حكايه ياسين ومريم
حكايه ياسين ومريم
قام ياسين، مسح وشه، وبص لمريم اللي كانت واقفة مربعة إيديها وبتبصله بنظرة كلها أسئلة واتهام. شاورلها براسه وراحوا قعدوا في كافتيريا المستشفى اللي كانت فاضية تماماً في الوقت ده.
طلب اتنين قهوة، وقعد قدامها. الصمت كان تقيل جداً لحد ما مريم قطعت السكوت ده وقالت بنبرة حادة بس فيها رعشة:
“أعتقد أنا من حقي أفهم.. إيه حكاية الصورة؟ وإزاي تعرفني؟ وإيه المسرحية اللي أنا دخلت فيها دي يا دكتور؟”
ياسين طلع محفظته بهدوء، وفتحها، وطلع منها صورة صغيرة.. صورة شخصية لمريم، أطرافها متنية شوية من كتر ما الزمن عدى عليها. حطها قدامها على الترابيزة وبدأ يتكلم وصوته مليان شجن:
”من خمس سنين بالظبط.. كنت دكتور امتياز لسة ببدأ طريقي. في يوم، دخلت العمليات مع دكتور كبير في حالة خطيرة جداً لطفلة صغيرة، ورغم كل محاولاتنا، الطفلة ماتت.. ماتت بين إيديا. يومها حسيت إن العالم كله اسود في وشي، حسيت إني فاشل، وإن الطب ده مش طريقي، وإني مش هقدر أتحمل وجع الناس.”
سكت ياسين لحظة وخد نفس عميق وكمل: “طلعت من المستشفى منهار، مشيت في المطر لحد ما قعدت على نفس الكافيه اللي كنتي قاعدة فيه النهاردة. كنت بعيط زي الأطفال، فجأة.. لقيت كوباية سحلب سخنة بتتحط قدامي، ومنديل، ونوت بوك صغيرة مكتوب فيها بخط إيد رقيق: (حتى الغيوم الضلمة بتخلص مطرها وتصفي.. متخليش لحظة يأس تسرق نورك). ولما رفعت عيني، لمحت بنت بتمشي بسرعة وتختفي في الزحمة.”
مريم فتحت عينيها بذهول، ورجعت بذاكرتها لخمس سنين ورا.. افتكرت اليوم ده! افتكرت الشاب اللي كان منهار، وافتكرت إنها سابتله النوت بوك بتاعها عشان تواسيه في صمت من غير ما تحرجه.
ياسين كمل وهو بيبصلها في عينيها: “الصورة دي كانت جوه النوت بوك، وقعت منك. من اليوم ده، الصورة دي بقت التعويذة بتاعتي. كل ما أقع، وكل ما أواجه حالة صعبة وأحس إني هستسلم، أبص لملامحك الهادية وأفتكر جملتك.. (متخليش لحظة يأس تسرق نورك). إنتي اللي خليتيني دكتور ياسين اللي الناس كلها بتشاور عليه النهاردة.”
مريم كانت بتسمع والدموع اتجمعت في عينيها. سألته بصوت مهزوز: “ولما إنت عارفني.. ليه مجيتش كلمتني؟ وليه خطبت (ليلى)؟ وإيه اللي حصل النهاردة؟”
ابتسم ياسين بوجع: “دورت عليكي كتير، ولما عرفت مكانك وعرفت إنك مهندسة ديكور، لاقيتك قافلة على نفسك باب حديد. مريم اللي بتخلص شغلها وتروح، اللي مبتهزرش، اللي رافضة تدخل أي حد حياتها. خفت أقرب ترفضيني وتعتبريني متطفل.. أهلي ضغطوا عليا عشان أخطب ليلى، بنت من مستوانا الاجتماعي، وافقت عشان أسكتهم وعشان أنساكي، بس كنت بضحك على نفسي. ليلى مقدرتش تستحمل غيابي في العمليات وشغلي، والنهاردة الصبح فسخت الخطوبة.. ولما جدتي تعبت وطلبت تشوف خطيبتي، عقلي الباطن وداني للكافيه بتاعك.. مكنتش صدفة يا مريم، أنا كنت باجي أقعد هناك كل يوم خميس من بعيد عشان بس ألمحك. ولما طلبت منك تمثلي إنك ليلى، كانت دي حجتي الوحيدة عشان أمسك إيدك وأدخلك حياتي.”