حكايات زهره الربيع ج الاخير

حكايات زهره الربيع ج الاخير

بعد العشا، مصطفى أخد أمه وقعدوا في الصالة يتفرجوا على مسرحية قديمة وبيضحكوا بصوت عالٍ. وأنا دخلت المطبخ بلم الأطباق وأنا طايرة من الفرحة.

بس وأنا بمسح الرخامة وبقفل درف الدولاب.. عينيا جت على الدرج الصغير اللي في الصالة، الدرج اللي طنط كانت بتطلع منه علبة الملح بالظهرية عشان تغرق بيها طبقها وتداري بيه وحدتها وتفتكر بيه الخناقة اليومية مع عم كمال الله يرحمه.

قربت من الدرج بالراحة الشديدة عشان محدش يحس بيا.. فتحته بشويش ومديت إيدي ورا الأوراق القديمة…

وفجأة! إيدي اتجمدت مكانها.. العلبة مكنتش لوحدها!

سحبت إيدي بالراحة وطلّعت اللي ورا الأوراق القديمة.

جنب علبة الملح الصغيره.. كان فيه أجندة قديمة جلدها متآكل ومقشر من الأطراف، مفصولة بشرائط ستان زرقاء باهتة، وتحتها صور أبيض وأسود ملفوفة بأستك أسود مقطوع ومربوط مرتين.

وقفت في مكان إيدي بترتع.. بصيت ناحية الصالة، لقيت مصطفى لسه قاعد مع أمه، بيضحكوا على المسرحية، وصوت الأغنية اللي شغالة في التلفزيون مغطي على حركة إيدي.

سحبت الأجندة والصور بشويش، ودخلت بيهُم أوضتي وقفلت الباب بالراحة.

قعدت على طرف السرير وفتحت الأجندة.. أول صفحة كان مكتوب فيها بخط إيد مائل وواضح:

*”مذكرات فرحتي وحزني.. كمال وسعاد.”*

قلبت الصفحات ببطء الشديد، ودموعي بدأت تنزل صفحة ورا صفحة.

الأجندة مكنتش مجرد خواطر.. دي كانت تاريخ حبايب عاشوا مع بعض 40 سنة!

طنط كانت كاتبة كل حاجة بالتفصيل الممل:

*”النهاردة كمال اتخانق معايا عشان حطيت ملح قليل في الطبيخ، قاللي يا سعاد الأكل عادم زي العيشة من غيرك، ضحكت وقلتله الضغط يا كمال! قاللي الملح هو اللي بيبيّن طعم اللقمة، طول ما الأكل فيه ملح، يبقى البيت فيه روح.”*

وفي صفحة ثانية مؤاريخة بعد وفاة عم كمال بسنة:

*”البيت فضي يا كمال.. مفيش حد يتخانق معايا على الملح، مفيش حد يزعل إن الأكل عادم. بقيت أحط الملح في الطبق عشان أفتكر صوتك وأنت بتزعقلي وتضحك، الملح هو الحاجة الوحيدة اللي بيفكرني إنك كنت هنا.”*

وفي صفحة حديثة جداً.. مكتوبة بخط إيد مرتعش ومكسور، بتاريخ من كام شهر بس، أول ما جُت عاشت معانا في التجمع:

*”مصطفى وولاء طيبين أوي معايا، بيعملولي كل حاجة، أكل في العلب وميكرويف وشقة نضيفة ومكيف.. بس البيت هادي أوي يا كمال. هادي لدرجة ترعب. بقيت أصحى الظهرية أسمع صوت الميكرويف بيصفر وأقعد أكل لوحدي. الشقة واسعة ومفيهاش دوشة السيدة زينب، مفيش بياعين في الشارع، مفيش جيران يبتسموا في وشي. ولاء بتعبها معايا وبتقف تطبخ طول الليل، وأنا مش عارفة أرد لها جميلها ولا عارفة أقولهم إن الهدوء ده بيموتني بالبطيء.. بقيت أحط الملح المألوف اللي كنت بتحبه، وبقول الأكل مالح عشان يتلموا حواليا بالليل، عشان مصطفى يرفع راسه من المطبخ ويسألني، عشان ولاء تقعد جنبي وتقوللي من بكرة هظبطه يا طنط.. الكلمة دي هي الحبل الوحيد اللي با فاضلي عشان أحس إن ليا وجود في البيت ده.”*

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *