اخويا استني لما دفنا امى حكايات صابرين

اخويا استني لما دفنا امى حكايات صابرين

أستاذة سحر قفلت الملف براحة، وقالت بصوت هادي، لكنه كان حاسم بطريقة خلت حتى النفس بقى بيتحسب: “دلوقتي فهمنا ليه والدك احتفظ بالنسخة دي، وفهمنا ليه العقد ده متكملش.”

أحمد اتحرك خطوة لقدام بسرعة وقال: “بس العقد ما تمش… ما حصلش حاجة.”

بصتله أستاذة سحر من فوق نضارتها وقالت بهدوء: “وده في مصلحتك قبل أي حد، لأن العقد طالما ما اكتملش، يبقى إحنا بنتكلم عن محاولة انتهت قبل ما تتحول لتصرف قانوني كامل، أما لو كان اكتمل، كانت الأسئلة اللي هتتسألك بعدها هتبقى أصعب بكتير.”

الكلمة وقعت عليه كأنها حجر.

لأول مرة من ساعة ما دخل المكتب، معرفش يرد بسرعة.

معرفش يزعق.

ولا يعرف يقاطع.

فضل واقف ساكت، ووشه كله بقى باين عليه التعب، مش تعب السفر ولا العزا، لكن تعب واحد فاكر إن الماضي اتحرق، وفجأة لقى الماضي كله متشال في درج قديم مستنيه يتفتح.

مراته بصتله بذهول، وبعدين قالت بصوت كان مليان صدمة أكتر من الغضب: “إنت… إنت قلتلي إن عمك هو اللي كان عايز يكتبلك البيت بإرادته، وإن خالتي وافقت، وإن منى هي اللي كانت رافضة!”

رفع عينه فيها، لكنه ماعرفش يقول غير: “أنا…”

واتقطعت الكلمة.

لأن حتى الكذب كان محتاج شجاعة، والشجاعة سابته من أول ما شاف أصل الإقرار.

ابنه بصله وقال بصوت واطي: “بابا… الكلام ده حقيقي؟”

والبنت كانت واقفة جنب أمها، دموعها نازلة من غير صوت، وقالت: “إحنا طول عمرنا فاكرين إن عمتي ظلمتك… وإنها كانت مانعاك من بيت جدتي… كل ده كان مش الحقيقة؟”

الصمت اللي نزل على الأوضة وقتها كان أوحش من أي اعتراف.

أحمد فضل باصص في الأرض.

لا قال أيوه.

ولا قال لأ.

وساعات السكوت بيقول الحقيقة أعلى من أي كلام.

أنا بصيتله، والغريب إني ماحسيتش بأي شماتة، ولا فرحة، ولا حتى إحساس بالانتصار، لأن الإنسان لما يتوجع سنين طويلة، بيجي عليه وقت يكتشف إن الانتصار الحقيقي مش إنه يكسر اللي قدامه، لكن إنه أخيرًا يبطل يتكسر هو.

قلت بهدوء، وأنا ببصله في عينه لأول مرة من غير خوف ولا عتاب: “أنا عمري ما كنت عايزة أحرمك من حقك يا أحمد… ولا مرة فكرت آخد منك حاجة ربنا كتبها ليك، أنا كل اللي كنت عايزاه إنك متاخدش حقي أنا، حق السنين اللي عشتها بين المستشفيات، وحق الفلوس اللي خرجت من جيبي، وحق التعب اللي محدش شافه غير ربنا وأبوك وأمك.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *