحويلات. سلمى قالت: «إيه ده؟» مريم ردت: «السبب الحقيقي اللي خلى كل العائلات دي تخاف مننا.» ياسين بص للشاشة. «دي شبكة فساد.» «أكبر.» «يعني؟» «دي شبكة بتتحكم في ملكية شركات وأراضي ومشاريع من خلال شركات وهمية.» سلمى قالت: «وعايزة توقيعي؟» «أيوه.» «عشان أنقل الملكية؟» «بالضبط.» سلمى ضحكت. «إنتي فاكرة إني هعمل كده؟» مريم قالت: «لو رفضتي، أمك هتموت.» ساد الصمت. ياسين وقف قدام سلمى. «مش هتلمسها.» مريم ابتسمت. «إنت لسه فاكر إنك تقدر تحمي حد.» ثم ضغطت زرًا. ظهرت صورة أم سلمى على الشاشة. كانت في مكان مجهول. ومس/دس موجه لرأسها. سلمى صرخت: «ماما!» مريم قالت: «توقعي.» جابر همس لياسين: «ما تعملش اللي هي عايزاه.» ياسين رد: «إزاي ننقذها؟» جابر أشار إلى كاميرا صغيرة فوق الباب. «المكان متراقب من الشرطة.» مريم سمعت كلامه. «كاميرا؟» جابر ابتسم. «أيوه.» في اللحظة دي، انطفأت الأنوار. ثم دوى صوت إنذار. مريم حاولت تهرب. لكن الباب اتفتح بعنف. دخلت الشرطة. ومعهم سامح. سلمى شهقت. «سامح؟» ابتسم. «مش كل مرة لازم أختفي.» مريم حاولت ترفع س/لاحها. لكن سامح كان أسرع. أوقع الس/لاح من إيدها. الشرطة قبضت عليها. وبعد دقائق، ظهرت أم سلمى من باب جانبي. سلمى جريت عليها. حضنتها. «كنت خايفة عليكي.» أمها قالت: «أنا كويسة.» ياسين وقف قدام سامح. «إنت كنت عارف؟» سامح قال: «جابر اتصل بيا قبل ما نوصل.» «يعني كنت عايش كل الوقت ده؟» سامح ابتسم. «أنا ظهرت بعد ما عرفت إنك بقيت قادر تحمي نفسك.» ياسين قال: «كنت محتاجك.» سامح قرب منه. «عارف.» وحضنه. لأول مرة في حياته، ياسين حضن أبوه. لكن مريم، وهي مكبلة، بدأت تضحك. سلمى بصت لها. «بتضحكي على إيه؟» مريم قالت: «إنتي فاكرة إن القبض عليا نهاية الحكاية؟» الشرطة بدأت تسحبها. «الحكاية أكبر مني.» ياسين سأل: «أكبر إزاي؟» مريم بصت لسلمى. «لأن عادل منصور لسه حر.» سكتت لحظة. «وهو مش لوحده.» ثم اقتربت من سلمى وهمست: «اسألي أمك عن ليلة ميلادك.» سلمى بصت لأمها. «إيه اللي حصل ليلة ميلادي؟» أمها شحبت. سامح قال: «مش هنا.» لكن سلمى أصرت. «عايزة أعرف.» أمها دمعت. «في الليلة اللي اتولدتي فيها... اختفت طفلة تانية من المستشفى.» سلمى قالت: «طفلة؟» «أيوه.» «مين؟» أمها لم تستطع الكلام. سامح قال: «أختك.» سلمى اتجمدت. «أختي؟» «كان فيه توأم.» ياسين بص لها بصدمة. «إنتي كان ليكي أخت توأم؟» أمها هزت راسها. «أيوه.» سلمى همست: «فينها؟» مريم، وهي بتتبعد مع الشرطة، صرخت: «هي أقرب ليكم مما تتخيلوا!» سلمى بصت ناحية الباب. ومريم اختفت. ياسين قرب منها. «هنلاقيها.» سلمى قالت: «لو عايشة... لازم أعرف.» وفجأة رن موبايل سامح. رد. وجهه اتغير. «مين؟» سلمى سألته. سامح سكت. ثم قال: «اتصلوا من المستشفى.» «إيه اللي حصل؟» بص لسلمى. «لقوا بنت في العشرينات.» سلمى قربت منه. «ومين هي؟» سامح قال: «عملوا تحليل DNA.» سكت لحظة. «النتيجة بتقول إنها أختك التوأم.» سلمى دمعت. لكن سامح أكمل: «وفي حاجة أغرب.» «إيه؟» «البنت نفسها طلبت تشوفك.» سلمى مسحت دموعها. «نروح لها.» ياسين مسك إيدها. «نروح.» وفي الطريق للمستشفى، وصل لسلمى إشعار على موبايلها. رسالة من رقم مجهول: «لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، ما تثقيش في نتيجة الـDNA.» سلمى رفعت عينيها لياسين. «مين لسه بيلعب بينا؟» ياسين بص للطريق. «مش عارف.» ثم ظهر إشعار تاني. صورة للبنت الموجودة في المستشفى. وتحت الصورة: «دي مش أختك.» سلمى شعرت ببرودة في جسمها. ثم وصلت الرسالة الأخيرة: «دي البنت اللي سرقت حياتك من يوم ما اتولدتي.» حكايات شروق خالد